تعريف غامض من الجيش الأمريكي لأهداف الاغتيال “المشروعة”

تعريف غامض من الجيش الأمريكي لأهداف الاغتيال “المشروعة”

تحليل: غريغوري جونسن

بعد  ثلاثة أشهر من غياب الغارات الجوية الرسمية في اليمن، شنت الولايات المتحدة أول غارة لها عام 2019 يوم رأس السنة. بعد خمسة أيام، في 6 يناير/ كانون الثاني، غرّد الرئيس ترامب قائلاً إن الولايات المتحدة قتلت هدف تلك الغارة: جمال البدوي، “قائد” الهجوم على المدمرة الأمريكية كول عام 2000.

وقد أكد الجيش الأمريكي الغارة على الفور، مشيراً إلى أن: “جمال البدوي كان عنصراً عريقاً في تنظيم القاعدة في اليمن وأنه كان متورطاً في تفجير المدمرة الأمريكية”. وبالفعل، عام 2003، كانت هيئة المحلفين الأمريكية قد اتهمت كلاً من البدوي وفهد القصع بالمشاركة في الهجوم الذي أودى بحياة 17 بحاراً أمريكياً. وقتها كان الرجلان قد هربا مؤخراً من السجون اليمنية؛ وهو ما تمكن منه البدوي مرة ثانية عام 2006. لكن بينما كان من الواضح انضمام فهد القصع في نهاية المطاف إلى ما أصبح يعرف باسم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب -حيث ظهر في فيديوهات تحمل اسم المجموعة وتحدث باسم تنظيم القاعدة -ما يزال الدليل العام المتعلق بانضمام البدوي أقل وضوحاً. (قُتل فهد القصع في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار عام 2012).

في عام 2007، سلم البدوي نفسه للسلطات اليمنية مقابل إقامة جبرية رخوة. وقد قال الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح لأحد مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكيين الذين زاروه بألا يقلقوا، فالبدوي بحسب وصف صالح “تحت مجهري الشخصي“. كما أوضح صالح أن البدوي “وعد بالتخلي عن الإرهاب وأنا -اي صالح -قلت له أن أفعاله أضرت باليمن وصورته؛ وهو بدأ يقتنع بذلك”.

لم يرق الأمر للولايات المتحدة وسرعان ما قطعت مساعداتها لليمن، الأمر الذي أجبر صالح على التراجع وإعادة سجن البدوي، على الأقل رسمياً. من الناحية العملية، كان كل ما يعنيه ذلك استدعاء البدوي إلى السجن في كل مرة كان من المقرر أن يزوره فيها وفد أمريكي. وبمجرد انتهاء الزيارات الأمريكية الرسمية، كان البدوي يغادر من الباب الخلفي.

ومع ذلك، فإن ما أثار تساؤلات حول غارة 1 يناير/ كانون الثاني كان هذا الماضي تحديداً، فضلاً عن حقيقة أن البدوي، على خلاف القصع، لم ينضم علناً إلى تنظيم القاعدة. هل كان البدوي عضواً نشطاً في تنظيم القاعدة؟ وهل شكل تهديداً “وشيكاً” للولايات المتحدة، أم أن الغارة كانت مجرد انتقام مبني على مشاركته في هجوم المدمرة كول فحسب؟

على تويتر، أشار جاك غولدسميث، أستاذ القانون في جامعة هارفارد والرئيس السابق لمكتب المستشار القانوني لإدارة جورج دبليو بوش، إلى استخدام الجيش لعبارة “عنصر عريق في تنظيم القاعدة”. فإذا كانت “عريق” تعني سابق، “فإن الغارة ستثير مسائل شائكة في إطار القانون المحلي والدولي“.

من جهته اقترح روبرت تشيسني، أستاذ القانون في جامعة تكساس، أن الجيش قد يستخدم كلمة “عريق” للإشارة إلى “نواة” تنظيم القاعدة مقابل أي فرع من فروعه. لكن الحقيقة، كما هو الحال في كثير من الأحيان مع برنامج الغارات الأمريكية بطائرات بدون طيار، ما تزال غير واضحة.

كما تثير الغارة التي استهدفت البدوي مسألة ربما أكثر أهمية. ففي الوقت الذي تكتسب فيه القاعدة عدداً كبيراً من المجندين المحليين، وهو ما تسهّله بشكل جزئي النزاعات المتعددة المستمرة في اليمن: هل من الممكن أصلاً مغادرة الجماعة المسلحة؟ أو بعبارة أخرى، من وجهة نظر الولايات المتحدة، هل يكون عنصر القاعدة بمجرد انضمامه مرة واحدة عنصراً قاعدياً إلى الأبد؟

كانت هذه المسألة وما تزال مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة في اليمن. ففي يناير/ كانون الثاني 2017، بعد وقت قصير من توليه منصبه، أجاز الرئيس ترامب غارة للبحرية الأمريكية على قرية في منطقة يكلا في اليمن. يوثق فيلم وثائقي من شبكة بي بي إس صدر الشهر الماضي كيف كانت عائلة واحدة، هي عائلة الذهب، في قلب تلك الغارة. فبعض أفراد العائلة منتمون إلى تنظيم القاعدة، وبعضهم غير ذلك، ويزعم البعض أنهم انتموا إلى التنظيم في فترة سابقة ثم غادروه. لكن أين كان كل منهم؟ أي من الشباب الملتحين كان عضواً في تنظيم القاعدة، وأيهم كان مجرد شخص قبلي يدافع عن أرضه؟ وفي ظل الظروف الفوضوية المحيطة، كيف يمكن للولايات المتحدة التمييز من هو الهدف المشروع ومن ليس كذلك.

تقدر الأمم المتحدة أن عدد أفراد تنظيم القاعدة يبلغون الآن بين 6,000 و7,000، كثير منهم من المقاتلين المحليين الذين انضموا لا رغبة في الانضمام إلى الجهاد العالمي بل للقتال ضد أحد الأعداء المحليين للتنظيم: قوات الحوثيين، وحكومة هادي، والسعودية والإمارات. إن تحديد أي من هؤلاء المجندين يشكلون تهديداً لمصالح الولايات المتحدة ليس مهمة صعبة، لكنها ضرورية لسياسات الولايات المتحدة في اليمن. ارسم دائرة ضيقة بما فيه الكفاية وستتمكن الولايات المتحدة من الضغط على تنظيم القاعدة والحد من الإصابات في صفوف المدنيين؛ لكن أنشئ قائمة فضفاضة للغاية من الشخصيات المستهدفة وستواصل الولايات المتحدة شن غارات طائرات بدون طيار في اليمن لسنوات وسنوات قادمة.


د. غريغوري جونسن هو زميل غير مقيم في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حيث تتركز أبحاثه على تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية والجماعات المسلحة في اليمن. قبل انضمامه إلى مركز صنعاء، عمل د. جونسون ضمن فريق الخبراء الخاص بمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة المتعلق باليمن. وهو مؤلف كتاب ” اليمن والقاعدة: الحرب الأمريكية في جزيرة العرب”.