ذكرى دامسة: اليمن بعد أربع سنوات على التدخل العسكري بقيادة السعودية

ذكرى دامسة: اليمن بعد أربع سنوات على التدخل العسكري بقيادة السعودية

منطقة ثعبات في مدينة تعز في 9 فبراير 2019، والتي شهدت مؤخراً اشتباكات عنيفة بين الحوثيين والقوات المناهضة للحوثيين // الصورة: حسام القليعة


في 26 مارس / آذار 2015، أعلنت السعودية والإمارات تحالفاً ضم عدداً من الدول العربية لشنّ تدخل عسكري في اليمن، وكان هدف الحملة التي أطلق عليها اسم “عاصفة الحزم” التصدي السريع للتقدم العسكري الذي كانت تحققه جماعة الحوثيين المسلحة وإعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى السلطة. بعد أربع سنوات، ما تزال الحرب مستمرة.

لفهم المزيد حول سبب استمرار النزاع دون انقطاع، وكيف تغيرت البلاد خلال هذه المدة وما يعنيه هذا التغير لمن يعيشون هناك، استطلع مركز صنعاء آراء خمسة خبراء في الشأن اليمني.

 


استراتيجية متشظية

 لوران بونيفوي

على عكس التقييم السائد الذي يفترض وجود أجندة واضحة للسعودية والإمارات في اليمن، بدأت أعتقد أن ما يفسر فشل عملية عاصفة الحزم منذ انطلاقها قبل أربع سنوات هو بالضبط غياب الأهداف والسياسات الثابتة، فمنذ البداية، جسد التحالف نفسه هذه الحدود ولم يوضح على الإطلاق أدوار كل من الدول المشاركة.

بدلاً من افتراض تمركز عملية صنع القرار في يد جهة محددة (خاصة حول الأميرين محمد بن سلمان في الرياض ومحمد بن زايد في أبو ظبي)، أعتقد أن الحرب تجري بطريقة مجزأة في الواقع، مما ولد الكثير من الالتباس لدى المراقبين، فإلى حد كبير، بقيت الشؤون العسكرية وكذلك المسائل السياسية قضايا مرتجلة، ويعود ذلك إلى نقص المعلومات الموثوقة الواردة من اليمن، وإلى وهم السيطرة الناجم عن ميزانيات عسكرية غير محدودة على ما يبدو، ولا يزال معظم الواقع اليمني صعب التكهن ويتطور خارج الرادارات الإماراتية والسعودية (ناهيك عن الغربية!).

تدعي وزارات الشؤون الخارجية في كل من الإمارات والسعودية والوكالات الإنسانية والجيش والوكلاء والرعاة المحليون وزعماء القبائل أنهم يعملون بالتنسيق مع بعضهم البعض، ولكنهم في الواقع يعملون بشكل منفصل، إن لم يكونوا في حالة تنازع فيما بينهم.

يتأكد مثل هذا التشظي في تعدد مصالح المعسكر المناهض للحوثيين، والذي يشمل جهات فاعلة متنوعة مثل الميليشيات السلفية وانفصاليي الجنوب وزعماء حزب الإصلاح والليبراليين وورثة تركة صالح، وبالنظر إلى عمق العداء بين هذه الأطراف، من الصعب تصديق وجود أي تنسيق ممكن، سواء على أساس يومي أو كأهداف طويلة الأجل، في ذات الوقت سيكون المزيد من مركزة القرار واستبداد الحكم عديم الجدوى أيضاً، فمن الواضح أن مثل هذا الوضع يمثل إعاقة للمسائل العسكرية وأيضاً يقوّض جهود السلام للأسف.

المشكلة أن العديد من اليمنيين المنتقدين لاستراتيجية التحالف، وكذلك العديد من صانعي القرار الغربيين، يفترضون وجود استراتيجية متسقة للتحالف يتم تطبيقها في اليمن. نظريات المؤامرة التي تدعي كشف الدوافع الأعمق لانخراط الإمارات في الجنوب شائعة، ولكن لا ينبغي اعتبارها أمراً مفروغاً منه، وكذلك الكثير من الادعاءات التي تقول أن السعودية تدمر التراث اليمني عمداً أو تستهدف قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، فكل هذا يحدث غالباً بسبب محدودية الكفاءة والفهم.

كان افتراض وجود أهداف متسقة لدى التحالف سبباً لقبول الولايات المتحدة، وكذلك الاتحاد الأوروبي، لعب دور هامشي ومساعد في إدارة القضية اليمنية عام 2015، ومن هنا ترك هذان الحليفان السعودية وحدها على الجبهات، مما عنى ضمنياً امتلاك الأخيرة الدراية والخبرة الكافية لحل مشكلات لم يكن بإمكانهما حلها: صعود الحوثيين إلى السلطة؛ والتجاوزات الإيرانية؛ وصمود صالح؛ والتنافس السني-السني.

في حين بدى تراجع الثقة بالسعودية والإمارات أكثر وضوحاً في العواصم الأوروبية وفي واشنطن خلال السنوات الأربع الماضية، يبدو أن الدبلوماسيين الغربيين لم يقبلوا تماماً فكرة أن الحرب تفتقر إلى الاستراتيجية والتنسيق، وقد يفضي الضغط الشعبي والسياسي المتزايد في النهاية، والذي يأتي نتيجة تدهور الوضع الإنساني في اليمن واغتيال جمال خاشقجي، إلى تدقيق أكبر في هذا الواقع، ومع ذلك، يدفع اليمنيون مع مرور الوقت ثمناً باهظاً أكثر فأكثر – وهو ثمن من المرجح أن تدفعه الدول المجاورة في شبه الجزيرة العربية، حيث لن يكون انهيار المجتمع اليمني حدثاً معزولاً عن محيطه الإقليمي.

 

لوران بونيفوي باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، يعمل بالمركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية. وهو مؤلف للعديد من المنشورات حول اليمن مثل “السلفية في اليمن: الحركات العابرة للوطنية والهوية الدينية” (2011، مطبعة هرست/جامعة كولومبيا) و”اليمن والعالم: ما وراء الانفلات الأمني” (2018، مطبعة هرست/جامعة أوكسفورد).

 


مغادرة عطان

بلقيس اللهبي

ارتبط مصيرنا بثورة كانت تبني لي وطناً يمنحني الحب؛ بيتاً استطعت أن أسميه بيتي. في ذلك البيت استطعت أن أجري حواراً مع مستقبلي، وسمحت لنفسي أن أغرس زهرتي الأولى، ابنتي شمس.

في 23 مارس / آذار 2015، أضأت الشمعة الأولى لميلاد شمس، وبعد ثلاثة أيام أطل الفجر وأنا أضم شمس بين ذراعي وأنزوي تحت مكتب في ركن صالتنا الجميلة، فلم أدر أين أذهب بها وكيف أختبئ، فقد كنا نستقبل أولى الضربات على جبل عطان، الذي يبعد عنا مسافة شارع وملاك موت، كنا نعد الأيام بعدد الصواريخ، فلم نعرف كم لبثنا.

ذات نهار، قررنا أن نتحدى صوت الحرب الجاثم على قمة جبل عطان، الصوت الذي كان يصلنا عالياً وشفافاً من جميع نوافذ بيتي.

“سنعيش يومنا”، قلنا، وأعددت غداء يليق بجلسة قات جميلة تتخلل فيها عقود الفل ضفائري وتتدلى من عنقي، “سنسهر حتى تضجر أعيننا وسنقاوم عطان والعسيري والحوثيين”.

بحلول أبريل / نيسان، لم يكن عطان مجرد انفجارات مدوية، بل كان وابلاً يومياً، صواريخ تتلو صواريخ، نحصي معها أنفاسنا ونظن أن كلا منها هو النفس الأخير. تتابعت الأنفاس مع صعود وهبوط الستائر تناغماً مع سقوط الصواريخ، صاروخ يرمينا بأحضان بعضنا في ذعر، صاروخ آخر نسرق خلاله قبلة بحثاً عن حقيقة أننا ما نزال أحياء، ثم يأتي صاروخ ثالث ويقذف أحدنا بعيداً عن الآخر.

إنه الصاروخ السادس.

لم يعد الوضع يحتمل مغالطاتنا وضحكاتنا المهزومة ودموعنا المؤجلة، فحتى أغصان ووريقات القات أصبح طعمها مراً، ولم يعد أثرها يتجاوز اليد التي تقطفها، رائحة الفل تحولت لغبار صواريخ.

عقدنا اتفاقاً غير معلن، نجمع احتياجاتنا ليوم أو بعض يوم، حملت شمسي بين ذراعيّ، نظرت إلى بيتي نظرة “عائدون”، وغادرنا، وما أن تجاوزنا الجسر الجديد الذي يصل مدينة حدة بحي عطان حتى اشتعلت السماء خلفنا كما لو كان حفل ألعاب نارية.

التفتُّ إلى الحي الذي عشت فيه من المقعد الخلفي لسيارتنا الصغيرة، هي نفسها الالتفاتة الثانية إلى بيتي وأنا أغادر مدينة صنعاء واليمن بأكمله، إلى اللا مكان، مع وعد بأني سأعود يوماً إلى وطني.

منذ أربع سنوات أفترش حباً لم يغادرني، أتفيأ في ظل ثمرته الطيبة، لتغدو هي بيتي.

منذ الطلقة الأولى، الصاروخ الأول، النزف الأول، لم يعد هناك لي بيت أو وطن. إنها الحرب، تسلخ وجهك وتضيّع ملامحك.

 

بلقيس اللهبي هي باحثة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حيث تركز أبحاثها على التطورات السياسية والاجتماعية في اليمن. تتمتع اللهبي بخبرة تزيد عن 15 سنة في مجال البحوث والمجتمع المدني والتنمية وإدارة المشاريع.

 


كوخ جمهوري بين فيلات ملكية

خالد فتاح

أظهرت الحرب الكارثية التي تقودها السعودية كيف تستعصي مشاكل اليمن الجيواستراتيجية المعقدة على أي حلول أرثوذكسية أو مبسطة، فقد أبرزت الحرب أوجه القصور الصارخة في منظومة الأمم المتحدة، والرغبة المتزايدة لدى النظام الدولي في غض الطرف عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

أربع سنوات منذ أن ضربت الموجة الأولى من الغارات الجوية السعودية صنعاء، وهذه ثلاثة دروس يجب تذكرها: أولاً، دفع اليمن وسيظل يدفع خسائر فادحة طالما بقي كوخاً جمهورياً هشاً ومنقسماً في حي من الفلل الملكية.

ثانياً، منظومة الأمم المتحدة بحاجة ماسة إلى طرق جديدة في التفكير والتحرك بشكل يستجيب لأزمات هذا القرن، وليس لأزمات 1945. فعلى هذا الكيان الدولي أن يمر بتحول بنيوي حقيقي، وأن يتخلى عن مقاربة الوجبات السريعة لحل النزاعات، وإلا فسيستمر في خذلان الملايين من المهمشين والمستضعفين في العالم.

ثالثاً، إطالة البؤس والمعاناة في هذه الحرب أصبحت أمراً ممكناً بسبب مشهد سياسي تهيمن عليه الرؤى والأخلاقيات والآداب الترامبية.

 

خالد فتاح حاصل على دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة سانت أندروز البريطانية. وهو استشاري وخبير مستقل في الشأن اليمني والعلاقات بين الدولة والقبيلة في العالم العربي.

 


لماذا لم ينتصر التحالف بعد في الحرب اليمنية؟

هيلين لاكنر

مع دخول الحرب في اليمن عامها الخامس، من المنطقي أن نتساءل:

 لماذا لم ينتصر التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في الحرب، رغم امتلاكه أحدث المعدات العسكرية البالغة قيمتها مليارات الدولارات، وضمه لقوات من عدة دول، وتمتعه بدعم فني أميركي وبريطاني؟

يتطلب الجواب دراسة الجوانب العسكرية والسياسية.

أولاً، الحوثيون: بعد 15 عاماً من الحرب – أولاً ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ومنذ عام 2015 ضد التحالف – اكتسبت فرقة حرب العصابات الصغيرة خبرة وقوة عسكرية كبيرة، وقد مكنها ذلك من امتلاك اليد العليا ضد قوات صالح المدربة جيداً خلال حروب صعدة، ثم من اغتيال صالح في ديسمبر / كانون الأول 2017، عندما انفصمت عرى التحالف الذي جمعهما، فضلاً عن قيامها بعمليات توغل متكررة داخل الأراضي السعودية أثناء النزاع الحالي. نظراً لعدم امتلاكها أي سلاح جوي [حيث جرى تدميره خلال الساعات الأولى من التدخل العسكري السعودي في مارس / آذار 2015]، فقد طورت جماعة الحوثيين قدرات طائرات مسيّرة، بالإضافة إلى توسعتهم نطاق مخزونهم من صواريخ سكود الشرق-أوروبية الموروثة من نظام صالح.

هناك أدلة دامغة في الحقيقة على استفادة جماعة الحوثي من نصائح ومساعدات حزب الله اللبناني والنظام الإيراني في التحسينات التقنية لقوتها الصاروخية والاستراتيجية، ومع ذلك، لم يجعلهم هذا بأي حال يصلون إلى مستوى التفوق المتاح للتحالف السعودي، سواء على مستوى العدّة أو العدد، إلا أن الجماعة ما تزال بعيدة كل البعد عن الهزيمة: فإذا نظرنا إليها على المدى الطويل، فقد نمت بين 2004 و2019، من فرقة حرب عصابات صغيرة إلى جيش جرار.

ثانياً، التحالف العسكري بقيادة السعودية: هنا يمكننا أن نبدأ بالعناصر غير اليمنية، فقد حصرت السعودية تدخلها إلى حد كبير في الغارات الجوية، والبالغ عددها حتى الآن ما يقرب من 20 ألف غارة، وقد سقط وأصيب خلالها عشرات الآلاف من المدنيين، وبعض هذه الغارات ساهم في كارثة العلاقات العامة التي عانت منها دول التحالف، مثل بعض الغارات الشهيرة التي استهدفت جنازات وحفلات زفاف وأسواقاً ومرافق طبية وتعليمية. هل هناك قوات برية سعودية في اليمن؟ نعم، ولكنها ليس على الجبهات العسكرية الرئيسية، فهي تتدخل للتوسط بين الميليشيات المحلية المدعومة إماراتياً وتلك الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في عدن في الفترة 17-2018، وفي سقطرى عام 2018، وفي الآونة الأخيرة، انتشرت بعض القوات السعودية في المهرة، والتي هي موضع شد وجذب حالياً بين عدة جهات – سلطنة عمان والسعودية والإمارات وسماسرة السلطة المحليين – وكل ذلك بالكاد له علاقة بالحرب ضد الحوثيين.

بعد سقوط أكثر من 50 جندي من القوات البرية الإماراتية بمأرب في سبتمبر / أيلول 2015، خفضت الإمارات بشكل كبير من عدد مواطنيها على الأرض، مستخدمةً قوات سودانية وكولومبية بشكل أساسي كـ”وقود مدافع” بتوجيه إماراتي، وكلهم على جبهات محافظات الجنوب والمعارك الجارية في منطقة تهامة على طول ساحل البحر الأحمر.

أما بالنسبة للقوات اليمنية، فإن تحالفاتها وولاءاتها تمتد على الطيف السياسي اليمني الواسع، وبينما يمكن اعتبار عددا قليلا جداً منهم من الموالين للرئيس هادي، فإن جميع الفصائل السياسية الأخرى ممثلة تقريباً.

أهم هذه الفصائل هي التابعة لحزب الإصلاح الموالي لنائب الرئيس علي محسن – الحليف الوثيق للرئيس الراحل صالح حتى مارس 2011– والتي تعمل في محافظة مأرب، وعلى الجبهات الشمالية قرب الحدود السعودية، وكذلك في محافظات تعز والبيضاء وشبوة.

أما المجموعة الثانية الأكثر أهمية الآن فهي قوات طارق صالح – ابن شقيق الرئيس السابق – والمدربة والمجهزة بشكل جيد جداً، وهي تعمل جنباً إلى جنب مع قوات التحالف في تهامة وكان لها إسهام كبير في التقدم الحاصل مؤخراً نحو مدينة الحديدة منذ منتصف عام 2018.

المجموعة الثالثة هي مجموعات متعددة من السلفيين الجنوبيين، الذين يدينون بالولاء لقادتهم المتحالفين مع الإمارات، وينشطون الآن حتى خارج الجنوب، على الرغم من إحجامهم أحياناً عن المشاركة في “الشمال”، وهؤلاء المقاتلون السلفيون يقاتلون في أقصى الشمال أيضاً، حيث يخضعون رسمياً لقيادة علي محسن لكن ولاءهم له مشكوك فيه. وقد حققوا في تهامة تقدماً سريعاً وغير منسق وسيء التخطيط في اتجاه الشمال، مما جعلهم عرضة لهجمات الحوثيين المضادة.

أدى ضغط الأمم المتحدة والولايات المتحدة وغيرهما إلى وقف هجوم التحالف على الحديدة أواخر عام 2018، وبعد ذلك توصلت الأطراف المتحاربة إلى اتفاق أصبح يعرف باسم اتفاق ستوكهولم، وكان الرأي العام العالمي والجهات الإنسانية الفاعلة قد اعترضا بشدة على هجوم الحديدة، والذي كان من المتوقع على نطاق واسع أن يتحول إلى كارثة إنسانية لملايين اليمنيين الجائعين، ومع ذلك، فإن قيادة التحالف لا تزال مقتنعة بأن من شأن الاستيلاء على الحديدة أن يجبر الحوثيين على الاستسلام، وهم لذلك ما يزالون متمسكين بهذا الهجوم، وهو ما يساعد في تفسير سبب انهيار الاتفاق في الوقت الحالي.

بينما تركز اهتمام العالم على الحديدة، لم تحظ المعارك الأخيرة بين قوات الحوثي وقبائل حجور في محافظة حجة بالاهتمام الكافي، ومع تركز الاهتمام الإعلامي على معاناة المدنيين الناتجة عن هجوم الحوثيين على قبيلة كانت حتى محايدة وقت قريب، تبددت الأهمية السياسية والعسكرية لهذه المعركة. فلو تم تقديم الدعم الكافي لقبائل حجور، لأمكن للتحالف إحراز تقدم كبير وقطع جميع الطرق الرئيسية من صعدة إلى صنعاء، وبالتالي تقسيم قوات الحوثي إلى منطقتين منفصلتين وغير متصلتين، وهو إنجاز سياسي وعسكري كبير. لكن يبدو أنه لم يكن للمساعدات العسكرية السعودية المنقولة جواً إلى القوات المناهضة للحوثيين أي تأثير يذكر، في حين تجاهلت حكومة هادي عروض المساعدة من قوات طارق صالح والقوات السلفية الأخرى في تهامة بعد عصيانها لأوامر إعادة الانتشار من حضرموت إلى المهرة. والنتيجة أن الحوثيين يسيطرون الآن على هذه المنطقة، ويستخدمون أساليبهم الوحشية المعتادة ضد السكان والقيادات المحلية، فيما ضاعت فرصة تحقيق اختراق عسكري كبير.

هذا المثال الأحدث للانقسامات والتنافسات داخل الأطراف اليمنية للتحالف الذي تقوده السعودية يشبه أمثلة كثيرة أخرى، وهو ما كان حقيقة يومية لسنوات في تعز والبيضاء. كذلك تضاف الاختلافات بين الشريكين الإماراتي والسعودي [انظر: عدن وسقطرى والمهرة في العامين الماضيين] إلى التنافس بين انفصاليين جنوبيين مدعومين إماراتياً وبين حكومة هادي، مما يستلزم أحياناً وساطة سعودية.

ما سبق يساعد في شرح عدم إحراز أي تقدم في الحرب، ويحق للمراقبين واليمنيين على حد سواء أن يسألوا ما إذا كانت هذه مجرد إشارات إلى وجود تنافس سياسي أم أن هناك مصالح أخرى وراء إدامة الحرب، مثل إثراء أمراء الحرب على مختلف الجبهات، ولكن في الذكرى الرابعة للحرب، تظل الحقيقة الأساسية أن الملايين يعانون ويموتون بسبب قسوة قلوب قياداتهم على الأقل.

 

هيلين لاكنر عاشت وعملت لأكثر من 15 عاماً في الدول الثلاث التي شكلت اليمن الحالي خلال العقود الخمسة الماضية. وهي الآن مؤلفة بشكل رئيسي: كتابها الأحدث هو “اليمن في أزمة: الاستبداد والنيوليبرالية وتفكك الدولة” (دار الساقي، لندن 2017). كما ستنشر فيرسو إصداراً ورقياً للكتاب في أبريل / نيسان بعنوان “اليمن في أزمة: الطريق إلى الحرب”.

 


فيتنام الرياض

فارع المسلمي

إن السؤال: أين نجحت وأين أخفقت السعودية في اليمن؟ هو السؤال الخطأ، ذلك أن السعودية خسرت في اليمن في اللحظة التي قررت فيها التدخل عسكرياً، ولم تتوقف عن الخسارة منذ ذلك الحين.

إن تدخل السعودية العسكري كان بمثابة اعتراف ضمني بفشل العملية الانتقالية اليمنية بعد انتفاضة عام 2011 – والتي تولت الرياض هندستها ورعايتها بشكل رئيسي، وفي حين يقال أن الحرب هي ممارسة للسياسة بوسائل أخرى، إلا أن اتخاذ قرار من قبل أغنى بلد عربي لقصف أفقر بلد عربي واعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة لمعالجة فشل سياسي ودبلوماسي يظهر ضعفاً وانعداماً للبصيرة، وليس تعبيراً عن القوة.

لقد كانت السنوات الأربع لعملية “عاصفة الحزم” ثم “إعادة الأمل” – والتي تشير التقديرات أنها تكلف السعودية مليارات الدولارات شهرياً – بمثابة سلسلة من الإخفاقات على جميع الجبهات: فقد أدت الكارثة الإنسانية إلى حرق صورة السعودية العامة في الخارج؛ حيث يقوم المشرعون الآن في واشنطن ولندن وعواصم أوروبية أخرى بمراجعة وتدقيق علاقاتهم بالرياض بشكل متزايد، كما يتعجب القادة الإيرانيون من قلة كفاءة الجيش السعودي أمام ميليشيا متشددة، لكنهم في الوقت نفسه مبتهجون بأن الحرب أجبرت حركة الحوثيين المسلحة على أن تشد ظهرها بطهران أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، هناك ملايين الأشخاص في اليمن على وشك المجاعة، واقتصادهم في حالة خراب، ونسيجهم الاجتماعي في حالة تهتك مستمر، ولا تزال حكومتهم تعمل من المنفى في فنادق الرياض على بعد آلاف الكيلومترات عن العاصمة اليمنية، وخلال هذا الوقت، تسعى مختلف الفصائل المقاتلة على الأرض والمحسوبة على الحكومة اليمنية بنشاط وبصراحة إلى انتزاع سلطتها الخاصة.

باختصار، أصبح اليمن فيتنام السعودية، ومثل تلك المغامرة الأمريكية الكارثية في فيتنام، لن تنتهي الخسائر إلا حين يدرك المسؤولون أن الحرب ليست قابلة للانتصار اليوم، ولم تكن قابلة للانتصار حين بدأت، وقد حان الوقت لوقف النزاع المسلح والبحث عن مقاربة مختلفة.

 

فارع المسلمي هو رئيس ومؤسس مشارك في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. وهو أيضاً زميل غير مقيم في تشاتام هاوس. عمل سابقاً في مركز كارنيجي للشرق الأوسط ببيروت ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة كباحث زائر حيث كان يغطي شؤون اليمن والخليج.

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.