الطائف اللبناني والمبادرة الخليجية في اليمن كنماذج إقليمية لفض النزاعات

الطائف اللبناني والمبادرة الخليجية في اليمن كنماذج إقليمية لفض النزاعات

من إتفاقية تنهي الحرب الأهلية إلى مبادرة تقود إليها

فارع المسلمي

في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ٢٠١٥ كانت قد مضت أربع سنوات على توقيع المبادرة الخليجية التي قدّمتها دول مجلس التعاون الخليجي لحل الأزمة اليمنية التي بدأت في العام ٢٠١١، إذ كان اليمن حينها يشهد تفاعلات انتفاضة شبابية ضمن ما عرف بثورات الربيع العربي، حين خرج آلاف الشباب للاعتصام في ساحات التغيير للمطالبة برحيل الرئيس السابق علي عبدالله صالح. تولّى قيادة زمام تلك الانتفاضة حلفاء صالح السابقون من الإخوان المسلمين والزعامات القبلية والعسكرية، مع مشاركة أقل لحلفائه الحاليين من جماعة الحوثيين، أو ما بات يعرف الآن بجماعة أنصار الله الذين خاض ضدهم ست حروب ما بين الأعوام ٢٠٠٤ و ٢٠١٠ في محافظة صعدة معقلهم الرئيسي، قبل أن يتحولوا نتيجة للمبادرة الخليجية إلى أحد أهم الأطراف الفاعلة على الأرض في الوقت الراهن. حينها حوّلت التدخّلات الإقليمية التي تبلورت في ما بات معروفاً بـ«المبادرة الخليجية» انتفاضة الشباب ضد نظام صالح إلى صراع أطراف سياسية، فتصدرت أحزاب اللقاء المشترك وشركاؤها (المجلس الوطني) تمثيل الطرف المناهض للنظام، يقابلهم على الطرف الآخر حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وحلفاؤه (التحالف الوطني). هكذا تم تكريس مصطلح الأزمة لوصف أحداث الربيع اليمني كما نصت المبادرة الخليجية التي رعتها دول الخليج (باستثناء قطر) وبزعامة واضحة (ولو شرفية) للرياض مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، في بنودها التوفيقية بين طرفي الأزمة.

شكلت المبادرة الخليجية اختراقاً منفرداً في اليمن دون باقي دول الربيع العربي، إلا أن اتفاق الطائف (١٩٨٩) الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية يحمل بعضاً من ملامح المبادرة باعتبارهما من نماذج التدخل الإقليمي لحل الأزمات الداخلية في الدول العربية. ومن أوجه الشبه بين الاتفاقيتين الراعي السعودي المشترك مع فوارق الزمن والوضعين المحلي والإقليمي لكل حالة، واختلاف أهداف الرياض ومدى تأثيرها وقدرتها على الضغط على أطراف الصراع، وتمرير حلولها في وسط إقليمي ودولي تغير كثيراً منذ توقيع الاتفاق إلى توقيع المبادرة، وحتى ما بعد التوقيع كما سيتضح لاحقاً.

في الحالتين اللبنانية واليمنية تظهر إيران كحليف لأحد الأطراف، إلى جانب اتسام الصراع بصبغة طائفية كانت بارزة في لبنان وشكلت سبباً من أسباب الحرب، بينما تتصاعد في اليمن كإحدى نتائج الصراع وليس كسبب له. تناقش هذه الورقة المنطلقات تلك مع ملامح النتائج التي تحققت في الحالتين ومدى فاعليتها في إنهاء أي من الأزمتين محل النقاش.

 

المضمون والتداعيات

إنّ اتفاق الطائف هو وثيقة إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت عام ١٩٧٥، وقد صاغه ووقّعه أعضاء البرلمان اللبناني برعاية سعودية وتحت مظلة جامعة الدول العربية التي انبثق عنها ما عُرف بـالترويكا العربية، لتسهيل عملية توصل اللبنانيين إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب واستعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي. وقد تم توقيع الاتفاق في السعودية في عام ١٩٨٩، واحتوى بنوداً شبه دستورية لإعادة توزيع أدوار سلطات الدولة، وتسوية نتائج الحرب بما فيها وضع الجيش السوري في لبنان (البند الوحيد الذي تعلق بإجراءات مستقبلية غير فورية وخضع لتقدير الدولتين اللبنانية والسورية). إنّ استخدام كلمة «اتفاق» ذو دلالة نهائية للتوصل إلى اتفاق كامل ينتظر التطبيق، وهو ما حصل عملياً في الفترة اللاحقة. وقد احتوى مضامين متعلقة مباشرة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها وهيبتها، ولم يتضمن بنوداً معلقة أو غير واضحة تراعي مصالح الأطراف المتصارعة حينها وتمنحها حضوراً يطغى على حضور الدولة والسلطات الدستورية كما حصل في المبادرة الخليجية في اليمن.

المبادرة الخليجية من جهتها، هي مقترح تصالحي توفيقي بين طرفين خضع للتعديل أكثر من مرة على مدار سبعة أشهر (من نيسان/ أبريل إلى تشرين الثاني/ نوفمبر٢٠١١) لإرضاء أطراف الصراع. كانت النسخة الأولى من المبادرة مقدمة من الرئيس السابق علي عبدالله صالح ثم جرى تبنّيها من قبل الرعاة الدوليين للأزمة اليمنية وبشكل مباشر من قبل السعودية ودول الخليج العربي (باستثناء قطر التي استبعدت بطلب من صالح لتحالفها العلني مع خصومه). وفيما كان الاتفاق ملزماً في حالة الطائف، فإن المبادرة ظلت غير ملزمة وينقصها التسويق بين الفرقاء وإقناعهم بها.

توضح المؤشرات العامة التي يقدمها كل من الاتفاق والمبادرة فروقاً جوهرية بين المضمونين، وبين خلفيات الوصول إلى النص والمراحل التي مر بها. فقد تم تعديل المبادرة أكثر من مرة وبعد إعلان كل صيغة وليس قبلها، وكما بدأت كمقترح قدمه الرئيس السابق نفسه، فقد أدخلت عليها لمسات الدول الإقليمية كقطر والسعودية، ثم جرى مسح الكثير من تلك اللمسات خصوصاً التي حملت بصمات الدوحة. أما اتفاق الطائف فيكاد يكون قد تدرج في صياغة المضمون حسب ما تم الاتفاق عليه مسبقاً، أي تحويل الاتفاق إلى نص، وليس وضع النص للاتفاق كالمبادرة. ولأن الاتفاق نجم عن حوار وطني لبناني، جاء النص عاكساً حرص المشاركين على تقوية الدولة وضمان دورها، بينما كانت مسودات المبادرة الخليجية تخضع في كل مرة لآراء أطراف الصراع ذاتها دون البحث عن نصوص تتجاوز هذه الأطراف إلى الدولة وما يجب أن تكون عليه.

كانت الرغبة الإقليمية في إنهاء حرب لبنان أكثر وضوحاً بإعادة تسليم الملف لأبنائه، فاحتوى الاتفاق (الطائف) في بابه الأول (المبادئ) بنوداً أساسية تؤكد هوية الدولة وتعزّز دور المؤسسات والتشريعات الوطنية. وكان الهدف الذي سعت إليه الرياض تسجيل حضور إقليمي قوي أكثر من محاولة تكريس دور لها في لبنان، وإيجاد حل للصراع اللبناني. لكن في الوضع اليمني كانت هناك رغبات في إخراج الأطراف المتصارعة من ورطتها أكثر مما بدا رغبة في إخراج اليمن من أزمته. أرادت تحقيق توازن بينهم لا يعطي أي طرف كل مطالبه بشكل يسمح بتفوقه ومنحه قدرة التأثير المنفرد في الساحة. هكذا منحت صالح خروجاً شكلياً مشرفاً من السلطة ضمن لحزبه الحفاظ على نصف مقاعد الحكومة كندّ كامل لأحزاب اللقاء المشترك وحلفائهم الذين خرجوا لإسقاط نظامه. إذاً أتى الجزء الأول من آلية المبادرة ليعبّر عن وجود أزمة ويكرّس الدور الإقليمي فيما يتم الاتفاق عليه بإدراج شكر للدول الراعية كبند أولي. كما تم في البند التالي تأكيد إحلال المبادرة كمرجعية عليا تجمد النصوص الدستورية، أي السعي لتكريس المبادرة كمرجعية عليا للعمل السياسي في اليمن لا يمكن لليمنيين تجاوزها تحت أي مرجعية أخرى حتى لو كانت الدستور النافذ الذي يعدّ اتفاق كهذا مخالفاً لبنوده أصلاً. هكذا بدأت التجاوزات التي همّشت دور مؤسسات الدولة.

في المقابل ظهر اتفاق الطائف أقرب إلى وثيقة دستورية، عززت سلطات الدولة اللبنانية ومبادئها الدستورية. بينما المبادرة الخليجية مثّلت أول انقلاب علني على الدستور ومؤسسات الدولة لتمنح وظائف أساسية للدولة إلى لجان مؤقتة يتم تشكيلها، إذ إنّ الفقرة (ح) من المادة (١٥) تنص على تشكيل لجنة أمنية ومؤتمر للحوار الوطني ولجنة الشؤون العسكرية لتحقيق الأمن والاستقرار. وأتت اختصاصات كهذه للجان المشكّلة على حساب وزارة الدفاع وقيادة الجيش ولم تعكس نوايا إشراك الشارع في معالجة قضايا بهذه الأهمية ولا مؤسسات الدولة. اللجنة العسكرية مثلاً تشكلت من قيادات موالية للطرفين، أي جزء من أدوات الصراع التي يصعب أن تتحول إلى جزء من الحل. وفي الجانب الآخر، تم تأجيل كل القضايا محلّ الخلاف للنظر فيها من قبل مؤتمر حوار وطني يتكون من أعضاء يمثلون أساساً أطراف الصراع، ومكونات أخرى بنسب أقل. لكن القضايا التي ستطرح على المؤتمر لم تترك لأعضائه تحديدها كلياً، وإنما وضعت قوالبها بأسلوب خلق إشكاليات أخرى تحوّلت إلى معضلات كبرى مع نهاية الحوار كشكل الدولة ومضمون الدستور الجديد. إذ لم يكن شكل الدولة قضية أساسية لشباب الساحات وإنما عدالة الدولة، ولم يكن الدستور مشكلتهم أيضاً بقدر ما كانت المشكلة عدم احترام وتطبيق نصوص الدستور النافذ على الأرض.

 

غموض وازدواجية

لم تكن الفلسفة المفوضة للجان مسؤوليات ومهام أجهزة ومؤسسات الدولة إجرائية وسلسة أيضاً، بل احتوت نصوصاً مزدوجة وغير واضحة، كتكليف لجنة الشؤون الأمنية والعسكرية بإعادة هيكلة الجيش، ثم إسناد المهمة عينها لمؤتمر الحوار الوطني المنبثق عن المبادرة في مكان آخر. كما نصت المبادرة الخليجية على تنفيذ مؤتمر الحوار الوطني لبحث هيكل الدولة ومناقشة أسس الحكم والأداء الإداري لأجهزة الدولة وبعض القضايا السياسية والاجتماعية. وبذلك تكون المبادرة قد وضعت الخطوط العريضة لإيجاد حل يمني، إلا أنها من جهة أخرى وضعت محددات للعمل على إيجاد حل وفقاً لقضايا ومجالات تناول قد تم تحديدها مسبقاً، وبعضها بعيد كل البعد عن القضايا الخلافية الأساسية التي تشكل موجهات عامة يصبح ما دونها تفاصيل.

هكذا كانت المبادرة الخليجية أقرب إلى وثيقة تحكيم بين خصمين تحيلهما للمحكمة العرفية منها إلى مبادرة تنقذ بلداً من كارثة وتفتح أمامه فجأة قضايا أنتجها سوء إدارة الدولة سلطة ومعارضة، ثم تضعها على طاولة الأطراف نفسها لمعالجتها.

لقد انعكست مشكلة عدم تمثيلية الموقعين على المبادرة الخليجية حينما جرت محاولة تطبيقها على الأرض، إذ لم يكن الموقّعون أنفسهم هم أصحاب القرار في الميدان. ولذلك حينما وجدت الرغبة في تنفيذ بنود المبادرة ( وهو أمر نادر أصلاً)، لم يملك الراغبون القدرة على تنفيذها على الأرض.

وتعزيزا لنهج اتفاق الطائف القاضي بتعزيز دور مؤسسات الدولة، أحال الاتفاق مواضيع الخلاف مثلاً للحكومة والبرلمان حتى لو كانت تتعلق بالرئيس ذاته، لكن المبادرة الخليجية أحالت مشاكل البرلمان والحكومة إلى الرئيس كمرجع أعلى «يكون اتخاذ القرارات في مجلس النواب خلال المرحلتين الأولى والثانية بالتوافق، وفي حال تعذر التوصل إلى توافق حول أي موضوع، يقوم رئيس مجلس النواب برفع الأمر إلى نائب الرئيس في المرحلة الأولى وإلى الرئيس في المرحلة الثانية، الذي يفصل في الأمر ويكون ما يقرره ملزماً للطرفين».

هكذا كرست المبادرةُ الخليجية الفرديةَ في حين تحدثت عن الشراكة، وكرست المحاصصة في المناصب بتقاسم حقائب الحكومة بين طرفي الصراع في حين نصّت على الكفاءة، وكرست اللجان التي تتعارض وظيفياً مع المؤسسية بينما تحدثت عن تعزيز دور مؤسسات الدولة.

كانت بنود اتفاق الطائف مغلقة ومحددة وذات تفسيرات واضحة غير ملتبسة، حتى تلك النصوص التوجيهية العامة. لكن المبادرة كانت ذات بنود مفتوحة لم تحدد نهايات ونتائج واضحة في حينه، بل متعلقة بما يجمع عليه أطراف الصراع في عملية الحوار. أي أن الحوار في لبنان سبق الاتفاق وحدّد مساراته وتحوّل فوراً إلى نصوص تنفيذية. أما في المبادرة فقد تأجل الحوار وكان مجرد بند /استحقاق واحد للمبادرة وهو الحوار الوطني القابل لكل الاحتمالات والمآلات، وأدى إلى فتح ملفات وقضايا كبيرة دون القدرة على غلقها أو حسمها.

أدى اتفاق الطائف إلى انتخاب رئيس للبنان، ولو شهدت المرحلة اغتيالات متعددة كانعكاس لبقايا نار الصراع تحت رماد الاتفاق، لكن تم تجاوز ذلك بتراكم التجارب ومرور الزمن. أما المبادرة، فأدّت هي الأخرى إلى انتخاب رئيس (أو بشكل أدق مبايعته كونه مرشحاً وحيداً) وتمت تسميته رئيساً توافقياً مسبقاً بغض النظر عن نتائج الانتخابات. ومنحته صلاحيات استثنائية دفعته للتملص من تنفيذ بعض الاستحقاقات الهامة التي نصت عليها المبادرة ذاتها، كتشكيل اللجنة التفسيرية لبنودها في حال الاختلاف. وأدّى ذلك إلى غياب مطلق لأي مرجعية غير فردية وتفسير للمبادرة الخليجية بقراءة أحادية من قبل الرئيس هادي، وبمباركة المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بنعمر كلما اضطر لذلك.

 

نجاحات بسيطة

من ناحية أمنية وعسكرية، منح اتفاق الطائف الجيش اللبناني الصدارة والشرعية مقابل نزع سلاح المليشيات، بينما المبادرة بادرت إلى إعادة هيكلة الجيش اليمني التي تمت جزئياً فقط وشلّت قدرته على التدخل، قبل أن تذهب إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة. ومن ثم منحت اللجنة الأمنية والعسكرية صلاحية إعادة هيكلة الجيش الوطني بشكل مستعجل لا يلبّي عملياً متطلبات عملية بهذا الحجم والحساسية، ثم ربطتها بمؤتمر الحوار من جهة أخرى كما تم توضيحه، فأحدث ذلك اختلالات أمنية عميقة وساهم في حدوث عمليات اغتيالات واسعة كان أفراد الجيش والأمن أبرز ضحاياها.

وبالحديث عن اشتراطات مستقبلية أخرى لتطبيق المبادرة الخليجية، كالعدالة الانتقالية مثلاً، فقد كان يمكن فهم احتواء اتفاق الطائف، وفي وضع كما كان عليه لبنان، أي إشارة للعدالة الانتقالية لكنه لم يفعل. بينما المبادرة نصت على منح أركان النظام السابق الحصانة من المساءلة وفي الوقت نفسه تحدثت عن مبادئ العدالة الانتقالية في مهام مؤتمر الحوار الوطني، فحضنت من يمكن أن يتحمل مسؤولية أحداث المرحلة ودعت إلى التسامح في الوقت ذاته. ثم إنها لم تحدّد فترة زمنية تعالجها تشريعات العدالة الانتقالية المفترضة، بل تركت الباب مفتوحاً ليتحوّل بدوره إلى موضوع خلافي بارز، لأن كل طرف شارك في الحوار أراد أن يبدأ من القضايا التي أثرت عليه أو أوقعت ضرراً به أو بمواليه. إنّ كل هذه الثغرات الجوهرية مؤشر على أن المبادرة كانت مساراً مختلاً متناقضاً كان من الصعب إصلاحه أو أن يؤدي إلى تحقيق سلام طويل المدى حتى وإن تم تطبيقه حرفيا والالتزام بجميع نصوصه وبنوده.

لقد حققت المبادرة نجاحاً على الأرض بعد توقيعها مباشرة، تَمثّل بإنجاز بنود تكليف الرئيس صالح صلاحياته الرئاسية في ما يتعلق بتنفيذ بنود المبادرة لنائبه هادي حينها، ثم بقيام البرلمان بمنح صالح الحصانة المتفق عليها، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني مناصفة بين المجلس الوطني (تكتل أحزاب اللقاء المشترك وشركائه) والتحالف الوطني (حزب المؤتمر وحلفائه). واستمر تطبيق بنود المبادرة بتشكيل لجنة الشؤون الأمنية والعسكرية وإجراء الانتخابات الرئاسية بمرشح واحد (في ٢١ شباط/ فبراير ٢٠١٢). لكن لم يتم إعداد القوى السياسية مسبقاً للتعامل مع الاستحقاقات المترتبة على المبادرة، بل إن بعض هذه القوى استخدم السلاح ضد شركائه على طاولة الحوار، وأثناء انعقاد جلسات الحوار كما فعلت جماعة الحوثيين (أنصار الله) ضد السلفيين في دماج. وبدلاً من انتهاء المرحلة الانتقالية المزمنة في المبادرة بحلول شباط/ فبراير ٢٠١٤، تم التمديد للرئيس هادي لمدة عام آخر. وعندما انتهت فترة التمديد (شباط/ فبراير ٢٠١٥)، كان هادي قد قضى شهراً كاملًا تحت الإقامة الجبرية المفروضة من قبل الحوثيين والرئيس السابق، وكانت الجماعة قد استولت على العاصمة صنعاء بعد انتهاء الحوار بأشهر (أيلول/ سبتمبر٢٠١٤). بدأت حينها مرحلة جديدة كليا تمثلت في الحرب القائمة حالياً وتحوّل السعودية من طرف راع للمبادرة إلى طرف مباشر في الحرب ضد بعض الأطراف الموقّعة على المبادرة.

لقد أنهى اتفاق الطائف حرباً أهلية لبنانية استمرت لعقد ونصف العقد من الزمن، بينما أسست المبادرة لحرب يمنية لم تتضح ملامحها المستقبلية بعد. لم تضع المبادرة الخليجية أية ضوابط أو عقوبات ضد من يعرقل تنفيذها ولجأت بشكل استدراكي إلى مجلس الأمن لوضع عقوبات غير فعالة ضد المعرقلين ساعدت على تبلور تحالفات جديدة غيّرت ميزان القوة الذي كان قائماً عند توقيع المبادرة. لقد أنهى اتفاق الطائف مرحلة الاحتراب الداخلي عملياً، وما دون ذلك أمور تفصيلية، بينما ساعدت المبادرة في مضمونها وتوقيتها على نشوب حرب أهلية مريرة، وتدخل عسكري أجنبي في اليمن، وما دون ذلك أمور تفصيلية أيضاً.

 

لبنان 1989 & اليمن 2011

كان لبنان في العام ١٩٨٩ يعاني تبعات خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، ويعيش فراغاً دستورياً من دون رئيس شرعي للجمهورية. وكان الصراع فيه قد وصل حدّ منع ما تبقى من المؤسسات الدستورية من ممارسة مهامها كمنع البرلمان من الاجتماع لانتخاب رئيس للبلاد بضغط من قائد الجيش آنذاك ميشال عون. لا يمكن مقارنة ذلك بالوضع اليمني في ٢٠١١ الذي كان في البداية أقرب إلى وضع ثوري تحوّل إلى صراع مباشر على السلطة، مع وجود رئيس منتخب ومؤسسات عامة تمارس وظيفتها ولو بدرجة من السوء دفعت الشارع إلى الخروج مطالبا بالتغيير. كان حجم الصراع في اليمن لا يزال محدوداً ويمكن لملمته بخسائر أقل، إذ لم يكن قد وصل بعد إلى درجة الصراع المسلح الواضح المعالم مع اشتباكات محدودة المكان والأثر

كانت كل المكوّنات اللبنانية قد أنهكت في الحرب الأهلية وأصبحت أكثر استعداداً للوصول إلى وضع جديد يوقف نهر الدماء. في المقابل، كانت الأطراف اليمنية في العام ٢٠١١ لا تزال متأهبة ومستنفرة لخوض صراع مسلّح بدوافع محلية وارتباطات إقليمية. كما أنّ الغطاء العربي الرسمي لاتفاق الطائف حَدّ من تدخلات دول الإقليم المتصارعة، خصوصاً سورية والعراق. أما في اليمن، فأحداث الربيع العربي (٢٠١١) لم تؤدّ إلى تبلور تحالفات واضحة لكل دولة على حدة، وكان يتم تفسير الأمر حينها بمعطيات محلية أكثر من كونها إقليمية أو دولية، باستثناء تدخّل الناتو في ليبيا، وبالتالي كان كل طرف يمني لا يزال قادراً على التلويح بالقوة ضد الآخر لكن في إطار الحصول على مكاسب تفاوضية.

وفي الوقت الذي كانت فيه الأطراف اللبنانية تنطلق غالباً من حسابات طائفية ومذهبية تتماهى مع التقسيم الجغرافي في كثير من المناطق، كان التدخل الإقليمي متقلباً بين فترة وأخرى في التحالف مع هذا الطرف أو ذاك، حتى في ما يتعلق بسورية وحركة أمل وحزب الله لاحقاً. في المقابل، تشكلت هيكلية الأطراف اليمنية على شكل تحالفات سياسية أبرز مكوناتها من الأحزاب الرئيسية الفاعلة وذات الانتشار في كل جغرافيا اليمن. أكثر من ذلك، تغلّبت هذه التحالفات على ما يمكن توصيفه في إطار طائفي بدخول الحوثيين في صف القوى الثورية التي تربطه بها علاقة خصومة (الإخوان واللواء محسن وآل الأحمر) ضد صالح، رغم رفضهم للمبادرة وعدم اعتبارهم طرفاً فيها. فكان توقيع المبادرة سبباً لمغادرتهم تحالف القوى الثورية الموقعة على المبادرة كطرف غير متجانس معهم اكتفوا من تحالفهم معه بتحقيق الهدف المؤقت (إسقاط نظام صالح).

أدّت طبيعة تفاعلات الميدان في لبنان إلى التوجه نحو القوة المنتخبة شعبياً وهي البرلمان، وليس إلى أطراف الصراع المنهكة والمستفزة والمثقلة بالثأر والدماء عند البحث عن ممثلين للشعب اللبناني للاتفاق على مخرج من مستنقع الحرب. لكن المبادرة الخليجية في اليمن تعاملت مع طرفي النزاع اللذين ليس لهما صفة تمثيلية للشعب اليمني، وكان دورهما التوقيع على مبادرة تمت صياغتها من قبل غيرهم، وهدفها الأساسي إرضاء المتصارعين بقدر متوازن من المكاسب لكل منهما مثل تقاسم مقاعد الحكومة (حكومة الوفاق).

لبنان من جهته، كان يعاني من نتائج ديمقراطية الطوائف غير المتوازنة، لكنه كان يملك مرجعية تشريعية عمرها ثلاثة عقود، ولديه تعدّد وتنوّع ديني وثقافي وإثني وسقف حريات أعلى، ومجموعات فلسطينية أصبحت مؤثرة في موازين العمل السياسي اللبناني حتى على مستوى السياسة الخارجية. أما اليمن فكان يعاني من صراع قوى النفوذ التي تتنازع الدولة ليس على مستوى السلطة بل على مستوى تعطيل سلطات الدولة لصالح هيمنة قوى النفوذ من السياسيين والعسكر والقوى القبلية والدينية التي لم تمثل تعدداً وتنوعاً بل تشابهاً في الأدوات وآليات العمل وطرق التفكير والنظرة للدولة والقانون. وأدّى ضيق المصالح واحتكار أحد الأطراف لها في إطار منظومة الحكم الحقيقية، المتمثلة في نخبة قبيلة حاشد المهيمنة على القرار السياسي، إلى توزيع المصالح على زبائنها وحلفائها وليس في إطار منظومة الحكم الدستورية.

هكذا وصلت هذه النخبة المهيمنة إلى مرحلة صراع المصالح ليس بشكل مباشر بين رجالها بل بين أدواتها السياسية الممثلة في الأحزاب السياسية التي وقّعت المبادرة الخليجية. وكانت أداة جناح قبيلة حاشد المنشقّ عن صالح تتمثل في المجلس الوطني (أحزاب اللقاء المشترك وشركائهم من القوى القبلية ذات النفوذ القوي كاللواء علي محسن ذراع صالح الأقوى لعقود)، بينما كانت أداة صالح ونجله أحمد ومن تبقى حولهما تتمثل في التحالف الوطني (حزب المؤتمر الشعبي العام وحلفائه من الأحزاب الصغيرة التي تعد عملياً صنيعة المؤتمر نفسه).

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين صنّاع الأزمات وصنّاع الحلول في بيئة يمكن ظاهرياً وصفها بالديمقراطية قصيرة التجربة، وذات التجربة المختلّة أيضاً، لكنها في العمق والممارسة بيئة شمولية على مستوى القرار. بيئة فيها برلمان محدود القدرة على التغيير كونه يتشكل من أغلبية ساحقة تابعة للحزب الحاكم الموالي لشخص الرئيس أو رجاله، وقد انعكس ذلك بانشقاق قرابة ثلاثين عضواً برلمانياً من حزب المؤتمر عن صالح، وتحالفهم مع أبرز رجاله المنشقين عنه (اللواء علي محسن الأحمر) الذي أعلن نفسه حامياً للثورة الشبابية.

من جهته، فإنّ لبنان أكثر تنوعاً فكرياً وطائفياً من اليمن، وذلك موجود في تشريعات البلد منذ عقود بينما لا وجود للطوائف الدينية في أي تشريع قانوني يمني، وربما كان التعايش بين مذهبين دينيين غير متعصبين (الزيدية والشافعية) تجربة فريدة فيه. واليمن أوسع جغرافياً بحيث يمكن أن تساعد الجغرافيا على تخفيف التراكم القائم على الدين أو المذهب، ولا يمكن وضع إطار جغرافي حاسم للمذهبين الدينيين في اليمن. وبينما أولوية لبنان ربما كانت توحيد الهوية أو معالجة الاختلاف والتنوع الفكري/ الطائفي كانت الأولوية اليمنية في العام ٢٠١١ هي معالجة الشرخ الاجتماعي بين أبناء الشمال والجنوب الذي غذّته الصراعات السياسية لعقود (تحوّل الوضع في ٢٠١٤ – ٢٠١٥ إلى إقحام اليمن في حرب طائفية).

لبنان أيضاً بلد مواجهة جغرافية مباشرة مع إسرائيل (إذا كان هذا المعيار لم يزل قابلا للتعبير ولم ينته أثره العملي بعد) ومستوى التعليم فيه أعلى من اليمن، وكذلك معدل دخل الفرد فيه، فيما اليمن بلد فقير يتحكم بممر مائي دولي هام ويجاور أهم مصدّري النفط في العالم، وتتواجد على أرضه واحدة من أهم المنظمات الإرهابية في العالم (تنظيم القاعدة في جزيرة العرب) ويدفع الفقر بأبنائه للانخراط في حروب عبثية مستمرة داخلية وخارجية.

في الوقت الذي تم فيه جلب السلاح في حالة لبنان لاستخدامه في الحرب، أشعلت الحرب في اليمن لاستخدام السلاح الموجود أحيانا بنسبة أكثر من الغذاء. وقد تم جلب المزيد من السلاح بعد توقيع المبادرة.

يمكن تلخيص المشهد العام اللبناني حينها بالتطلع الشعبي لإنهاء الحرب ومآسيها، ولم يكن ثمن ذلك قضية تعيق تحقيق الهدف إلا بنسبة ضئيلة. أما المشهد اليمني فيمكن تلخيصه بالتطلع الشعبي للتغيير في منظومة الحكم كأشخاص وممارسات وبأقل قدر من الخسائر، فتحققت تطلعات الشعب اللبناني عبر اتفاق الطائف، بينما انحدرت تطلعات اليمنيين في العام ٢٠١١ لتتحول إلى تطلعات اللبنانيين في العام ١٩٨٩، أي إنهاء الحرب التي نشبت بعد المبادرة الخليجية وليس قبلها.

 

السعودية بين الاتفاق والمبادرة

كان الهدف الذي سعت إليه الرياض تسجيل حضور إقليمي قوي أكثر من محاولة تكريس دور لها في لبنان، وانطلقت من مقررات اجتماع القمة العربية ولجنة الترويكا المكلفة من القمة بمتابعة مساعي إيجاد الحل للصراع اللبناني المرير بعد عقد ونصف العقد على بدئه. أما في اليمن فكانت الرياض تسعى إلى إعادة توجيه حركة التغيير اليمني إلى مسارات واضحة تضمن بها عدم تسليم اليمن إلى أيد قد لا تستطيع التعامل الآمن معه مستقبلاً نتيجة تفاعلات انتفاضة الربيع اليمني، فضلاً عن عدم رغبتها بحدوث أي تغيير ينجم عن فعل ثوري مباشر على حدودها الجنوبية.

وفي الوقت ذاته كانت أطراف الصراع تتكون من جناحين حليفين لها لعقود (صالح ونجله وأنصارهم من جهة، والإخوان وشيوخ حاشد والجنرال علي محسن الأحمر وأنصارهم من جهة أخرى) حيث إن الغطاء الحزبي لكل طرف لم يعكس وجوه أطراف الصراع الحقيقية، وإنما عبّر عنها بطريقة أكثر قابلية للتسويق والتمثيل السياسي. كما أنّ الوضع في اليمن يؤثر مباشرة على الوضع في السعودية، فالخط الحدودي بين البلدين يمتدّ على حوالي ٤١٦ كلم ويمثل بوابة رئيسية للتهريب إلى المملكة. كذلك، فإنّ وجود حليف قوي لإيران تمثل في جماعة الحوثيين (أنصار الله) الذين سبق أن خاضت ضدهم الرياض حرباً مباشرة في العام ٢٠٠٩، شكّل دافعاً جوهرياً لتدخّلها سواء عبر المبادرة أو لاحقاً بقيادتها لقوات تحالف عربي عسكري مستمر في تدخله الجوي والبري منذ ٢٦ آذار/ مارس ٢٠١٥.

أدّى استمرار حكم الملك فهد لفترة طويلة بعد توقيع اتفاق الطائف إلى استقرار واستمرار نمط العلاقة بين بيروت والرياض. وكان للرياض طرف واضح الولاء لها تمثل في ما يسمى حالياً بتيار المستقبل، وكانت لم تزل مهيمنة إقليمياً بعد إنهاك كلّ من بغداد وطهران في حرب الثماني سنوات وقبل أن تنشب حرب الخليج الثانية. أما ظرف المبادرة الخليجية فقد شهد تغييرات في الرياض سواء على مستوى تنظيم انتقال الحكم داخل أسرة آل سعود وتحوّل توجهاته بين ملك وآخر، أو في ما يتعلق بشأن اليمن، إذ رحل كل من الأمير سلطان والأمير نايف ابنَي عبدالعزيز اللذين أثّر رحيلهما بشكل كبير على علاقة الرياض بصنعاء كون الأول ظل مسؤولاً عن الملف اليمني منذ ستينيات القرن الماضي، ثم انتقل لأخيه نايف ذي الخبرة الأقل في الشأن اليمني وتحالفاته. وبعد رحيلهما بدأت الرياض بمراجعة طبيعة تحالفاتها يمنياً من جديد، بعد أن وجدت نفسها تفقد حلفاءها الأقوياء الواحد تلو الآخر، إذ إنّ صالح لم يعد ممسكاً بزمام السلطة، ومحسن وآل الأحمر والإخوان أصبحوا أقرب إلى الدوحة، ومجرد تحولهما إلى طرفين أربك الرياض كثيراً بعد أن مثّلا معاً حليفها الأكثر سطوة ونفوذاً في اليمن.

في المقابل، شهدت جماعة الحوثيين، التي تعتبرها الرياض ذراعاً محلية لخصمها التقليدي إيران، نمواً وتأثيراً متسارعين بعد التوقيع على المبادرة الذي رعاه الملك عبدالله شخصياً في الرياض في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ٢٠١١. ورغم تدخلات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بين الحين والآخر حتى انطلاق مؤتمر الحوار (آذار/ مارس ٢٠١٣) حين بدأ حضوره يخفّ تدريجياً لصالح المبعوث الأممي جمال بنعمر، وتسمية مبعوث خاص لدول الخليج إلى اليمن، وفتح مكتب تمثيلي بصنعاء، فقد وجدت الرياض نفسها أخيراً مدفوعة إلى العمل على إنهاء دور بنعمر الذي لم يساعد على ترتيب الأوضاع اليمنية كما أملت، وهو ما تم بشكل هادئ بعد تدخلها العسكري عبر «عاصفة الحزم» حين قدّم الرجل استقالته من عمله كمبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن، بعد أن حرص على تمديد مهمته أكثر من مرة. واتضح أمر خلافه مع الرياض في نقطتين أولاهما إعلانه (قبل يوم من بدء عاصفة الحزم) نقل الحوار اليمني إلى الدوحة بدلاً من الرياض، والأخرى في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن (في ٢٥ نيسان/ أبريل ٢٠١٥) حين اتهم السعودية بعرقلة اتفاق سياسي وشيك بين الأطراف اليمنية بإعلانها عاصفة الحزم.

إن علاقة لبنان بالسعودية مهمّة باعتباره باباً خلفياً لدمشق ولمنحه الفرصة لكبح جماح هيمنة حزب الله على الحياة السياسية اللبنانية كونه حليفاً لإيران وخصماً مذهبياً في الوقت ذاته. في اليمن حصل اختراق إيراني قوي لخاصرة السعودية الجنوبية بتحالف طهران مع جماعة الحوثيين (أنصار الله) ثم تلقائياً كسر مسار علاقتها بالرئيس السابق الذي اختار التحالف مع خصومها (الحوثيين) على تنفيذ مطالبها التحالفية الجديدة معه. في كل الأحوال، فإن الرياض ترى أن معركتها الحالية في اليمن (بعد تحوّلها من راع إلى طرف في الصراع) هي معركة مع طهران التي انتصرت مؤخراً بتوقيع اتفاقها النووي مع القوى الكبرى، ما رأت فيه السعودية حسماً من رصيد نفوذها المستقبلي على مستوى المنطقة والعالم ويجب الحيلولة دون وقوع مخاطره كاملة كما تسعى طهران لتحقيقه.

لقد تحوّل نجاح المبادرة الخليجية من هدف للرياض إلى مجرّد صفحة تم طيّها وتجاوزها، نحو هدف جديد وهو إعادة رسم خارطة اليمن السياسية وإعادة رسم القوى المؤثرة على الأرض فيها بما يخدم مصالح الرياض أو على الأقل بما يضمن لها عدم تحولها إلى أداة ضدها في المستقبل. وبعد كل الخسائر والجهود الدولية التي بذلتها في هذا الإطار، يمكن القول إن التراجع عن هذه الأهداف أمر غير وارد البتة، ما لم تطرأ تغيرات حادة في الإقليم ابتداء من سورية وانتهاء بعلاقة الرياض بواشنطن وموسكو وعلاقة الأخيرتين بعضهما ببعض في ما يخص المنطقة.

 

الوضع الإقليمي من ١٩٨٩ إلى ٢٠١١

كان الصراع اللبناني – اللبناني (أو كامتداد لأطراف إقليمية أخرى في جزء منه على الأقل) بؤرة النزاع الوحيدة في منطقة مستقرة نسبياً، وإن تخللتها حروب أخرى فهي بين دول وليست على مستوى الدولة الواحدة كحرب العراق وإيران، أو ليبيا وتشاد، أو غزو العراق للكويت الذي تزامن مع نهاية الحرب اللبنانية وعجّل بتلك النهاية ربما. بينما الوضع اليمني منذ العام ٢٠١١ جزء من وضع إقليمي مضطرب وتشهد فيه دول عدة صراعات داخلية دامية وغير واضحة الملامح، حيث كل حرب داخلية في دولة ما تتشابه مواقف وتحالفات أطرافها المحلية مع الأخرى وسياق تحالفها الإقليمي تحديدا، سواء في سورية أو ليبيا أو اليمن، وذلك بعد تحويل الاحتجاجات السلمية ضد أنظمة هذه الدول إلى صراعات مسلحة بتدخل إقليمي دولي، ربما لولا حدوثه لاستمر الطابع السلمي للمطالب الشعبية حتى النهاية. أي أن بصمات الانقسام الإقليمي واضحة في اليمن ٢٠١١ أكثر مما كانت عليه في لبنان ١٩٨٩، والوضع ارتبط بخيوط الصراع الإقليمي وامتدّ منه، ولم يكن شأناً محلياً خالصاً على الأقل كما كانت بداياته أو تطلعاته الشعبية غير المؤطرة حزبياً.

تم توقيع اتفاق الطائف مع نهاية التوازن بين القطبين العالميين (الاتحاد السوفياتي وأميركا)، وقبل بدء مفاوضات السلام العربي – الإسرائيلي، أي في ظل ثقافة المقاومة ولو لم تتجاوز كونها خطاباً سياسياً. في المقابل، وقعت المبادرة الخليجية في ذروة حكم العالم من قبل القطب الواحد الأميركي، وفي ظل تقارب عربي – إسرائيلي علني وسري تجاوز في بعض الأحيان التنسيق العربي – العربي. يؤثر ذلك في المشهد المحلي وتنفيذ أي اتفاق بشأنه، فرغم كل ما يقال عن تحالف روسيا مع إيران والحوثيين في اليمن، لم تستعمل روسيا حق النقض/ الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الرقم ٢٢١٦ أو ما قبله رغم نصهما على عقوبات بحق حلفائها اليمنيين.

من جهة ثانية، كانت جامعة الدول العربية أكثر فاعلية في العام ١٩٨٩، فتبنّت قمة خاصة للوضع اللبناني انبثقت منها اللجنة الثلاثية (الترويكا العربية) التي سهّلت عمل البرلمانيين اللبنانيين في الطائف للخروج بذلك الاتفاق. أما في ٢٠١١ فكانت الجامعة على الهامش والوضع العربي في أسوأ أحواله وأنظمة بعض أعضائها تواجه أزمات وانتفاضات عميقة وقوية تجعل ما يجري في دول أخرى أمورا جانبية. وفي قمّتها التي عقدت بشأن اليمن نهاية آذار/ مارس الماضي، باركت الجامعة فقط العملية العسكرية التي تقودها السعودية (عاصفة الحزم) بعد يومين من بدء العملية.

لم يكن هناك انقسام عربي واضح على الأرض في العام ١٩٨٩ إلا في ما يخص صراع بغداد وطهران الذي جعل من الرياض تقف على ضفة ودمشق على الأخرى مثلاً، وانعكس ذلك على الوضع اللبناني. إلا أن لبنان نجا من لعبة الصراعات الإقليمية بتوقيع الاتفاق قبل غزو صدام حسين للكويت، وربما ساعد ذلك على الإسراع في إغلاق الملف اللبناني لفتح ملف آخر أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الغرب حينها. بينما في العام ٢٠١١، كان العالم العربي قد انقسم على نفسه أكثر من مرة منذ دخول أميركا وحلفائها بغداد في العام 2003، وخلقت انقساماته الأخيرة المتعلقة بالربيع العربي وضعاً عربياً صراعياً بشكل غير مسبوق، واختلفت أطراف الصراع الميداني من الجيوش إلى الجماعات المسلحة.

وإضافة إلى كل تلك التجاذبات والتنافسات الإقليمية الجديدة، فإن الصراع الإقليمي بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية لم يكن حينها مباشراً كما هو الآن، وحتى في العام ٢٠١١، لم يكن الصراع الإيراني السعودي في اليمن على تلك الدرجة التي وصل إليها أخيراً.

 

خاتمة

يمكن القول إنّ توقيع الأطراف اليمنية على المبادرة كان بمثابة هدنة، وإظهار لحسن النوايا للدول الراعية وأولها السعودية، أكثر منه قبولاً ببنود المبادرة عن قناعة، إذ إنّ ما حصل شمل أطراف المشكلة ذاتها من دون وجود أي طرف يمثّل المطالب الشعبية أو على الأقل ذات الطابع التمثيلي للشعب (الناخب) كما كان الوضع في لبنان. لكن حسن النوايا لم يكن حقيقياً، فسعى كل طرف إلى عرقلة التحوّل السياسي حين كان الأمر يمسّ بمصالحه واستغلال الثغرات الموجودة في المبادرة الخليجية. كذلك لم يكن الرئيس الانتقالي قادراً أو مؤهلاً (أو حتى راغباً) في ممارسة أي تأثير فعال لحسم خلافات تلك الأطراف أو لقيادة عملية انتقالية حقيقية.

لقد وقّع اللبنانيون على اتفاق الطائف وهم يخوضون حرباً أهلية، والبلد بدون رئيس والبرلمان غير قادر على عقد جلساته، لكن لبنان تعافى إلى حد ما من كل هذه الظواهر الخطيرة والوضع الكارثي بعد التوقيع. أما اليمنيون فقد وقّعوا على المبادرة الخليجية ولديهم رئيس وبرلمان، ولم تكن بلادهم تشهد حرباً أهلية، لكنهم وبعد أربع سنوات على التوقيع، وصلوا تماماً إلى المشهد اللبناني كما كان قبل اتفاق الطائف، إذ إنّ الرئيس الذي أتت به المبادرة الخليجية كان هارباً من بلده، والبرلمان منع من عقد جلساته (كانون الثاني / يناير ٢٠١٥) وهو كان معطلاً عمليا قبل ذلك من أداء دوره الدستوري بفعل نصوص المبادرة الخليجية. في الوقت عينه كانت جبهات الحرب الأهلية تتقدم كل يوم على الأرض، وتتوسع أهداف قصف التحالف العربي على أراضي اليمن من السماء، والمواطن أصبح يحلم فقط بمأوى آمن يخلد فيه إلى النوم دون التعرض لخطر القتل الحوثي أو القصف السعودي، وذلك بعيداً عن كل تطلعاته نحو الحرية والتغيير والبناء التي عبّر عنها شبابه مطلع العام ٢٠١١، قبل صياغة أول نسخة للمبادرة الخليجية بشهرين فقط.