معقل اليمنيين الأخير: كيف غيّرت الحرب مأرب؟

معقل اليمنيين الأخير: كيف غيّرت الحرب مأرب؟

لا تبدو مأرب في تجليها الأول سوى تكثيف لليمن التي تقاوم الانتهاء. أحد آخر معاقل “الجمهورية اليمنية” بما هي دولة تخص كل المواطنين. ربما كان في ذلك منح قيمة للمكان أكثر من طاقته، لكن في ذلك ايضاً شيء من إحساس غامر يمكن ملاحظته فيها على الرغم من التحديات التي تقف في مواجهته، يُمنح اعتباره أيضاً من هذا التشدد التي تبديه تجاه “يمنيتها” أكثر من “مأربيتها”، بينما تلوذ وترتبك كل أماكن اليمن الأخرى بهويات صغرى وتعريفات ما قبل وطنية.
ولكنها علاوة ما سبق، ساحة أساسية في الحرب الحالية في اليمن. وهذا يربكها ويؤثر ويغير فيها. وكونها المحافظة التي تنطلق منها المعركة الأساسية التي تستهدف العاصمة اليمنية صنعاء، فهذا ينهكها، ويفاقم من مخاوفها، وينشئ مستويات قرار متعددة فيها، ويجعلها بالضرورة هدفاً لأطراف عدة ومحلاً لمصالح متنوعة.

 

تغيرات مأرب

تُصارع مأرب أعباء كثيرة، منها تصورات نمطية الصقت بها. فهي ليست سيف الشوافع وسوطهم في مواجهة الزيود، كما تمنى عليها الكثيرون في بداية الحرب، حين كان الكل يخسر أمام انفلات وتغطرس الحوثيين وتمددهم في كل أراضي اليمن. فهكذا اختصار لها يحجمها وإن كان بحكم الأمر الواقع أنه أصبح أحد أوجه تعريفها الضمنية. وهي تضخمت عن أن تكون موطن قبلي ذو هوية بدوية فقط، تتنافس على النفوذ فيه القبائل الكبرى والصغرى مثل مراد وعبيدة وجهم والجدعان وال طهيف وغيرهم، فهي بما استوعبته من وافدين ونازحين بأعداد هائلة من كل اليمن، أصبحت أحد مراكز الثقل الأربع، بجوار عدن وصنعاء وتعز (تشير تقديرات رسمية محلية في مأرب أن عدد سكان عاصمة المحافظة أصبح الآن، في أواخر 2017، مليون و 170 الفاً بعد ان كان قبل الحرب لا يتجاوز 40 ألف نسمة). وأمر اكتسابها لهذا الثقل في المكانة ليس رهين هذا التضاعف الهائل في عدد سكانها، بل بهذا الاختيار الجماعي لها كملاذ مطمئن وموقع متقدم لمقاومة انتكاسة اليمن الى طوائف وجهات.

مأرب ساحة أساسية في الحرب الحالية في اليمن. وهذا يربكها ويؤثر ويغير فيها. وكونها المحافظة التي تنطلق منها المعركة الأساسية التي تستهدف العاصمة اليمنية صنعاء، فهذا ينهكها، ويفاقم من مخاوفها، وينشئ مستويات قرار متعددة فيها، ويجعلها بالضرورة هدفاً لأطراف عدة ومحلاً لمصالح متنوعة.

تتغير مأرب بشكل كبير بفعل كل ذلك. فهي لم تعد المدينة الصغيرة التي تحيط بها كتل قبلية منكفئة على مشاغلها وعلى التنافس والقتال فيما بينها، أو أنها عالقة في البحث عن إستحقاق خدمي لها مقابل كل تلك الموارد التي تُستنزف من أرضها. هي تتغير ديمغرافياً وسياسياً، وتنفتح على أدوار كبيره في اليمن في مقابل انكفاء مدن ومحافظات أخرى لأسباب عدة. ويؤسس الاستقرار والتماسك الأمني النسبي فيها قاعدة جيدة لصعودها، فهي أصبحت مدينة الفرص الاقتصادية المتصاعدة نتيجة هذا الاستقرار النسبي الذي يميزها.. ارتفعت أسعار الأراضي 500 في المئة على الأقل قياساً لأسعارها قبل الحرب، كما انتشرت مصانع الطوب ومحلات البناء، ولم يحدث تصادم بين أبناء محافظة مأرب المنتمين للقبائل وسكانها الجدد، كون هؤلاء الأخرين استقروا في المدينة بينما يسكن أبناء المحافظة في ريفهم والبلدات الصغيرة المحيطة بها، وهذا ما يقلل الاحتكاك بالضرورة ويفوت فرص الاحتقان.

 

محافظ مأرب القوي

في هذا التشكل الجديد لمأرب، يبرز بالضرورة محافظها الحالي، الشيخ القبلي البارز سلطان العرادة، كفاعل أساسي، فهو استطاع أن يدير تعقيداتها ويستوعب الضغوط عليها في فترة صعبة ومصيرية. وتكرس لذلك حضوره كقائد سياسي ذكي، لأسباب عدة منها الموارد الكبيرة في يده، وقدرته على ان يدير عبء صلته ب”التجمع اليمني للإصلاح” (الاخوان المسلمون)، وهو القرب الذي يأتي في المقام الاول من صلته الشخصية وكون اخيه أحد أبرز رجال نائب الرئيس علي محسن الأحمر، ومن أهم قيادات الاخوان المسلمين في شرق اليمن، وأحد النافذين بشدة في مأرب. وهكذا علاقة مربكة مع الاصلاح ستحجم العرادة إذا ظل مشدوداً إليها. كما ستظل مثار قلق أطراف عدة حيث، على الرغم من حضور العرادة القوي في الفضاء المأربي وفي أي قرار بخصوصها يُتخذ من قبل “الشرعية” و”التحالف العربي”، إلا أن هناك حضور وسيطرة لافتة لـ”الإصلاح” في فضاء مأرب ومؤسساتها، وهناك غضب مكتوم تجاه هذا الاستحواذ يؤجل انفجاره طبيعة مأرب القبلية واستحقاقات كونها على خط تماس مباشر في المعركة المصيرية مع الحوثيين وصالح. فبالنسبة للكثيرين في مأربـ فإن أعضاء “الإصلاح” المحيطين عن قرب بالدائرة القريبة من المحافظ يخاطرون بتطويق خياله قبل حتى تطويق أفعاله، وبالتأكيد على حساب ما يمكنه أن يحققه وعلى حسابه هو شخصيا كأسم بارز في شرق اليمن حالياً.

 

محمية نفوذ سعودية

في مستوى آخر، يمكن ملاحظة كيف ان مأرب محافظة مغلقة على النفوذ السعودي، وأن حضور الإمارات خجول ومحدود حتى الآن (هناك حادثه لافته في مأرب، حين قامت الإمارات بترميم وبناء سور قيادة المنطقة الثالثة بجوار المدينة، وبعد انتهاء اعمال الترميم حاولت تسمية المعسكر باسم “معسكر شهداء الامارات” ونصب لوحة تحمل هذه المسمى على بوابته، ما لبث أن مزقت وسمي المعسكر باسم قائد المنطقة الذي استشهد العام الماضي). وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن العرادة استطاع بناء صلات جيدة ــ ولو محدودة ــ مع أبوظبي وجعلها تتفاعل معه.

أدت الحرب الى نشوء شبكة مصالح مالية واسعة مقرها مأرب، وهي مورد مهم للمشتقات النفطية وإحدى بوابات عبورها الأساسية باتجاه كامل اليمن، فهي نقطة للتربح والثراء لمن يملك نفوذاً وعلاقة بهذا الأمر، خصوصاً في إطار تغذية السوق السوداء بالمشتقات النفطية النشطة في اليمن بسبب الحرب. ويمتد نفوذ هذا السوق ومصالحه عابراً خطوط التماس وجبهات القتال!

إن هذه النفوذ السعودي في مأرب محمي بادراك أهميتها في إطار الحرب اليمنية، وكيف أن تعقيدات موقعها والتغيرات التي طرأت على دورها ستكون أساسية في صياغة مستقبل هذا الصراع وما ستصبح عليه اليمن. فأي ترتيبات لشكل اليمن القادم لا يمكن تجاوز ثقل ما تريده مأرب ــ وما حولها ــ منه، كما أن البأس الذي أبدته في الصراع ضد الحوثيين وصالح، بما هم يمثلونه في أحد المستويات، من تعبير عن طموح قبائل الشمال المهيمنة عادة في اليمن، يمكن أن يستثمر من قبل السعودية في تحجيم هذه القبائل الشمالية الموالية للحوثيين ومقاومة مطالبها.
السعودية غارقة في اليمن بشكل لا يمكن أن تنجو منه، فالبلاد خاصرتها الرخوة، ولهذا هي بحاجة لنقاط ارتكاز مستقرة فيها. وبينما خلقت هذه الحرب جروحاً لا يمكن تجاهلها مع من كانوا حلفائها سابقاً في شمال اليمن (صالح أساساً)، فمأرب ذات العصبية والهيبة يمكن ان تكون إحدى مرتكزاتها وتتكرس كحليف دائم ومهم.

 

النفط والغاز والسوق السوداء

أدت الحرب الى نشوء شبكة مصالح مالية واسعة مقرها مأرب، وكونها مورد مهم للمشتقات النفطية أو أحد بوابات عبورها الأساسية باتجاه كامل اليمن (يُنتج معظم الغاز المنزلي الذي يستخدم في اليمن من محطة صافر في مأرب، كما تُكرَّر في المحطة كميات كبيرة من البنزين والديزل)، فهي نقطة انطلاق للتربح والثراء لمن يملك نفوذاً وعلاقة بهذا الأمر، خصوصاً في إطار تغذية السوق السوداء للمشتقات النفطية النشطة في اليمن بسبب الحرب.

يتعدى هذا الامر قدرة سلطات مأرب المحلية على التحكم بالأمر. فحجم المصالح والاستثمارات في السوق السوداء هائل وأرباحه خيالية، وتْحْضر فيه مراكز نفوذ قوية من جميع الأطراف بما في ذلك الأضداد، فالكل يتربح ويشارك، من سياسيين ومشايخ ورجال اعمال وقادة عسكريين وغيرهم. واللافت للغاية كيف يمتد نفوذ هذا السوق ومصالحه عابراً خطوط التماس وجبهات القتال!

تحدي القاعدة

ما زال نشاط القاعدة يؤرق مأرب ويشكك في فرصها السياسية، وينال من التقدير الممنوح لاستقرارها. وتشكل ضربات الطائرات بدون الطيار المتزايدة تحدياً لصورتها الجديدة وكشفاً عن هذا التحدي الإرهابي، الذي وإن كان غير مستجد، إلا أن الحرب عززت القلق بشأنه، فهي استحدثت فراغات أمنية واسعة اضيفت الى ضعف السلطات وانشغالها بأولويات المواجهة مع تحالف الحوثيين وصالح، علاوة على الطبيعة الصحراوية للمحافظة ومجاورتها لأربع محافظات تنشط فيها القاعدة (البيضاء وشبوة وحضرموت والجوف)، ما جعلها ممر عبور لأفراد التنظيم وملاذاً لهم في بعض الأحيان خصوصاً في حدودها الجنوبية الغربية مع كل من البيضاء وشبوه

كما تربك التحالفات التي تستدعيها الحرب في مواجهة الحوثيين القدرة على اتخاذ موقف من الجماعات المتشددة التي قد تكون قريبة من القاعدة. وفي وضع سائل وغير مراقَب لا يمكن ضبط تدفق السلاح وحركة المال التي يستفيد منها الجميع بدون تمييز.

مأرب الفرصة والتحدي

إن مأرب الصاعدة في مشهد اليمن الحالي تحصد ضعف الجميع وتعاني منه في الوقت نفسه، وهي تكثّف أعباء الحرب وامتيازاتها، وفيها يمكن رؤية كيف تغير ديناميات الصراع المسلح هوية المكان والتحديات أمامه. ولذلك فبعد أكثر من عامين ونصف من حرب وصلت إلى أطراف المدينة تماماً وما زالت تشتعل في مديرياتها وحدودها، يصبح مفاجئاً كيف تضخم المكان الصغير وأصبح مدينة كبيرة نسبياً وواعداً بالفرص الاقتصادية التي تأتي مرفقه بالاستقرار المعقول التي تعيشه. ولكن ذلك لا يخفي ايضاً التحديات والمخاوف في ظل استمرار الحرب ونمو المصالح المتصلة بها، واعباء معركة كبرى مستمرة تستهدف صنعاء، ويفترض ان تُحسم انطلاقاً من مأرب، علاوة على مطامع واسعة لا تغفل عن وفرة مواردها نسبياً، قياساً لشحتها في الأماكن الأخرى في اليمن.

* كاتب وباحث من اليمن، مدير مركز صنعاء للدراسات