اليمن: الأصدقاء الأعداء

اليمن: الأصدقاء الأعداء

بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب في اليمن، تبدو العاصمة صنعاء عرضة لانفجار العلاقة بين جماعة الحوثيين و”المؤتمر الشعبي العام” بقيادة علي عبد الله صالح، حيث تشهد الأوضاع تطوراً خطيراً في إطار أزمة عدم ثقة كبيرة بين الطرفين، وصلت في آخر تداعياتها إلى بدء الاحتكاك في الشوارع وسقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

ففي يوم 26 آب/ أغسطس الجاري، أدت مشادة وقعت بين مرافقي صلاح علي عبد الله صالح (الابن الأصغر للرئيس السابق) وأفراد في نقطة أمنية تابعة لجماعة الحوثيين إلى تبادل إطلاق النار وسقوط ثلاثة قتلى من النقطة الأمنية، علاوة على مقتل العقيد خالد الرضي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس دائرة العلاقات الدولية في “المؤتمر الشعبي العام”، بالإضافة إلى على كونه بالأساس أحد القيادات العسكرية في القوات الخاصة سابقاً، ويتولى شقيقه طارق إدارة مكتب احمد علي عبد الله صالح، الابن الأكبر للرئيس السابق.

أبانت هذه الحادثة، التي لا تبدو معزولة عن مناخ التوتر والتصعيد بين الطرفين، أن فرص الانزلاق لحرب شوارع بينهما في العاصمة صنعاء صارت احتمالاً قائماً ما لم يتم تهدئة الوضع، وهو أمر يبدو صعب التحقيق في الأفق القريب. وعلى الرغم من ذلك فيمكن حدوث مفاجأة على هذا الصعيد، حيث تبذل جماعة الحوثيين جهداً لإبقاء الأمور ضمن مناخ من التوتر فحسب، تروّع به جمهور صالح وأنصار “المؤتمر”.

 

كيف وصل الأمر الى هنا؟

على الرغم من التقلبات في علاقة الطرفين منذ ظهورها إلى العلن بعد إسقاط صنعاء في يد الحوثيين بدعم من صالح، إلا انها لم تنجرف سابقاً الى هذا المستوى من الحدّة. وبغض النظر عن المحطات الساخنة سابقاً في علاقتهما، الا انها لم تؤدِ إلى جعل الناس في وضع الانتظار لاندلاع معركة كبرى في أي لحظة كما هو الحال الآن.
بدأ الامر بعد اعلان “المؤتمر الشعبي العام” عن المباشرة بترتيباته للاحتفال بالعيد الخامس والثلاثين لتأسيسه، وهو ما قوبل بتوتر شديد من جماعة الحوثيين، فقامت قيادات من الصف الأول في الجماعة بالهجوم على المؤتمر وقياداته وصولاً إلى صالح نفسه.

تأسست المخاوف الحوثية من كون استعراض القوة في ذكرى تأسيس “المؤتمر” ليس بريئاً بل وسيلة لتعديل ميزان القوى في صنعاء، ورغبة صالح بإعادة تقديم نفسه لدول “التحالف العربي” باعتباره الطرف الذي يمتلك القاعدة الشعبية الأكبر والوحيد الذي يمكنه التصدي للحوثيين.

وتصدّر هذا الهجوم عبد الملك الحوثي إضافة لكل من الناطق الرسمي باسم الجماعة محمد عبد السلام، وكذلك محمد علي الحوثي رئيس اللجنة الثورية العليا (التي يفترض انه تمّ حلها عند إعلان “المجلس السياسي الأعلى” في 26 تموز/ يوليو 2016). وانخرطت فيه ايضاً قناة المسيرة التلفزيونية، ومختلف الأطر الإعلامية للجماعة، فبدا أن هناك قرار حوثي حاسم بمنع هذا الاحتفال، وبدأت الامور من حينها تشهد تصاعداً خطراً.

 

تبادل الشتائم

كان معدل الكلمات المتبادلة بين الطرفين ولهجتها في الفترة السابقة ليوم 24 آب/ أغسطس لافتاً تماماً. فتبادل كل من صالح وعبد الملك الحوثي الرسائل العنيفة بشكل ضمني في خطابتهما، لكن منسوب السخونة ارتفع بعد اصدار “اللجان الشعبية” (وهي القوام المسلح لجماعة الحوثيين) بياناً شديد اللهجة تجاه صالح وصفته بـ”المخلوع” و”المنخلع من قيم الشرف والمروءة والكرامة…الخ”، رداً على وصف صالح للجماعة بانها “ميليشيا”. وهكذا حبس الناس أنفاسهم، لأن احتمالات انفجار صراع قبل ذلك المهرجان كانت تبدو هائلة، فتدخل عبد الملك الحوثي وأصدر بيان تهدئة من مكتبه خفّض جموح جماعته لخوض معركة مفتوحة مع المؤتمر وصالح.

تأسست المخاوف الحوثية من كون استعراض القوة في ذكرى تأسيس “المؤتمر” ليس بريئاً، بل وسيلة لتعديل ميزان القوى في صنعاء، بإدخال مجاميع مسلحة كبيرة من أنصاره يذوبون في أحياء العاصمة بعد انفضاضه، وإعادة تقديم نفسه لدول “التحالف العربي” (السعودية والامارات) كالطرف الذي يمتلك القاعدة الشعبية الأكبر، والوحيد الذي يمكنه التصدي للحوثيين. لكن التفاعل السعودي والاماراتي معه لم يأتِ بالمستوى الذي توقعه، فوجده نفسه في مواجهة الغضب الحوثي من دون تغيير في التحالفات كان يراهن عليه.

 

ميزان القوى المختل

يراهن الحوثيون على قبضتهم الأمنية الثقيلة في العاصمة صنعاء. فعلاوة على سيطرتهم على مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية وأجهزة الاستخبارات، فهم يمتلكون كثافة حضور في أحيائها على الصعيد العسكري، ويعملون على تعزيزها باستقدام قوات إضافية من صعدة، معقلهم الرئيسي، تلافياً لأي مفاجآت قد يقوم بها صالح. وفي المقابل، يمتلك صالح قوة مخلصة له ومدربة جيداً قوامها “الحرس الجمهوري” و”القوات الخاصة” الموالية له، علماً أن الحوثيون استثمروا الكثير من الوقت والجهد في اختراقها على مدى سنوات التحالف بينهما، لتبقى دائرة قوته في محافظات أخرى مثل إب وريمة والمحويت وقبائل محيط صنعاء. ولكن هذه لا يمكن ان تصبح قوة تؤخذ في الاعتبار إذا ظل صالح رهين الحصار الضمني المفروض عليه في صنعاء. فالحوثيون يدركون إمكانياته على تغيير المعادلة حال افلاته من أيديهم.

بالإجمال، فإن اختلال ميزان القوى الفادح بين الطرفين لصالح الحوثيين في العاصمة صنعاء هو أهم الاعتبارات، وهو ما يدفع صالح للانحناء للعاصفة. وهذا أمر يتسق مع سلوكه واستراتيجيته في مواجهة خصومه، فهو لا يذهب باتجاه تفجير الأوضاع تبعاً للغضب، بل ضمن حسابات معقدة تضع بالاعتبار وجود أفق لتغيير وازن في التحالفات، كأن يستعيد قبول السعودية به أو تسوية تنضج في الكواليس لتنصيب ابنه أحمد المقيم في الامارات.. وهو غالباً ما يؤجل معاركه ليفاجئ بها خصومه حال ضعفهم. وهذا ما ينتظره لمواجهة الحوثيين، حيث لا يكفي بالنسبة له وجود غضب شعبي تجاههم أو اتساع قاعدة التأييد له.. فالجمهور ليس مرجِّحاً عند اندلاع المعارك، وإنما هو وسيلة لبعث الرسائل السياسية ليس إلا.


نشر سابقاً في السفير العربي