الاتفاق النووي الإيراني والحرب اليمنية: فرصة ريادة سياسية أمام الاتحاد الأوروبي

الاتفاق النووي الإيراني والحرب اليمنية: فرصة ريادة سياسية أمام الاتحاد الأوروبي

فارع المسلمي

تحميل الورقة

مقدمة

مع اقتراب التدخل العسكري الخارجي في اليمن من إنهاء عامه الرابع، تجتمع الأحداث العالمية لتشكل نافذة نادرة من نوعها لوقف النزاع، غير أن هذا سيتطلب لاعباً دولياً قوياً لرعاية هذه العملية، ويعد الاتحاد الأوروبي هو الأقدر حالياً على تولي هذا الدور.

أثار قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي اهتماماً عالمياً وضع سلوك حكام الرياض تحت المجهر، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالتدخل العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن. فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية، عالقة في حالة جمود لجبهات القتال مع جماعة الحوثيين التي سيطرت على العاصمة صنعاء في العام 2014. دفع المدنيون ثمن النزاع بشكل رئيسي، مما أدى لأخطر حالة طوارئ في العالم ودفع البلاد إلى ما تعتبره الأمم المتحدة “أسوأ مجاعة في التاريخ الحديث”. وقد فشلت المحاولات المتتالية لعقد محادثات سلام، وآخر مرة جلست فيها الأطراف المتحاربة على طاولة المفاوضات كانت قبل أكثر من عامين.

على الرغم من هذا التحفظ المعلن للانخراط في الجهود الرامية إلى حل سياسي، إلا أن أطراف هذا النزاع المستعصي على ما يبدو تسعى جميعها في الواقع إلى إيجاد مخرج، لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك دون وسيلة لحفظ ماء الوجه، وقد أتاح خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني هذا العام فرصة لذلك الغرض تحديداً، فمع انسحاب واشنطن وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية، أمكن للسعودية – الساعية بأي شكل للخروج من حرب استنزفت سمعتها ومواردها – أن تزعم انتصارها على إيران اللدودة، في وقت تمتلك فيه قواتها اليد العليا عسكرياً في اليمن.

في الجانب الآخر، تسعى طهران لإقامة علاقات أوثق مع أوروبا لموازنة علاقتها المتردية مع واشنطن، وبالرغم من اللغط المعتاد حول العلاقة بين الطرفين، تبقى إيران الدولة الوحيدة الفاعلة التي يصغي إليها الحوثيون والتي يمكنها أن تراجع حساباتها – نظراً لهامشية الحرب اليمنية بالنسبة لمصالحها القومية – ويمكن أن ترى في التعاون مع أوروبا لإنهاء الحرب حركة ذكية لصالحها.

يبدو أن الاتحاد الأوروبي هو اللاعب الوحيد الذي يمكنه الاستفادة من توافق المصالح القائم حاليا، حيث فقدت الولايات المتحدة صفتها كطرف محايد بالمنطقة في هذا الملف تحديدا، كما دخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حالة جمود بسبب الخلاف حول الحرب. من الممكن أن يكون عمل الاتحاد الأوروبي مكملاً لجهود الوساطة المستمرة التي يبذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، ليأتي نفوذ الاتحاد وشرعيته وموارده فيلعب دور الضامن.

الأهم من ذلك الهيبة التي يتمتع بها الاتحاد أمام أقوى لاعب في النزاع، أي السعودية، كما تجري الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالفعل محادثات مع طهران بشأن مستقبل الاتفاق النووي، ومن شأن تفعيل هذه القنوات في الدوائر المغلقة أن يضاعف جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي للحرب اليمنية.

 

الاتفاق الإيراني مقابل حرب اليمن

في حين كان توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 بمثابة لحظة فاصلة بالنسبة للدبلوماسية الدولية، وإرث السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فإن ما لم يعرف كثيراً حينها كان ثمن الاتفاق، أي (حرب اليمن).

استشاطت السعودية غضباً من إدارة أوباما على توقيعها خطة العمل الشاملة المشتركة – والتي خففت العقوبات على إيران مقابل الحد من برنامجها لتخصيب اليورانيوم وقبول الرقابة الدولية عليه – كما رأت الرياض أن الاتفاق يعزز قوة عدوها اللدود في الخليج العربي. لم يقد التوسع الحوثي العسكري في اليمن خلال عام 2014 وأوائل 2015 إلا إلى تفاقم الارتياب لدى الرياض من أن ذلك يشجع طهران على تأسيس قاعدة عمليات متقدمة في الخاصرة الجنوبية للسعودية.

لتهدئة هذه المخاوف ومنع الرياض من عرقلة خطة العمل الشاملة المشتركة، أعطى أوباما عملياً السعودية وحلفاءها شيكاً على بياض للتدخل عسكرياً في اليمن. فقد زودت إدارة أوباما، وبدعم من بريطانيا، التحالف العسكري بقيادة السعودية بسفن حربية للمساعدة في فرض حصار بحري على الموانئ اليمنية، وبدعم جوي عبر تزويد الطائرات الحربية التابعة للتحالف بالوقود في الجو، إضافة إلى خبراء في المجال العسكري والاستخباراتي لمقر العمليات العسكرية التابع للتحالف في الرياض.

من جهة أخرى سرعت الإدارة الأمريكية وتيرة عمليات بيع الأسلحة المتطورة إلى الجيشين السعودي والإماراتي، وأعاقت بشكل مستمر التحركات الأممية لإدانة التحالف مع تصاعد الخسائر في صفوف المدنيين اليمنيين، وانهيار اقتصاد البلاد واقتراب ملايين الناس من حافة المجاعة، في الوقت الذي أصبح اعتيادياً اليوم بالنسبة للديمقراطيين الأمريكيين أن يوجهوا النقد بصورة دائمة على إدارة ترامب لمنحها السعوديين الضوء الأخضر بخصوص حرب اليمن، إلا أن ما يغيب عن ذاكرتهم أن إدارة أوباما كانت هي من بدأ في الواقع بدعم المغامرة العسكرية الكارثية التي دخلتها السعودية في اليمن.

 

حرب استنزاف وتحالفات متوترة

في 26 مارس/ آذار 2015، أطلق التحالف العسكري بقيادة السعودية رسمياً حملته لِلَجم الحوثيين وإعادة تثبيت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في العاصمة صنعاء، إلا أن العملية المسماة “عاصفة الحزم” لم تمتلك من “الحزم” شيئا عدا الاسم، ففي حين شهدت بعض النجاحات المبكرة صيف عام 2015 بدحر المسلحين الحوثيين خارج مدينة عدن الساحلية والمحافظات الجنوبية، شهدت السنوات الثلاث من النزاع حالة توازن قوى،. وقد انحدرت البلاد ككل إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، في حين تشير بعض التقديرات إلى أن تكلفة الحرب على السعودية وحدها تصل إلى 6 مليارات دولار في الشهر.

إذا كان بوسع المرء أن يقول أن هناك فترة شهر عسل في الحرب، فإنها انتهت الآن في اليمن. ومن وجهة نظر فض نزاعات، فإن ذلك يوحي بفرصة نحو السلام. ذلك أيضاً أن الأطراف المتحاربة اليوم بالتأكيد -من نواح كثيرة – متذمرة من حلفائها أكثر من أعدائها. فطوال عام 2017، اندلعت أعمال عنف بانتظام بين القوات الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والقوات شبه العسكرية المدعومة إماراتياً في اليمن.

أوائل العام 2018، اجتاحت الاشتباكات عدن، العاصمة الفعلية للحكومة اليمنية في البلاد منذ 2015، وذلك عندما هاجمت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم إماراتياً القوات الحكومية في المدينة. في حين عاد هادي بشكل متقطع إلى المدينة، استمرت التوترات بالظهور وسط تزايد الاحتجاجات على الأزمة الاقتصادية في البلاد، لتبلغ ذروتها بدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي لانتفاضة شعبية ضد الحكومة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

لم يعد سراً أن المسؤولين الإماراتيين والسعوديين ينظرون إلى الرئيس هادي بازدراء، حيث يعتبرونه رجل دولة فاسداً وقائداً ضعيفاً بالكاد يتمتع بتأييد بعض المواطنين اليمنيين. وفي غضون ذلك، تواجه الأنظمة الملكية الخليجية انتقادات دولية متزايدة تهز سمعتها بسبب تزايد الشواهد على جرائم حرب. هذه الأخبار المكلفة على السمعة – كغارة قوات التحالف في 9 أغسطس/ آب على باص مدرسي بمحافظة صعدة التي أسفرت عن مقتل 40 طفلاً – شهدت معارضة التحالف تصاعدا ملحوظا داخل الأروقة الأوروبية والأمريكية والأمم المتحدة. ولم يؤد مقتل خاشقجي إلا إلى تعزيز النظرة الدولية إلى السعودية كلاعب أرعن في المنطقة.

كما أدت حملة التحالف الحالية على طول السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر الرامية إلى انتزاع مدينة الحديدة من الحوثيين، والتي بدأت في يونيو/ حزيران من هذا العام، إلى نزوح ما يقارب النصف مليون شخص. حتى أن أكثر حلفاء التحالف ثباتاً – بمن فيهم قادة في الكونغرس في واشنطن – حذروا من الفشل المرجح للحملة بتحقيق أهدافها في الوقت الذي قد تتسبب فيه بتداعيات إنسانية هائلة. يعد ميناء الحديدة أكثر الموانئ فاعلية في اليمن ونقطة دخول لمعظم الإمدادات التجارية والإنسانية للبلاد، ومن شأن الانقطاعات في شحنات البضائع عبره أن تهدد ملايين الناس بالمجاعة.

في حين أعلن التحالف عن “توقف مؤقت” في الهجوم في يونيو/ حزيران – ومنح الوقت بشكل رسمي لمبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليمن لمتابعة جهود خفض التصعيد – شهدت الأيام الأولى من نوفمبر/ تشرين الثاني هجوماً جديداً، فانتصار التحالف هنا يعني إبعاد الحوثيين عن البحر، على الرغم من أن هذه العملية قد تؤدي إلى تجويع جماعي على نطاق غير مسبوق في العصر الحديث، ودون أفق  لإنهاء النزاع بالضرورة نظراً لإثبات الحوثيين قدرتهم على شن حرب عصابات طويلة الأمد.

مع ذلك، ومهما بدا وضع التحالف سيئاً، فإن وضع الحوثيين أكثر سوءاً. ففي أواخر العام 2017، انهار تحالفهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، مما أدى إلى مواجهات مسلحة في صنعاء أدت إلى مقتل الأخير، وفي الوقت الذي تمارس فيه قوات الحوثيين سلطة أكبر في المناطق التي سبق أن شاركت إدارتها مع صالح، فإن التسريبات الاستخباراتية من شبكات صالح السابقة أدت إلى اغتيال شخصيات عسكرية وسياسية حوثية رفيعة المستوى.

حافظ صالح وحزبه (المؤتمر الشعبي العام) على شبكات دبلوماسية واسعة وفّرت قنوات تواصل قيّمة بين الحوثيين والغرب. وخسارة هذه المعطيات جعلت قيادة الحوثيين تشعر بعزلة شديدة، مع بقاء طهران الخيار الوحيد لإيصال صوتها إلى الساحة الدولية. وعلى الأرض، يفقد الحوثيون الميدان ببطء منذ أكثر من عام، بينما استمروا في إطلاق صواريخهم الباليستية صوب الأراضي السعودية وشن هجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، بهدف جذب الانتباه إليهم إعلامياً بغض النظر عن جدواها عسكرياً.

ينم الحكم القمعي المتزايد في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين عن مدى شعور القادة في صنعاء بالضعف والخطر، فقد أصبحت الحرب بالنسبة للحوثيين أشبه باختبار لمدى قدرة تحملهم للعقاب المستمر – ليس فقط على طول الجبهات بل أيضاً في وجه القصف الذي لا يلين للتحالف على شمال اليمن.

لقد استُنزفت جميع أطراف النزاع، وكلها تبحث الآن عن مخرج. ومع ذلك، فإن الأطراف المتحاربة الغارقة في زخم النزاع تقف على مفترق طرق أمام مرحلة هي الأكثر فظاعة في هذه الحرب. وفي مثل هذه الأوقات تحديدا تلوح فرصة التوسط من أجل السلام.

 

الفرص المنبثقة من شراسة ترامب تجاه إيران

تتطلب عملية فض النزاعات الناجحة، من ضمن ما تتطلبه، أن تتمكن الأطراف المتحاربة من حفظ ماء الوجه. وسواء انتصر طرف من أطراف النزاع فعلاً أم لم ينتصر، يبقى ذلك في الواقع أقل أهمية من قدرته على الظهور (شكليا) بعباءة المنتصر.

ومع انسحاب الرئيس ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، وفرضه عقوبات جديدة على إيران، يمكن القول أن السعوديين انتصروا بشكل ما، على الأقل في سياق الحرب الباردة والصفرية التي تخوضها المملكة وإيران. من هذا المنظور، يصبح النصر الذي حققته طهران في تأمين الاتفاق النووي هزيمة. يمكن للرياض الآن الاحساس  بفكرة أنها استعادت زمام المبادرة ضد عدوها اللدود، وبالتالي ينحسر الدافع أمام التدخل العسكري في اليمن، كما أن الإمارات – التي دخلت نزاع اليمن على الأرجح تضامناً مع الرياض – ستؤيد أي خيار مستقبلي تتخذه السعودية في هذا الملف.

سرعان ما اكتسحت القوات المدعومة من التحالف الساحل الغربي لليمن، وتقدمت شمالا من الحدود السعودية إلى معقل الحوثيين ​​بمحافظة صعدة. هذه المكاسب، التي لا تزال بعيدة عن النصر العسكري الحاسم، منحت التحالف زمام المبادرة وستسمح للرياض وأبو ظبي بالدخول في مفاوضات سلام من موقع قوة – وهو الموقف الوحيد الذي سيكون مقبولاً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره العقل المدبر لتدخل التحالف في اليمن، وقد يؤدي الضغط الدولي بعد مقتل خاشقجي  داخل القنصلية السعودية في اسطنبول مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، إلى جعل الشروط مناسبة أكثر للحل السياسي. في الوقت الذي تنفي فيه الرياض بشدة الادعاءات بالتورط الرسمي في العملية، من شأن إشارات ملموسة على التزامها بحل سلمي للحرب اليمنية أن تساعد على إعادة ترميم الصورة المشوهة للمملكة بعد هذه الحادثة.

في الجهة الأخرى من الخليج، مكنت خطة العمل الشاملة المشتركة وإعادة انتخاب الرئيس البراغماتي حسن روحاني عام 2017 من تحقيق انفتاح اقتصادي متواضع ومتدرج، وأخرجت إيران من عزلتها الدولية، كما ساعدت على تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية. كان من بين الصفقات التي حصدت العناوين الرئيسية بعد توقيع خطة العمل المشتركة، مبيعات طائرات بقيمة 40 مليار دولار تقريباً مع شركة بوينغ الأمريكية و إيرباص الفرنسية، وتوقيع عقد آخر لمدة 20 سنة بقيمة خمسة مليارات دولار مع شركة توتال الفرنسية للنفط والغاز، وشركة CNPC الصينية الحكومية لتطوير المرحلة 11 من حقل غاز بارس جنوب إيران.

ومع انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة في شهر مايو/ أيار من هذا العام – والتي تبعها انسحاب العديد من الشركات العابرة للقارات من الصفقات التي تم توقيعها حديثاً مع طهران – فقد تراجعت آمال إيران في النمو الاقتصادي. في الوقت الذي كان فيه المتشددون في طهران يصيحون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها ويوجهون رسائل نارية إلى واشنطن، ألمحت الحكومة الإيرانية أنها تسعى للحفاظ على أكبر قسم ممكن من خطة العمل الشاملة المشتركة. ومع ارتفاع معدل التضخم وتراجع العملة المحلية والاحتجاجات على الوضع الاقتصادي التي تجتاح البلاد، لا تستطيع إيران تحمل كلفة العودة إلى العزلة والعقوبات الكاملة. بينما يظهر قادة من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي –وجميعهم من الموقعين على “خطة العمل الشاملة المشتركة” – علناً ووراء الكواليس نيتهم التمسك بالاتفاق، على الرغم من التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تقوم بالتعامل مع إيران.

منذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني، عززت أوروبا جهودها لإنشاء مركز لتبادل المعلومات يهدف إلى الالتفاف على النظام البنكي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وذلك لتمكين الشركات من الاستمرار بالتعامل مع إيران. وبينما تظل التفاصيل غامضة وغير مضمونة الجدوى، فإن هذه التحركات تكشف عن حسابات أوروبا المتمثلة في أنه يجب الحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة بطريقة ما وببقاء طهران كطرف فيها.

في الوقت نفسه، وبينما تقدم إيران بانتظام دعماً جماهيرياً للحوثيين في اليمن، فقد استثمرت فعلياً القليل من رأسمالها سواء السياسي أو العسكري أو الاقتصادي في النزاع. وهذا يختلف عن العراق وسوريا وجنوب لبنان، التي تعتبرها طهران حاسمة في دائرة موقعها الجيوسياسي وأمنها القومي، وبالتالي استثمرت فيها بكثافة للحفاظ على مصالحها.

بالنسبة للإيرانيين، فإن الحوثيين  كانوا فقط ملائمين بشكل كبير لاستنزاف سمعة و موارد السعودية، وكان الإيرانيون بالمقابل سعداء لتقديم الدعم التدريجي والمحدود كلما سنحت الفرصة. ومع ذلك، حتى وفق الاحتمال المستبعد باستسلام الحوثيين أو “انتصار” التحالف، لن تفقد طهران الكثير. وفي الواقع لا يخفي القادة الحوثيون وجهة نظرهم بأنهم، إذا توافرت الضمانات المناسبة، سيكونون منفتحين لتحالف استراتيجي طويل الأمد مع السعودية في اليمن.

هذه المعطيات تظهر أن الفرصة لتهيئة الظروف لتسوية النزاع في اليمن مواتية، حيث أن قدرة الرياض على حفظ ماء الوجه، ورغبة طهران في إقامة علاقات أعمق مع أوروبا، من شأنها فتح الباب أمام تحييد فعلي للاعبين الإقليميين في النزاع اليمني.

 

لماذا الولايات المتحدة غير قادرة، والأمم المتحدة غير كافية لتيسير عملية السلام في اليمن

من المتفق عليه على نطاق واسع أنه لا يوجد حل عسكري للنزاع في اليمن، بل هناك حل سياسي فقط. من بين القوى العالمية، فإن الولايات المتحدة ليست في وضع يمكنها من لعب دور الوسيط في اليمن. مع سلسلة من التحركات المستفزة في المنطقة، كالانسحاب من الاتفاق النووي والاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، خسرت واشنطن في ظل رئاسة ترامب رأس مالها الأكبر في الشرق الأوسط: الافتراض – أو الوهم – أنها يمكن أن تكون جزءاً من الحل.

في حين أن الولايات المتحدة نادراً ما ينظر إليها كلاعب دولي محايد في الإقليم، إلا أنه كان هناك اعتراف ضمني بقدرات الديناميكية الأمريكية. حيث سهَّل هذا تاريخياً الجهود الدبلوماسية السابقة في المنطقة بقيادة واشنطن – من بينها اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية أوسلو – سواء أكانت هذه الاتفاقات قد حققت أهدافها المعلنة أم لا، أو كانت/لم تكن جيدة أصلاً، لم يعد اليوم هناك وهم بالعمق أو الإيثار في السياسة الخارجية الأمريكية. كما لم يعد يوجد الكثير من الثقة بالتزام واشنطن ووفائها بالالتزامات التي تقطعها.

تواجه الأمم المتحدة أيضاً أزمة مصداقية في اليمن. حيث أن جمال بن عمر، أول مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن بعد انتفاضة عام 2011، كان قد أشرف على المرحلة الانتقالية الفاشلة في البلاد، في حين كان بن عمر الوسيط والميسر الرسمي بين الأحزاب السياسية، وكان ينظر إليه على نطاق واسع على أنه يتخطى هذا الدور ليصبح شخصية محورية في اتخاذ القرار بنفسه – وهو موقف وفر من خلاله غطاءً سياسياً للرئيس هادي بعد بروز إخفاقاته المتزايدة كرئيس انتقالي.

استقال بن عمر بعد فترة وجيزة من بدء التحالف العسكري بقيادة السعودية لأول حملاته لطرد قوات الحوثي من عدن في مارس/ آذار 2015، وحل مكانه إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي تولى المنصب خلال ثلاث جولات من محادثات السلام الفاشلة، ورفض الحوثيون مقابلته العام الماضي خلال توليه المنصب بعد اتهامهم له بالتحيز لصالح خصومهم.

من جهة أخرى، وفي الوقت الذي دفعت الحرب والأزمة الاقتصادية بملايين اليمنيين نحو المجاعة ودمرت بلادهم، فقد ظل مجلس الأمن الدولي صامتاً، وفي مرحلة من المراحل مضى أكثر من 14 شهراً دون إصدار المجلس أي قرار يتعلق بالحرب في اليمن.

هذا ليس تقليلاً من جهود مارتن غريفيث، الذي تولى منصب المبعوث الخاص الجديد للأمم المتحدة إلى اليمن في مارس/ آذار 2018، ومنذ ذلك الحين قام الرجل بعقد عدة مشاورات واسُتقبل من قبل جميع اللاعبين في النزاع، وجاء إلغاء محادثات السلام بين الأطراف المتحاربة في أيلول/ سبتمبر الماضي، والتي عُرقلت في الساعات الأخيرة، بسبب خلاف لوجستي حول نقل وفد الحوثيين من وإلى جنيف، ليمثل ذلك ضربة قاصمة لجهود الوساطة التي بذلها غريفيث. ومع ذلك، كما قال غريفيث نفسه للدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي خلال أول جلساته في 17 أبريل/ نيسان: “سوف تفشل الوساطة دون دعم الدبلوماسية. سنفعل ما بوسعنا لإيجاد اتفاقيات فاعلة بين اليمنيين، ولكن على الدول الأعضاء في هذا المجلس، والدول الأخرى، وضع الثقل الدولي خلف هذه الاتفاقات. وسيكون  العامل الحاسم هو وحدتكم وإصراركم”.

من الواضح أن مجلس الأمن الدولي بعيد عن التوافق بشأن اليمن. كما في سوريا وأوكرانيا وفلسطين وإسرائيل، كشفت الحرب اليمنية بشكل صلف أن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تعطي الأولوية لمصالحها الجيوسياسية على حساب الانسجام الدولي وحل النزاعات، بغض النظر عن التكلفة الإنسانية. وعلى وجه التحديد، لدى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سجل حافل بالدفاع عن موقف التحالف العسكري بقيادة السعودية في مناقشات وقرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وكما قال جريفيث خلال مؤتمره الصحفي في أبريل/ نيسان الماضي، فمفاوضات السلام الناجحة تتطلب تنازلات من جميع الأطراف.

مع ذلك، فمن المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعرقلة أي عملية تعتبرها الرياض غير مقبولة، وبغض النظر عن قدرة غريفيث على التوسط، فإن أي عملية تقودها الأمم المتحدة ستصبح في نهاية المطاف رهينة أقوى لاعب في النزاع: أي السعودية، وبالتالي، فإن الغطاء الدبلوماسي للوساطة يتطلب وجود لاعب دولي قوي قادر على التصرف بشكل مستقل عن مصالح الأطراف المتحاربة.

 

الفرصة والأهمية الملحة للدور الأوروبي

بدأت المحادثات بين إيران والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا بشأن النزاع في اليمن في فبراير/ آذار الماضي، حيث أبدت جميع الأطراف تقدماً ورغبة إيرانية في تسهيل المحادثات مع أو بشأن الحوثيين، وقالت وفود أوروبية وإيرانية في أعقاب الاجتماع الأخير في سبتمبر/ أيلول الماضي أن المحادثات ستستمر. ولدى الأوروبيين دوافع عدّة لمتابعة هذا المسار. فهناك مصالح اقتصادية بين أوروبا وإيران على الرغم من محدوديتها، لكنها مرتبطة بخطة العمل الشاملة المشتركة التي لدى الأوروبيين مصلحة في الحفاظ عليها.

الأهم من ذلك، أنه من مصلحة الأمن الأوروبي الحفاظ على الحوار مع إيران الذي تم تأسيسه في خطة العمل الشاملة المشتركة، ومن خلال هذا الحوار، تمتلك أوروبا وسيلة للدفع باتجاه مزيد من خفض التصعيد، وبالتحديد خفض حدة الصدام السعودي الإيراني الذي يزعزع استقرار العديد من دول الشرق الأوسط منذ أن قلبت انتفاضات الربيع العربي عام 2011 الوضع الإقليمي الراهن.

خلال السنوات الأخيرة، ساعدت موجات اللاجئين  والهجمات الإرهابية المتفرقة في أنحاء أوروبا على إشعال النزعات القومية الشعبوية الكامنة والتي أصبحت تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن وجود شرق أوسط مستقر من شأنه أن يساعد في الحد من تدفق الوقود المغذِ لهذه الحرائق، حيث أن خفض التصعيد السعودي الإيراني هو مفتاح الاستقرار الإقليمي، ومن بين جميع النزاعات في المنطقة، ربما تكون حرب اليمن هي المكان الأفضل للاتحاد الأوروبي للمساعدة في إنهاء العنف.

حتى وقت قريب، كانت أنطونيا كالفو بويرتا، سفيرة الاتحاد الأوروبي إلى اليمن، الشخصية الدبلوماسية الغربية الوحيدة التي تستمع إليها قيادات الحوثيين، وفي الواقع، كان غريفيث الدبلوماسي الغربي الوحيد غيرها الذي تمكن من الوصول إلى زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي خلال ​​السنوات الأخيرة، كما قادت كالفو بويرتا جهود المسار الثاني للاتحاد الأوروبي الذي يضم زعماء قبائل من مختلف أنحاء اليمن، وشمل ذلك الترتيب لاجتماع أكثر من 30 زعيماً قبلياً جاؤوا إلى بلجيكا لإجراء مشاورات في سبتمبر/ أيلول من عام 2017، مع اجتماع آخر لزعماء القبائل تم خلال زيارة وفد الاتحاد الأوروبي إلى صنعاء في وقت سابق من هذا العام.

كانت قد رفعت القيود على قدرة بروكسل على تكثيف دورها في النزاع اليمني من نواح كثيرة بمغادرة لندن الوشيكة للاتحاد الأوروبي، فبصفتها حليفاً دبلوماسياً وعسكرياً للسعودية، كانت المملكة المتحدة قادرة على تقليص الانخراط الأعمق للاتحاد الأوروبي في الحرب اليمنية لو أنها حافظت على حقها في التصويت. وهكذا يبدو جلياً الاستقلال النسبي للاتحاد الأوروبي عن الأطراف المتحاربة.

على الرغم من خلافات القيادة السعودية مع الاتحاد الأوروبي، فإن اهتمامهم المستمر ببروكسل كان واضحاً. حيث أن انتقاد أعمال التحالف في اليمن كان مسموعاً في العديد من العواصم الأوروبية، وفي البرلمان الأوروبي نفسه، لكنه قوبل برد خافت نسبياً من الجانب السعودي، خاصة إذا ما قورن ذلك بردة الفعل النارية للرياض تجاه كندا في أغسطس/ آب بعد أن نشرت السفارة الكندية في السعودية تغريدة تدعو إلى إطلاق سراح ناشطين حقوقيين سعوديين تم اعتقالهم.

ومع ذلك، فإن الإمكانات الجيوسياسية والدبلوماسية الحقيقية للاتحاد الأوروبي للمساهمة في حل النزاع في اليمن لن تتحقق إلا عندما يتم تبنيها كسياسة رسمية للاتحاد. وهذا يتطلب من الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغيريني، جاهزية الاستفادة من الظروف الحالية للمساعدة في رعاية العملية بالتعاون مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة.

في حالة اشتراط دعم إيران لعملية السلام في اليمن في إطار مناقشات الأوروبيين للحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون خيار طهران واضحاً، فاليمن هي الساحة الأقل أهمية بالنسبة لإيران، وهي مهمة فقط كورقة في اللعبة الكبرى. إذا رأت طهران فائدة من تفعيل تلك الورقة فإنها ستفعل ذلك، بينما يمكن أن تستخدم الرياض الاتحاد الأوروبي كمضلة لإنهاء تدخلها العسكري الكارثي في ​​اليمن والخروج بعباءة المنتصر.

وبالإضافة إلى التنسيق مع الجهات القبلية في اليمن، يمكن للاتحاد الأوروبي أيضاً أن يوظف ثقله لدعم جهود الوساطة التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمم المتحدة والمتعلقة بميناء الحديدة ومطار صنعاء الدولي. وكلاهما ضروري لجهود الإغاثة الإنسانية واستئناف النشاط الاقتصادي الاعتيادي، وفي كلتا الحالتين يسيطر الحوثيون على موانئ النقل التي يعمل التحالف إما للاستيلاء عليها (حالة ميناء الحديدة) أو لاستمرار إغلاقها قسراً (حالة مطار صنعاء).

لقد أثبت الاتحاد الأوروبي، بخبرته في جنوب السودان والبلقان وصربيا وأماكن أخرى، أن لديه الموارد البشرية والمالية اللازمة للإشراف الفعال على هذا النوع من البنية التحتية الرئيسية في البيئات المضطربة، ومقارنة بالأمم المتحدة، فإن لديه عوائق بيروقراطية أقل لحشد القوى البشرية والمالية الضرورية، والأهم من ذلك أن الاتحاد الأوروبي لديه مصداقية كافية لدى كل من الحوثيين والتحالف بقيادة السعودية لتولي هذا الدور، ومن المجالات الأخرى لتدخل الاتحاد الأوروبي هو المساعدة، عبر اتصالاته القبلية، لترتيب تبادل السجناء والإفراج عن الصحفيين والناشطين وغيرهم من المدنيين المحتجزين من مختلف الأطراف. ويجب أن يكون هذا جزءاً من جهود التهدئة التي تبذلها الأمم المتحدة.

ينبغي النظر إلى كل ما سبق على أنه تدابير لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة للذهاب باتجاه معاهدة سلام نهائية، تتكامل فيها جهود الاتحاد الأوروبي مع وساطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة ودعمها. حيث يستطيع غريفيث وضع خارطة الطريق وإضفاء الشرعية الدولية على عملية السلام، كما يمكن للاتحاد الأوروبي استحضار النفوذ والسطوة الضرورية للعمل كضامن، وإيفاء الأطراف المتحاربة بالتزاماتها على الأرض وتخفيف حدة التصعيد.

 

لماذا تعتبر هذه اللحظة جوهرية

مع بحث جميع أطراف النزاع عن طريق للخروج، هذه هي اللحظة المناسبة للاتحاد الأوروبي لدعم عملية السلام في اليمن. كما أعادت قضية خاشقجي تركيز انتباه العالم على سلوك السعودية المنفلت، حتى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تطالبان الآن أن تنهي الرياض الحرب – وكان التحرك الأمريكي الأخير لإنهاء إعادة التزود بالوقود للطائرات الحربية السعودية خطوة نادرة في هذا الصدد.

من خلال علاقاتها مع الأطراف المتحاربة والشرعية في نظر الجهات المعنية الرئيسية، تجد بروكسل نفسها في وضع فريد تقريباً للعب هذا الدور في غياب وسطاء سلام بديلين. إن استمالة إيران باعتبارها الدولة الوحيدة المتبقية في العالم التي تتمتع بنفوذ كبير على الحوثيين ستكون ضرورية لهذا الجهد. وبالفعل، تم تجميع قضايا الأمن الإقليمي في محادثات لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة، والحرب اليمنية هي الجبهة التي ستُظهر فيها طهران على الأرجح بعض المرونة.

وهنا أيضاً، يعتبر الوقت عاملا حاسما للغاية: ففي الوقت الراهن، تقول إيران أنها لا تزال مستعدة للتعامل مع أوروبا كقوة موازية لتحركات واشنطن العقابية، لكن الأصوات الإصلاحيّة التي تنادي بمثل هذا الموقف ستواجه المزيد من الضغوط الداخلية مع بدء العقوبات. ففي أغسطس/ آب، أقال البرلمان الإيراني مسعود كارباسيان، وزير المالية في البلاد، بسبب الأزمة الاقتصادية التي حفزت في وقت سابق من هذا العام أكبر احتجاجات في البلاد منذ عام 2012. بينما قام المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي – الذي هو في نهاية المطاف صاحب السلطة السياسية الأعلى في البلاد – بإلقاء اللوم المتعلقة بهذه المشاكل وبقوة، على روحاني وألقى بظلال الشك على قدرة أوروبا  بإنقاذ الاتفاق النووي. وقد انسحبت شركة توتال الفرنسية بالفعل من مشروع حقل بارس الجنوبي، وحتى إذا وضعت أوروبا آلية ناجحة لتجاوز النظام البنكي الأمريكي، ستظل الشركات حذرة من الوقوع تحت وطأة عقوبات جديدة.

إن الوضع على الأرض في اليمن هو أكثر الأدلة على هذه الحاجة الملحة لوجود دور أقوى للاتحاد الأوروبي في اليمن، على الأقل من منطلق الواجب الأخلاقي، وفي الواقع هناك أيضا مصلحة كبيرة لدول الاتحاد بالتواجد على هذه الرقعة الجغرافية المتاخمة لأكبر مخزون عالمي من النفط، وأحد أهم طرق الملاحة الدولية،. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الدم والمرض والجوع، يهدد الهجوم المتجدد على مدينة الحديدة والمجاعة التي تلوح في الأفق بوصول النزاع إلى مراحل جديدة أكثر تدميراً من كل ما سبق.

 


*يشكر المؤلف كل من سبنسر أوسبرغ وهولي توفمان على ملاحظاتهما الهامة وتحريرهما المكثف لهذه الورقة.