عن مآل معركة صنعاء واحتمالاتها

عن مآل معركة صنعاء واحتمالاتها

يستثير التقدم الحثيث للقوات الموالية للرئيس هادي نحو العاصمة اليمنية صنعاء التي تقع تحت سيطرة قوات الحوثيين والرئيس السابق صالح، مخاوف عديدة، ليس أقلها معركة كبيرة في المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في اليمن، بما يعنيه ذلك من سقوط لأعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين، وخصوصاً أن تاريخ الصراع القريب بين الطرفين لا يقول بالتزام أي منهما بقواعد الحرب والقانون الإنساني الدولي، أو بكون أحدهما يهتم بالكلفة الإنسانية لأفعاله العسكرية.

 

أهمية معركة “معسكر نهم”

هذا التقدم أصبح محسوساً منذ سيطرة هذه القوات على معسكر فرضة نهم الذي يهيمن بموقعه على المنفذ الشمالي الشرقي لصنعاء، ويشكل موقعاً استراتيجاً يُمكِّن من يسيطر عليه من كشف المدينة نسبياً، وهو يعتبر أحد المواقع الهامة للغاية ضمن الحزام الأمني للعاصمة. وتعتبر مديرية نهم جزءاً من المحيط القبلي الذي يطوّق صنعاء، وتتميز بتضاريسها الجبلية الوعرة وتتسم بأهمية شديدة كونها الحد الشمالي الشرقي الذي يفصل صنعاء عن محافظتي مأرب والجوف، علاوة على كونها مجاورة لمديرية أرحب التي تهيمن على شمال صنعاء. كل ذلك يجعل من السيطرة عليها عنصر تحول كبير في مسار المعركة ضد صالح والحوثيين، حيث أصبحت فوهات خصومهم الموالين لهادي تُطل عليهم من أحد جهات صنعاء الإستراتيجية.
يُشكِّل الحزام القبَلي المحيط بصنعاء عنصراً حاكماً في معركة صنعاء المتوقعة وفي تقرير مصيرها. فالوجهة الذي سيذهب إليها ولاء القبائل هناك ـ والتي تعُرف عادة بـ “القبائل السبع” ـ ستشكل العامل المرجح في الحسم. وعلى الرغم من كون الحوثيين والرئيس السابق صالح خصوصاً يمتلكون نفوذاً وموالين كثر فيها، إلا أن متغيرات عديدة قد ترخي قبضة هؤلاء في أوساط هذه القبائل، ليس أقلها البرغماتية التي اشتهرت بها وقدرتها على تحسس التحولات في أوزان القوى، وعدم تفضيلها لخوض معارك صفْرية، إضافة إلى إغراء السعودية المالي الكبير، وهي التي طالما تحركت باسترخاء واشترت ولاءات المشايخ في الأوساط القبلية اليمنية محمولة على جاذبية نقودها.

 

مخاوف في صنعاء

إنّ صنعاء التي تضم الكتلة السكانية الأكبر في البلد، إضافة إلى الأعداد الكبيرة من اللاجئين الذين فرّوا إليها من مختلف المحافظات، هي مركز الدولة اليمنية والموقع الأساسي لصناعة القرار، وهي تكثف بتنوعها السكاني كل اليمن تقريباً، ولذلك تبدو مؤشرات اقتراب المعركة نحوها خطرة للغاية، فهي لن تقوم بإيقاع الأضرار بالمدنيين والبنى التحتية فقط، بل يُمكن لمعركة طويلة فيها أن تستنفر سكانها تجاه بعضهم، وأن يؤدي الموقف من أحد أطراف الصراع والولاء له، إلى تصعيد مخاطر حدوث نزاعات واشتباكات فيها. كما يتوقع للغاية أن تقوم سلطة الأمر الواقع فيها (الحوثيين) بإجراءات أمنية احترازية وتمييزية، قائمة على فرز السكان بناءً على هويتهم وعلى “من أين هم”، وذلك لتأمين ظهرها من مخاطر انتفاضة داخلية او خلايا نائمة في حال صارت المعركة في أطراف المدينة مباشرة وليست على تخوم الجبال كما هو الحال الآن. وسلوك كهذا في حال تمَّ يُمْكن أن يشكل ضربة قاسية لعلاقة اليمنيين ببعضهم، التي وإن تضررت أساساً بفعل الصراع طوال عام، إلا أنّ بقاء صنعاء بعيدة عنه نسبياً ـ بما هي عليه من مكان يُكثف اليمن ـ حَفَظ النسيج الاجتماعي اليمني من تمزق نهائي.

 

هوية القوات الموالية لهادي؟

إحدى المخاوف أيضاً هي تلك المتعلقة بهوية الداخلين إلى صنعاء وبواعثهم. فالقوات الموالية لهادي ليست جيشاً نظامياً ذو عقيدة واحدة وواضحة ـ حتى وإنْ تمَّ تدريب بعض عناصره من قبل “دول التحالف” بشكل مستعجل ـ بل تشكيل غير متجانس ذو طبيعة ميليشياوية وقبلية وحزبية، تُحرِّكه تحت العنوان العريض لفكرة “الشرعية” مجموعة من الأسباب منها الانتقام، والموقف الطائفي، والقرار الحزبي، والرغبة بالتربح… إضافة إلى الرغبة باستعادة الدولة من الانقلابيين و “الباعث الوطني”.
هذه الهوية غير المتجانسة والأسباب المحرّكة للقوات القادمة تثير المخاوف إذاً، لكون طريقة تصرفها في حال دخول العاصمة مرهونة ببواعث قتالها بالأساس، ولا يتوقع انضباطها كثيراً. وما زالت في ذاكرة صنعاء القريبة كيف تصرفت ميليشيات الحوثي حين دخلت صنعاء، وكيف اقتحمت بيوت خصومها ومقرات مؤسساتهم وأحزابهم واستولت على المؤسسات العامة ونهبت المعسكرات، إضافة إلى بيئة الترويع الأمني والملاحقة الواسعة التي شنّوها ضد الجميع، لتزدهر تحت حكم ميليشياتهم أسوأ فترة انتهاك لحقوق الإنسان في اليمن.
ومن زاوية أخرى يُخشى كثيراً من موجة ملاحقات قائمة على الهوية والانتماء السلالي (الهاشميين) في حال دخول أنصار هادي، حيث سيحرض حسم عسكري لمعركة صنعاء شهوة انتقام لكل من تضرر من الحوثيين، وهو أمر لن يُميز كثيراً بين عناصر الجماعة الفعليين وبين المشتبه بهم لكونهم يحملون أسماء هاشمية، ليكرر ذلك موجة الرعب التي سبق وأن عاشتها هذه الفئة الاجتماعية عقب ثورة العام 1962، حين تمت ملاحقة “الهاشميين” وتصفية الكثير منهم من دون تمييز، فطال الأمر بعض المواليين للثورة أيضاً.

 

حرب شوارع في صنعاء؟

لا يتوقع كثيراً أن تشهد صنعاء معركة واسعة بمعنى حرب الشوارع، فحسم السيطرة فيها لا يستدعي القتال من مربع إلى مربع ضمن الأحياء السكنية. هناك مواقع أساسية فيها يتيح السيطرة عليها امتلاك مفاتيح القرار في المدينة، وهي بشكل أساسي مقر الفرقة أولى مدرع والقيادة العامة للقوات المسلحة ووزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى دار الرئاسة ومعسكر 48. إضافة لذلك فحجم المصالح التجارية والمالية والشخصية الموجودة في صنعاء هائل، ويخص كل أطراف الصراع، وسيميل الجميع إلى تجنب الإضرار بها. يتبقى إذاً المخاوف التي تتصل بطبيعة الحوثيين المغامرة والتي قد تذهب بشكل مفاجئ إلى حرب عبثية ستنعكس وبالاً على الجميع. وحتى في هذا الصدد يراهن نسبياً على الطبيعة الانتهازية للجماعات والأفراد الذين التحقوا بالحوثيين في صنعاء، والتي ستحول دون انخراطهم أو تشجيعهم لهكذا قرار عدمي.
بالإجمال، معركة صنعاء متوقعة ضمن المدى المنظور، وهي ستحوِّل مسار الصراع في اليمن جذرياً. وفي حال تمكنت “الشرعية” من السيطرة عليها سيذهب الصراع نحو وجهة شبيهة بالحروب الستة بين جماعة الحوثيين ودولة الرئيس صالح في العقد السابق، محصورة ضمنياً ضمن السلسلة الجبلية الممتدة من عمران حتى صعدة أقصى الشمال اليمني. وفي ظل هذا الفشل السياسي اليمني في إنتاج أي تسوية نحو السلام فمعركة صنعاء لن تكون ـ بالتأكيد ـ خاتمة لهدر الدم، بل جولة ضمن مسلسل إهدار أرواح اليمنيين.

 

 


* مدير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

نقلا عن السفير العربي