التهميش التاريخي والممنهج لمجتمع المهمشين في اليمن

التهميش التاريخي والممنهج لمجتمع المهمشين في اليمن

مستوطنة المهندسين في المفرق حارب في محافظة مأرب في 31 مايو 2019 // الصورة: علي عويضة


عائشة الوراق

مقدمة

لم تعانِ فئة مجتمعية يمنية من آثار الحرب الحالية مثل المهمشين، وهم أدنى طبقة اجتماعية يمنية من حيث المكانة، وقد واجهت قرونا من التمييز والاستغلال والفقر. ويشار إلى المهمشين في اليمن باسم (الأخدام) كتمييز سلبي. لا توجد إحصائيات رسمية عن حجم هذه الفئة، لكن الأمم المتحدة أفادت أن هناك حوالي 3.5 مليون مهمش في اليمن.[1]

تاريخيا ومنذ ما قبل الصراع الجاري، حدّ التمييز الاجتماعي ضد المهمشين من وصولهم إلى التعليم والرعاية الصحية والإسكان والعمل المجدي. تعرض ورقة السياسات هذه كيف فاقمت الحرب الراهنة مشاكل هذه الفئة ورسخت فقرها الشديد، وكيف أدى التمييز ضد المهمشين إلى تقييد وصولهم إلى المساعدات الإنسانية وصعّب على أولئك الذين نزحوا بسبب القتال عملية الحصول على ملاذ آمن.

خلال أشهر أجرت المؤلفة مقابلات عدة مع مهمشين من جميع أنحاء اليمن حول تأثير الصراع عليهم. تعرض الورقة نتائج تلك المقابلات، بالإضافة إلى توصيات لمواجهة التحديات متعددة الأوجه التي تواجهها هذه الفئة.

 

الأصول الغامضة جوهرالتهميش المجتمعي

لا يُتفق على أصول المهمشين في اليمن، إذ يوجد اعتقاد شائع بأن المهمشين هم من نسل جنود الحبشة الذين احتلوا اليمن في القرن السادس،[2] ويعزو اعتقاد آخر أصولهم إلى السهل الساحلي على البحر الأحمر في اليمن،[3] في حين أن السيد نعمان الحذيفي، رئيس الاتحاد الوطني للمهمشين، الذي يقول أنه عمل على تتبع جذور المجتمع يعيد أصولهم إلى النجاحيين الذين تواجدوا في المنطقة الغربية من اليمن منذ القرن الحادي عشر ـــ وهذا يتسق مع رواية الأصول الحبشية لهم، كون النجاحيين قدموا كمقاتلين من الحبشة ـــ ووفقاً للحذيفي، فإن تهميش المجموعة يعود إلى ما بعد الإطاحة بدولة النجاحيين في القرن الثاني عشر.

في مجتمع تعتمد بنيته الاجتماعية جزئياً على النسب، تؤدي الأصول الغامضة للمهمشين وكونها من خارج الهياكل القبلية اليمنية المعروفة إلى تمييز قائم على النسب. في حين أن الهاشميين الذين يقال أنهم من سلالة النبي محمد هم على رأس التسلسل الهرمي الاجتماعي في اليمن في العديد من مناطق البلاد، فإن المهمشين – الذين يعاملون باعتبارهم مجهولي الأصول – يقعون في أدنى درجات التسلسل الطبقي بغض النظر عن مكان إقامتهم،[4] ويتعاضد هذا التمييز أيضاً مع تمييز آخر عنصري عرقي، حيث أن معظم المهمشين هم من أصحاب البشرة السمراء.

 

الخطوط العامة للاستغلال والتمييز ضد المهمشين

يتجلى اليوم التمييز ضد مهمشي اليمن بطرق متعددة، حيث تتداخل عوامل من العنصرية العرقية والنظام الطبقي، وتقطن أقلية المهمشين بشكل أساسي ضمن عشوائيات على أطراف المدن، غالباً دون كهرباء أو ماء نظيف أو ملاجئ آمنة. ووفقاً لدراسة أجرتها اليونيسف، أدى انخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس إلى نسبة إلمام بالقراءة والكتابة بمعدل 20٪ فقط بين البالغين منهم.[5] أما أطفال المهمشين فيواجهون عادة مضايقات وتنمر من قبل المعلمين والطلاب الآخرين في المدارس، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب، في حين أن بعض أولياء الأمور يسحبون أطفالهم من المدرسة للعمل.[6] ووفقاً لليونيسيف، فإن 9٪ فقط من المهمشين يسجلون أطفالهم عند الولادة، ما يجعل نقص شهادات الميلاد عقبة أمام الالتحاق بالمدارس.[7]

قال الحذيفي إنه تعرض لمضايقات أقل في المدرسة من غيره من أطفال المهمشين وذلك نسبياً بسبب مهاراته كلاعب كرة قدم ما جعله يحظى بمكانة في فريق المدرسة، ويعمل الحذيفي الآن في وزارة الأشغال العامة والطرق في تعز.

بشكل عام، يتم استبعاد المهمشين من وظائف القطاع العام، إلا في إدارات النفايات كعمال نظافة شوارع، حيث يعملون غالبا بنظام الأجور اليومية بدون عقود عمل. أما في الأعمال الخاصة فيتم عادة حصرهم في الأعمال ذات الأجور المتدنية والمنبوذة اجتماعياً، مثل تلميع الأحذية وغسيل السيارات وجمع المواد البلاستيكية والخردة.

توجد تجمعات كبيرة من المهمشين في محافظات الحديدة وتعز وإب ولحج والمحويت والمناطق الساحلية في حجة وحضرموت، ما يؤكد حضورهم في جميع المحافظات اليمنية، وذكر الحذيفي أن التمييز يعتبر أسوأ بشكل عام في المناطق الريفية، حيث غالباً ما يُمنع المهمشون من شراء الأراضي أو العقارات. ووسط نظام شبه إقطاعي، يضطر بعض المهمشين إلى العمل لصالح زعماء القبائل المحلية أو القرى، أو يزرعون الأراضي ويدفعون لملاكها من محاصيلهم.

لا يوجد قانون يمني محدد يميز ضد المهمشين، لكن التمييز الاجتماعي الممنهج يمنعهم من الوصول إلى سبل الانتصاف من الاستغلال، حيث أنهم يواجهون تعصباً ممنهجاً في النظام القضائي وداخل الحكومة المحلية والسلطات القبلية.[8]

 

المهمشون ومؤتمر الحوار الوطني

شارك كثير من مجتمع المهمشين في الانتفاضة اليمنية عام 2011، ورغم إجبار تلك الانتفاضة الرئيس علي عبد الله صالح في النهاية على التنحي، إلا أنها لم تفعل شيئاً يذكر للقضاء على التمييز ضد هذه الأقلية.

ذكر متظاهرون من المهمشين إنهم واجهوا العنصرية والتمييز داخل ساحة التغيير، وهي مكان التجمع الرئيسي للمشاركين في الانتفاضة بصنعاء،[9] وفي عام 2012، عُقد مؤتمر للمهمشين في صنعاء وهو الأول من نوعه على الإطلاق، لكن الحذيفي قال إن رؤية المهمشين لحل مشاكلهم تم تجاهلها لاحقا من قبل اللجنة الفنية لمؤتمر الحوار الوطني، الذي كان يهدف إلى قيادة الانتقال السياسي في اليمن بعد الثورة. أما الاتحاد الوطني للمهمشين الذي تأسس عام 2007 ويجمع 80 منظمة مجتمع مدني تعنى بالمهمشين، فقد نظم تجمعات في تعز وإب والبيضاء وعدن وأمام مقر إقامة الرئيس عبد ربه منصور هادي في صنعاء، مطالباً بمكان له في مؤتمر الحوار الوطني، بعد أن تم وعد المهمشين بالتمثيل العادل في اللجنة الفنية للمؤتمر، لكن في النهاية، لم يتحقق ذلك، حيث كان الحذيفي الممثل الوحيد للمهمشين في مؤتمر الحوار الذي ضم 565 عضواً.

على الرغم من ذلك، يقول الحذيفي إن قضية المهمشين أثارت الاهتمام والتعاطف في مؤتمر الحوار الوطني، حيث تضمنت مخرجات المؤتمر عدة توصيات لتعزيز وضع واندماج المهمشين في المجتمع اليمني،[10] وأوصى المؤتمر بضرورة سن التشريعات اللازمة لضمان الإدماج الكلي للمهمشين، وتمتعهم بجميع حقوقهم تبعاً للدستور اليمني، كما نادى المؤتمر بشكل محدد لتشريع يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية للمهمشين والفرص المتكافئة، ولتوفير دعم معنوي ومالي ولوجستي لتمكينهم من المشاركة في عملية التنمية. عنيت توصيات أخرى للمؤتمر بتطوير مشاركة المهمشين في الحياة العامة، مقترحة تخصيص حصة 10٪ (كوتا) لهم في وظائف القطاع العام ووصول متكافئ لمناصب القيادة وصناعة القرار.[11]

كانت الغاية من مخرجات المؤتمر هي تشكيل دستور اليمن الجديد. تم إعلان مسودة الدستور الجديدة في يناير/كانون الثاني 2015 التي تتضمن مواد تكرس الحد الأدنى لمشاركة المرأة والشباب، بنسبتي 30٪ 20٪ على التوالي، في حين أن أي نسبة لم يتم تكريسها للمهمشين،[12] فقد تضمنت مسودة الدستور مادة واحدة تدعو لإجراءات تشريعية وتنفيذية تهدف إلى “رفع أوضاع الفئات المستضعفة والمهمشة” لتعزيز مشاركتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولتعزيز اندماجهم في المجتمع. ويعزو الحذيفي فشل تضمين المهمشين ضمن مخرجات المؤتمر النهائية، وخاصة غياب الكوتا، إلى “معارضة من قبل جميع القوى الوطنية” ضد الحقوق القانونية المتفق عليها داخل المؤتمر.

 

آثار الحرب المفرطة على المهمشين

أدى احتدام النزاع المستمر منذ مارس/آذار ٢٠١٥ إلى زيادة الفقر والتشرد وانعدام الأمن الغذائي ضمن مجتمعات المهمشين، وعلى الرغم من أن الوكالات الإنسانية غالباً ما تعرض صور المهمشين في حملات جمع التبرعات والدعاية التي توثق الأزمة اليمنية، إلا أن المساعدات الإنسانية التي تصل لمجتمع المهمشين هي أقل اتساقاً بكثير من المجموعات الأخرى، وفي بعض المناطق تم إقصاء المهمشين من قوائم المساعدات.

أدى الانهيار الاقتصادي واسع النطاق وخسارة مصادر العيش الناجمين عن النزاع -بين جماعة الحوثيين المسلحة وداعمي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً- إلى خلق منافسة على الوظائف ذات الأجور المتدنية والتي كانت في السابق مخصصة للمهمشين.

قبل النزاع، تشكلت من المهمشين طواقم عاملي الصندوق الحكومي للنظافة والتحسين، وهو الجهاز المسؤول عن إدارة النفايات. بطبيعة الحال، كان جامعو القمامة من بين موظفي القطاع العام الذين فقدوا دخلهم بسبب النزاع، إلا أن وكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة الأخرى تدخلت لتمويل الصندوق، وخلق فرص كسب الرزق، لكن بعض المهمشين أخبر مركز صنعاء أنهم لم يستفيدوا من هذه الوظائف، التي حصل عليها النازحون وغيرهم من المحتاجين الجدد من خارج مجتمع المهمشين.

كان المهمشون عادة من بين أوائل المرحلين ضمن الصراع الحالي، مع اقتران النزوح بالتمييز، وتم تهجير مجموعات كبيرة من المهمشين بسبب الصراع في عدن، وتعز، والحديدة، لكنهم عانوا في الوصول إلى مخيمات النازحين داخلياً أو إلى الملاجئ في المؤسسات العامة مثل المدارس، وذلك بسبب العنصرية من قبل النازحين الآخرين،[13] وبسبب غياب الصلات القبلية، يفتقر المهمشون أيضاً إلى قرى أصيلة يفرون إليها.

بالمقابل، فإن عددا من المهمشين المهجرين الذين فروا من الخطوط الأمامية للنزاع كانوا مجبرين على سكن الأراضي الزراعية والحدائق والمساحات العامة، حيث يصعب الوصول إلى الخدمات العامة، كما تم إقصاؤهم من الجهود المبذولة لدعم النازحين داخلياَ القائم عليها المجتمعات المضيفة والسلطات المحلية، كما تم طردهم من الأراضي التي لجأوا إليها.[14]

على سبيل المثال، طلب مالكو أراضي زراعية من أسر مهمشين فروا من صعدة إلى عمران مغادرة أراضيهم،[15] إن تهجيرهم المستمر دفع بعض المهمشين إلى أطراف المدن وفي بعض الحالات إلى الخطوط الأمامية، ما يزيد من ضعفهم.[16]

انعكست كثير من مناحي النزاع الأخرى التي أثرت على اليمنيين داخل الدولة بشدة على المهمشين، وواجهت النساء والفتيات من المهمشين خطرا مستمرا من الاعتداءات على أساس النوع الاجتماعي أكثر من باقي النساء، حيث كانت نساء المهمشين أكثر تعرضاً للعنف الجنسي والتحرش من قبل المقاتلين، خاصة عند نقاط التفتيش.[17]

وفي حين كان وضع الرعاية الصحية في اليمن متردياً حتى قبل النزاع الحالي، زاد انهيار مؤسسات الدولة من صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية في أنحاء البلاد. وفي حال توافر الخدمات الصحية، يتم رفض معالجة المهمشين في أحيان بسبب التمييز، حيث أن المهمشين الذين واجهوا حالات الوفاة والإصابات بسبب الطرفين، الحوثيين والأطراف المناهضة لهم، تم رفض معالجتهم فور وصولهم إلى المرافق الصحية التي تمكنوا من الوصول إليها.[18]

 

مناطق مختلفة وقصص متشابهة: لمحات عن تجربة المهمشين في أنحاء اليمن

باجل، محافظة الحديدة

في منطقة باجل شمال شرق مدينة الحديدة، أخبر أحد عمال الإغاثة بمنظمة إنسانية دولية مركز صنعاء أنه نادراً ما كان المهمشون مدرجين ضمن قوائم المستفيدين، حيث يشرف هذا الشخص على مشروع المال مقابل العمل مع صندوق النظافة والتحسين الذي لا يشمل أي مستفيد من المهمشين، على الرغم من أن مجتمعهم عاطل عن العمل بشكل غير متكافئ ويفتقر إلى الوصول إلى الضروريات الأساسية في المنطقة، وأضاف أن افتقار المهمشين إلى السلطة الاجتماعية أو السياسية يعني أنهم يفتقرون إلى ممثلين للضغط على قادة المجتمع المحلي لإدماجهم.

في الوقت نفسه، قال أحد المشرفين على الصندوق في باجل إنه عوقب وكان على وشك أن يطرده مديره عندما ضم مهمشين إلى قائمة مستفيدين من مساعدات قدمتها منظمة دولية، مؤكدا أن مديره يتعرض لضغوط من قادة المجتمع ومسؤولي المديرية وسلطات الحوثيين المحلية، الذين يصرون على التمحيص في قائمة الأسماء المقترحة للمستفيدين.

وقال مهمش من حي الظلام في باجل عمل بشكل مؤمن مع الصندوق في باجل أنه حاول أن يدافع عن المزيد من الأشخاص من حيه، للحصول على عمل من خلال البرنامج، حيث يعيش في حي الظلام مهمشون، يقطن معظمهم في خيام دون صرف صحي أو ماء، وعندما طلب هذا العامل من أحد أعضاء اللجنة المحلية، الذي يحدد المستفيدين المحليين للمنظمات الإنسانية الدولية، ضم مهمشين من حي الظلام عاملين في مشروع التنظيف ومستفيدين من مشاريع المأوى والصرف الصحي، رفض عضو اللجنة وقال له “هؤلاء الناس هم مثل الأبقار”، وأضاف أنه في الوقت الذي يتلقى فيه بعض المهمشين بالمنطقة سلالا غذائية شهرية ومتقطعة، فإن المساعدات غير متناسقة وغالباً ما يتم تقاسم المهمشين الذين يحصلون على مساعدات حصصهم مع الأسر التي لم تتمكن من التسجيل.

أخبرت مدرسة في المحانية في منطقة باجل مركز صنعاء أن العديد من المهمشين قد فروا إلى المنطقة هرباً من الخطوط الأمامية، فانتقلوا إلى مجتمعات مهمشين متواجدة سابقاً، والتي كانت تفتقر إلى المرافق الصحية المناسبة، مما ساهم في زيادة انتشار حالات الكوليرا القاتلة.

مديرية قعطبة، محافظة الضالع

حسبما أخبر السكان المحليون مركز صنعاء، أنه في منطقة قعطبة شمالي غرب محافظة الضالع، والتي تعد حالياً موقعاً للاشتباكات العنيفة بين قوات من الحوثيين وأخرى مدعومة من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، تعيش أكثر من ألفي أسرة من المهمشين في ظروف محفوفة بالمخاطر تحت تهديد مستمر بالإخلاء من قبل ملاك الأراضي، وتعيش بعض العائلات في الملاجئ الحجرية المكونة من غرفة واحدة، بينما تعيش أسر أخرى في أكواخ من الصفيح دون حماية من أشعة الشمس في الصيف أو عزل من البرد في الشتاء، وقال المهمشون الذين يعيشون في قعطبة أنهم واجهوا عنصرية شديدة، حيث تم في مايو/ أيار 2017، طرد عشرات منهم بشكل قسري من قعطبة لأن رجلاً من قبيلة محلية كان يعتزم الزواج من امرأة من المهمشين بما ينتهك الأعراف الاجتماعية لقبيلته، ورداً على ذلك، قُتل الرجل على يد شقيقه وأحرق أفراد من قبيلته منازل 40 عائلة من المهمشين.

أخبر مهمش آخر من قعطبة مركز صنعاء أن المجتمع المحلي يستاء من توزيع المساعدات على المهمشين، وقال إن 283 أسرة فقط من المهمشين في قعطبة كانت تتلقى مساعدات إنسانية من برنامج الغذاء العالمي في أبريل/ نيسان، مشدداً على أن المجموعة لا تحتاج فقط إلى الغذاء، بل إلى الحماية من العنف وإلى المساعدة الصحية والتعليمية، والأهم من ذلك، توفير مأوى آمن، وأضاف “ليس لدينا حتى موطئ قدم لنستقر فيه، ونحن مهددون بالإخلاء بالقوة من قبل ملاك الأراضي في أي وقت”.

محافظة تعز

وقال عامل إغاثة محلي يدير توزيع المساعدات الغذائية في مديرية القاهرة لمركز صنعاء إن وضع المهمشين في تعز، التي تعتبر خط مواجهة نشط في الصراع، يختلف عن باقي المناطق، وقال إن المنظمات الدولية تضم المهمشين في قوائم المستفيدين في تعز، لكن هذا أثار بعض الاستياء، كما يشكو ممثلو اللجان المحلية والمنظمات المحلية من أن المهمشين هم المتلقون الأساسيون للمساعدة الإنسانية الدولية، في حين أن عامل الإغاثة قال: “لا أعرف ما إذا كان هذا هو الحال حقاً أم إن كان هذا من منظور عنصري”.

كما هو الحال في أجزاء أخرى من اليمن، فإن توزيع المساعدات غير منتظم ولا يمكن التنبؤ به في تعز، على حد قول أحد سكان منطقة العزاعز، كانت حوالي 300 أسرة من منازل المهمشين في المنطقة تتلقى مساعدات شهرية من منظمات مختلفة، ولكن في مايو/أيار 2019، لم تتلق 200 أسرة من هذه الأسر شيئاً لأن مشروع منظمة الإغاثة قد انتهى.

حي سعوان، مدينة صنعاء

في العاصمة اليمنية صنعاء، أخبر المهمشون في منطقة سعوان مركز صنعاء أن بعض الناس من المجتمع قد احتفظوا بوظائفهم كعمال نظافة في الشوارع، لكن الظروف أصبحت أكثر صعوبة خلال الحرب، فليس لديهم المعدات المناسبة لهذا العمل، لذلك فإنهم يجمعون القمامة بأيديهم دون قفازات، معرضين أنفسهم لمخاطر صحية، وقال أحد عمال نظافة الشوارع من المهمشين: “تتأثر صحتنا ونظافتنا الشخصية بذلك”، ويقدر المرتب الشهري لهذا العامل بـ 25 ألف ريال يمني (حوالي 45 دولار أمريكي)؛[19] حيث أنه لا يكفي لدفع مصاريف أسبوع واحد وسط انهيار العملة اليمنية بسبب الصراع وتضخم أسعار المواد الغذائية.

محافظة عدن

يعيش العديد من المهمشين في عدن في دار سعد، وهي منطقة تعاني من سوء الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر وشحة المياه، ورغم أن معظمهم من عمال النظافة في الشوارع، تعمل بعض النساء كخادمات في المنازل بينما يكسب الرجال أموالاً في أعمال متنوعة بدءاً من جمع قمامات البلاستيك، وبعضهم اضطر إلى القتال مع إحدى الميليشيات المحلية المختلفة.

يتلقى بعض المهمشين في عدن أيضاً مساعدات نقدية أو سلالا غذائية من برنامج الغذاء العالمي، وأخبرت ناشطة محلية مركز صنعاء أن دار سعد ليس لديها سوى طريق واحد لم يتم رصفه بالكامل؛ وأشارت إلى أن هذا كان غير اعتيادي بالنسبة إلى عدن، حيث يتم رصف معظم الطرق حتى في المناطق الفقيرة مثل حي البساتين، والتي يسكنها لاجئون صوماليون في الغالب.

التمييز ضد المهمشين عموماً في عدن أقل من أجزاء أخرى في شمال اليمن، لكنه لا يزال سائداً، ذكرت الناشطة المحلية أنها عملت على إنشاء أماكن صديقة للطفل في عدن وشارك أطفال المهمشين في هذه الأنشطة، ومع ذلك، قالت إن هذا تسبب في مشاكل مع الآباء الذين يرفضون السماح لأطفالهم باللعب مع أطفال المهمشين، وأوضحت أنه من الصعب إقناع هؤلاء الآباء بالسماح لأطفالهم بمعاملة أقرانهم المهمشين على قدم المساواة.

مدينة مأرب، محافظة مأرب

جذب المستوى المرتفع نسبياً من الأمن في مأرب مئات الآلاف من النازحين داخليا إلى المدينة منذ بدء الصراع. في عام 2017، أبرمت المحافظة صفقة مع الحكومة المعترف بها دولياً للحفاظ على ما يصل إلى 20٪ من إيرادات الموارد المستخرجة محلياً، وقد ساهم هذا في النمو الاقتصادي في اجتذاب النازحين ومن ضمنهم المهمشون.

أخبر سكان محليون مركز صنعاء أنهم لاحظوا عدداً متزايداً من نساء المهمشين يتسولن في المدينة، ويعمل المهمشون في مأرب غالبا في جمع القمامة والزراعة، ويعيشون في مجتمعات محلية مركزة في العديد من أحياء المدينة، وأفاد مهمشون نازحون أنهم تلقوا بعض المساعدات الإنسانية، بينما يقدم المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية مساعدات موجهة على نطاق واسع نحو المحتاجين، والتي يستفيد منها بعض المهمشين.

أدى النمو السكاني والاقتصادي السريع في مأرب إلى التوسع العمراني للمدينة؛ بالنسبة لبعض المهمشين، يعني هذا الأمر أن مساكنهم التي كانت في السابق في ضواحي المدينة أصبحت الآن في قلب المدينة، وقد أدى ذلك إلى تحسين وصولهم إلى الخدمات، بما في ذلك الكهرباء، وقد قاوم المهمشون محاولات السلطات المحلية لنقلهم من هذه المناطق، ورصفت السلطات المحلية طريق الأربعين في مدينة مأرب، لكنها أُجبرت على التوقف عند منطقة المهمشين في المنطقة، حيث رفض السكان المغادرة.

 

التطلع قدماً: توصيات لمعالجة التهميش الممنهج

التوصيات التالية لتحسين إدماج وتكامل المهمشين في اليمن هي نتيجة لنقاشات مع مجتمعات من المهمشين في جميع أنحاء البلاد.

  • يجب على السلطات اليمنية تبني نتائج مؤتمر الحوار الوطني المركزة على دمج وإدماج مجتمعات المهمشين.
    • من أهم هذه العناصر تحديد حصة لمشاركة المهمشين (كوتا) في جميع السلطات والهيئات الحكومية، ويمكن أن يكون التمثيل على مستويات صنع القرار خطوة أولى تحولية نحو المساواة وتحقيق الحقوق القانونية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية للمهمشين.
    • يمثل سن قوانين تجرم التمييز على أساس النسب أو العرق أولوية أيضاً في الدستور القادم.
  • يجب على الحكومة بعد انتهاء الصراع تنفيذ إستراتيجية وطنية شاملة لتحسين الوصول إلى التعليم والصحة والسكن والخدمات العامة لمجتمعات المهمشين، وينبغي أن توفر فرصاً للتدريب الفني والمهني لتحسين فرص العمل لهم.
  • يجب على الحكومة إدراج المهمشين ضمن المستفيدين من صندوق الرعاية الاجتماعية، وهذا من شأنه أن يسهم في تخفيف حدة الفقر المدقع في مجمع المهمشين.
  • يجب على الدول والمؤسسات المانحة والمنظمات الإنسانية أن تصر على إدراج المهمشين في البرامج التي تدعمها أو تنفذها في اليمن، ويجب عليهم أيضاً اتخاذ خطوات لضمان وصول برامج المساعدة الإنسانية والتنموية إلى مجتمعات المهمشين على سبيل المثال من خلال التعاون مع منظمات المجتمع المدني التي تمثل المهمشين.

عائشة الوراق هي باحثة ومنسقة برامج بمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

 

مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجة هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.


الهوامش

[1] “Report of the Special Rapporteur on Minority Issues,” United Nations Human Rights Council Thirty-First Session, January 28, 2016.

[2] Robert F. Worth, “Languishing at the Bottom of Yemen’s Ladder,” New York Times, February 27, 2008, https://www.nytimes.com/2008/02/27/world/middleeast/27yemen.html?partner=rssnyt&emc=rss&module=ArrowsNav&contentCollection=Middle%20East&action=keypress&region=FixedLeft&pgtype=article. Accessed June 4, 2019.

[3] Ibid

[4]   From Night to Darker Night: Addressing Discrimination and Inequality in Yemen.” Equal Rights Trust, June 2018. Accessed June 4, 2019.

[5]  UNICEF Situation Report – Muhammasheen mapping update,” UNICEF, January 2015, https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/UNICEF%20Yemen%20SitRep%20January%202015.pdf. Accessed June 4, 2019.

[6]  From Night to Darker Night: Addressing Discrimination and Inequality in Yemen.” Equal Rights Trust, June 2018, Accessed June 4, 2019.

[7] “UNICEF Situation Report – Muhammasheen mapping update,” UNICEF, January 2015,

[8]  Rania El Rajji, “’Even war discriminates’: Yemen’s minorities, exiled at home,” Minority Rights Group International, January 2016, https://minorityrights.org/wp-content/uploads/2016/01/MRG_Brief_Yemen_Jan16.pdf. Accessed June 4, 2019.

[9]  Tom Finn, “In revolt, Yemeni “untouchables” hope for path out of misery,” March 7, 2012, Reuters, https://www.reuters.com/article/uk-yemen-akhdam/in-revolt-yemeni-untouchables-hope-for-path-out-of-misery-idUSLNE82602Q20120307. Accessed June 4, 2019.

[10]  “Outcomes Document,” National Dialogue Conference, assembled by the Political Settlements Research Programme (University of Edinburgh) from non-official translations fo Working Group Outcomes.

[11]  “Annual report of the UNHCHR and reports of the Office of the High Commissioner and the Secretary-General,” UN Human Rights Council 27th session, August 27, 2014, https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/Yemen%20A%20HRC%2027%2044.pdf. Accessed June 4, 2019.

[12]“The 2015 Draft Yemeni Constitution,” January 15, 2015, Constitution Net, http://constitutionnet.org/sites/default/files/2017-07/2015%20-%20Draft%20constitution%20%28English%29.pdf. Accessed June 4, 2019.

[13] “2019 Humanitarian Needs Overview – Yemen,” UN OCHA, December 2018,https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/2019_Yemen_HNO_FINAL.pdf. Accessed June 4, 2019.

[14] Rania El Rajji, “’Even war discriminates’: Yemen’s minorities, exiled at home,” Minority Rights Group International, January 2016, https://minorityrights.org/wp-content/uploads/2016/01/MRG_Brief_Yemen_Jan16.pdf. Accessed June 4, 2019

[15] Ibid

[16] Ibid

[17] “From Night to Darker Night: Addressing Discrimination and Inequality in Yemen.” Equal Rights Trust, June 2018,  https://www.equalrightstrust.org/ertdocumentbank/Yemen_EN_online%20version.pdf. Accessed June 4, 2019.

[18] Ibid

[19] Based on the exchange rate in Sana’a on May 20, 2019

الأمم المتحدة واليمن: الحاجة إلى دبلوماسية موجهة بدقة

الأمم المتحدة واليمن: الحاجة إلى دبلوماسية موجهة بدقة

د. غريغوري جونسون

مقدمة

دخل النزاع في اليمن الآن عامه الخامس ولا نهاية تلوح في الأفق، ومثل معظم النزاعات التي تبدو غير قابلة للحل في العالم، انتهى المطاف باليمن إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والملاذ الأخير للمجتمع الدولي.

لقد استجابت الأمم المتحدة، التي تملك أدوات محدودة تحت تصرفها، لليمن بنفس الطريقة التي تستجيب بها للحروب الأكثر تعقيداً في العالم: مبعوث خاص وعقوبات. هذا هو نهج العصا والجزرة لحل النزاع، حيث يتنقل المبعوث الخاص ذهاباً وإياباً بين الأطراف المختلفة، ليعمل على إقناع كل طرف بالجلوس على طاولة المفاوضات، مع إبقاء الجانب الآخر من المعادلة حاضراً، أي التهديد بفرض عقوبات محددة الهدف، وهو ما فرضته الأمم المتحدة على خمسة أفراد في اليمن قبل سنوات.

المشكلة الوحيدة في مقاربة الأمم المتحدة هي أنها لا تجدي نفعاً، فاليمن يشهد حالياً عهد مبعوثه الخاص الثالث خلال الخمس سنوات الاخيرة، ولا يبدو أن مارتن غريفيث سيحقق أكثر من أي من سلفيه. أدى انقسام مجلس الأمن – غالباً بين الولايات المتحدة وروسيا، وأحياناً يحرّض حلفاء تقليديون ضد بعضهم البعض مثل الولايات المتحدة وبريطانيا – إلى عدم فرض أي عقوبات جديدة منذ عام 2015، أما العقوبات التي تم فرضها فقد أطلقت سلسلة من التبعات غير المقصودة صعّبت إمكانية إنهاء الحرب.

اليمن كارثة إنسانية وفوضى سياسية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن احتمال إعادة توحيد البلاد تقل فرصه رغم جهود الأمم المتحدة، لذا، يجب أن يكون مجلس الأمن صادقاً بشأن ما يمكن وما لا يمكن تحقيقه في اليمن، وذلك لا يتطلب النظر إلى أخطاء السنوات الخمس الماضية فقط، بل أيضاً البحث في الخيارات المتبقية لإحداث تقدم في اليمن. هذه الورقة تناقش كلا الأمرين.

 

المبعوث الخاص: حظوظ سيئة وخيارات رديئة

في 16 فبراير/ شباط 2018، قام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بتعيين مارتن غريفيث، وهو دبلوماسي بريطاني، مبعوثاً خاصاً له إلى اليمن. في البداية، كان المراقبون متفائلين بأن أي تغيير في المبعوثين قد يساعد على إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، بعد أن أنهى سلف غريفيث المباشر، الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، فترة ولايته كمفاوض لا يرغب أحد في مقابلته. في مايو/ أيار 2017، تعرض موكب أحمد لإطلاق نار أثناء زيارة إلى صنعاء، ومنعه الحوثيون في وقت لاحق من العودة إلى العاصمة بسبب زعمهم تحيزه وقد تم التلميح حينها في نيويورك إلى حقيقة أن غريفيث مواطن بريطاني، وأن بريطانيا هي أيضاً حامل قلم القرارات الخاصة بالملف اليمني في الأمم المتحدة، ما قد يساهم في تسريع سير العملية، لكن هذا لم يحدث.

فشلت المحاولة الأولى لغريفيث للجمع بين الأطراف المتحاربة، في سبتمبر/ أيلول 2018، عندما رفض الحوثيون مغادرة صنعاء، وكما هو متوقع، حمّل كل طرف الطرف الآخر اللوم على البداية الفاشلة، لكن المسؤولية النهائية تقع على عاتق غريفيث الذي فشل تقريباً في توقع مثل هذا السيناريو.

بعد بضعة أشهر، في ديسمبر/ كانون الأول 2018، نجح غريفيث في نقل الحوثيين على متن طائرة متجهة إلى السويد حيث التقوا بممثلي الحكومة اليمنية لإجراء محادثات. ووسط شعوره باليأس من إحراز أي تقدم وكنوع من الصفقة، أبرم غريفيث سلسلة من الاتفاقات الغامضة التي تضر أكثر مما تنفع. على وجه الخصوص، كان اتفاق الحديدة غامضاً لدرجة أن كلا الطرفين كان قادراً على تأويل النص حسبما أراد. وليس غريباً، بعد أكثر من خمسة أشهر من التوقيع، أن الاتفاقيات لم تنفذ بعد، إذ يبدو أن انسحاب الحوثيين الأحادي الجانب في مايو/ أيار 2019 أكثر من مجرد تكتيك للتأخير، فقد قام بعض الحوثيين بتسليم الميناء إلى حوثيين آخرين بزي مختلف.

جزء من مشكلة غريفيث وسلَفَيه أنهم كانوا يعملون إلى حد كبير انطلاقاً من نفس الإطار التفاوضي المَعيب: أي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216. تم الاتفاق أساساً على القرار في أبريل/ نيسان 2015، بالكاد بعد ثلاثة أسابيع من دخول التحالف العسكري الذي تقوده السعودية الحرب، حيث رفع القرار صافرة إنذار إزاء “تقدم الحوثيين نحو عدن” ودعاهم للانسحاب من صنعاء والتخلي عن جميع الأسلحة التي استولوا عليها.

في السنوات الأربع التي انقضت منذ القرار 2216، تغير الوضع على الأرض بشكل كبير. على الرغم من تحذير الأمم المتحدة، زحف الحوثيون إلى عدن، وتم طردهم بعد ذلك بأشهر، كما أن محادثات السلام بالكويت بدأت وانتهت دون تحقيق تقدم. أما الحوثيون فقد حولوا أنفسهم بحكم الواقع من ميليشيا قبلية إلى سلطة في شمال اليمن، ورغم كل هذه التغيرات، ظل القرار 2216 كما هو بالضبط.

من المهم إدراك ذلك لأن القرار 2216، الذي يطلب تنازلات من جانب واحد هو الحوثيون، بحيث يشعر التحالف العسكري الذي تقوده السعودية بأن له اليد العليا في النزاع عندما يتعلق الأمر بالأمم المتحدة والقانون الدولي، رغم أخطاء التحالف والهجمات الخاطئة. في الواقع، استولى الحوثيون على السلطة من خلال انقلاب ويعتبر القرار 2216 خارطة طريق لاستسلامهم.

بطبيعة الحال، يرى الحوثيون الأمور بشكل مختلف، فحسب وجهة نظرهم لديهم اليد العليا في هذه الحرب، حيث أنهم يسيطرون على الأرض، ولم يتمكن السعوديون والإماراتيون من اقتلاعهم، على الرغم من الغارات الجوية لسنوات، وكما قال وزير خارجية الحوثيين في ​​أواخر عام 2018: “نتوقع أن تكون هذه الحرب طويلة جداً. إنها حرب كسر عظام، إما أن يكسرونا أو نكسرهم“.

في الواقع، التحالف العسكري الذي تقوده السعودية ليس أقرب إلى النصر العسكري الآن مما كان عليه عندما أطلق عملية عاصفة الحزم في مارس/ آذار 2015، فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الشريكان الرئيسيان في التحالف، تواجهان الخيارات العسكرية ذاتها التي قامتا بها من أول وهلة. يمكن أن ينسحبوا بالكامل، وبالتالي يمثل ذلك إهداء النصر للحوثيين، أو بإمكانهم مضاعفة الجرعة وإطلاق هجوم بري يهدف إلى إخضاع الحوثيين، لكن ذلك سيكون دموياً للغاية ومن غير المرجح أن ينجح، أو يمكنهم ببساطة الاستمرار في شن الغارات الجوية والأمل في الحصول على نتيجة مختلف، وعلى الرغم أن الخيار الأخير غير مبهج ومن غير المرجح أن يؤدي إلى النجاح، إلا أنه يبقى أكثر جاذبية من الخيارين الآخرين للتحالف العسكري بقيادة السعودية.

هذا، في أبسط صوره، هو لغز اليمن: جانبان يرى كلاهما أنه في وضع أقوى. لم يستطع أي من المبعوثِين الخاصين الثلاثة حسم الأمر والتفاوض لإنهاء الحرب، كما أنه من غير المحتمل أن يتمكن أي مبعوث في المستقبل من تحقيق ما لم يفعله الآخرون لسبب بسيط، هو أن كل من التحالف العسكري بقيادة السعودية والحوثيين يرى الحرب في الوقت الحالي أكثر فائدة من السلام.

 

العقوبات: سيف عريض لا مشرط دقيق

فرضت الأمم المتحدة مجموعتين من العقوبات في اليمن. الأولى جاءت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 والثانية في أبريل/ نيسان 2015، وكل منها يحمل نفس الجزاء: تجميد الأصول وحظر السفر، ولكن بدلاً من حملة ضغط دبلوماسي واقتصادي مدروسة ومحددة بعناية، فقد ذهب مجلس الأمن إلى ضربة قاضية لم تصب هدفها.

تعمل العقوبات بطريقتين، من خلال الضغط الفعلي على شخص والتهديد بالضغط على آخر. في اليمن، بين عامي 2014 و 2015، كان الشخصان اللذان أراد مجلس الأمن تغيير سلوكهما هما الرئيس السابق علي عبد الله صالح وزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، لكن معايير إضافة شخص ما إلى قائمة العقوبات كانت مكتوبة بشكل واسع بحيث يمكن معاقبة أي شخص يحتمل أن “يهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن“، وقد أعطى هذا الأمر عدة خيارات لمجلس الأمن.

تبعاً لهذا السيناريو، تُفرض غالباً عقوبات على أشخاص ضمن دائرة صالح أو عبد الملك الحوثي، تنطبق عليهم معايير العقوبات، وهذا من شأنه أن يصب في نتيجتين. أولاً، سيكون بمثابة تحذير، مما يزيد الضغط على صالح وعبد الملك من خلال وضع أحد أتباعهم تحت العقوبات؛ ثانياً، سيمنح صالح وعبد الملك وقتاً لتغيير سلوكهما لتجنب فرض عقوبات عليهما. نظرياً، سوف يزداد الضغط بمرور الوقت، وتباعاً كلما فُرضت عقوبات جديدة على أحد من الأتباع ستقترب أكثر من صالح وعبدالملك الحوثي، لكن الأمم المتحدة لم تفعل أي شيء من هذا القبيل.

بدلاً من ذلك، في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، في إطار جولتها الأولى من العقوبات، ذهبت الأمم المتحدة مباشرة إلى رأس الهرم، معاقبة علي عبد الله صالح واثنين من كبار قادة الحوثيين. بعد خمسة أشهر، في أبريل/ نيسان 2015، عاقبت عبد الملك الحوثي وابن صالح الأكبر، أحمد. في غضون بضعة أشهر من بداية الحرب، فرضت الأمم المتحدة عقوبات على اثنين من صانعي القرار الرئيسيين الذين تحاول تغيير سلوكهم، وبمجرد لعب ورقة العقوبات على صالح وعبد الملك الحوثي، لم يعد بإمكان المجلس لعبها مرة أخرى، فبحلول أبريل/ نيسان 2015، فقدت الأمم المتحدة فعلياً خياراتها من العقوبات، وبدلاً من استخدام العقوبات كنقطة ضغط للتأثير في السلوك المستقبلي، استخدمتها كعقوبة على أفعال الماضي.

ومما زاد الطين بلة، أن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة في عامي 2014 و2015 كان لها عواقب غير مقصودة، غيرت بشكل كبير مسار الحرب. فعلى الرغم من أن تشابه سوية العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على كلا المجموعتين – حظر السفر وتجميد الأصول – لم يكن الحوثيون ودائرة علي عبد الله صالح على ذات السوية.

كان صالح رئيس اليمن، الذي بنى شبكة واسعة من الحلفاء ولديه أموال في حسابات مصرفية أجنبية. بالمقابل كان الحوثيون ميليشيا قبلية، وقادتهم إلى حد كبير لم يسافروا إلى الخارج، وكان لديهم القليل من الأصول الدولية التي يمكن وضع اليد عليها. بمعنى آخر، لن يكون لعقوبات الأمم المتحدة تأثير كبير على الحوثيين الثلاثة المدرجين في قائمة مجلس الأمن، لكن الأمر كان مختلفاً مع صالح، حيث كان حظر السفر مزعجاً، في حين أن تجميد الأصول غير ميزان القوى في اليمن.

لم يمتلك صالح أبداً 32 – 60 مليار دولار من الأصول التي قدرها فريق الخبراء المعني باليمن لعامي 2014 – 2015، لكنه كان لديه الملايين في العقارات الأجنبية وفي العديد من الشركات التي كان يسيطر عليها، غالباً من خلال أقارب موثوق بهم. لقد استخدم صالح هذه الأصول والمال للحفاظ على شبكته من المؤيدين حتى بعد استقالته من الرئاسة، وقبل فترة وجيزة من دخول العقوبات حيز التنفيذ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، كان صالح قادراً على تحويل بعض الأصول والأموال إلى أحد أبنائه، خالد، ولكن تم تجميد أجزاء كبيرة من موارده المالية وكان من الصعب الوصول إلى البقية.

في البداية لم يؤثر ذلك عليه، حيث كان لا يزال يملك أموال متداولة في صنعاء وبين عدد من أتباعه المخلصين. لكن مع مرور الوقت، بدأ تجميد الأصول يؤثر سلباً، فقد بُنيت شبكة صالح على نظام المكافآت، الذي كان من المستحيل الحفاظ عليه دون المال. وبحلول يوليو/ حزيران 2016، حتى أثناء توقيع صالح اتفاقاً مع الحوثيين لتشكيل المجلس السياسي الأعلى، استمرت شبكته في التقلص، وبعد أكثر من عام، في ديسمبر/ كانون الأول 2017 عندما انفصل صالح عن الحوثيين، اختفى كل شيء، فاستنجد صالح بالحلفاء القدامى والأصدقاء البعيدين للمساعدة في حرب الشوارع الدامية في صنعاء، لكن القليل منهم استجاب، وفي النهاية، تمت إحاطة صالح بقوات تفوقه عدداً، وقبض عليه وأعدم من قبل الحوثيين.

بطبيعة الحال، لم تكن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة هي السبب الوحيد لخسارة صالح معركته مع الحوثيين. فبعد أكثر من ثلاثة عقود في السلطة، ونحو ست سنوات خارجها، اغتر صالح بمكتسباته وبدا غير مدرك لبعض المخاطر التي كان يأخذها في كل مرة يتحدث فيها على هاتف محمول غير آمن. لقد فشل أيضاً في التخطيط بشكل مناسب لانتفاضة ضد الحوثيين، وكان من الممكن تجنب هذه الأخطاء بالمال، لكن بدونه لم يكن لدى صالح أي فرصة، فقد كان لعقوبات الأمم المتحدة تأثير غير متكافئ في اليمن: ما نجح بالكاد في إبطاء الحوثيين شل صالح، وفي ظل غياب صالح، لا يوجد الآن ثقل يواجه الحوثيين في صنعاء.

 

طريق للمضي قدماً

إذن، إذا كان المبعوث الخاص الجديد وفرض المزيد من العقوبات على الحوثيين لم يحدث فرقاً في اليمن، فما الذي قد يحدث فارقا؟

أولاً، يحتاج مجلس الأمن – المنقسم علي حاله – إلى تحديد أهدافه في اليمن. رغم غياب إمكانية اتفاق أعضاء المجلس الخمسة عشر على خريطة طريق لمستقبل اليمن بعد الحرب، بالإمكان أن يتفقوا على ضرورة توقف الحرب؛ ثانياً، يجب على مجلس الأمن أن يحدد آلية لتحقيق هدف إنهاء الحرب، فالقرارات الأممية شديدة اللهجة التي تعبر عن القلق، وتدعو إلى وقف إطلاق النار، وتتحسر على أعداد الضحايا المدنيين، تقع على آذان صماء على مدى السنوات الخمس الماضية، وسوف تستمر في ذلك على مدى السنوات الخمس المقبلة ما لم يتغير شيء في نهج مجلس الأمن تجاه اليمن.

يحتاج مجلس الأمن إلى إدراك الواقع على الأرض، ذلك أن الحوثيين، شئنا أم أبينا، هم جزء من اليمن ولا يمكن ببساطة محوهم من الوجود. في الوقت نفسه، وصل الحوثيون إلى السلطة من خلال انقلاب ولا يمكن الاعتراف بهم وسط غياب انتخابات حرة ونزيهة حقاً. بمعنى آخر، سيتعين على كل من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية والحوثيين تقديم تنازلات، وهو ما لم يكن أي من الطرفين على استعداد للقيام به خلال هذه الحرب.

هذا هو الموقع الذي يتمركز فيه مجلس الأمن لإحداث تغيير وسط غياب القيادة الدولية بشأن اليمن، وبدلاً من القرارات أحادية الجانب مثل القرار 2216 أو آخرها القرار 2451، الذي حاول توثيق المكاسب شبه الوهمية في اتفاق استكهولم، ينبغي على مجلس الأمن صياغة مشروع قرار جديد يقنن ثلاثة أشياء: ضبط مرحلي للأسلحة؛ ورفع العقوبات مع إبقائها على الطاولة ككرت؛ ومقايضة ميناء الحديدة بمطار صنعاء.

 

ضبط مرحلي للأسلحة

في حرب مثل الحرب في اليمن التي لا يثق فيها أي طرف بالآخر، فإن نزع السلاح أحادي الجانب ليس بداية نحو الحل. لن يلقي الحوثيون صواريخهم وأسلحتهم الثقيلة خشية ألا يتمكنوا من الوصول إليها مرة أخرى، ولكن ما يمكن أن ينجح هو فترة مرحلية من السيطرة على الأسلحة. وبموجب هذا الإطار، سيضمن المبعوث الخاص تعهداً من كل جانب، بحيث يوافق التحالف العسكري بقيادة السعودية على وقف جميع الضربات الجوية لمدة شهر واحد، ويوافق الحوثيون على وقف جميع الضربات الصاروخية عبر الحدود والحصار على تعز في ذات الفترة، ومن ضمن هذا الاتفاق، سيكون على الحوثيين أيضاً وضع صواريخهم وأسلحتهم الثقيلة تحت القفل والمفتاح، ويمكن أن يتمركز مراقبو الأمم المتحدة، الذين كانوا في الأصل جزءاً من بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاقية الحديدة، بالقرب من مستودعات الأسلحة هذه لضمان عدم وجود غارات جوية للتحالف بقيادة السعودية، وبذات الوقت، يحتفظ الحوثيون بمفتاح الوصول إلى مستودع الأسلحة، ما يطمئنهم أنهم في حال شعروا مجدداً بتهديد الضربات الجوية من التحالف، بإمكانهم استرجاع أسلحتهم بسهولة.

الفكرة هي أن كل جانب لا يتخلى عن شيء فحسب، بل يحصل أيضاً على شيء في المقابل. يتخلى السعوديون عن غاراتهم الجوية، التي لها فائدة محدودة بعد أربع سنوات، ويكسبون أمن حدودهم من الصواريخ الباليستية، ويتخلى الحوثيون عن قدرتهم على ضرب السعودية، والتي نادراً ما تؤدي إلى وقوع خسائر، ويكسبون في المقابل توقف الغارات الجوية السعودية.

 

رفع العقوبات

بمجرد أن يبدأ الحوثيون بوضع صواريخهم الباليستية وأسلحتهم الثقيلة تحت القفل والمفتاح، ينبغي على لجنة العقوبات التابعة للقرار 2140 التحرك لإزالة جميع العقوبات عن اليمنيين الخمسة المدرجين حالياً. بادئ ذي بدء، علي عبد الله صالح مات ولا حاجة إلى أن يكون على القائمة، وابنه أحمد، رهن الإقامة الجبرية في الإمارات العربية المتحدة ولم يعد يشكل تهديداً على السلام والأمن والاستقرار في اليمن.

بالنسبة للحوثيين، كما ذكرنا أعلاه، فإن العقوبات بصيغتها الحالية لا تؤثر على عبدالملك الحوثي أو نوابه الرئيسيين، وينبغي إزالتها كمكافأة للمشاركة في عملية ضبط الأسلحة المرحلي.

إذا توقف الحوثيون عن الامتثال، فسيكون مجلس الأمن في وضع يسمح له بإعادة فرض العقوبات. لكن هذه المرة، ينبغي لمجلس الأمن أن يتخذ مقاربة مدروسة بشكل أكبر، ابتداء من تركيز العقوبات على شخصيات الحوثيين الذين يسافرون بشكل متكرر إلى أماكن مثل لبنان وعُمان وإيران والاتحاد الأوروبي كوسيلة للضغط على الجماعة. سيحتاج مجلس الأمن إلى ممارسة بعض الصبر الاستراتيجي، فبعد سنوات من الأثر المحدود، سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يدرك عبد الملك الحوثي أن عقوبات الأمم المتحدة يمكن استخدامها ضده بفعالية.

 

مقايضة ميناء بميناء

أخيراً، بالتزامن مع الفترة الانتقالية للسيطرة على الأسلحة، يجب على المبعوث الخاص التفاوض على مقايضة بين الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية، بحيث يوافق الحوثيون على الانسحاب الكامل من الحديدة وفي المقابل يوافق التحالف على إعادة فتح مطار صنعاء الدولي. كما هو الحال في عملية ضبط الأسلحة المرحلي، فإن كل جانب سوف يتخلى عن شيء ما ولكنه سيحصل أيضاً على شيء آخر في المقابل.

سيضطر الحوثيون أخيراً إلى الانسحاب الكامل من الحديدة، وهو الأمر الذي كانوا يترددون في القيام به، حتى في أعقاب اتفاق ستوكهولم، الذي طلب بشكل أساسي من الحوثيين الانسحاب من أجل تجنب الضربات. من شأن عملية المقايضة بين الميناء والمطار أن تغير بنية المكاسب، ما يوفر للحوثيين انتصاراً محلياً، فمن شأن إعادة فتح مطار صنعاء أن يخطو خطوة واسعة نحو تخفيف الأزمة الإنسانية الكارثية في اليمن حيث يمكن أن يتم استقبال المساعدات مباشرة، بالإضافة إلى نقل المرضى الذين لا يستطيعون الوصول الى مطارات في عدن أو حضرموت للعلاج الطبي.

يمكن أن يقتنع التحالف العسكري الذي تقوده السعودية بالسماح بإعادة فتح مطار صنعاء الدولي كوسيلة لاستعادة سمعة التحالف الدولية في أعقاب العديد من الهجمات الفاشلة، ومقتل جمال خاشقجي الذي أشعل فتيل إطلاق قرار الكونجرس ضد مشاركة القوات الأمريكية في حرب اليمن، ومن شأن انسحاب الحوثيين من الحديدة أن يخفف من المخاوف الأمنية السعودية بشأن تهريب الصواريخ الباليستية الحوثية إلى اليمن عبر ذلك الميناء.

بالطبع، لا تكفي أي من هذه الخطوات الثلاث لإعادة السلام إلى اليمن مرة أخرى، لكن إذا تم اتخاذها سوية، سيُقطع شوط طويل نحو إنهاء الحرب. إنها خطوات صغيرة ولكنها قابلة للتنفيذ. وفي نهاية المطاف، وكما يقال، الدبلوماسية هي فن جعل الممكن حقيقة.

 


د. غريغوري جونسون هو زميل غير مقيم في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. قبل انضمامه إلى مركز صنعاء، عمل الدكتور جونسون في فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن في الأمم المتحدة في اليمن من 2016 إلى 2018.


تعبر الآراء الواردة في هذه الورقة عن وجهة نظر المؤلف فقط، ولا تعبر، بأي شكل من الأشكال، عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.

صيام موصول: ماذا يعني فشل اجتماعات عمّان بالنسبة لليمن

صيام موصول: ماذا يعني فشل اجتماعات عمّان بالنسبة لليمن

بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات التي عُقدت بوساطة الأمم المتحدة في عمّان بين ممثلين عن إدارتي البنك المركزي اليمني المنقسم في كل من عدن وصنعاء، لم يتوصل الوفدان إلى أي اتفاق يتجاوز التزامهما بالاجتماع مرة أخرى.
قبل وأثناء المحادثات التي بدأت في 14 مايو / أيار، عقد مركز صنعاء اجتماعات منتظمة مع كلا الوفدين، وكذلك مع اللاعبين اليمنيين والدوليين وآخرين، وقد بدا من هذه المناقشات أن اجتماعات عمّان كانت فرصة أخرى ضائعة، فقد كان السيناريو المثالي لنجاح تلك المحادثات هو أن يستلم مئات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية رواتب منتظمة لأول مرة منذ ثلاث سنوات، مما يساعد على توفير دخل للملايين من أفراد أسرهم وسط أسوأ أزمة إنسانية في العالم. كما كان من شأن التقدم الملموس في عمّان أن يساعد في دفع اتفاق ستوكهولم خطوة إلى الأمام؛ بدلاً من ذلك، قد يؤدي عدم إحراز أي تقدم الآن إلى شل جهود السلام التي تتوسط فيها الأمم المتحدة.

القاعدة في اليمن: الانسحاب الاستراتيجي

القاعدة في اليمن: الانسحاب الاستراتيجي

حسام ردمان


ملخص تنفيذي

عام 2015، أقام تنظيم القاعدة في جزيرة العرب سلطة أمر واقع في خامس أكبر مدن اليمن، حيث استولى على مساحات شاسعة من الأراضي شرقي البلاد وسيطر على نقاط تهريب استراتيجية على طول الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد، كما استغل الفرع المحلي للتنظيم العالمي المتشدد الفوضى الناجمة عن انتفاضة 2011 في اليمن، وتمرد جماعة الحوثيين (أنصار الله) اللاحق، ومن ثم دخول التحالف العسكري بقيادة السعودية في النزاع في مارس 2015، سواءً على مستوى السيطرة الإقليمية أو الموارد المالية أو الطاقة البشرية، ولم تكن القاعدة أقوى مما كانت عليه وقتذاك.

بعد ذلك التطور تراجعت مكاسب التنظيم تدريجيا، حيث بدأت عمليات مكافحة الإرهاب بقيادة الإمارات عام 2016، وبدعم أمريكي متصاعد باستخدام الطائرات الأمريكية بدون طيار في العمليات العسكرية المباشرة ضد القاعدة، مما أجبرها على القيام بانسحابات كبيرة بعد قطع كثير من خطوط تواصلها، والخسائر البشرية في صفوف قياداتها، وتمرد القادة المحليين عليها، وبدلاً من مواجهة القوة العسكرية المتفوقة لقوات مكافحة الإرهاب، انسحبت القاعدة عموماً من المناطق الخاضعة لها وتراجعت إلى ملاذات آمنة أكثر بعداً، مع التركيز على التحكم بحجم الأضرار والحد من تعرض كبار قادتها للغارات الجوية الموجهة.

رغم ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذا الوضع التراجعي ظاهرياً كمؤشر على التراجع المطلق للجماعة كلاعب فاعل في اليمن، فقد كان أسلوب عمل القاعدة تاريخياً، يعتمد على التراجع المحسوب والدوري وإعادة استجماع القوى قبل معاودة الظهور من جديد، فعلى عكس اللاعبين الآخرين في الحرب، لا تعكس السيطرة على الأراضي تماسك المجموعة، ورغم أن تزايد عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية والإماراتية أدى إلى تقليص نفوذ القاعدة، إلا أن الظروف السائدة التي سمحت لها بالازدهار لا زالت مواتية، إذ لا يزال النزاع المستمر في البلاد وما أنتجه من العنف، وانعدام الأمن، والانقسامات الاجتماعية، وانهيار الدولة، والأزمة الاقتصادية، والكارثة الإنسانية، عوامل تغذية لمصالح القاعدة وخلق مساحة لعملياتها.

أظهرت القاعدة أيضاً قدرتها على البقاء وتجاوز الخسائر المتكررة في صفوف قياداتها، في حين تخلق الحرب المستمرة في اليمن نبعاً طبيعياً للمواهب والخبرات التي يمكن للقاعدة استقطابها.

وفي نهاية المطاف، تظل الوسيلة التي يمكن بها إنهاء تهديد القاعدة في اليمن وخارجه، هي إنهاء النزاع عبر تسوية سياسية تعيد بناء الدولة والمؤسسات العامة، وتستعيد فاعلية قوات الأمن، وإلى أن يتحقق ذلك، فإن الانسحابات الاستراتيجية للتنظيم – كالانسحاب الحالي– ستتيح له عودة محتومة، ولن تفيد التدابير الحالية ضد القاعدة أكثر من احتوائها، بدلاً من القضاء عليها كتهديد.


جذور وتوسع القاعدة في اليمن

من أفغانستان إلى تمرد الحوثيين

يمكن إعادة جذور القاعدة في اليمن إلى أواخر ثمانينات القرن الماضي، حيث كان آلاف اليمنيين الذين قاتلوا مع (المجاهدين الأفغان) ضد الجيش السوفيتي إلى ديارهم، وقد أثبت هؤلاء المقاتلون المتمرسون فائدتهم لعلي عبد الله صالح، رئيس الجمهورية العربية اليمنية آنذاك (اليمن الشمالي)، حيث استخدمهم كجزء من حملته لتقويض الحكومة الماركسية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي). ثم بعد توحيد البلاد في عام 1990، واصل صالح الاستفادة بشكل سري من هؤلاء المقاتلين الجهاديين في صراعه ضد شركائه في الوحدة من القيادات الاشتراكي اليمني. التي كانت تعارض دمج شمال اليمن وجنوبه بذاك الشكل.

جلب تنظيم القاعدة في اليمن، اهتماماً واسعاً في الدوائر الغربية لمكافحة الإرهاب في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، حين نفذ هجوما على المدمرة البحرية الأمريكية (يو إس إس كول) في ميناء عدن وقتل 17 من عناصر الجيش الأمريكي وأصاب 39 آخرين، ويبدو أن الحملة المشتركة بين الولايات المتحدة والدولة اليمنية ضد تنظيم القاعدة في اليمن قد نجحت في القضاء على الكثير من قواه البشرية والتشغيلية حينها، ومع ذلك، قامت القاعدة عام 2006، بتنفيذ متقن لعملية هروب من سجن الأمن السياسي بصنعاء، سمحت بفرار 23 من أخطر عناصرها، كان من بين هؤلاء السكرتير السابق لأسامة بن لادن، ناصر الوحيشي، الذي سيصبح لاحقاً الزعيم المؤسس لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي نشأ رسمياً في يناير/ كانون الثاني 2009، بتوحيد فرعي التنظيم في اليمن والسعودية.

استؤنفت الهجمات على أهداف غربية بعد ذلك الهروب الكبير من السجن، بما في ذلك التفجير الانتحاري الذي وقع في مأرب عام 2007 وأسفر عن مقتل ثمانية سياح إسبان، والهجوم الذي وقع على السفارة الأمريكية بصنعاء عام 2008، ولكن الاستهداف الفاشل لرحلة خطوط نورث ويست الجوية رقم (253) عشية عيد ميلاد لعام 2009، هو الذي عزز الاهتمام بالقاعدة في أوساط المخابرات وأجهزة الأمن الغربية بوصفها أخطر فرع من فروع القاعدة، حُكم على المواطن النيجيري عمر فاروق عبد المطلب، بالسجن مدى الحياة بتهمة الشروع في تلك العملية، وقد اعترف للمحققين أن القاعدة دربته في اليمن وأمرته بمهاجمة أهداف أمريكية انتقاماً لقتل عناصرها في البلاد.

إن الاضطراب وانهيار الدولة الذي أعقب الانتفاضة اليمنية عام 2011، وبدء تمرد الحوثيين ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي، ثم دخول التحالف العسكري بقيادة السعودية في المعركة، أتاح لعناصر القاعدة فرصاً جديدة لتأكيد وجودهم؛ وعلى وجه الخصوص، بعد انقسام الجيش عام 2011 ومن خلال ارتداء عباءة الشعبوية وادعاء القتال لحماية المسلمين السنة ضد الحوثيين، المنتمين إلى الطائفة الزيدية التي هي فرع من الإسلام الشيعي، وتحت راية (أنصار الشريعة)، استولى مسلحو القاعدة على مساحات شاسعة من الأراضي والمدن الرئيسية في محافظتي أبين والبيضاء.

بلغت هذه التطورات ذروتها باستيلاء القاعدة على مدينة وميناء المكلا الاستراتيجي، عاصمة محافظة حضرموت، وخامس أكبر مدن اليمن، هنا، تمكنت القاعدة من تدعيم احتياطياتها المالية بزيادة قدرها 100 مليون دولار من فرع البنك المركزي في المدينة عام 2015، فيما كانت جباية الرسوم على البضائع والوقود الداخلة إلى الميناء تملأ محفظة التنظيم بما يقدر بحوالي مليوني دولار يومياً، وفي يناير/ كانون الثاني 2015، أثبتت القاعدة مرة أخرى قدرتها على ضرب أهداف خارج حدود اليمن، وذلك بالهجوم على مكاتب مجلة تشارلي إيبدو في باريس الذي أعلنت مسؤوليتها عنه.

استراتيجيات القاعدة المدينية والريفية، والاستجابات المحلية

في المناطق المدينية التي سيطرت عليها القاعدة – مثل المكلا بحضرموت، وزنجبار بأبين، وأجزاء من محافظة شبوة – سرعان ما أكدت الجماعة على وجودها وأنها السلطة الحاكمة المحلية، وشمل ذلك تفعيل القضاء الشرعي بدل القضاء الرسمي، والتحكم بالخدمات العامة الأساسية ومشاريع البنية التحتية الصغيرة.

وفي المناطق الريفية، لا سيما في محافظات البيضاء ومأرب وشبوة، حيث تتسم المجتمعات بطابع قبلي وتعمل بشكل شبه مستقل عن الدولة، لم تسعَ القاعدة إلى تطوير آليات الحكم، بل سعت إلى تكوين علاقات مع بنى السلطة المحلية والاندماج فيها، دون أن تتحول إلى مركز النفوذ أو السلطة المباشرة، ومن وسائل الاندماج القبلي زواج أعضاء تنظيم القاعدة من الأسر القبلية، كما حدث مع أسرة الذهب في محافظة البيضاء، وأيضا إنشاء العلاقات المالية – كالإتجار بالأسلحة وغيرها من أشكال التهريب – الذي جعل العلاقة مع القاعدة مربحة للزعماء القبليين، كما أن تعزيز القوة القتالية للقبائل ضد منافسيها منح مقاتلي القاعدة استقبالاً إيجابياً في المناطق القبلية، ونظراً لعزلتها عن الدولة والعالم الخارجي ككل، لم تكن الجماعات القبلية في المناطق الريفية تبالي عموماً بالمخاوف السياسية الأوسع، بل كانت تعمل على أساس مصالحها الذاتية المحلية والبراغماتية، ووفقا للأعراف القبلية العريقة.

بشكل عام كانت البراغماتية، وليست الأيديولوجيا، هي الاعتبار السائد لسكان المدن المحليين الذين دخلت القاعدة في أوساطهم، في هذا الصدد، ساعد التوسع المسلح للحوثيين بشكل كبير في منح القاعدة قبولاً في عدد من المناطق، في عدن، بمديرية المنصورة والشيخ عثمان ومدينة الشعب، على سبيل المثال، استطاع مقاتلو القاعدة إقامة علاقات محلية جيدة عبر لعب دور قيادي في طرد قوات الحوثيين منها عام 2015، وبفعل ذلك، لعبت القاعدة كثيراً على أوتار الطائفية، مدعيةً أنها حامية السكان السنة ورافعةً راية “مقاومة أبناء عدن” ضد الحوثيين.

ورداً على استيلاء قوات الحوثيين على عدن، كانت الدول الأعضاء في التحالف العربي قد سارعت إلى تقديم الأسلحة والأموال لجماعات “المقاومة الشعبية” التي نشأت لمقاومة غزو الحوثيين، وغالباً ما تم ذلك دون تدقيق كبير لمتلقّي الأسلحة والأموال، فاستفاد تنظيم القاعدة من هذا الدعم وأسلوب تقديمه، ومع ذلك، فبمجرد هزيمة قوات الحوثيين، كان القلق الشعبي من (الإرهابيين) يعود إلى الواجهة، حيث شعر معظم سكان المدينة بالتوجس من الأيديولوجيا المتطرفة التي يتبناها تنظيم القاعدة، لأنهم يدركون، بسبب ماضي التنظيم مع التفجيرات الانتحارية، أنه قد ينقلب ضدهم بعنف، وفي غضون أشهر، أطلقت الجماعات المسلحة المحلية المدعومة إماراتياً وقوات الأمن الحكومية اليمنية حملة لطرد تنظيم القاعدة من مدينة عدن تكلّلت بعد عدة مصادمات عنيفة بالنجاح.

في المكلا، التي لم تكن إحدى جبهات الحرب الراهنة، نجح الهجوم المدعوم إماراتياً عام 2016 في طرد القاعدة من المدينة خلال ثلاثة أيام فقط، حيث كانت القاعدة تفتقر إلى الدعم المحلي في هذه المنطقة الحضرية، ولم يكن سبب استيلاء القاعدة على المكلا في أبريل/ نيسان 2015 واحتفاظها بسيطرتها عليها لعام كامل يعزى لتقارب السكان مع عقيدة القاعدة، بل لعدم وجود بنى حكم وأمن فعالة، وبمجرد تأسيس وجوده، كان التنظيم يتجنب استعداء سكان المدينة بشكل مفرط، من خلال اتباع مقاربة استيعابية ومرنة نسبياً بفرض أيديولوجيته على المجتمع.

لقد ساعد الطابع السلمي للمدينة والمتأثر بالحركات الصوفية عموماً، في الحد من المقاومة العنيفة للقاعدة، وهو السلوك الذي عزّزه تحسين الخدمات العامة بشكل ملموس – بما في ذلك الوصول إلى المياه والكهرباء وخدمات الرعاية الصحية – خلال عهد القاعدة، ومع ذلك، عندما بدأت الإمارات في حشد وتدريب المجندين لقوات النخبة الحضرمية عام 2016، سرعان ما تجند فيها آلاف الشباب الباحثين عن رواتب وشكلوا القوة الطليعية التي دخلت وحررت المدينة من القاعدة في أبريل/ نيسان من ذلك العام، ويشير هذا إلى وجود معارضة شعبية للقاعدة كانت تنتظر تحول موازين القوى للتحرك، وقد جاء ذلك مع تدخل الإمارات.  

وعليه: ينبغي فهم العلاقات والمواقف مع/ تجاه القاعدة في اليمن كونها ديناميات معقدة تعتمد إلى حد كبير على اعتبارات براغماتية، وتشمل هذه الاعتبارات الأمن المحلي والظروف السياسية والاجتماعية، وتغير موازين القوى السائدة، مع ندرة الدعم الأيديولوجي الثابت للقاعدة الذي يعبر عنه القِلة.

 


الجهود الأجنبية لمكافحة الإرهاب في اليمن

قرابة عقدين من العمليات العسكرية الأمريكية

كان اليمن مسرحاً رئيسياً لعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية منذ العام 2000، وهي جهود مدفوعة أساساً بهجوم المدمرة (يو إس إس كول)، وتوجه السياسة الخارجية لواشنطن نحو “الحرب على الإرهاب” عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية في نيويورك وواشنطن العاصمة.

بهذا الصدد، كان يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 لحظة فاصلة، حيث شهد أول غارة أمريكية بطائرة بدون طيار في اليمن، وأول عملية قتل خارج نطاق القانون لمواطن أمريكي في تاريخ البلاد، ففي ذلك اليوم، أطلقت طائرة بدون طيار من طراز بريداتور تسيّرها وكالة الاستخبارات المركزية صاروخاً من طراز (هيلفاير)على سيارة في محافظة مأرب، ما أسفر عن مقتل ستة رجال؛ من بينهم قائد سالم الحارثي، اليمني الذي يشتبه في مساعدته في تخطيط الهجوم على المدمرة كول، والمواطن الأمريكي كمال درويش الذي اشتبهت السلطات الأمريكية في أنه مساعد الحارثي.

قدم الرئيس اليمني آنذاك صالح نفسه كشريك في الحرب الأمريكية على الإرهاب، ورحب بالتدريب والتمويل الأمريكيين لوحدات مكافحة الإرهاب اليمنية. ومع ذلك، أدى الارتياب الأمريكي المتزايد في المؤسسة الأمنية اليمنية إلى زيادة تركيز القوات الأمريكية على العمليات الأحادية الجانب، ومنذ عام 2004، أدى تمرد الحوثيين المتزايد في شمال اليمن إلى تحول انتباه الحكومة اليمنية بعيداً عن تنظيم القاعدة، وكشف أولويات صالح المتباينة أكثر فأكثر مع أولويات الولايات المتحدة، ومع ذلك، سجلت جهود مكافحة الإرهاب اليمنية المدعومة من الولايات المتحدة في هذه الفترة نجاحات ملحوظة، حيث تم سجن غالبية قادة القاعدة الكبار بحلول منتصف العقد الأول من القرن العشرين.

تولى الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما منصبه في يناير/ كانون الثاني 2009 ليقوم بدعم سياسة تمويل وتسليح وتدريب قوات الأمن الحكومية اليمنية والحد بشكل كبير من العمليات الأمريكية المباشرة، وقصرها على غارات الطائرات بدون طيار، لكن خلال ولاية أوباما الثانية، تعرضت سياساته لانتقادات متزايدة من جانب جماعات حقوق الإنسان والمحللين ووسائل الإعلام والكونغرس الأمريكي، كان ذلك جراء ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف المدنيين إثر الغارات الأمريكية الموجهة بدون طيار، وكذلك تعاظم الغضب المحلي الناتج عن هذه الخسائر وغياب آليات المحاسبة للجيش الأمريكي.

الجدير بالذكر أن حملة الطائرات بدون طيار اكتسبت غطاء من الشرعية مع صعود هادي إلى الرئاسة عام 2012، والذي عبر عن تأييده لهجمات الطائرات بدون طيار خلال زيارته لواشنطن، على الرغم من تصاعد الاستياء الشعبي في بلاده،  وكان الرئيس صالح قد رحب بعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن خلال فترة حكمه.

استمر دعم الولايات المتحدة الثابت لعمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الحكومة اليمنية حتى عام 2015، عندما انطلقت عملية عاصفة الحزم للتحالف العسكري بقيادة السعودية، دافعةً وزارة الخارجية الأمريكية لإعلان انسحاب قوات العمليات الخاصة المتبقية من البلاد، ورافق خروج تلك العناصر الأمريكيين زيادة في استخدام الطائرات بدون طيار ضد أهداف القاعدة، كما دعمت الولايات المتحدة التشكيلات الأمنية المحلية المنشأة حديثاً على يد الإمارات، والتي نجحت بطرد القاعدة من معاقلها في جنوب اليمن.

مع تنصيب دونالد ترامب رئيساً في يناير/ كانون الثاني 2017 حدث تكثيف ملحوظ لعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن، وكان تقليص الرقابة الرئاسية على الأعمال العسكرية الأمريكية في اليمن، وإعلان أجزاء من البلاد – ولا سيما في محافظات أبين والبيضاء وشبوة – مناطق “عمليات عدائية نشطة” من الإجراءات الأولى التي اتخذها الرئيس الجديد، فقلل ذلك من المتطلبات القانونية للجيش الأمريكي لشن عملياته هناك، لتتراجع من اشتراط “شبه يقين” بعدم وقوع أي خسائر مدنية، إلى السماح بمثل هذه الخسارات “ما دامت ضرورية ومتناسبة مع أهداف عسكرية مشروعة”، بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز.

بعد ذلك، ارتفعت العمليات العسكرية الأمريكية ضد القاعدة، حيث تضاعف عدد الغارات الجوية المعلن عنها أكثر من أربع مرات (من 32 غارة في 2016، إلى 131 غارة عام 2017)، في حين كانت القوات الخاصة الأمريكية تنفذ أيضاً غارات برية مختلفة، وأكثر هذه الغارات البرية شهرة حدثت بعد فترة وجيزة من تقلّد ترامب منصبه، عندما شنّت البحرية الأمريكية هجوماً على مخبأ مشتبه به للقاعدة في قرية يكلا بمحافظة البيضاء. تجاوز عدد قتلى هذه الغارة 17 مدنياً – بما في ذلك 10 أطفال – و14 عنصراً من عناصر القاعدة وعنصراً من البحرية الأمريكية، إضافة لتحطم مروحية عسكرية أمريكية، وفقاً لتقارير في الجيش والإعلام الأمريكي.

أما خلال العام 2017، فقامت القوات الخاصة الأمريكية بدعم وتوفير معلومات استخبارية للعمليات المحلية المدعومة إماراتياً لإخراج القاعدة من مختلف المناطق، بما في ذلك حملة نفذت في مايو/ أيار من ذلك العام، لطرد القاعدة من أجزاء من وادي حضرموت، وفي وقت لاحق من منطقة عزان بمحافظة شبوة المجاورة.

انخفضت عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن عام 2018 بشكل ملحوظ، حيث أقر الجيش الأمريكي بوقوع 36 غارة جوية فقط، لم يحدث أي منها خلال الربع الأخير من العام، وليس واضحاً ما إذا كان ذلك مؤشر على تغيير في السياسات، أم على افتقار الجيش الأمريكي إلى أهداف محددة يشن غارات ضدها (لمزيد من التفاصيل، يرجى الاطلاع على المنشور الأخير لمركز صنعاء “ترامب ومكافحة الإرهاب في اليمن: العامان الأولان“).

 

جهود الإمارات لمكافحة الإرهاب في اليمن منذ العام 2016

كما ذكر أعلاه، دعمت الولايات المتحدة جهود الإمارات لتجنيد وتدريب واستبقاء قوات محلية تابعة لها في اليمن، مثل قوات الحزام الأمني في عدن وأبين ولحج و”قوات النخبة” في حضرموت وشبوة والمهرة، وخاضت هذه القوات – إلى جانب وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لجهاز الأمن في عدن – اشتباكات عسكرية مباشرة مع القاعدة، وسعت إلى منع عودة ظهور التنظيم في المناطق التي تم إخراجه منها، كما قدمت دعماً لجمع المعلومات الاستخباراتية للتحالف الدولي والحلفاء الإقليميين، ووفرت وظائف ومنافذ للشبان العاطلين عن العمل، وهم الديموغرافيا الرئيسية التي تستقطب القاعدة مجنديها منها.

سعت الإمارات إلى تحصيل موافقة القبائل على هذا الترتيب الأمني ​​الجديد، ومساعدة المقاتلين المحليين في إخراج القاعدة من مختلف المناطق، من خلال إعادة بناء البنية التحتية للقادة المحليين، وكان تحرير عدد من المدن والمناطق الجنوبية إنجازاً يمنياً إماراتياً مشتركاً.

في فبراير/ شباط 2017، شنت القوات اليمنية المدعومة إماراتياً عمليتين ضد القاعدة في المناطق الواقعة غرب المكلا، والمناطق الجنوبية من محافظة شبوة وأجزاء من أبين. وأعقب ذلك حملات في مديرية دوعن في عمق حضرموت في شهر مايو/ أيار، ومديرية عزان في محافظة شبوة في شهر أغسطس/ آب، ومديرية المحفد، آخر معقل للقاعدة في محافظة أبين، في نوفمبر/ تشرين الثاني، وكانت استعادة المدن الرئيسية في شبوة بحلول أغسطس/ آب 2017، وسيطرة القوات التابعة للحكومة على جميع مناطق المحافظة تتم لأول مرة منذ سنوات.

استمرت القوات المحلية المدعومة إماراتياً في تنفيذ حملات مكافحة الإرهاب خلال عام 2018، واستهدفت جيوب القاعدة في أبين وشبوة وحضرموت، وعلى وجه الخصوص، في مديرية مودية بمحافظة أبين، حيث أطلقت قوات الحزام الأمني ​​المدعومة إماراتياً عملية “الانتقام الساحق” في ديسمبر/ كانون الأول 2018، فيما كانت قوات النخبة المدعومة إماراتياً تنفذ عمليات ضد القاعدة في مديرية الصعيد بشبوة، ومناطق غربي حضرموت.

 

ما يعنيه ذلك بالنسبة للقاعدة

  • خسائر هامة بين القيادات

أدت حملة الاغتيالات الأمريكية – وبدرجة أقل الإماراتية – إلى مقتل عدد كبير من الشخصيات القيادية في القاعدة خلال السنوات الأخيرة، وعلى سبيل المثال، قضت غارات الطائرات الأمريكية بدون طيار على جزء كبير من الإدارة التنظيمية للقاعدة عام 2015، مما أسفر عن مقتل زعيم القاعدة ناصر الوحيشي، والزعيم الديني إبراهيم الربيش، والخبير الاستراتيجي ونائب القائد العام ناصر بن علي العنسي، والمسؤول الديني البارز حارث بن غازي النظاري، وأدى مقتل الوحيشي إلى تولي قاسم الريمي زمام قيادة التنظيم.

تسببت زيادة الغارات الجوية والعمليات الأمريكية عام 2017، بموجة من الخسائر في القيادات على المستوى المنخفض إلى المتوسط بالنسبة للقاعدة، وبدأت تلك الخسائر في يناير/ كانون الثاني، مع غارة البحرية الأمريكية على قرية يكلا التي قتلت – إلى جانب 13 عنصراً – الأمير المحلي للقاعدة عبد الرؤوف الذهب، وفي يونيو/ حزيران، قتلت طائرات أمريكية بدون طيار أبو خطاب العولقي، الأمير المحلي في شبوة، وقد تزامن ذلك مع غارة جوية استهدفت قادة آخرين في القاعدة، وفي أكتوبر / تشرين الأول، قتلت غارة جوية أبو عبيدة اللودري، أمير القاعدة في أبين، وبعد شهر من ذلك، قُتل مجاهد العدني، الأمير الجديد في شبوة، وأبو الليث الصنعاني، القيادي البارز في تنظيم القاعدة بالبيضاء.

في نفس السياق، أفادت القيادة المركزية للجيش الأمريكي في يناير / كانون الثاني 2018 عن عدد من الغارات الناجحة ضد شخصيات القاعدة في ديسمبر / كانون الأول 2017: مقداد السيستاني، ميسر العمليات الخارجية، في غارة جوية على محافظة البيضاء؛ مسؤول تسهيل حركة الأسلحة حبيب الصنعاني، عضو اللجنة الدعوية أبو عمر الصنعاني، في غارة على مأرب؛ والأمير المحلي في شبوة مجاهد العدني؛ والمسؤول الإعلامي أبو هاجر المالكي، وهو مواطن سعودي، في مأرب.

في أغسطس/ آب 2018 أعلن مسؤولون أمريكيون مقتل إبراهيم العسيري، خبير المتفجرات في القاعدة، بغارة أمريكية بطائرة بدون طيار العام الماضي، كما قُتل القائد الميداني البارز سامح المارمي بغارة جوية في سبتمبر/ أيلول 2018، وفي يناير/ كانون الثاني 2019، قُتل جمال البدوي، أحد كبار العناصر المعتقد وقوفهم وراء هجوم المدمرة الأمريكية (يو إس إس كول)، على الرغم من الدلائل التي تشير إلى توقف البدوي منذ فترة طويلة عن النشاط في صفوف القاعدة.

رداً على ذلك، يبدو أن أولوية قيادة القاعدة الآن هي الأمان ومنع تسرب المعلومات الاستخباراتية وتجنب الاغتيالات، شمل ذلك إنهاء الخلايا المحلية لمعظم عمليات التنسيق فيما بينها، وكذلك مع أطراف القيادة العليا التي تقوم بتخطيط وتنفيذ العمليات، في حين تختبئ شخصيات قيادية بارزة في التنظيم – خاصة الريمي وخالد بن عمر باطرفي، القائد العسكري والمتحدث باسم القاعدة – مع انخفاض ملحوظ في الإصدارات الإعلامية للتنظيم خلال عامي 2017 و2018، وعدم ورود أي تقارير عن اجتماعات القيادة، إلا أن تنظيم القاعدة اليمني ومنفذه الإعلامي مؤسسة الملاحم للإنتاج الإعلامي زاد من تواتر إصداراته منذ مطلع 2019 حتى الآن، وقد شمل ذلك: تبني هجمات ضد قوات الحزام الأمني ​​في أبين، وقوات النخبة الشبوانية، وما يسمى الدولة الإسلامية (داعش) في البيضاء، والدعوة إلى تغيير النظام في الإمارات بمناسبة زيارة البابا إلى أبو ظبي في فبراير/ شباط، وإطلاق الحلقة الثانية من سلسلة “هدم الجاسوسية”، ودعوة الأنصار لإرسال أسئلة لمقابلة مفتوحة مع المسؤول الأمني في تنظيم القاعدة.

  • فقدان الأوتاد المحلية مع تواصل اكتساب المجندين

منذ بدء هجوم مكافحة الإرهاب الذي تدعمه الإمارات عام 2016، تشهد القاعدة معارضة شعبية وقبلية متزايدة تجاهها، سواء من جانب حلفاء الجماعة – وهم أقلية صغيرة – أو من أولئك الذين كانوا غير مبالين أو محايدين تجاهها في السابق، وكما ذُكر أعلاه، سعت الإمارات بانتظام إلى نيل موافقة القبائل والمجتمع في حملاتها، مما تسبب في فقدان القاعدة الحاضن المحلي ومهّد الطريق أمام الحملات العسكرية ضدها، وأحدث الأدلة على خسارة القاعدة نفوذها المحلي تمثل في اجتماع تشاوري لشخصيات قبلية في محافظة أبين بداية فبراير/ شباط 2019، وكان من بنود البيان الختامي للاجتماع إعلان القبائل احتفاظها بسياسة “الباب المفتوح” لأي من الأحزاب والأفراد الذين يتخلون عن دعمهم للقاعدة ويثبتون استعدادهم للمشاركة في “حماية” الدولة اليمنية.

جنوبي محافظة شبوة، بدا أن العديد من القبائل قد بدأت تتماشى مع قوات النخبة الشبوانية المدعومة إماراتياً، في حين ما تزال القبائل الأخرى في شمالي المحافظة موالية للقاعدة، حيث تعزز الاشتباكات التي وقعت هذا العام بين قوات النخبة الشبوانية والميليشيات القبلية في شمال شبوة الملاحظة التي تفيد بأنه حيثما تمكنت الإمارات – وبدرجة أقل القوات الموالية للحكومة اليمنية – من بناء قاعدة شعبية من خلال التحالفات القبلية، تقلصت مساحة عمليات القاعدة، ويبدو العكس صحيحاً أيضاً: إذ حافظت القاعدة على تحالفاتها حيثما أثبت التدخل العسكري المباشر ضعف فعاليته.

وبالرغم من تغير المزاج الشعبي تجاه التنظيم في مناطق مختلفة ، فقد قدرت الأمم المتحدة  في يوليو / تموز 2018، أن لدى القاعدة ما بين 6000 و7000 مقاتل، وأنها تواصل كسب المجندين وتدريب القادة المحليين والبحث عن مصادر تمويل جديدة.

  • تراجع مستمر نحو الملاذات الآمنة

منذ عام 2015، لم يشن تنظيم القاعدة أي هجمات ضد أهداف غربية خارج حدود اليمن. وفي اليمن، أدى خروج القاعدة من عدن عام 2015، ومن المكلا عام 2016، إلى تسارع خسائره الوطنية داخل البلاد على مدار السنوات الثلاث التي تلت، ورد مقاتلو القاعدة على هذه الهجمات بالتراجع إلى الملاذات الآمنة في المحافظات الجنوبية، مع الحفاظ على وجودهم على جبهات القتال ضد الحوثيين في مناطق مثل تعز – حيث يحارب مقاتلوها إلى جانب مختلف المجموعات المسلحة المحلية المناهضة للحوثيين.

ومع ذلك، بحلول عام 2017، عانى التنظيم من اجتياح العديد من مناطقه الآمنة سابقاً من خلال جهود مكافحة الإرهاب المستمرة المدعومة إماراتياً، ولا سيما مديريات دوعن بحضرموت، وعزان بشبوة، والمحفد بأبين، وإن كانت المجموعة قد واصلت بعض العمليات انطلاقاً من المناطق القريبة والخلايا النائمة.

رداً على ذلك، تراجع مقاتلو القاعدة إلى محافظتي البيضاء وأبين وأجزاء نائية من مأرب. بالتزامن مع تجنبهم المواجهة المباشرة لتقدم الحكومة اليمنية أو قوات التحالف بشكل عام، إلا أن الفروع المحلية للقاعدة تنفذ بانتظام هجمات تستهدف الأمن والبنية التحتية العسكرية والأفراد اليمنيين، فعلى سبيل المثال، أعلنت القاعدة مسؤوليتها عن محاولة اغتيال نائب وزير الشؤون الداخلية، علي ناصر لخشع، في كمين بمحافظة أبين في مارس/ آذار 2017، مما أسفر عن مقتل نجل لخشع، كما واصل تنظيم القاعدة قتال الحوثيين، إلى جانب جماعات مسلحة محلية أخرى، في البيضاء وتعز والضالع، وفي الوقت نفسه نفذ عمليات محدودة ضد الإمارات وحلفائها المحليين في حضرموت وشبوة وأبين.

على الرغم من هذا التقهقر والخسائر الاستراتيجية، وجد تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2018 أن ​​القاعدة بقيت تشن ما يعادل هجوماً واحداً كل يومين حتى عام 2017، معظمها في محافظات البيضاء وأبين وحضرموت، ومع ذلك، فإن التركيز العملياتي للتنظيم تحول خلال العام التالي، فثلاثة أرباع عمليات القاعدة المشتبه بها خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2017 كانت ضد قوات الحوثيين؛ وفي النصف الثاني من العام، استهدفت نصف هذه الهجمات تقريباً القوات التابعة لحكومة اليمن المعترف بها دولياً والتحالف العسكري بقيادة السعودية.

في النصف الأول من عام 2018، عكس عدد الغارات الجوية الأمريكية والحملة البرية المدعومة إماراتياً ضد القاعدة انخفاضاً في عمليات التنظيم، حيث تراجعت وتيرة الهجمات التي تبنّتها الأخيرة بأكثر من النصف، وفي حين تم إعلان انتصار هذه العمليات بسبب نجاحها في “تطهير” مناطق معينة من المسلحين، إلا أن جزءاً منه قد يكون انسحاباً تكتيكياً.

علاوة على ذلك، استمرت القاعدة في إثبات قدرتها على شن هجمات على هذه القوات المحلية المدعومة إماراتياً، بما في ذلك هجوم انتحاري معقد على مكتب الحزام الأمني ​​في محافظة أبين في يونيو/ حزيران، ثم مقتل ثلاثة من أفراد قوات النخبة الشبوانية في هجوم بعبوات ناسفة في وقت لاحق من ذلك الشهر، ومع ذلك، أصدر القاعدة مقابلة مع القائد البارز خالد بن عمر باطرفي في الشهر نفسه، مما دفع مراقبين إلى التكهن بأن القاعدة تعاني من ضغوط شديدة، حيث أشار باطرفي إلى تراجع الموارد المالية وزيادة الضغوطات في ساحة المعركة.

ازدادت وتيرة هذه الهجمات إلى حد ما مع نهاية عام 2018 وحتى أوائل عام 2019، وتركزت إلى حد كبير على محافظة أبين، حيث تنخرط القوات المدعومة إماراتياً في عملية طرد القاعدة من مناطق مديرية مودية شمالي أبين، وكانت المجموعة قد سيطرت على مدينة المحفد داخل المديرية في يناير/ كانون الثاني، ورفعت أعلامها فوق المباني الحكومية وقاومت محاولات قوات الأمن المدعومة إماراتياً طردها.

كان اندلاع اشتباكات مسلحة مع ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، من التطورات الأكثر أهمية للقاعدة في عام 2018، حيث أنهى تفاهماً ضمنياً بين الجماعتين كان مفاده تجنب التقاتل والتركيز على معاركهما الطائفية ضد الحوثيين، وتبنّت داعش عدداً من الهجمات ضد القاعدة خلال النصف الثاني من عام 2018، وفي يوليو/ تموز أصدرت شريط فيديو يظهر ما زعمت أنه 12 أسيرا من أسرى القاعدة، وقد نشأت هذه الجبهة الجديدة نتيجة خطط داعش الساعية لتثبيت قدمها في البيضاء، وكانت القاعدة قد اعترفت سابقاً بحق داعش في موضعة نفسها ما دامت تسعى إلى الحكم.

  • الموارد المالية الضيقة

لا توجد بيانات موثوقة عن المكان الذي تحتفظ فيه القاعدة بمواردها المالية التي حصلت عليها نتيجة سيطرتها على المكلا وغيرها من الحيازات غير المشروعة، حيث أدى انقسام البنك المركزي اليمني في سبتمبر/ أيلول 2016 بين عدن وصنعاء إلى تقويض قدرة البنك على تنظيم القطاع المالي المحلي، وفي الوقت نفسه، تم سحب الاعتراف الدولي من آليات تمويل مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال في اليمن – وخاصة وحدة المعلومات المالية واللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال – مما دفع معظم البنوك التجارية الدولية إلى وقف العمل مع البنوك التجارية والإسلامية في اليمن، كما منع التحالف الذي تقوده السعودية البنوك اليمنية من تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج.

كل هذه العوامل ساهمت في انهيار الدورات الاقتصادية الرسمية وانتشار تحويل الأموال غير المرخص وغير المنظم في جميع أنحاء اليمن، ويعتقد العديد من المراقبين الماليين في البلاد أن هذه المنافذ التي تزداد حصتها من سوق المعاملات التجارية والتجارية الدولية، تسهّل أيضاً عمليات غسل أموال واسعة النطاق لصالح القاعدة.

 


التطلع قدماً

من المحتمل أن تستمر عمليات مكافحة الإرهاب في اليمن من جانب الولايات المتحدة والإمارات في المستقبل القريب، وسيستمر هؤلاء في الضغط على التنظيم عسكرياً، وحرمانه من القدرة على الاحتفاظ بمناطق جغرافية مهمة لأي فترة زمنية طويلة، وإجباره على التموضع بشكل غير مركزي، مع إجبار شخصياته القيادية العليا على الاختباء النسبي تجنباً لاغتيال الغارات الجوية الموجهة، ومع ذلك، ستكون كل هذه العمليات مجرد احتواء. فمن دون استراتيجية أوسع لمواجهة القاعدة، من المحتمل جداً أن تظل تمثل تهديداً في اليمن، وأن تحتفظ بالقدرة على استخدام البلاد كمنصة لتنظيم وشن العمليات في جميع أنحاء المنطقة والعالم بأسره.

إن تركيز الولايات المتحدة القصير النظر على الخيار العسكري في مكافحة القاعدة يتجاهل العوامل التي جعلت ولاتزال تجهل اليمن مرتعاً للتنظيم، وفي سياق مباشر، فإن استمرار النزاع في البلاد بين الحكومة اليمنية ومؤيدي التحالف الذي تقوده السعودية وجماعة الحوثيين المسلحة – وكذلك العنف وانعدام الأمن والانقسامات الاجتماعية وانهيار الدولة والأزمة الاقتصادية والكارثة الإنسانية التي أحدثها النزاع – كلها تغذي مصالح تنظيم القاعدة وتخلق مساحة عملياتية له.

لقد أظهرت القاعدة أيضاً قدرتها على البقاء والتعافي رغم الخسارة المتكررة في صفوف قياداتها، في حين أن الحرب المستمرة في اليمن، والتي دخلت عامها الخامس، ستخلق نبعاً طبيعياً للمواهب والخبرات التي يمكن للقاعدة استقطابها، وبالتالي، يجب أن تتضمن حملة مكافحة الإرهاب في اليمن على رأس أولوياتها إنهاء النزاع الشامل في حال أرادت أن تهزم القاعدة هزيمة جادة.

يجب أن تركز سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية على تحسين الأساليب بدلاً من زيادة العمليات، وينبغي أن تشمل هذه المقاربة غير العسكرية تحديداً تعزيز آليات الحكم والمؤسسات المحلية المستقلة والفعالة، وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية، ومع ذلك ستبقى فرص نجاح مثل هذه الأساليب بعيدة المنال، في ظل استمرار الحرب وضعف احتمال تشكيل “حكومة” يمنية فاعلة.

كما يجب أن تضع نهاية الحرب اليمنية البلاد على مسار التحول الديمقراطي وبناء الدولة وإعادة الإعمار، وذلك لملء الفراغات التي تسعى الجماعات (الجهادية) لملئها، وحتى ذلك الحين، سيكون دعم وإعادة تأهيل الحلفاء المحليين أكثر فعالية من التدخل المباشر، ففي بعض الحالات يغيب التواصل بين الولايات المتحدة والسلطات المحلية بشكل تام تقريباً. ينبغي تطوير العلاقات الأمريكية-اليمنية نحو التعاون على أرض الواقع، وتوجيه الاستثمار الاستراتيجي الأمريكي نحو إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية اليمنية، فمن شأن ذلك أن يسهل فهم البيئة المحلية والديناميات الاجتماعية التي تشتد الحاجة إليها – وهو مجال تتمتع فيه القاعدة بتفوق واضح على الولايات المتحدة، ويمكن العثور على مساحة التعاون هذه مع كل من الجهات الفاعلة المعروفة – قبائل الشمال والحراك الجنوبي – وكذلك الأجهزة الأمنية والعسكرية الناشئة مثل الجيش الوطني اليمني.

على الدول الأعضاء في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية أن تسعى أيضاً إلى إنهاء النزاعات بين مختلف الأطراف اليمنية التي تدعمها – ولا سيما النزاع في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى بين المجلس الانتقالي الجنوبي المناصر للانفصال والحكومة المعترف بها دولياً، والذي تسبب باشتباكات عنيفة في عدة مناسبات، حيث أن هذه التنازعات بين اليمنيين تقوض محاولات إرساء الأمن والسلطة الحكومية في الجنوب، وإذا ما سمح لها بالاستمرار فستعيق تفعيل وظائف الدولة في العديد من مناطق البلاد في أي سيناريو لما بعد النزاع.

وبقدر ما ينطبق ذلك على الولايات المتحدة، يجب على السعودية والإمارات أيضاً دعم الحل السياسي لإنهاء الحرب والسماح ببناء الدولة وتقويض المساحة العملياتية للجماعات المتطرفة، ويجب أن تضمن هذه المقاربة السياسية تمثيلاً عادلاً للاعبين الرئيسيين، وإعادة تأهيل الحكومة اليمنية، وتطهيرها من الأفراد المعروفين بعدم الكفاءة وممارسة الفساد بما يفي بمتطلبات الإجماع السياسي العام.

إن وضع حد للنزاع اليمني من خلال التسوية السياسية وإعادة هيكلة وتوحيد الهيئات الأمنية والعسكرية، وإدماج القوى الاجتماعية والسياسية في البلد، هو الضمان الحقيقي الوحيد لإنهاء دورة العنف والفوضى التي تنتج المساحة والظروف لازدهار الجماعات المتطرفة.

 


حسام ردمان هو زميل باحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. تتركز أبحاثه على الحراك الجنوبي والجماعات الإسلامية المسلحة في اليمن، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والفصائل السلفية المسلحة. وهو أيضاً مراسل لقناة دبي التلفزيونية، وعمل سابقاً لصالح صحيفتي الشارع اليمنية والأهرام المصرية.

ملاحظة المؤلف: لم يكن يمكن لهذه الورقة أن ترى النور لولا التحرير والمراجعات الهامة من قبل هولي تافام ووليد الحريري وسبنسر أوزبرغ.

 


مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

ذكرى دامسة: اليمن بعد أربع سنوات على التدخل العسكري بقيادة السعودية

ذكرى دامسة: اليمن بعد أربع سنوات على التدخل العسكري بقيادة السعودية

في 26 مارس / آذار 2015، قادت السعودية والإمارات تحالفاً ضم عدداً من الدول العربية لشنّ تدخل عسكري في اليمن. كان هدف الحملة التي أطلق عليها اسم “عاصفة الحزم” التصدي السريع للتقدم العسكري الذي كانت تحققه حركة الحوثيين المسلحة وإعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى السلطة. بعد أربع سنوات، ما تزال الحرب مستمرة.
لفهم المزيد حول سبب استمرار النزاع دون انقطاع، وكيف تغيرت البلاد طول هذه المدة وما يعنيه هذا التغير لمن يعيشون هناك، استطلع مركز صنعاء آراء خمسة خبراء في الشأن اليمني.

ترامب ومكافحة الإرهاب في اليمن: العامان الأولان

ترامب ومكافحة الإرهاب في اليمن: العامان الأولان

تنظر الولايات المتحدة إلى اليمن تقليدياً من زاويتين: على أنه مسألة مكافحة إرهاب يتوجب إدارتها؛ وعلى أنه امتداد لسياسة الولايات المتّحدة تجاه السعودية. عنى ذلك بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب استمرار وتوسيع حربين منفصلتين لكن متداخلتين في اليمن، بدأتا في ظلّ الإدارات السابقة.

“قيفة” اليمنية حيث يد ترامب الدامية تُفصِح عن نفسها

“قيفة” اليمنية حيث يد ترامب الدامية تُفصِح عن نفسها

عن تعقيدات البينة المجتمعية لليمن وجهل الامريكان المفرط – وسواهم – بما يجري هناك، والتبعات السياسية لهذا الجهل الذي يضاف إليه الاستهتار والاستخفاف باليمن إجمالاً. مثالٌ يوفر معطيات دقيقة من محافظة “البيضاء”..

تحدّي التشظي الاجتماعي في اليمن

تحدّي التشظي الاجتماعي في اليمن

يواجه اليمن اليوم، بعد مرور خمس سنواتٍ على اندلاع النزاع، مرحلة تشظٍّ وتجزؤٍ يفوقان في عمقهما كل ما شهدته البلاد في التاريخ الحديث. فقد فاقمت الحرب المظالم التي جثت على صدر اليمن طويلاً، وخلقت صدوعاً جديدةً في النسيج الاجتماعي اليمني. وقد تلوّن الاقتتال في اليمن بسرديةٍ طائفية، ولو أن جذور النزاع كانت صراعاً سياسياً على السلطة، فقد طفت أصوات انفصال الجنوب على السطح من جديد لتساعد في تقوّيض التماسك الاجتماعي في اليمن. تواجه البلاد اليوم كل هذه الشقوق التي كانت تركة الحرب، ولا شكّ بأنها ستكون دائماً تهديداً بعد الوصول إلى اي اتفاقية سلامٍ سياسيٍّ في البلاد.

تعريف غامض من الجيش الأمريكي لأهداف الاغتيال “المشروعة”

تعريف غامض من الجيش الأمريكي لأهداف الاغتيال “المشروعة”

بعد ثلاثة أشهر من غياب الغارات الجوية الرسمية في اليمن، شنت الولايات المتحدة أول غارة لها عام 2019 يوم رأس السنة. بعد خمسة أيام، في 6 يناير/ كانون الثاني، غرّد الرئيس ترامب قائلاً إن الولايات المتحدة قتلت هدف تلك الغارة: جمال البدوي، “قائد” الهجوم على المدمرة الأمريكية كول عام 2000.

إعادة تفعيل القطاع المصرفي في اليمن: خطوة ضرورية لاستئناف الدورة المالية الرسمية وتحقيق أسس الاستقرار الاقتصادي

إعادة تفعيل القطاع المصرفي في اليمن: خطوة ضرورية لاستئناف الدورة المالية الرسمية وتحقيق أسس الاستقرار الاقتصادي

يواجه القطاع المصرفي في اليمن سلسلة من التحديات الناجمة عن الانهيار الاقتصادي المستمر في البلاد، وتنافس طرفي الصراع على السيطرة المالية. يمثل انقسام البنك المركزي بين صنعاء وعدن والتنافس الشرس بينهما لإدارة وتنظيم عمل البنوك اليمنية التجارية والإسلامية أبرز هذه التحديات. في فبراير/ شباط، قامت سلطات الحوثيين باعتقال مسؤولين كبار من عدة بنوك في العاصمة بسبب امتثالهم للسياسات التي وضعها البنك المركزي في عدن واللجنة الاقتصادية التابعة للحكومة اليمنية.