ما الذي يعنيه تعيين رئيس جديد لحكومة “الشرعية” اليمنية؟

ما الذي يعنيه تعيين رئيس جديد لحكومة “الشرعية” اليمنية؟

فارع المسلمي

منذ أيام، أدى رئيس الوزراء اليمني الجديد، الدكتور معين عبد الملك، اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي في منفاهما بالعاصمة السعودية الرياض. وكان الرئيس هادي قد أطاح برئيس وزرائه ورفيقه في المنفى والفشل، الدكتور أحمد عبيد بن دغر. وهذه هي المرة الثانية التي يطيح فيها هادي برئيس حكومة إذ سبق له أن كلف بن دغر بالوزارة إثر “انقلاب” ضمني ضد رئيس الوزراء السابق خالد بحاح في نيسان / أبريل 2016. فما هي خلفيات هذا القرار الجديد، وهل سيغير شيئاً من الواقع على الأرض؟ والأهم من ذلك، ما هي تداعيات إقالة بن دغر بهذا الشكل وهذا التوقيت؟

 

تاريخ من الفشل والفساد

منذ تولي بن دغر منصبه كرئيس للوزراء في ربيع 2016، انهار الريال اليمني من 275 ريال مقابل الدولار الواحد حتى وصل الى 735 ريالاً للدولار. وفي يوم إقالته في 15 تشرين الاول / أكتوبر 2018، قالت منسقة الأمم المتحدة لشؤون اليمن أن الجوع يهدد 13 مليون شخص في البلاد خلال الاشهر القادمة (يشكلون حوالي نصف سكان البلاد)، وأن الأمر قد يتحول إلى أسوأ مجاعة منذ قرن.

أما خلفية الإقالة فهي ترتسم على الشكل التالي: بعد مواجهة سياسية مع الإمارات في أكثر من أزمة ساخنة في عدن وسقطرى، كسب بن دغر فئة كبيرة ومهمة من جمهور “الشرعية” على الرغم من فشله في كل الملفات الأخرى. كان في رأس هادي اعتبارين لاقالة بن دغر، لم تكن رئاسة الوزراء أكثرهما أهمية. فبقدرات بن دغر وديناميته وتحولاته اللامتناهية، كان قد بدأ في سحب البساط “سياسياً” من هادي، على الاقل بنظر بعض الخليجيين واليمنيين. والأهم من ذلك أنه كان يعد نفسه لقيادة “حزب المؤتمر الشعبي العام”، الذي تركه علي عبدا لله صالح ليحاول كل تلاميذه وراثته من بعده، بعد عجزهم عن وراثته في حياته أو حتى التعلم منه حينما كان على قيد الحياة. ولذلك جاءت إقالة هادي لبن دغر والتحقيق معه بهدف قطع الطريق عليه للوصول إلى قيادة الحزب، كما كانت بهدف محو أي حضور سياسي له. الهدف الاخر غير المعلن – بعد – للرئيس هادي يتمثل في محاولة استنساخ مجلس نواب يمني (آخر). وسيتطلب ذلك، من ضمن ما يتطلبه، إبعاد بن دغر من رئاسة الوزراء، وفق الحسابات البدائية للسياسة اليمنية.

بعد أن استخدم هادي كل أيادي شركائه، من الاصلاح إلى الجنوبي إلى الحوثيين، لم يعد له من أداة نظيفه – أو مهمة برمزيتها – سوى ثورة 2011، وها هو ييدأ في استخدامها ضمن تركيبة فضائحية.

لم يستجب بن دغر مؤخراً لتوفير كل المواصفات المطلوبة “هادوياً” في شخص رئيس الحكومة، ذلك أنه بدأ يتخذ قرارات خاصة به على الرغم من أنه استمر بسلاسة في تيسير شؤون فساد الرئيس وأقاربه. ولذلك لم يتردد هادي في اللجوء إلى ابتزازه بوسائل أخرى، تخص حياته الشخصية، بخلاف محاسبته على الفساد.

كان بن دغر يرأس تشكيلة حكومية تضم وزارة سياحة لبلدٍ السياح الوحيدون القادرون على السفر إليه، بين وقت وآخر، هم مسؤولوه الذين يأتون إليه في زيارات خاطفة من الخارج. وهناك في الوزارة أكثر من 30 حقيبة، أي أنها حكومة أكبر بمرتين من الحكومة الأمريكية، بدلاً من أن تكون حكومة حرب وطوارئ مصغرة.

عُزل خالد بحاح قبل عامين لأن يداه خاليتان من الدم، وعُين بن دغر بديلاً عنه رئيسا للوزراء لمساوئه وأهمها حبه لمكاسب الريع وفساده. ثم عُزل بن دغر مؤخراً لمزاياه، فهو يفهم في السياسة في الوقت الذي عُين خليفته، عبد الملك، للا سياسيته، أي لأنه لا يشكل أي تهديد من أي نوع ، كونه لا يمتلك أي قدرات سياسية، وأهم من ذلك فهو ليس وجهاً لأي مشروع.

 

من يخسر ماذا ومن يربح ماذا؟

بالإطاحة ببن دغر، يخسر كثيراً “المؤتمر الشعبي العام” (حزب علي عبد الله صالح والرئيس هادي) حيث لم يعد له في السلطة أحداً يمثل وزناً حقيقياً، لا في صنعاء ولا في الرياض. كما يخسر قليلاً “حزب الاصلاح” (الاخوان المسلمون)، ذلك أن عبد الملك – على عكس بن دغر- لا يوقع كشوفات مالية وأوراق دون حتى أن يقرأها، ولا يجند جنوداً وهميين. لكنه – أي “الإصلاح” – قد حمى مكاسبه بتطويق وتقاسم القرار الرئاسي، وأهم من ذلك فهو راضٍ عما ابتلعه بفضل تفرده بالوجود على ساحة الحرب كما قبل ذلك بتفرده في ساحة الثورة وفي العملية الانتقالية.

سياسياً، الخاسر الأول هو في الواقع “المجلس الانتقالي الجنوبي”، فبينما تحقق طلب المجلس العلني بالإطاحة بحكومة بن دغر، فقد أبقي على الحكومة كما هي، ولم يكن بن دغر إلا وجهاً – غير حصري – لردائتها. وبذلك تستمر في البقاء عواقب سياسات ووزراء وسفراء هذه الحكومة التي انتفض المجلس – وحليفته الامارات عليها .

ومن غير الواضح بعد إن كانت الصلات الحميمة لعبد الملك مع السعودية كافية للسماح له بالعمل على الأرض جنوباً. ذلك أنه من النادرأن أقام رئيس الجمهورية أو رئيس وزراءه في العاصمة المؤقتة عدن، خاصة منذ مواجهات كانون الثاني / يناير المنصرم المسلحة بين قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي وقوات تابعة للرئيس هادي. وهي – العاصمة المؤقتة عدن – بلا محافظ منذ أكثر من عام منذ استقالة المحافظ السابق الذي منعه المجلس الانتقالي الجنوبي حتى من دخول مبنى المحافظة وعجز عن ممارسة مهامه من عدن.

لأن البلاد في حالة حرب منذ سنوات ووقودها هم الشباب، فمنحهم رئاسة الوزراء هو ثأر من الثورة – التي كانت الإنجاز الأعظم والأكثر شمولية ويمنية لهذا الجيل – بحرقها في منصب رمزي في منفى، وفي قلب استقطابات حرب أهلية وإقليمية بدائية غير وطنية أو محترمة بالأساس.

أما الفئة الاكثر خسارة (وهي التي تتوهم أنها تخسر بينما هي تربح في أكثر الأحيان، وتخسر في كل مرة تعتقد أنها تكسب) فهي الثورة والشباب. فمما لا شك فيه أن صعود عبد الملك كوجه جديد برز مع 2011 هو انتصار معنوي للفكرة والثورة بحد ذاتها. على أن الصعود بلا أي مقومات وتحمل مسؤولية بلا سلطة ولا موارد ولا سيادة وفي هذه اللحظة، هو صعود للهاوية وحرق لفكرة الثورة، واستخدام لها لغسيل ملابس هادي المتسخة جداً. فبعد أن استخدم هادي كل أيادي شركائه، من الاصلاح إلى الجنوب إلى الحوثيين، لم يعد له من أداة نظيفه – أو مهمة – برمزيتها سوى ثورة 2011، وها هو ييدأ في استخدامها ضمن تركيبة فضائحية. وعلاوة على اختلال فكرة الحديث عن تمثيل للثورة والشباب – في وضع كالوضع الحالي أصلاً بغض النظر عن الأفراد – فهي تمثيلية غير ذات معنى لأن البلاد في حالة حرب منذ سنوات ووقودها هم الشباب، بل وأبعد من ذلك، أنه تمثيل يثأر من الثورة التي كانت الإنجاز الأعظم والأكثر شمولية ويمنية لهذا الجيل، بحرقها في منصب رمزي في منفى، وفي قلب استقطابات حرب أهلية وإقليمية بدائية غير وطنية أو محترمة بالأساس.

 

القادم الجديد

يمتلك معين عبد الملك كل المواصفات اللازمة ليعين خلفا لبن دغر: فهو شاب (نسبياً: 42 عاماً) وسياسي صاعد يمتلك سمعة نظيفة مقارنة بغيره. أهم من ذلك، هو رجل يتمتع بصلات جيدة مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على حد سواء. وهو اقتصاديا نيوليبرالي، وسلوكياً فهو من النوع الذي لا يقول “لا” لأحد أو لشيء، وهو لا يغضب لأحد أو من أحد ولا لشيء أو من شيء، ويمكن أن يتحدث لساعات دون أن يقول شيئاً، ليست له عداوات ولا شراكات استراتيجية، فلا هو قريب أو بعيد من أي أحد، ذلك أنه دوما قريب فقط من المكان الذي يقف فيه عادة في تلك اللحظة.

أهم من ذلك – بالنسبة لهادي تحديداً – فعبد الملك رجل مخلص لكل رؤسائه (بكل مستوياتهم وأشكالهم)، فهو تكنوقراطي وفني بتطرف، ولا يشكل أي تهديد سياسي مباشر، وفي ذلك سبب من أسباب قوته، فهو ليس قادماً من الوحل، أي من التجربة السياسية التي قدُم منها أغلب رؤساء الوزراء السابقين. فعلى الرغم من تبوؤه مناصب عدة منذ العام 2011 (“مؤتمر الحوار الوطني”، “لجنة الأقاليم”، “لجنة الدستور”، وزارة الأشغال العامة، “إعادة الإعمار”، الخ..)، إلا أنها جميعاً مناصب تقلّدها لوظيفيته وتسوويته وليس لاستحقاق وجهد سياسيين. والأهم من ذلك فقربه من الرئيس حينها مبني على علاقات شخصية وليس على امتلاكه مشاريع كبرى أو أي شكل من الحضور العام خارج إطار ما يحمله المنصب لحظتها من صفة.

هذا التعيين عملية ترميمية مهمة لصورة الشرعية. إلا أن كل قرارات الحكومة والقرارات التنفيذية تُتخذ بين الرئيس وأبنائه ومجموعة قليلة حوله. ولذلك، فباستثناء الصفة الرسمية، ليس من الواضح ما الذي تسلح به عبد الملك لمواجهة واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيداً، وبلدٌ أكثر من نصف سكانه على حافة الجوع!

وفي نهاية المطاف، وأخذاً بمآلاتها، فما ناله من مناصب وما قام به من مسئوليات – وعلى الاخص “العملية الانتقالية” وتفاصيلها كلجنة تقسيم الاقاليم، ومسودة الدستور التي لغّمت البلد وفجرت فيه حرباً أهلية وإقليمية – ليست تجارب مشرفة أو رصيداً سياسياً يعتد به المرء… هي تجارب يمكن للمرء أن يضيفها على حسابه المهني على شبكة “لينكد ان”، لكنه يشطبها من تاريخه السياسي ولا يستحضرها حينما يتحدث عن نفسه.

ثم إن عبد الملك قريب من القطاع الخاص ويحظى بثقته. وبينما قد يكون هذا الامر مصدراً للالتباس لا ميزة ايجابية، الا انه محمي بسمعته النظيفة مالياً – حتى الآن على الاقل – كما هو محمي بوضع الحرب الحالية التي تجعل من الحاجة للتنسيق مع القطاع الخاص أمراً في غاية الاهمية.

على أن الإرتباط الأهم (والذي يمكن أن يشكل فرصة وخطراً في الوقت نفسه) الذي يمتلكه عبد الملك، هو مع الفاعلين الدوليين، ولو على مستوى السفراء فحسب. يرتكز هذا جزئياً على ديناميته وخلفيته: فهو رجل ينحدر من الطبقة الوسطى العليا، إبنٌ لدبلوماسي ومستثمر، ويجيد الانجليزية وعمل عن قرب مع الكثير من المنظمات الدولية وسفراء الدول الـ18 في السابق. كما لا يوجد لديه – ولهذا جزئياً علاقة بشخصيته الملساء التي تتجنب المواجهة – أي اعتراض حاد أو مباشر على سياسات البنك وصندوق النقد الدوليان في اليمن، أو حتى مجرد تساؤل أو نقاش حولها، وهي التي لعبت أيضاً دوراً مباشرا في تقويض استقرار البلاد وجرها الى حرب أهلية، حتى قبل هذه الحرب الأخيرة، وكان آخرها توصياتها برفع الدعم عن المشتقات النفطية في العام 2014.

يستطيع القادم الجديد العمل من مكانه على تسريع إنهاء الحرب ليكون منصبه الحالي جسراً له لاكتساب شرعية الإنجاز، وهي المهمة التي أخل بها جميع من سبقوه.

وعلى الرغم من مخاطر القرب من المؤسسات المالية الدولية، بسبب العواقب على الساسة والحكومات، إلا أن ذلك القرب يمكن أن يمثل امتيازاً هائلاً لعبد الملك في وضع كوضع اليمن الحالي. ذلك أنه يستطيع إستغلاله والثقة التي يحظى بها في ذلك الوسط لحشد الموارد المالية الدولية والخليجية لليمن. وخلال الأعوام الماضية، كان من النادر تمرير أي دعم دولي وأحياناً خليجي لليمن عبر الدولة اليمنية، لأسباب كثيرة منها فقدان الثقة بشفافية وفعالية الحكومة السابقة. وهكذا، فإن باستطاعة معين عبد الملك استعادة تلك الثقة وتفعيل علاقات اليمن بالعالم لصالح اليمنيين.

تحديات

بالمجمل، فإن تعيين القادم الجديد هو في جوهره عملية ترميمية مهمة لصورة الشرعية، وإن كان ليس من الواضح إن كان لذلك أي انعكاسات على المدى الطويل على المستوى العسكري، لانعدام خبرته في الجيش أولاً، ولكن والأهم من ذلك، لأن كل قرارات الحكومة والقرارات التنفيذية تُتخذ في الواقع بين الرئيس وأبنائه ومجموعة قليلة حوله. لذلك فباستثناء الصفة الرسمية، فليس واضحاً ما الذي قد تسلح به الرجل لمواجهة واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيداً، وبلد أكثر من نصف سكانه على حافة الجوع!

التحدي الأكبر لعبد الملك هو أن شرعيته في منصبه تتساوى مع شرعية بن دغر قبله، ونظيرهما بن حبتور في صنعاء. ذلك أن تشكيل جميع هذه الحكومات مخالف لقرار مجلس الأمن ٢٢١٦. وإضافة إلى ذلك، فهي حكومات لم تحظ حتى بتصويت البرلمان – على الرغم من كل الجدل حوله – وهي تقويض لأسس المبادرة الخليجية ولكل فكرة الشرعية، لأنها مشكّلة ضد مبدأ التوافق، وأهم من ذلك لأنها لا تخضع لأي رقابة أو أي تقييم غير تقديرات الرئيس الشخصية ومعه دائرته الصغيرة جداً وغير المعروفة أبداً بصفاتها الفذة. ولعل أخطر ما في ذلك أنها تخضع فحسب للتقديرات والمكاسب الحربية لجميع الأطراف. حين تمت إقالة خالد بحاح قبل عامين، دعم “حزب الإصلاح” ذلك القرار، لأنه تلاءم مع حساباته الحربية حينذاك، على الرغم من الخلل الخطير والمريع والثغرة التي فتحها فيما يتعلق بالشرعية..

يستطيع القادم الجديد العمل من مكانه على تسريع إنهاء الحرب ليكون منصبه الحالي جسراً له لاكتساب شرعية الإنجاز والتي أخل بها جميع من سبقوه. يمتلك عبد الملك أفكاراً جيدة، وبعضها جديد، لكن قدرته على الإنجاز – في ظل اختلال كل التمثيلات والشرعيات حالياً – ستبقى هي معيار تقييمه الأهم.

كانت العملة مثلاً هي “خبر” بن دغر والتجسيد الأمثل لفشله ولصوصيته، ولهمجية الحوثيين وانعدام مسؤوليتهم، وهي كذلك المبتدأ والخبر بالنسبة لعبد الملك. فان نجح في إعادة الاستقرار لها واستغل الزخم الأممي والدولي الموجود حالياً بخصوص الملف الاقتصادي، ونجح في إعادة تفعيل الهدنة الاقتصادية ودفع المرتبات لجميع اليمنيين (كان بن دغر قد هدد بعدم تسليم الرواتب لليمنيين القابعين تحت سيطرة الحوثيين، وذلك في الواقع جريمة حرب، وهو الوعد الوحيد الذي أوفى به!)، فسيكون قد نجح كثيراً.. أكثر من التوقعات المحيطة به.

والوصمة الكبرى للشرعية هي عملها الدؤوب على استحقاق لقب “حكومة الفنادق”. فعلى الرغم من ادعائها تحرير 85 في المئة من الأراضي اليمنية، فهي ما زالت تعيش في المنفى! وفي حال أراد عبد الملك التمايز عنها، والحفاظ على احترامه لنفسه واحترام الناس له، فعليه أن يتصرف كرئيس لحكومة اليمن وليس كسفير لها (أو إليها) في/ من الخارج.

 


تنشر بالتوازي مع السفير العربي