تحدّي التشظي الاجتماعي في اليمن

تحدّي التشظي الاجتماعي في اليمن

رجل يتفقد اضرار ما بعد الغارات الجوية في ليلة 21 يوليو 2015. ضربت الصواريخ مجموعة من المنازل بالقرب من قعطبة، اليمن، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات // الصورة لـ: أليكس بورتر


عبد الكريم غانم

 

ملخّص تنفيذي

يواجه اليمن اليوم، بعد مرور خمس سنواتٍ على اندلاع النزاع، مرحلة تشظٍّ وتجزؤٍ يفوقان في عمقهما كل ما شهدته البلاد في التاريخ الحديث. فقد فاقمت الحرب المظالم التي جثت على صدر اليمن طويلاً، وخلقت صدوعاً جديدةً في النسيج الاجتماعي اليمني. وقد تلوّن الاقتتال في اليمن بسرديةٍ طائفية، ولو أن جذور النزاع كانت صراعاً سياسياً على السلطة، فقد طفت أصوات انفصال الجنوب على السطح من جديد لتساعد في تقوّيض التماسك الاجتماعي في اليمن. تواجه البلاد اليوم كل هذه الشقوق التي كانت تركة الحرب، ولا شكّ بأنها ستكون دائماً تهديداً بعد الوصول إلى اي اتفاقية سلامٍ سياسيٍّ في البلاد.

صحيحٌ بأن عمق الانقسامات في يمن اليوم غير مسبوق، إلا أنه يمكن الرجوع بالتوترات التي تجلّت في مناخ الحرب إلى تعقيداتٍ تاريخيةٍ لم يتمّ حلها. فقد أنهى تأسيس الجمهورية العربية اليمنية في الشمال قروناً طويلةً من حكم الأئمة الزيديين. وقد تمتّعت الطائفة الزيدية، التي تُعدّ طائفةً متمايزةً من الطيف الشيعي، بالسطوة السياسية والعسكرية تحت ظلّ حكم الإمامة. وبانتزاع السلطة من أيدي الزيدية بعد ولادة الجمهورية، تكوّنت نواة حركة الشباب المؤمن في التسعينات التي سعت إلى إعادة ظفر الطائفة الزيدية، لتنبثق منها لاحقاً حركة الحوثيين.

حارب الحوثيون ست حروبٍ مختلفةً ضد الدولة على امتداد ست سنين بين 2004 و2011، وقد انضوت حركة الحوثيين تحت لواء الثورة الشعبية التي أسقطت الرئيس اليمني وقتها علي عبد الله صالح، قبل أن يلتحق الحوثيون بمعسكر صالح لإزاحة خلفه عبد ربه منصور هادي، وقد نجحت الحركة بانتزاع السيطرة على العاصمة صنعاء في انقلابٍ عسكريٍّ عام 2014. وعمدت سلطة الحوثيين الجديدة إلى استبدال المسؤولين الحكوميين والعسكريين بكوادر زيديةٍ هاشميةٍ تم تعيينهم وفقاً لهويتهم الطائفية بدلاً من خبراتهم وكفاءتهم. وتوسّعت رقعة الحوثيين التي بدأت من مدينة صعدة في الشمال لتصل إلى المدن الجنوبية التي يغلب عليها الهوية السنية الشافعية، لتُرسَم إذاً سرديةٌ طائفيةً هيمنت على النزاع. وبالفعل استخدمت الأطراف المتحاربة خطاباً طائفياً لتجنيد المقاتلين وحشد الدعم، ولجأ القادة السياسيون من كلا الطرفين لاستخدام لغةٍ طائفيةٍ انقسامية لوصف خصومهم السياسيين.

وتأجّج من جديد غيظ الجنوبيين، في ظلّ زحف قوات الحوثيين نحو أراضيهم، على ما كانوا يرونه جوراً سياسياً فرضه عليهم الشمال، فضلاً عن نهب النخب الشمالية لموارد الجنوب. وقد طفا السخط على رقعة تقسيم السلطة والثروة بعد فترةٍ وجيزةٍ من توحد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مع الجمهورية العربية اليمنية عام 1990، وكان تتويج ذلك الهزيمة القاسية التي أكالتها القوات الشمالية لحركة الاستقلال الجنوبي في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1994. ويرى بعض الجنوبيين في وصول قوات الحوثيين في عام 2015 إلى الجنوب إعادة بعثٍ لذاك النزاع. وألهبت الحرب نداءات الاستقلال في الجنوب في ظلّ انبثاق مجموعاتٍ انفصاليةٍ جديدة مثل المجلس الانتقالي الجنوبي.

لقد كان النزاع مرحلة تحولٍ جديدٍ للمجتمع اليمني. فانتشرت نقاط التفتيش في مختلف أنحاء البلاد، وقيّدت حرية الحركة وجزّأت رقعة الإقليم اليمني. وكان القتال نكسةً لدور المرأة السياسي والاجتماعي الذي كان أصلاً لا يزال في مراحل تكوينية، ومزّق الانهيار الاقتصادي، الذي كان أحد مخلّفات الحرب، النسيج الاجتماعي. يُوجَد أكثر من ثلاثة ملايين نازحٍ يمني، وهناك الكثير منهم الذين قرّروا العودة إلى بلداتهم جالبين معهم أعباءً إضافيةً على مجتمعاتٍ تعاني أصلاً من شحّ الموارد، وحضور الدولة ضعيفٌ أو معدومٌ في كثيرٍ المناطق، فيما عاد بعض اليمنيين إلى بنيةً عشائريةً سعياً منهم لملء هذه الفجوة.

تأسّس مؤتمر الحوار الوطني في عام 2013 بهدف قيادة الانتقال السياسي بعد الثورة، وحاول المؤتمر إصلاح المظالم الاجتماعية والسياسية لليمنيين. ويُعدّ الدستور الذي وُضِعَ عقب المؤتمر إطاراً عملياً يمكن الارتكاز عليه في العملية السياسية في أعقاب النزاع، فيما يجد الناظر أيضاً في فشله دروساً مستفادة.

بات الوصول إلى نهايةٍ للحرب هي أكثر أولويةٍ ملحّةٍ في اليمن اليوم، ولكن لا مفرّ أولاً من فهم تركة النزاع المتمثّلة بالانقسامات العميقة ومواجهتها إذا ما أُريدَ للسلام أن يدوم. تتناول هذه الورقة جوانب تشظي المجتمع اليمني التي تحتاج إلى انتباهٍ عاجل ومزيدٍ من الدراسة، والتي يجب أن يتمّ حلّها في أي انتقالٍ يكون في أعقاب النزاع.

تؤسّس هذه الورقة لما يلي من مبادئ التي من شأنها قيادة عملية إصلاح تشظي اليمن:

  • التوجه إلى إعادة نظام السلطة السياسية المركزية في اليمن بعد النزاع هو أمرٌ غير وارد، إلا أنه بالإمكان لمّ جميع الأقاليم تحت مظلة كتلةٍ قوميةٍ واحدة يحكمها نظامٌ فيدرالي. ولكن يبقى توزيع السلطات، والثروات، والموارد في نظام فيدرالي قضيةً جدليةً يجب حلها عبر الحوار.
  • يجب تعزيز الهوية القومية عبر التعليم والحملات الإعلامية التي تحتفي بتنوع المشهد الديني، والاجتماعي، والسياسي في اليمن. ويجب أن يكون التعليم متوافراً في جميع أنحاء البلاد.
  • يجب أيضاً تطوير سياساتٍ جديدةٍ تضمن حق المواطنين في التنقل بحرية، مع تجريم ممارسة التمييز، أو استثارته، على أسس الجنس، أو الطائفة، أو الدين.
  • أما المناصب الحكومية والعسكرية، فيجب أن يُختار أصحابها بناءً على الجدارة وليس الطائفة أو العشيرة أو غير ذلك من الانتماءات.
  • ولا بد من عدم إهمال انتهاكات الحقوق التي وقعت خلال النزاع، ويكون ذلك عبر آلياتٍ للإنصاف والتعويض كما يُبيّنها مسودة قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية لعام 2013.

مقدّمة

أخذ النزاع اليمني في بدايته هيئة صراعٍ على السلطة، وانبثقت على امتداد السنوات الخمس الماضية خطوط صدعٍ جديدة. فأجّجت الخصومات السياسية الانقسامات الطائفية وبعث النزاع الحياة في حركة الاستقلال في الجنوب. وخلق التهميش، والإقصاء، والفقر صدوعاً جديدةً في النسيج الاجتماعي، ونتاج كل ذلك اليوم هو بلدٌ يعاني من مرحلةٍ غير مسبوقةٍ من التشظي. وستبقى هذه الصدوع تهديداً يتربّص طويلاً باستقرار اليمن بعد الوصول إلى اتفاقية سلامٍ سياسي ما لم يتم إصلاحها ومواجهتها.

تبدأ هذه الورقة بدراسة الجذور التاريخية للتوتر الحالي في اليمن. وتتّبع جذور حركة الحوثيين إلى المصير العسير الذي آل إليه حال المجتمع الزيدي، وهي طائفةٌ متمايزةٌ من الطيف الشيعي. وتقدّم هذه الورقة نقاطاً متعمّقةً تحاول الإحاطة بالصراعات السياسية والجغرافية واندماجها مع السردية الطائفية في النزاع القائم عبر دراسة التصور الزيدي للتهميش في ظلّ الجمهورية العربية اليمنية والديناميكيات المتغيّرة التي حكمت علاقتهم مع المجتمع الشافعي السني.

وتتطرّق الورقة أيضاً إلى الانبعاث الأخير للحركات الانفصالية في الجنوب في سياق سخط الجنوبيين الذي يعود إلى الوحدة اليمنية عام 1990. وترجع الورقة إلى أصل استياء الجنوبيين من الهيمنة السياسية لنخب الشمال مع وصول قوات الحوثيين من الشمال. وتنظر الورقة أيضاً في عودة الدور العشائري في ظلّ غياب دولةٍ عاملة، وتبيّن كيف قوّض الانهيار الاقتصادي آليات الاستقلال التقليدية، والانتكاسات التي طالت بعملية إشراك المرأة في الساحة السياسية والاجتماعية. ولعلّ الإحاطة بصورةٍ متعمّقةٍ بالتشظي الذي جلبته الحرب يفوق نطاق هذه الورقة، إلا أنها تبرزُ الطرق المتعدّدة التي رسمت تحول المجتمع اليمني في ظلّ الحرب وتتطرّق أيضاً للصدوع الجديدة التي طفت على السطح. وتخلصُ الورقة إلى تقديم مبادئ تقود العملية السياسية في أعقاب النزاع لإصلاح الانقسامات العميقة في اليمن.

صور التشظي الاجتماعي وتنوعها في سياق اليمن

الجذور المعاصرة والانبعاث الجديد للديناميكيات الطائفية

أنهى قيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962 حكماً ثيوقراطياً دام لألف عام في شمال اليمن، وهيمن عليه تعاقبات سلالةٍ حاكمةٍ من الطائفة الزيدية الشيعية. وعاش الزيديون، الذين يشكّلون نسبة تصل إلى الثلث، في المحافظات الشمالية – صنعاء، وعمران، وذمار، وصعدة، وفي الصحراء على امتداد الحدود السعودية. واحتكر الهاشميون الزيديون، الذين ينحدرون من الشمال، المناصب العسكرية والسياسية العليا تحت حكم الإمامة على حساب الطائفة السنية الشافعية من الشعب اليمني التي أُقصيِت بصورةٍ واسعةٍ من مناصب السلطة، فيما عمدت عشائر المناطق الجبلية القاحلة إلى اقتحام المناطق الجنوبية الأكثر خصوبة التي كان يقطنها المجتمعات الشافعية.[1]

وحاولت الطبقة الملكية جاهدةً إعادة حكم الإمامة بعد إسقاط الإمام الأخير 1962 في حربٍ أهليةٍ مُنوا فيها بالهزيمة بعد ثماني سنوات من الاقتتال.

ساء حال الزيديين بصورةٍ مضطردة في الجمهورية الجديدة. وهو ما دفع النخب الزيدية إلى تشكيل حركة الشباب المؤمن عام 1995، إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة ما رأوه تهديداً على وجودهم، من بينها تصاعد نفوذ المؤسسات السلفية والوهابية المدعومة من السعودية، وسعى الزيديون في تأسيسهم لهذه الحركة إلى إعادة ظفر ماضيهم.[2] وتعامل الرئيس علي عبد الله صالح، الذي جلس على منصب الرئاسة من 1977 إلى 2011، في البداية مع هذه الحركة بشيءٍ من التساهل لمّا وجد في هذا العداء الطائفي أداةً مفيدةً لموازنة صعود السلفية. ولكن تساهل صالح انقشع سريعاً مع التنامي المتسارع لشعبية حسين الحوثي الذي أسّس حركة أنصار الله، المعروفة باسم حركة الحوثيين، والتي كانت انبثاقاً من حركة الشباب المؤمن. ولم يعد هناك مفرٌّ من المواجهة العسكرية في ظلّ الانتقادات المتعالية التي وجهّها الحوثي لحكم صالح، وهو ما كان في قلب معقل الزيديين في صعدة،[3] وقُتِلَ حسين الحوثي على يد القوات اليمنية المسلّحة في عام 2004 في صعدة ليأخذ مكانه أخوه عبد الملك الحوثي الذي قاد الحركة لخوض خمس حروبٍ أخرى ضد القوات الحكومية تعاقبت على امتداد السنوات الست التالية.

انضمت حركة الحوثيين إلى مئات آلاف المتظاهرين في الثورة الشعبية التي اندلعت لإسقاط صالح في فبراير 2011. وشارك الحوثيون أيضاً في مؤتمر الحوار الوطني الذي كان جزءً من مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج. وقد اشتملت المبادرة على نقل السلطة من صالح لنائبه عبد ربه منصور هادي، في وقتٍ كانت فيه قوات الحوثيين تتوسّع جنوباً متجاوزةً معاقلها في صعدة. واستولى الحوثيون على صنعاء بالتعاون مع صالح بحلول سبتمبر/أيلول 2014، وفي يناير/كانون الثاني 2015، شكّلت سلطات الحوثيين اللجنة الثورية العليا التي انتهى إليها حكم اليمن، وفرضت الإقامة الجبرية على الرئيس هادي، إلا أنه نجح في الهروب إلى مدينة عدن في الجنوب. واستخدم الحوثيون القوات الجوية لشنّ غاراتٍ على قصر هادي في مدينة عدن في مارس/آذار 2015، وهو ما دفع قوات التحالف بقيادة السعودية إلى التدخل بهدف إجبار قوات الحوثيين وصالح إلى التراجع وإعادة دفة الحكم لحكومة هادي.

تأجج السردية الطائفية

عزلت قوات الحوثيين شخصياتٍ بارزةٍ في الطاقم الحكومي والعسكري بعد استيلاءها على صنعاء واستبدلتهم بكوادر من الطائفة الزيدية. ومُنحِت عشرات المناصب الرفيعة إلى أسماءٍ هاشميةٍ معروفة، بالرغم أن معظمهم كان يفتقد للمؤهّلات لهذه المناصب الجديدة، فكل ما أهّلهم كان هويتهم الطائفية. واختصّت النخب الهاشمية بالطبقة الحاكمة في القرون التي سبقت قيام الجمهورية. وكان تعيينهم في كنف هذه السلطة الجديدة بالتوافق مع وثيقة عبد الملك الحوثي عام 2012 التي أعلن فيها بأن ليس لأحدٍّ حقٌّ بالحكم والسلطة سوى ذرية النبي محمد[4]. وقد صدر قرار التعيين هذا من حركةٍ شعرت طويلاً بالتهميش في ظلّ تخلف الخدمات في مناطقهم، وهي نفس الحركة التي عايشت ستة حروبٍ داميةٍ مع الدولة.

وبدأت قوات الحوثيين، الذين يعود أصل السواد الأعظم منهم إلى جبال الزيدية في الشمال، بالاندفاع نحو محافظات البيضاء، وتعز، ومأرب في الجنوب، والتي تقطنها غالبيةٌ سنيةٌ شافعية. وهكذا ترسّمت سرديةٌ طائفيةٌ ألقت بظلالها على النزاع. واستخدم بعضٌ من الخصوم السياسيين لحركة الحوثيين خطاباً طائفياً لتجنيد المقاتلين وحشد الدعم في سبيل كفّ توسع الحوثيين وقمعهم. فبالعودة حتى عام 2013، كان هناك بعض زعماء العشائر الذين أسموا أنفسهم “أسود السنة” في معاركهم ضد قوات الحوثيين، مثل حسين الأحمر.[5]

ووظّف القادة السياسيون أيضاً خطاباً طائفياً انقسامياً، فوصف الرئيس هادي الحوثيين بأنهم “شيعة اثناعشرية” في إشارةٍ واضحةٍ إلى الطائفة الشيعية الغالبة في إيران، واصفاً إياهم بأنهم امتدادٌ للثورة الإيرانية.[6] واستخدمت حركة الحوثيين أيضاً لغةً طائفيةً ضد أعداءها السياسيين، فلجأت إلى نعتهم بٌمسميّاتٍ انتقاصيةٍ مثل “التكفيريين” لوصف الإسلاميين السنة.[7] وأعلن الحوثيون حربهم قتالاً مقدسّاً، بدلاً من أن يكون معركةً سياسية، وبدأوا ينادون بالجهاد لحشد المؤيّدين للقتال في تعز وعدن.[8]

 

تماهي الطائفية مع الانفصالية الجنوبية

أحيا وصول قوات الحوثيين وصالح عام 2015 الذكريات الدامية للحرب الأهلية عام 1994 في أذهان بعض الجنوبيين، إذ قامت قوات صالح الشمالية وقتها بهزيمة المجموعات الجنوبية الذين كانوا يسعون للاستقلال. فقد طفت المظالم الجنوبية بعد فترةٍ وجيزةٍ من إعلان توحد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية عام 1990.[9] وقاد التوتر الناجم عن سوء توزيع السلطات والموارد إلى حربٍ أهليةٍ عام 1994 رغماً عن الروابط الثقافية والاجتماعية المشتركة. وأثمرت تلك الحرب عن فرض قادة الشمال سيطرتهم على الحكومة المحلية والموارد في الجنوب.[10] واستخدمت قوات صالح الأمنية العنف لقمع الاحتجاجات عام 2007 التي قادتها الحركة الجنوبية، والتي نادت بالاستقلال في الجنوب منذ عام 2009.

وتشعّبت هذه العداوة الجغرافية مع السردية الطائفية التي تطوّرت في ظلّ النزاع القائم. فامتزجت الاختلافات الطائفية بين قوات الحوثيين الزيدية من الشمال والانفصاليين الجنوبيين، الذي يغلب عليهم الطائفة السنية الشافعية، مع الطموحات السياسية لكل جانب، بالرغم من أن جذور مظالم الجنوب هي جذورٌ سياسية وليست طائفية. وكان أن قام بعض القادة العلمانيين في الجنوب بتوصيف معركتهم بمُسميّاتٍ طائفيةٍ في بعض الأوقات.[11] وهكذا أحيا الغزو الحوثي السخط الذي جثا طويلاً على صدر الجنوب في ظلّ تدفق ثروات وموارد الجنوب إلى النخب القبائلية والعسكرية في الشمال مع تهميش الجنوب لصالح الشمال الذي كانت له السطوة. وعادت بذلك نداءات استقلال الجنوب من الشمال. وأدّى ذلك إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي بدعمٍ من الإمارات في مايو/أيار 2017 بهدف استرداد الجنوب لاستقلاله. وحصل المجلس على دعمٍ شعبيٍّ كما عزّز نفوذ الإمارات العربية المتحدة في الجنوب بوكالتها على المجلس.

وتصاعدت الأصوات المعادية للشمال، بل وصل الأمر إلى طرد الشماليين الذين يعيشون ويعملون في محافظات لحج وعدن في الجنوب على يد قواتٍ جنوبيةٍ. وكان في ذلك، طرد الشماليين، محاولةً لإضفاء نوعٍ من التجانس الجغرافي في الجنوب.

وأدّى النزاع إلى تشظٍّ جغرافيٍّ في اليمن تجاوزت تداعياته الانقسام بين الشمال والجنوب. فأقامت المجموعات المسلّحة والميليشيات مئات نقاط التفتيش التي توزعّت في مختلف أنحاء البلاد، وهو ما قيّد حرية الحركة إلى درجةٍ كبيرة. وباتت نقاط التفتيش مراكز اعتقالٍ، واحتجازٍ، وابتزازٍ، وتضييقٍ، وبترت قدرة اليمنيين على السفر خصوصاً خارج محافظاتهم. فإذا أراد مسافرٌ، على سبيل المثال، الذهاب من محافظة سيئون، الواقعة تحت سيطرة الحكومة، إلى صنعاء، التي يسيطر عليها الحوثيون، أي مسافةٌ تبلغ تقريباً 500 كم، فعليه المرور بـ 127 نقطة تفتيش وفقاً لما أحصاه باحثو مركز صنعاء، وطبعاً تتبع نقاط التفتيش هذه لسيطرة جماعاتٍ مسلحةٍ متعدّدة.

يوجد بعض المناطق في الجنوب التي يغلب فيها سطوة المجلس الانتقالي الجنوبي على الحكومة، ويعمل المجلس أحياناً ضد الحكومة. ففي يناير/كانون الثاني 2018، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي هجوماً على القوات الحكومية في عدن، المقرّ المؤقّت للحكومة، وكان ذلك لأن هادي رفض الرضوخ لمطلب إقالة رئيس وزراءه.[12] وكان هناك أيضاً حادثةٌ أخرى عكست هشاشة سلطة هادي، إذ رفضت محافظتا مأرب وحضرموت، وكلتاهما محافظتان مواليتان للحكومة، تنفيذ مرسومٍ رئاسيٍّ يأمر بتحرير الوقود في مارس/آذار 2018. وكان ذلك بعد أسبوعٍ من إصدار هادي للمرسوم، وقال محافظا المحافظتين، وقتها، بأنهما لن يسمحا برفع الدعم عن واردات الوقود في محافظتيهما.[13]

 

القبائل تستعيد النفوذ في ظلّ غياب دور الدولة

ارتدّ بعض اليمنيين إلى هوياتهم القبائلية أو غيرها من هويات ما قبل الدولة منذ عام 2011، دفعهم إلى ذلك غياب الاستقرار السياسي. وتُعدّ حاشد وبكيل، وكلاهما في الشمال، أكبر تجمعين قبليين في اليمن، ويُقدّر بأن التجمعين يمثّلان أكثر من 500 ألف إنسان.[14] ويتألّف كل تجمعٍ من عددٍ من القبائل الفرعية. وتوجد وحداتٌ قبلية أصغر في الجنوب، إذ أن البنية القبلية أضعف هناك، باستثناء شبوة ووادي حضرموت اللتين حافظ فيهما الوجود القبلي على قوته. وعمد النظام الاشتراكي في جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية، التي تأسّست بعد استقلال اليمن من الاستعمار البريطاني عام 1967، إلى معاداة القبيلة على أسّسٍ أيدولوجية وهو ما تجلّى في محاولة النظام تقويض البنية الاجتماعية للقبائل.[15] وشملت هذه المحاولات استخدام القوة واعتماد سياساتٍ بهدف إحداث إعادة هندسةٍ مجتمعية. وهاجر، على إثر ذلك، العديد من زعماء القبائل، وحصلت، في المقابل، بعض المجموعات الصغيرة على التعليم وهو ما ضمن لهم وظائف حرفيةٍ وإدارية، فضلاً عن كفل أراضٍ لهم، وهو ما رفع من مستواهم ليصبحوا جماعاتٍ عشائرية. كما أن النساء تمتّعوا بفرصٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ جديدة،[16] وأدّى كل ذلك، في النهاية، إلى انسلاخ الطابع العشائري بعض الشيء عن الجنوب وقت توحد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مع الجمهورية العربية اليمنية.[17]

تراجع الدور الاجتماعي للقبائل في الشمال خلال حقبة الجمهورية بفضل شبكات محسوبية صالح التي دفعت الأموال لشيوخ قبائل معيّنة مقابل تكريس ولاءهم للدولة. وهو ما أدّى إلى وجود تمايزٍ واضحٍ بين مستوى ثروة بعض القادة القبليين وأبناء قبيلتهم، ليهاجر هؤلاء الزعماء من أراضيهم إلى العاصمة.[18] وبات العديد من شيوخ القبائل جزءً من شبكات المحسوبية والفساد تحت حماية صالح، وهو ما أضعف القيم القبلية التقليدية التي تمحورت حول المساواة. واستفاد أبناء هؤلاء القبائل أيضاً من نفوذ زعماءهم، في نفس الوقت الذي أضعفت فيه أيضاً قوى التمدن والحداثة دور العشيرة، إذ هاجر اليمنيون من أراضي عشائرهم إلى مناطق مدنيةٍ أكثر تنوعاً وجدوا لهم فيها حياةً جديدةً ارتكزت أكثر على مؤسسات الدولة والشبكات الاجتماعية على حساب قبائلهم. ويُضاف إلى ذلك أيضاً التغيرات السوسيواقتصادية الناتجة عن حركة الهجرة الهائلة إلى السعودية، وهو ما قوّض أيضاً دور القبائل الفردي. فعاد المغتربون، الذين كانوا في معظم الأحيان شباباً، إلى بلادهم وقد اكتنزوا الأموال وغيّروا أوضاعهم فيما شكّل نقلةً في المنظومة الاجتماعية، إذ قلّل هؤلاء العاملون اتكاليتهم على القبيلة.[19]

يقضي التصور السائد بأن العشائر هي مجرد مصدرٍ للصراع وزعزعة الاستقرار القومي، إلا أن هذا التصور يهمل الدور الإيجابي التي لعبته القبائل في وحدة الشعب.[20] إذ تصون العشائر والعادات القبلية النظام الاجتماعي عندما تغيب الدولة وتضعف سلطة القانون، كما أن القبيلة تنطوي على نظام عدالةٍ بديلٍ يقوم على الإجماع ويختصّ بأنه أسرع وأبسط من نظام المحاكم الرسمية.[21] ولعبت قبائل اليمن، تاريخياً، دوراً مهماً في منع الخلافات وحلّها، لتصون النظام وتعزّز السلام والمصالحة على الصعيد المحلي والوطني. فقد لعب دور الوسيط، لقرونٍ عديدة، خلال النزاعات بين القبائل، وحال دون تصعيد العنف، ويمكن أيضاً النظر إلى حالاتٍ متأخّرةٍ أكثر عاد فيها الفضل إلى وساطة القبيلة لحلّ الخلاف بين القبائل والحكومة، والذي ما يكون غالباً حول الأرض أو الموارد.[22] فتدخّلت، على سبيل المثال، لجنةٌ من شيوخ القبائل من محافظاتٍ متعدّدة وكانت وسيطاً منعت تصعيد العنف بين أبناء الأحمر والقوات الحكومية في الحصبة في صنعاء في مايو/أيار 2011.[23]

عجزت كلٌّ من اللجنة الثورية العليا الذي يرأسها الحوثي، والتي تُعدّ سلطة الأمر الواقع في صنعاء، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن تقديم الخدمات الأساسية للشعب اليمني. فالسلطة الركيكة أصلاً للرئيس هادي تتقلّص أكثر وأكثر، مع وجود لاعبين آخرين وسلطاتٍ محليةٍ تتحدّى حكومته حتى في المناطق التي يُفترض أن تكون تحت سيطرته. فعادت البنى القبلية لتملأ الفراغ الذي خلّفه غيابٌ دام سنواتٍ لمؤسّسات الدولة. ولعلّ محافظة مأرب هي أبرز مثالٍ على ذلك، فقد تحالفت القبائل المحلية مع المحافظ لتأسيس ما كان على أرض الواقع دولةً مصغّرة. فتكفّلت القبائل بالمسؤوليات الأمنية وحلّت الأعراف القبلية مكان القانون المدني. وتولّى زعماء القبائل دوراً أكبر في صون التأمين الاجتماعي لأبناء قبائلهم في ظلّ غياب الدور المركزي الذي تلعبه الحكومة في ذلك. وكفل توفير زعماء القبائل للخدمات الاجتماعية نفوذاً أكبر مكّنهم من تأكيد سطوتهم على أبناء عشائرهم.

 

صورٌ أخرى من التشظي الاجتماعي الناجم عن النزاع

استفحل الفقر والإقصاء مع تأجّج نار الحرب، وأدّى ذلك إلى انهيار عددٍ من البنى الاجتماعية. ولعلّ الإحاطة بهذه التشققات إحاطةً وافيةً هو أمرٌ يفوق نطاق الورقة، ولكن يمكن الاستئناس بالسطور التالية لفهم بعض النزعات الصاعدة التي لا بدّ من مواجهتها في العملية السياسية التي تعقب النزاع.

الانهيار الاقتصادي يقوّض الاكتفاء الداخلي

كان الفقر مستشرياً في اليمن قبل اندلاع الحرب، فقد كان نصف الشعب اليمني تقريباً يعيشون تحت خط الفقر عام 2014.[24] وأسفر تصاعد النزاع عن انهيارٍ اقتصادي، إذ تقلّص الاقتصاد، تراكمياً، بنسبة 50% مقارنةً بمارس/آذار 2015.[25] ولم تُصرَف معظم رواتب 1.2 مليون عاملاً مدنياً يمنياً منذ أكثر من عامين، وصارت فرص العمل زهيدةً للغاية وانهارت قيمة الريال اليمني.

واعتاد اليمنيون على تشارك الموارد مع عوائلهم وأصدقائهم ومجتمعاتهم في أوقات الجدب، ولكن حدة الانهيار الاقتصادي وطوله، مع ارتباطه بعجلة النزاع، قد أثقل كاهل شبكة الأمان الاجتماعية هذه في معظم المناطق.[26] وفقدت آلية الاكتفاء الداخلي هذه أهميتها بصورةٍ متزايدةٍ، وترهّلت قدرتها على رعاية التماسك الاجتماعي أيضاً. كما أن أهوال النزاع قد أجبرت أكثر من ثلاثة ملايين إنسان على النزوح من بيوتهم، وكثيرٌ منهم عادوا من المدن إلى بلداتهم وقراهم، وهو ما أثقل كاهل المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً من شحّ الموارد.

انتكاس مكاسب حقوق المرأة

يقبع اليمن في المركز الأخير، منذ أكثر من عقد، على الترتيب العالمي للفجوة بين الجنسين التي يضعه المنتدى الاقتصادي العالمي.[27] ولكن كان هناك بعض البوادر الإيجابية الأولية في تحسن دور المرأة السياسي والاجتماعي قبل الحرب. إلا أن النزاع قد نقض كل هذه الخطوات الإيجابية. لعبت نساء اليمن دوراً فاعلاً في الاحتجاجات خلال ثورة عام 2011، وشكّلوا أكثر من ربع المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني في خطوةٍ واعدةٍ على صعيد دور المرأة السياسي.[28] ولكن تضاءل عدد النساء في ميادين المناصب العامة ومنتديات صناعة القرار. وفشلت جميع الأطراف المتحاربة في ضمان مشاركة المرأة السياسية، حتى بعد اعتراف مؤتمر الحوار الوطني بحق النساء بالتساوي في الفرص في جميع الميادين.

وألقت الحرب بظلالها على التعليم في مختلف أنحاء البلاد، ولكن كان تأثير ذلك أكبر بصورةٍ خاصةٍ على البنات. أسفرت الحرب عن دمار ما يصل إلى 1600 مدرسة، وانقطاع ما يقارب مليوني طفلٍ عن التعليم.[29] كما أن انهيار الخدمات الأساسية مثل التعليم الحكومي وتوفير المياه ترتّب عليه أن البنات في الغالب سيُحرمون من الذهاب إلى المدارس لكي يؤدّوا مهامّاً مثل جلب المياه.[30] ولمّا كانت فرص التعليم محدودة، فإن الأولوية تكون للأولاد للحصول على هذه الفرص. وازدادت أيضاً معدّلات زواج الأطفال في اليمن في ظلّ النزاع، فوجد الأهالي أنفسهم مضطرين إلى تزويج بناتهم الذين يعجزون عن توفير لقمة العيش، أو على أمل أن تتكفّل عائلة الزوج بحماية بناتهم. وهناك طبعاً رغبة بعض الأهالي في الحصول على المهر في ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي تسبّب به النزاع.[31]

دخلت بعض النساء سوق العمل خلال النزاع، وصرن المعيل الأساسي لعوائلهنّ. وربما يُعتقد بأن هذا سيعني انفتاحاً إيجابياً أكبر للنساء العاملات، إلا أن هذا التغير في الأدوار التقليدية للجنسين لم يقابل بترحاب تام. كما أن النزاع قد ترك النساء عرضةً للعنف، والاعتداء، والابتزاز.[32]

 

النظر قدماً

تهدّد الانقسامات العميقة التي جلبتها الحرب الاستقرار المستقبلي في اليمن، وسيستلزم علاج هذه الصدوع انتباهاً فائقاً في الانتقال في أعقاب النزاع. فالتشظي الجغرافي الذي تكبّده اليمن خلال النزاع سيُفضي في النهاية إلى تحدٍ يتمثّل في إعادة دمج هذه الأقاليم معاً ضمن كتلةٍ وطنيةٍ واحدة. وسيكون هناك بعض الأقاليم، وتحديداً الجنوب، التي ستمانع حكم صنعاء التي يشير إليها من يعارضون هيمنة العاصمة ونخبها العشائرية على سلطة اليمن وثرواتها بمُسمّى “المركز المقدس.” ولن يكون مستوى المركزية الذي كان موجوداً قبل النزاع خياراً وارداً في يمن ما بعد النزاع.

ويبقى توزيع السلطات، والثروات، والمناطق في نظامٍ فيدراليٍّ قضيةً جدليةً، لكن لا مفرّ من حلها عبر الحوار لتفادي استمرار دورة النزاع. وضعت مؤتمر الحوار الوطني خريطةً فيدراليةً لليمن وبيّن فيها بأن إدارة الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز سيكون مسؤولية سلطات الدولة المنتجة بالشراكة مع السلطات الإقليمية والفيدرالية. وصحيحٌ بأن هذا سيقلّص من سلطة صنعاء ويوسّع المشاركة السياسية، ولكن لا بد من التنبّه إلى التوزع الديمغرافي في اليمن. فالشريحة السكانية التي تقطن المحافظات الغنية بالنفط، وهي مأرب، والجوف، وشبوة، وحضرموت لا تشكّل سوى 11.5% من التعداد السكاني في اليمن.[33] أي أن معظم اليمنيين يعيشون في مناطق لا يوجد فيها مخزونٌ نفطي. فعلى الحكومة الفيدرالية، إذاً، أن تحفظ سلطتها على توزيع الموارد إذا ما أرادت أن تلبّي احتياجات جميع السكان. ويجب أن يتم، عبر الحوار، رسم خريطةٍ فيدراليةٍ توافق جميع المطالب باللامركزية مع الحاجة لوجود حكومةٍ تملك القدرة على توفير الخدمات لجميع أنحاء البلاد.

يجب أيضاً بناء مؤسّسات دولةٍ قويةٍ وفعالةٍ في جميع المحافظات في يمن ما بعد النزاع. وعلى الدولة أن توفّر الخدمات الأساسية والأمن لاستحقاق ثقة المواطنين في الحكومة. سيساعد هذا على تقليص اتكالية اليمنيين على الشبكات العشائرية ومحاربة النفوذ السياسي للنخب القبلية الذين ينزعون إلى تقديم مصالحهم العشائرية على مصلحة جملة الشعب. ولا بد أن تقوم الدولة بكفل الخدمات الأساسية على الأقل في المناطق النائية في اليمن، وهو ما يدفع بسكان هذه المناطق في الغالب إلى الاتكال على القبيلة لكي يستطيعوا تدبر أمور معيشتهم، وهذا، بدوره، يستثير النزاعات الاجتماعية.

يجب أن تأخذ الدولة المتشكّلة بقيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية الشاملة على أنهما قيمٌ وطنيةٌ جوهرية، وهذا من شأنه أن يعزّز الهوية القومية اليمنية التي تحتفي وتشمل التنوع الطائفي، والعشائري، والجغرافي على أساس كونه جزءً من النسيج الاجتماعي والشخصية الوطنية. ويجب أن يتم شمل جميع المجموعات وتمثيلها في إعادة تشكيل اليمن لضمان شرعية الدولة، دون إهمال حقوق الأقليات للحول دون استخدام الاضطهاد وسيلةً للإكراه السياسي. ولكن هذه الشمولية يجب أن تكون مرهونةً بنزع السلاح من الجماعات المختلفة والاشتراط عليها بتبني السبل السياسية، عوضاً عن العسكرية، لحل النزاعات. ويجب أن تذهب وظائف القطاع العام إلى مستحقيها في سياق الدولة، وليس على أساس الطائفة أو القبيلة أو غير ذلك من الانتماءات التي لا علاقة لها بمسؤوليات المنصب.

وإذا ما انتهت المحسوبية الدولتية، فإن هذا سيُضعِف سطوة المجموعات النافذة من دون الدولة في مختلف أرجاء اليمن، ويُضاف إلى ذلك وجود حكومةٍ فعالةٍ وممثّلةٍ توزّع الموارد على أساس العدل.

حاولت مفاوضات مؤتمر الحوار الوطني، التي أجريت في الفترة مارس/آذار 2013 حتى يناير/كانون الثاني 2014، التصدي للمظالم الاجتماعية والسياسية في اليمن، ومن بينها قضية الحوثيين والجنوبيين. وبالرغم من أن العملية الانتقالية فشلت في حل هذه الانقسامات، كانت السياسات التي وضعها مؤتمر الحوار الوطني أن إطاراً عملياً يمكن الارتكاز عليها لتحقيق تسويةٍ في أعقاب النزاع.

توصّل مؤتمر الحوار الوطني إلى اتفاقيةٍ نهائيةٍ اشتملت على مسودة تشريعاتٍ حول العدالة الانتقالية. واصطلح وقتها على أن تشكّل بنود هذه المسودة أركان آليات مصالحةٍ وطنية، وردّ المظالم، وإصلاح ما وقع من عنفٍ في الحروب السابقة. وضمن مؤتمر الحوار الوطني. وفي خطوةٍ كانت تهدف لدرء الطائفية، كفل مؤتمر الحوار الوطني الحرية الدينية وحرية ممارسة الطقوس الدينية. كما حظر المؤتمر أيضاً فرض الممارسات الدينية بالقوة واقترح مبدأ حياد الدولة في المساحة الدينية. وسعى المؤتمر أيضاً إلى الحدّ من النفوذ السياسي للقبائل وأوصت مجموعة عمل مؤتمر الحوار الوطني المختصة بالحكم الرشيد بحلّ “هيئة شؤون القبائل” التي قالت المجموعة، أنها تعتدي على سيادة الدولة.[34] كما أقرّ مؤتمر الحوار الوطني المساواة السوسيواقتصادية للنساء، ووضع أهدافٍ لكفالة شموليةٍ أفضل.

ما يلي هي مبادئ وضعت بالاسترشاد بما سبق لأخذها بعين الاعتبار في عملية بناء الدولة في أعقاب النزاع في سبيل تعزيز سلامٍ واستقرارٍ دائمين:

  • يجب أن يعترف نظامٌ ديمقراطيٌّ فيدرالي بالتنوع الاجتماعي والديني في اليمن وتعدديته السياسية، ويقرّ بالمشهد السياسي الجديد.
  • يجب معاودة الحوار حول القضايا الجدلية التي أثيرت في مؤتمر الحوار الوطني، ومنها توزيع الثروة والسلطة، دون أي ضغطٍ أو تأثيرٍ خارجي بما يتوافق مع الاحتياجات المحدّدة في السياق اليمني.
  • يجب تعزيز هويةٍ وطنيةٍ عبر سياسات التعليم التي تشكّل وتعكس القيم الوطنية وتحثّ على تقبّل الجماعات المتنوّعة في اليمن.
  • يجب توفير مشاريع التنمية، وخدمات الدولة، والتعليم على وجه الخصوص، في جميع المناطق، بما في ذلك المناطق الريفية والنائية.
  • يجب تطوير تدابير سياسيةٍ وأمنيةٍ لضمان حرية التنقل بين المناطق وتجريم التمييز على أساس الجنس، أو الطائفة، أو الاعتقاد.
  • يجب أن تذهب مناصب القطاع العام إلى مستحقيها، ويجب أن تُوزّع على مواطنين من مختلف مناطق اليمن.
  • يجب نزع السلاح من جميع الميليشيات ويجب أن يعود المقاتلون إلى الحياة المدنية.
  • يجب حلّ انتهاكات الحقوق التي وقعت خلال النزاع عبر الآليات المنصوص عليها في مسودة قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية منعاً لثقافة الثأر، مع تعويض وإنصاف الضحايا.

*عبدالكريم غانم هو باحث في علم الاجتماع السياسي. صدر له كتاب بعنوان “الوعي السياسي في المجتمع اليمني”، كما نشر عدة أبحاث عن المجتمع والقبيلة اليمنية.


الهوامش

[1] Beyond the Business as Usual Approach: Combating Corruption in Yemen,” The Sana’a Center for Strategic Studies, November 2018, accessed February 11, 2019, http://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No4_En.pdf.

[2] Adam Baron, Farea Al-Muslimi, “The politics driving Yemen’s rising sectarianism”, Sana’a Center for Strategic Studies, May 30, 2016, accessed January 8, 2019, http://sanaacenter.org/publications/main-publications/40.

[3] المصدر السابق

[4] Adam Baron, Farea Al-Muslimi, “The politics driving Yemen’s rising sectarianism”, Sana’a Center for Strategic Studies, May 30, 2016, accessed January 8, 2019, http://sanaacenter.org/publications/main-publications/40.

[5] المصدر السابق

[6] Yasser Alyasre, “The first speech of President Abdo Rabbu Mansour Hadi from Aden on March 21,” YouTube Video, 20:22, March 21, 2017, https://www.youtube.com/watch?v=AQ9PDlftIJc

[7] Farea al-Muslimi, “How Sunni-Shia Sectarianism is Poisoning Yemen,” Carnegie Middle East Center, December 29, 2015, accessed February 11, 2019, https://carnegie-mec.org/diwan/62375.

[8] المصدر السابق

[9] Beyond the Business as Usual Approach: Combating Corruption in Yemen,” The Sana’a Center for Strategic Studies, November 2018, accessed February 11, 2019, http://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No4_En.pdf.

[10] المصدر السابق

[11] Adam Baron, Farea Al-Muslimi, “The politics driving Yemen’s rising sectarianism”, Sana’a Center for Strategic Studies, May 30, 2016, accessed January 8, 2019, http://sanaacenter.org/publications/main-publications/40

[12] Eyad Ahmed, Osamah al-Rawhani, “The Need to Build State Legitimacy in Yemen,” Sana’a Center for Strategic Studies, September 2018, accessed January 29, 2019, http://sanaacenter.org/files/Building_State_Legitimacy_in_Yemen_en.pdf

[13] “Yemen at the UN – March 2018 review”, Sana’a Center for Strategic Studies, April 7, 2018, accessed February 12, 2019, http://sanaacenter.org/publications/yemen-at-the-un/5563#In-Yemeni-Government-Controlled-Areas

[14] Peterson, J. E. “Yemen: Tribes, the State and the Unravelling.” In Tribes and States in a Changing Middle East, edited by Uzi Rabi, Oxford University Press, 2016.

[15] Lackner, Helen. “’Understanding the Yemeni crisis : the transformation of tribal roles in recent decades,” University of Durham, Institute for Middle Eastern and Islamic Studies, 2016, accessed February 12, 2019, http://dro.dur.ac.uk/19545/1/19545.pdf?DDD35

[16]  المصدر السابق

[17] المصدر السابق

[18] Nadwa Al-Dawsari, “Tribal Governance and Stability in Yemen,” Carnegie Endowment for International Peace, April 2012, accessed February 12, 2019, https://carnegieendowment.org/files/yemen_tribal_governance.pdf.

[19] المصدر السابق

[20] Nadwa Al-Dawsari, “Tribal Governance and Stability in Yemen,” Carnegie Endowment for International Peace, April 2012, accessed February 12, 2019, https://carnegieendowment.org/files/yemen_tribal_governance.pdf.

[21] المصدر السابق

[22] المصدر السابق

[23] المصدر السابق

[24] World Bank. World Development Indicators. Accessed February 12, 2019, https://data.worldbank.org/country/yemen-rep

[25] Yemen’s Economic Outlook – October 2018,” World Bank, October 3, 2018, accessed February 12, 2019, http://pubdocs.worldbank.org/en/547461538076992798/mpo-am18-yemen-yem-9-14-kc-new.pdf.

[26] ذكر مكتب تنسيق شؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في فبراير/شباط 2019 أن “22.2 مليون إنسانٍ في اليمن يحتاجون إلى مساعدةٍ إنسانيةٍ أو حمايةٍ إنسانية. وما يقارب 17.8 مليون لا يملكون حاجتهم من الغذاء، و8.4 مليون في أمس الحاجة للغذاء ويواجهون خطر الموت جوعاً.” متاح على https://www.unocha.org/yemen/about-ocha-yemen تم الوصول بتاريخ 12 فبراير/شباط 2019

[27] “The Global Gender Gap Report 2018.” World Economic Forum, December 17, 2018, accessed February 12, 2019, http://www3.weforum.org/docs/WEF_GGGR_2018.pdf.

[28] Nadia al-Sakkaf, “Yemen’s Women and the Quest for Change.” Friedrich Ebert Stiftung, October 2012, accessed February 12, 2019, https://library.fes.de/pdf-files/iez/09434.pdf

[29] Falling Through the Cracks: The Children of Yemen,” UNICEF, March 2017, accessed February 12, 2019, http://files.unicef.org/yemen/Yemen2Years-children_falling_through_the_cracks.pdf.

[30] Brigette Rohwerder, “Conflict and gender dynamics in Yemen,” K4D Helpdesk Report, Institute of Development Studies, March 3, 2017, accessed January 8, 2019, https://opendocs.ids.ac.uk/opendocs/ds2/stream/?#/documents/3546250/page/9.

[31] المصدر السابق

[32] Brigette Rohwerder, “Conflict and gender dynamics in Yemen,” K4D Helpdesk Report, Institute of Development Studies, March 3, 2017, accessed January 8, 2019, https://opendocs.ids.ac.uk/opendocs/ds2/stream/?#/documents/3546250/page/9.

[33] Central Statistics Office, Statistical Yearbook 2004, Yemen, 2004; Central Statistics Office, Statistical Yearbook 2009, Yemen, 2009

[34] Final report for the Second Semester of the Working Groups.” Working Group on Good Governance, National Dialogue Conference, 2013, accessed February 12, 2019, http://www.ndc.ye/page.aspx?show=106.