القاعدة في اليمن: الانسحاب الاستراتيجي

القاعدة في اليمن: الانسحاب الاستراتيجي

حسام ردمان


ملخص تنفيذي

عام 2015، أقام تنظيم القاعدة في جزيرة العرب سلطة أمر واقع في خامس أكبر مدن اليمن، حيث استولى على مساحات شاسعة من الأراضي شرقي البلاد وسيطر على نقاط تهريب استراتيجية على طول الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد، كما استغل الفرع المحلي للتنظيم العالمي المتشدد الفوضى الناجمة عن انتفاضة 2011 في اليمن، وتمرد جماعة الحوثيين (أنصار الله) اللاحق، ومن ثم دخول التحالف العسكري بقيادة السعودية في النزاع في مارس 2015، سواءً على مستوى السيطرة الإقليمية أو الموارد المالية أو الطاقة البشرية، ولم تكن القاعدة أقوى مما كانت عليه وقتذاك.

بعد ذلك التطور تراجعت مكاسب التنظيم تدريجيا، حيث بدأت عمليات مكافحة الإرهاب بقيادة الإمارات عام 2016، وبدعم أمريكي متصاعد باستخدام الطائرات الأمريكية بدون طيار في العمليات العسكرية المباشرة ضد القاعدة، مما أجبرها على القيام بانسحابات كبيرة بعد قطع كثير من خطوط تواصلها، والخسائر البشرية في صفوف قياداتها، وتمرد القادة المحليين عليها، وبدلاً من مواجهة القوة العسكرية المتفوقة لقوات مكافحة الإرهاب، انسحبت القاعدة عموماً من المناطق الخاضعة لها وتراجعت إلى ملاذات آمنة أكثر بعداً، مع التركيز على التحكم بحجم الأضرار والحد من تعرض كبار قادتها للغارات الجوية الموجهة.

رغم ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذا الوضع التراجعي ظاهرياً كمؤشر على التراجع المطلق للجماعة كلاعب فاعل في اليمن، فقد كان أسلوب عمل القاعدة تاريخياً، يعتمد على التراجع المحسوب والدوري وإعادة استجماع القوى قبل معاودة الظهور من جديد، فعلى عكس اللاعبين الآخرين في الحرب، لا تعكس السيطرة على الأراضي تماسك المجموعة، ورغم أن تزايد عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية والإماراتية أدى إلى تقليص نفوذ القاعدة، إلا أن الظروف السائدة التي سمحت لها بالازدهار لا زالت مواتية، إذ لا يزال النزاع المستمر في البلاد وما أنتجه من العنف، وانعدام الأمن، والانقسامات الاجتماعية، وانهيار الدولة، والأزمة الاقتصادية، والكارثة الإنسانية، عوامل تغذية لمصالح القاعدة وخلق مساحة لعملياتها.

أظهرت القاعدة أيضاً قدرتها على البقاء وتجاوز الخسائر المتكررة في صفوف قياداتها، في حين تخلق الحرب المستمرة في اليمن نبعاً طبيعياً للمواهب والخبرات التي يمكن للقاعدة استقطابها.

وفي نهاية المطاف، تظل الوسيلة التي يمكن بها إنهاء تهديد القاعدة في اليمن وخارجه، هي إنهاء النزاع عبر تسوية سياسية تعيد بناء الدولة والمؤسسات العامة، وتستعيد فاعلية قوات الأمن، وإلى أن يتحقق ذلك، فإن الانسحابات الاستراتيجية للتنظيم – كالانسحاب الحالي– ستتيح له عودة محتومة، ولن تفيد التدابير الحالية ضد القاعدة أكثر من احتوائها، بدلاً من القضاء عليها كتهديد.


جذور وتوسع القاعدة في اليمن

من أفغانستان إلى تمرد الحوثيين

يمكن إعادة جذور القاعدة في اليمن إلى أواخر ثمانينات القرن الماضي، حيث كان آلاف اليمنيين الذين قاتلوا مع (المجاهدين الأفغان) ضد الجيش السوفيتي إلى ديارهم، وقد أثبت هؤلاء المقاتلون المتمرسون فائدتهم لعلي عبد الله صالح، رئيس الجمهورية العربية اليمنية آنذاك (اليمن الشمالي)، حيث استخدمهم كجزء من حملته لتقويض الحكومة الماركسية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي). ثم بعد توحيد البلاد في عام 1990، واصل صالح الاستفادة بشكل سري من هؤلاء المقاتلين الجهاديين في صراعه ضد شركائه في الوحدة من القيادات الاشتراكي اليمني. التي كانت تعارض دمج شمال اليمن وجنوبه بذاك الشكل.

جلب تنظيم القاعدة في اليمن، اهتماماً واسعاً في الدوائر الغربية لمكافحة الإرهاب في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، حين نفذ هجوما على المدمرة البحرية الأمريكية (يو إس إس كول) في ميناء عدن وقتل 17 من عناصر الجيش الأمريكي وأصاب 39 آخرين، ويبدو أن الحملة المشتركة بين الولايات المتحدة والدولة اليمنية ضد تنظيم القاعدة في اليمن قد نجحت في القضاء على الكثير من قواه البشرية والتشغيلية حينها، ومع ذلك، قامت القاعدة عام 2006، بتنفيذ متقن لعملية هروب من سجن الأمن السياسي بصنعاء، سمحت بفرار 23 من أخطر عناصرها، كان من بين هؤلاء السكرتير السابق لأسامة بن لادن، ناصر الوحيشي، الذي سيصبح لاحقاً الزعيم المؤسس لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي نشأ رسمياً في يناير/ كانون الثاني 2009، بتوحيد فرعي التنظيم في اليمن والسعودية.

استؤنفت الهجمات على أهداف غربية بعد ذلك الهروب الكبير من السجن، بما في ذلك التفجير الانتحاري الذي وقع في مأرب عام 2007 وأسفر عن مقتل ثمانية سياح إسبان، والهجوم الذي وقع على السفارة الأمريكية بصنعاء عام 2008، ولكن الاستهداف الفاشل لرحلة خطوط نورث ويست الجوية رقم (253) عشية عيد ميلاد لعام 2009، هو الذي عزز الاهتمام بالقاعدة في أوساط المخابرات وأجهزة الأمن الغربية بوصفها أخطر فرع من فروع القاعدة، حُكم على المواطن النيجيري عمر فاروق عبد المطلب، بالسجن مدى الحياة بتهمة الشروع في تلك العملية، وقد اعترف للمحققين أن القاعدة دربته في اليمن وأمرته بمهاجمة أهداف أمريكية انتقاماً لقتل عناصرها في البلاد.

إن الاضطراب وانهيار الدولة الذي أعقب الانتفاضة اليمنية عام 2011، وبدء تمرد الحوثيين ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي، ثم دخول التحالف العسكري بقيادة السعودية في المعركة، أتاح لعناصر القاعدة فرصاً جديدة لتأكيد وجودهم؛ وعلى وجه الخصوص، بعد انقسام الجيش عام 2011 ومن خلال ارتداء عباءة الشعبوية وادعاء القتال لحماية المسلمين السنة ضد الحوثيين، المنتمين إلى الطائفة الزيدية التي هي فرع من الإسلام الشيعي، وتحت راية (أنصار الشريعة)، استولى مسلحو القاعدة على مساحات شاسعة من الأراضي والمدن الرئيسية في محافظتي أبين والبيضاء.

بلغت هذه التطورات ذروتها باستيلاء القاعدة على مدينة وميناء المكلا الاستراتيجي، عاصمة محافظة حضرموت، وخامس أكبر مدن اليمن، هنا، تمكنت القاعدة من تدعيم احتياطياتها المالية بزيادة قدرها 100 مليون دولار من فرع البنك المركزي في المدينة عام 2015، فيما كانت جباية الرسوم على البضائع والوقود الداخلة إلى الميناء تملأ محفظة التنظيم بما يقدر بحوالي مليوني دولار يومياً، وفي يناير/ كانون الثاني 2015، أثبتت القاعدة مرة أخرى قدرتها على ضرب أهداف خارج حدود اليمن، وذلك بالهجوم على مكاتب مجلة تشارلي إيبدو في باريس الذي أعلنت مسؤوليتها عنه.

استراتيجيات القاعدة المدينية والريفية، والاستجابات المحلية

في المناطق المدينية التي سيطرت عليها القاعدة – مثل المكلا بحضرموت، وزنجبار بأبين، وأجزاء من محافظة شبوة – سرعان ما أكدت الجماعة على وجودها وأنها السلطة الحاكمة المحلية، وشمل ذلك تفعيل القضاء الشرعي بدل القضاء الرسمي، والتحكم بالخدمات العامة الأساسية ومشاريع البنية التحتية الصغيرة.

وفي المناطق الريفية، لا سيما في محافظات البيضاء ومأرب وشبوة، حيث تتسم المجتمعات بطابع قبلي وتعمل بشكل شبه مستقل عن الدولة، لم تسعَ القاعدة إلى تطوير آليات الحكم، بل سعت إلى تكوين علاقات مع بنى السلطة المحلية والاندماج فيها، دون أن تتحول إلى مركز النفوذ أو السلطة المباشرة، ومن وسائل الاندماج القبلي زواج أعضاء تنظيم القاعدة من الأسر القبلية، كما حدث مع أسرة الذهب في محافظة البيضاء، وأيضا إنشاء العلاقات المالية – كالإتجار بالأسلحة وغيرها من أشكال التهريب – الذي جعل العلاقة مع القاعدة مربحة للزعماء القبليين، كما أن تعزيز القوة القتالية للقبائل ضد منافسيها منح مقاتلي القاعدة استقبالاً إيجابياً في المناطق القبلية، ونظراً لعزلتها عن الدولة والعالم الخارجي ككل، لم تكن الجماعات القبلية في المناطق الريفية تبالي عموماً بالمخاوف السياسية الأوسع، بل كانت تعمل على أساس مصالحها الذاتية المحلية والبراغماتية، ووفقا للأعراف القبلية العريقة.

بشكل عام كانت البراغماتية، وليست الأيديولوجيا، هي الاعتبار السائد لسكان المدن المحليين الذين دخلت القاعدة في أوساطهم، في هذا الصدد، ساعد التوسع المسلح للحوثيين بشكل كبير في منح القاعدة قبولاً في عدد من المناطق، في عدن، بمديرية المنصورة والشيخ عثمان ومدينة الشعب، على سبيل المثال، استطاع مقاتلو القاعدة إقامة علاقات محلية جيدة عبر لعب دور قيادي في طرد قوات الحوثيين منها عام 2015، وبفعل ذلك، لعبت القاعدة كثيراً على أوتار الطائفية، مدعيةً أنها حامية السكان السنة ورافعةً راية “مقاومة أبناء عدن” ضد الحوثيين.

ورداً على استيلاء قوات الحوثيين على عدن، كانت الدول الأعضاء في التحالف العربي قد سارعت إلى تقديم الأسلحة والأموال لجماعات “المقاومة الشعبية” التي نشأت لمقاومة غزو الحوثيين، وغالباً ما تم ذلك دون تدقيق كبير لمتلقّي الأسلحة والأموال، فاستفاد تنظيم القاعدة من هذا الدعم وأسلوب تقديمه، ومع ذلك، فبمجرد هزيمة قوات الحوثيين، كان القلق الشعبي من (الإرهابيين) يعود إلى الواجهة، حيث شعر معظم سكان المدينة بالتوجس من الأيديولوجيا المتطرفة التي يتبناها تنظيم القاعدة، لأنهم يدركون، بسبب ماضي التنظيم مع التفجيرات الانتحارية، أنه قد ينقلب ضدهم بعنف، وفي غضون أشهر، أطلقت الجماعات المسلحة المحلية المدعومة إماراتياً وقوات الأمن الحكومية اليمنية حملة لطرد تنظيم القاعدة من مدينة عدن تكلّلت بعد عدة مصادمات عنيفة بالنجاح.

في المكلا، التي لم تكن إحدى جبهات الحرب الراهنة، نجح الهجوم المدعوم إماراتياً عام 2016 في طرد القاعدة من المدينة خلال ثلاثة أيام فقط، حيث كانت القاعدة تفتقر إلى الدعم المحلي في هذه المنطقة الحضرية، ولم يكن سبب استيلاء القاعدة على المكلا في أبريل/ نيسان 2015 واحتفاظها بسيطرتها عليها لعام كامل يعزى لتقارب السكان مع عقيدة القاعدة، بل لعدم وجود بنى حكم وأمن فعالة، وبمجرد تأسيس وجوده، كان التنظيم يتجنب استعداء سكان المدينة بشكل مفرط، من خلال اتباع مقاربة استيعابية ومرنة نسبياً بفرض أيديولوجيته على المجتمع.

لقد ساعد الطابع السلمي للمدينة والمتأثر بالحركات الصوفية عموماً، في الحد من المقاومة العنيفة للقاعدة، وهو السلوك الذي عزّزه تحسين الخدمات العامة بشكل ملموس – بما في ذلك الوصول إلى المياه والكهرباء وخدمات الرعاية الصحية – خلال عهد القاعدة، ومع ذلك، عندما بدأت الإمارات في حشد وتدريب المجندين لقوات النخبة الحضرمية عام 2016، سرعان ما تجند فيها آلاف الشباب الباحثين عن رواتب وشكلوا القوة الطليعية التي دخلت وحررت المدينة من القاعدة في أبريل/ نيسان من ذلك العام، ويشير هذا إلى وجود معارضة شعبية للقاعدة كانت تنتظر تحول موازين القوى للتحرك، وقد جاء ذلك مع تدخل الإمارات.  

وعليه: ينبغي فهم العلاقات والمواقف مع/ تجاه القاعدة في اليمن كونها ديناميات معقدة تعتمد إلى حد كبير على اعتبارات براغماتية، وتشمل هذه الاعتبارات الأمن المحلي والظروف السياسية والاجتماعية، وتغير موازين القوى السائدة، مع ندرة الدعم الأيديولوجي الثابت للقاعدة الذي يعبر عنه القِلة.

 


الجهود الأجنبية لمكافحة الإرهاب في اليمن

قرابة عقدين من العمليات العسكرية الأمريكية

كان اليمن مسرحاً رئيسياً لعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية منذ العام 2000، وهي جهود مدفوعة أساساً بهجوم المدمرة (يو إس إس كول)، وتوجه السياسة الخارجية لواشنطن نحو “الحرب على الإرهاب” عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية في نيويورك وواشنطن العاصمة.

بهذا الصدد، كان يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 لحظة فاصلة، حيث شهد أول غارة أمريكية بطائرة بدون طيار في اليمن، وأول عملية قتل خارج نطاق القانون لمواطن أمريكي في تاريخ البلاد، ففي ذلك اليوم، أطلقت طائرة بدون طيار من طراز بريداتور تسيّرها وكالة الاستخبارات المركزية صاروخاً من طراز (هيلفاير)على سيارة في محافظة مأرب، ما أسفر عن مقتل ستة رجال؛ من بينهم قائد سالم الحارثي، اليمني الذي يشتبه في مساعدته في تخطيط الهجوم على المدمرة كول، والمواطن الأمريكي كمال درويش الذي اشتبهت السلطات الأمريكية في أنه مساعد الحارثي.

قدم الرئيس اليمني آنذاك صالح نفسه كشريك في الحرب الأمريكية على الإرهاب، ورحب بالتدريب والتمويل الأمريكيين لوحدات مكافحة الإرهاب اليمنية. ومع ذلك، أدى الارتياب الأمريكي المتزايد في المؤسسة الأمنية اليمنية إلى زيادة تركيز القوات الأمريكية على العمليات الأحادية الجانب، ومنذ عام 2004، أدى تمرد الحوثيين المتزايد في شمال اليمن إلى تحول انتباه الحكومة اليمنية بعيداً عن تنظيم القاعدة، وكشف أولويات صالح المتباينة أكثر فأكثر مع أولويات الولايات المتحدة، ومع ذلك، سجلت جهود مكافحة الإرهاب اليمنية المدعومة من الولايات المتحدة في هذه الفترة نجاحات ملحوظة، حيث تم سجن غالبية قادة القاعدة الكبار بحلول منتصف العقد الأول من القرن العشرين.

تولى الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما منصبه في يناير/ كانون الثاني 2009 ليقوم بدعم سياسة تمويل وتسليح وتدريب قوات الأمن الحكومية اليمنية والحد بشكل كبير من العمليات الأمريكية المباشرة، وقصرها على غارات الطائرات بدون طيار، لكن خلال ولاية أوباما الثانية، تعرضت سياساته لانتقادات متزايدة من جانب جماعات حقوق الإنسان والمحللين ووسائل الإعلام والكونغرس الأمريكي، كان ذلك جراء ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف المدنيين إثر الغارات الأمريكية الموجهة بدون طيار، وكذلك تعاظم الغضب المحلي الناتج عن هذه الخسائر وغياب آليات المحاسبة للجيش الأمريكي.

الجدير بالذكر أن حملة الطائرات بدون طيار اكتسبت غطاء من الشرعية مع صعود هادي إلى الرئاسة عام 2012، والذي عبر عن تأييده لهجمات الطائرات بدون طيار خلال زيارته لواشنطن، على الرغم من تصاعد الاستياء الشعبي في بلاده،  وكان الرئيس صالح قد رحب بعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن خلال فترة حكمه.

استمر دعم الولايات المتحدة الثابت لعمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الحكومة اليمنية حتى عام 2015، عندما انطلقت عملية عاصفة الحزم للتحالف العسكري بقيادة السعودية، دافعةً وزارة الخارجية الأمريكية لإعلان انسحاب قوات العمليات الخاصة المتبقية من البلاد، ورافق خروج تلك العناصر الأمريكيين زيادة في استخدام الطائرات بدون طيار ضد أهداف القاعدة، كما دعمت الولايات المتحدة التشكيلات الأمنية المحلية المنشأة حديثاً على يد الإمارات، والتي نجحت بطرد القاعدة من معاقلها في جنوب اليمن.

مع تنصيب دونالد ترامب رئيساً في يناير/ كانون الثاني 2017 حدث تكثيف ملحوظ لعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن، وكان تقليص الرقابة الرئاسية على الأعمال العسكرية الأمريكية في اليمن، وإعلان أجزاء من البلاد – ولا سيما في محافظات أبين والبيضاء وشبوة – مناطق “عمليات عدائية نشطة” من الإجراءات الأولى التي اتخذها الرئيس الجديد، فقلل ذلك من المتطلبات القانونية للجيش الأمريكي لشن عملياته هناك، لتتراجع من اشتراط “شبه يقين” بعدم وقوع أي خسائر مدنية، إلى السماح بمثل هذه الخسارات “ما دامت ضرورية ومتناسبة مع أهداف عسكرية مشروعة”، بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز.

بعد ذلك، ارتفعت العمليات العسكرية الأمريكية ضد القاعدة، حيث تضاعف عدد الغارات الجوية المعلن عنها أكثر من أربع مرات (من 32 غارة في 2016، إلى 131 غارة عام 2017)، في حين كانت القوات الخاصة الأمريكية تنفذ أيضاً غارات برية مختلفة، وأكثر هذه الغارات البرية شهرة حدثت بعد فترة وجيزة من تقلّد ترامب منصبه، عندما شنّت البحرية الأمريكية هجوماً على مخبأ مشتبه به للقاعدة في قرية يكلا بمحافظة البيضاء. تجاوز عدد قتلى هذه الغارة 17 مدنياً – بما في ذلك 10 أطفال – و14 عنصراً من عناصر القاعدة وعنصراً من البحرية الأمريكية، إضافة لتحطم مروحية عسكرية أمريكية، وفقاً لتقارير في الجيش والإعلام الأمريكي.

أما خلال العام 2017، فقامت القوات الخاصة الأمريكية بدعم وتوفير معلومات استخبارية للعمليات المحلية المدعومة إماراتياً لإخراج القاعدة من مختلف المناطق، بما في ذلك حملة نفذت في مايو/ أيار من ذلك العام، لطرد القاعدة من أجزاء من وادي حضرموت، وفي وقت لاحق من منطقة عزان بمحافظة شبوة المجاورة.

انخفضت عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن عام 2018 بشكل ملحوظ، حيث أقر الجيش الأمريكي بوقوع 36 غارة جوية فقط، لم يحدث أي منها خلال الربع الأخير من العام، وليس واضحاً ما إذا كان ذلك مؤشر على تغيير في السياسات، أم على افتقار الجيش الأمريكي إلى أهداف محددة يشن غارات ضدها (لمزيد من التفاصيل، يرجى الاطلاع على المنشور الأخير لمركز صنعاء “ترامب ومكافحة الإرهاب في اليمن: العامان الأولان“).

 

جهود الإمارات لمكافحة الإرهاب في اليمن منذ العام 2016

كما ذكر أعلاه، دعمت الولايات المتحدة جهود الإمارات لتجنيد وتدريب واستبقاء قوات محلية تابعة لها في اليمن، مثل قوات الحزام الأمني في عدن وأبين ولحج و”قوات النخبة” في حضرموت وشبوة والمهرة، وخاضت هذه القوات – إلى جانب وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لجهاز الأمن في عدن – اشتباكات عسكرية مباشرة مع القاعدة، وسعت إلى منع عودة ظهور التنظيم في المناطق التي تم إخراجه منها، كما قدمت دعماً لجمع المعلومات الاستخباراتية للتحالف الدولي والحلفاء الإقليميين، ووفرت وظائف ومنافذ للشبان العاطلين عن العمل، وهم الديموغرافيا الرئيسية التي تستقطب القاعدة مجنديها منها.

سعت الإمارات إلى تحصيل موافقة القبائل على هذا الترتيب الأمني ​​الجديد، ومساعدة المقاتلين المحليين في إخراج القاعدة من مختلف المناطق، من خلال إعادة بناء البنية التحتية للقادة المحليين، وكان تحرير عدد من المدن والمناطق الجنوبية إنجازاً يمنياً إماراتياً مشتركاً.

في فبراير/ شباط 2017، شنت القوات اليمنية المدعومة إماراتياً عمليتين ضد القاعدة في المناطق الواقعة غرب المكلا، والمناطق الجنوبية من محافظة شبوة وأجزاء من أبين. وأعقب ذلك حملات في مديرية دوعن في عمق حضرموت في شهر مايو/ أيار، ومديرية عزان في محافظة شبوة في شهر أغسطس/ آب، ومديرية المحفد، آخر معقل للقاعدة في محافظة أبين، في نوفمبر/ تشرين الثاني، وكانت استعادة المدن الرئيسية في شبوة بحلول أغسطس/ آب 2017، وسيطرة القوات التابعة للحكومة على جميع مناطق المحافظة تتم لأول مرة منذ سنوات.

استمرت القوات المحلية المدعومة إماراتياً في تنفيذ حملات مكافحة الإرهاب خلال عام 2018، واستهدفت جيوب القاعدة في أبين وشبوة وحضرموت، وعلى وجه الخصوص، في مديرية مودية بمحافظة أبين، حيث أطلقت قوات الحزام الأمني ​​المدعومة إماراتياً عملية “الانتقام الساحق” في ديسمبر/ كانون الأول 2018، فيما كانت قوات النخبة المدعومة إماراتياً تنفذ عمليات ضد القاعدة في مديرية الصعيد بشبوة، ومناطق غربي حضرموت.

 

ما يعنيه ذلك بالنسبة للقاعدة

  • خسائر هامة بين القيادات

أدت حملة الاغتيالات الأمريكية – وبدرجة أقل الإماراتية – إلى مقتل عدد كبير من الشخصيات القيادية في القاعدة خلال السنوات الأخيرة، وعلى سبيل المثال، قضت غارات الطائرات الأمريكية بدون طيار على جزء كبير من الإدارة التنظيمية للقاعدة عام 2015، مما أسفر عن مقتل زعيم القاعدة ناصر الوحيشي، والزعيم الديني إبراهيم الربيش، والخبير الاستراتيجي ونائب القائد العام ناصر بن علي العنسي، والمسؤول الديني البارز حارث بن غازي النظاري، وأدى مقتل الوحيشي إلى تولي قاسم الريمي زمام قيادة التنظيم.

تسببت زيادة الغارات الجوية والعمليات الأمريكية عام 2017، بموجة من الخسائر في القيادات على المستوى المنخفض إلى المتوسط بالنسبة للقاعدة، وبدأت تلك الخسائر في يناير/ كانون الثاني، مع غارة البحرية الأمريكية على قرية يكلا التي قتلت – إلى جانب 13 عنصراً – الأمير المحلي للقاعدة عبد الرؤوف الذهب، وفي يونيو/ حزيران، قتلت طائرات أمريكية بدون طيار أبو خطاب العولقي، الأمير المحلي في شبوة، وقد تزامن ذلك مع غارة جوية استهدفت قادة آخرين في القاعدة، وفي أكتوبر / تشرين الأول، قتلت غارة جوية أبو عبيدة اللودري، أمير القاعدة في أبين، وبعد شهر من ذلك، قُتل مجاهد العدني، الأمير الجديد في شبوة، وأبو الليث الصنعاني، القيادي البارز في تنظيم القاعدة بالبيضاء.

في نفس السياق، أفادت القيادة المركزية للجيش الأمريكي في يناير / كانون الثاني 2018 عن عدد من الغارات الناجحة ضد شخصيات القاعدة في ديسمبر / كانون الأول 2017: مقداد السيستاني، ميسر العمليات الخارجية، في غارة جوية على محافظة البيضاء؛ مسؤول تسهيل حركة الأسلحة حبيب الصنعاني، عضو اللجنة الدعوية أبو عمر الصنعاني، في غارة على مأرب؛ والأمير المحلي في شبوة مجاهد العدني؛ والمسؤول الإعلامي أبو هاجر المالكي، وهو مواطن سعودي، في مأرب.

في أغسطس/ آب 2018 أعلن مسؤولون أمريكيون مقتل إبراهيم العسيري، خبير المتفجرات في القاعدة، بغارة أمريكية بطائرة بدون طيار العام الماضي، كما قُتل القائد الميداني البارز سامح المارمي بغارة جوية في سبتمبر/ أيلول 2018، وفي يناير/ كانون الثاني 2019، قُتل جمال البدوي، أحد كبار العناصر المعتقد وقوفهم وراء هجوم المدمرة الأمريكية (يو إس إس كول)، على الرغم من الدلائل التي تشير إلى توقف البدوي منذ فترة طويلة عن النشاط في صفوف القاعدة.

رداً على ذلك، يبدو أن أولوية قيادة القاعدة الآن هي الأمان ومنع تسرب المعلومات الاستخباراتية وتجنب الاغتيالات، شمل ذلك إنهاء الخلايا المحلية لمعظم عمليات التنسيق فيما بينها، وكذلك مع أطراف القيادة العليا التي تقوم بتخطيط وتنفيذ العمليات، في حين تختبئ شخصيات قيادية بارزة في التنظيم – خاصة الريمي وخالد بن عمر باطرفي، القائد العسكري والمتحدث باسم القاعدة – مع انخفاض ملحوظ في الإصدارات الإعلامية للتنظيم خلال عامي 2017 و2018، وعدم ورود أي تقارير عن اجتماعات القيادة، إلا أن تنظيم القاعدة اليمني ومنفذه الإعلامي مؤسسة الملاحم للإنتاج الإعلامي زاد من تواتر إصداراته منذ مطلع 2019 حتى الآن، وقد شمل ذلك: تبني هجمات ضد قوات الحزام الأمني ​​في أبين، وقوات النخبة الشبوانية، وما يسمى الدولة الإسلامية (داعش) في البيضاء، والدعوة إلى تغيير النظام في الإمارات بمناسبة زيارة البابا إلى أبو ظبي في فبراير/ شباط، وإطلاق الحلقة الثانية من سلسلة “هدم الجاسوسية”، ودعوة الأنصار لإرسال أسئلة لمقابلة مفتوحة مع المسؤول الأمني في تنظيم القاعدة.

  • فقدان الأوتاد المحلية مع تواصل اكتساب المجندين

منذ بدء هجوم مكافحة الإرهاب الذي تدعمه الإمارات عام 2016، تشهد القاعدة معارضة شعبية وقبلية متزايدة تجاهها، سواء من جانب حلفاء الجماعة – وهم أقلية صغيرة – أو من أولئك الذين كانوا غير مبالين أو محايدين تجاهها في السابق، وكما ذُكر أعلاه، سعت الإمارات بانتظام إلى نيل موافقة القبائل والمجتمع في حملاتها، مما تسبب في فقدان القاعدة الحاضن المحلي ومهّد الطريق أمام الحملات العسكرية ضدها، وأحدث الأدلة على خسارة القاعدة نفوذها المحلي تمثل في اجتماع تشاوري لشخصيات قبلية في محافظة أبين بداية فبراير/ شباط 2019، وكان من بنود البيان الختامي للاجتماع إعلان القبائل احتفاظها بسياسة “الباب المفتوح” لأي من الأحزاب والأفراد الذين يتخلون عن دعمهم للقاعدة ويثبتون استعدادهم للمشاركة في “حماية” الدولة اليمنية.

جنوبي محافظة شبوة، بدا أن العديد من القبائل قد بدأت تتماشى مع قوات النخبة الشبوانية المدعومة إماراتياً، في حين ما تزال القبائل الأخرى في شمالي المحافظة موالية للقاعدة، حيث تعزز الاشتباكات التي وقعت هذا العام بين قوات النخبة الشبوانية والميليشيات القبلية في شمال شبوة الملاحظة التي تفيد بأنه حيثما تمكنت الإمارات – وبدرجة أقل القوات الموالية للحكومة اليمنية – من بناء قاعدة شعبية من خلال التحالفات القبلية، تقلصت مساحة عمليات القاعدة، ويبدو العكس صحيحاً أيضاً: إذ حافظت القاعدة على تحالفاتها حيثما أثبت التدخل العسكري المباشر ضعف فعاليته.

وبالرغم من تغير المزاج الشعبي تجاه التنظيم في مناطق مختلفة ، فقد قدرت الأمم المتحدة  في يوليو / تموز 2018، أن لدى القاعدة ما بين 6000 و7000 مقاتل، وأنها تواصل كسب المجندين وتدريب القادة المحليين والبحث عن مصادر تمويل جديدة.

  • تراجع مستمر نحو الملاذات الآمنة

منذ عام 2015، لم يشن تنظيم القاعدة أي هجمات ضد أهداف غربية خارج حدود اليمن. وفي اليمن، أدى خروج القاعدة من عدن عام 2015، ومن المكلا عام 2016، إلى تسارع خسائره الوطنية داخل البلاد على مدار السنوات الثلاث التي تلت، ورد مقاتلو القاعدة على هذه الهجمات بالتراجع إلى الملاذات الآمنة في المحافظات الجنوبية، مع الحفاظ على وجودهم على جبهات القتال ضد الحوثيين في مناطق مثل تعز – حيث يحارب مقاتلوها إلى جانب مختلف المجموعات المسلحة المحلية المناهضة للحوثيين.

ومع ذلك، بحلول عام 2017، عانى التنظيم من اجتياح العديد من مناطقه الآمنة سابقاً من خلال جهود مكافحة الإرهاب المستمرة المدعومة إماراتياً، ولا سيما مديريات دوعن بحضرموت، وعزان بشبوة، والمحفد بأبين، وإن كانت المجموعة قد واصلت بعض العمليات انطلاقاً من المناطق القريبة والخلايا النائمة.

رداً على ذلك، تراجع مقاتلو القاعدة إلى محافظتي البيضاء وأبين وأجزاء نائية من مأرب. بالتزامن مع تجنبهم المواجهة المباشرة لتقدم الحكومة اليمنية أو قوات التحالف بشكل عام، إلا أن الفروع المحلية للقاعدة تنفذ بانتظام هجمات تستهدف الأمن والبنية التحتية العسكرية والأفراد اليمنيين، فعلى سبيل المثال، أعلنت القاعدة مسؤوليتها عن محاولة اغتيال نائب وزير الشؤون الداخلية، علي ناصر لخشع، في كمين بمحافظة أبين في مارس/ آذار 2017، مما أسفر عن مقتل نجل لخشع، كما واصل تنظيم القاعدة قتال الحوثيين، إلى جانب جماعات مسلحة محلية أخرى، في البيضاء وتعز والضالع، وفي الوقت نفسه نفذ عمليات محدودة ضد الإمارات وحلفائها المحليين في حضرموت وشبوة وأبين.

على الرغم من هذا التقهقر والخسائر الاستراتيجية، وجد تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2018 أن ​​القاعدة بقيت تشن ما يعادل هجوماً واحداً كل يومين حتى عام 2017، معظمها في محافظات البيضاء وأبين وحضرموت، ومع ذلك، فإن التركيز العملياتي للتنظيم تحول خلال العام التالي، فثلاثة أرباع عمليات القاعدة المشتبه بها خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2017 كانت ضد قوات الحوثيين؛ وفي النصف الثاني من العام، استهدفت نصف هذه الهجمات تقريباً القوات التابعة لحكومة اليمن المعترف بها دولياً والتحالف العسكري بقيادة السعودية.

في النصف الأول من عام 2018، عكس عدد الغارات الجوية الأمريكية والحملة البرية المدعومة إماراتياً ضد القاعدة انخفاضاً في عمليات التنظيم، حيث تراجعت وتيرة الهجمات التي تبنّتها الأخيرة بأكثر من النصف، وفي حين تم إعلان انتصار هذه العمليات بسبب نجاحها في “تطهير” مناطق معينة من المسلحين، إلا أن جزءاً منه قد يكون انسحاباً تكتيكياً.

علاوة على ذلك، استمرت القاعدة في إثبات قدرتها على شن هجمات على هذه القوات المحلية المدعومة إماراتياً، بما في ذلك هجوم انتحاري معقد على مكتب الحزام الأمني ​​في محافظة أبين في يونيو/ حزيران، ثم مقتل ثلاثة من أفراد قوات النخبة الشبوانية في هجوم بعبوات ناسفة في وقت لاحق من ذلك الشهر، ومع ذلك، أصدر القاعدة مقابلة مع القائد البارز خالد بن عمر باطرفي في الشهر نفسه، مما دفع مراقبين إلى التكهن بأن القاعدة تعاني من ضغوط شديدة، حيث أشار باطرفي إلى تراجع الموارد المالية وزيادة الضغوطات في ساحة المعركة.

ازدادت وتيرة هذه الهجمات إلى حد ما مع نهاية عام 2018 وحتى أوائل عام 2019، وتركزت إلى حد كبير على محافظة أبين، حيث تنخرط القوات المدعومة إماراتياً في عملية طرد القاعدة من مناطق مديرية مودية شمالي أبين، وكانت المجموعة قد سيطرت على مدينة المحفد داخل المديرية في يناير/ كانون الثاني، ورفعت أعلامها فوق المباني الحكومية وقاومت محاولات قوات الأمن المدعومة إماراتياً طردها.

كان اندلاع اشتباكات مسلحة مع ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، من التطورات الأكثر أهمية للقاعدة في عام 2018، حيث أنهى تفاهماً ضمنياً بين الجماعتين كان مفاده تجنب التقاتل والتركيز على معاركهما الطائفية ضد الحوثيين، وتبنّت داعش عدداً من الهجمات ضد القاعدة خلال النصف الثاني من عام 2018، وفي يوليو/ تموز أصدرت شريط فيديو يظهر ما زعمت أنه 12 أسيرا من أسرى القاعدة، وقد نشأت هذه الجبهة الجديدة نتيجة خطط داعش الساعية لتثبيت قدمها في البيضاء، وكانت القاعدة قد اعترفت سابقاً بحق داعش في موضعة نفسها ما دامت تسعى إلى الحكم.

  • الموارد المالية الضيقة

لا توجد بيانات موثوقة عن المكان الذي تحتفظ فيه القاعدة بمواردها المالية التي حصلت عليها نتيجة سيطرتها على المكلا وغيرها من الحيازات غير المشروعة، حيث أدى انقسام البنك المركزي اليمني في سبتمبر/ أيلول 2016 بين عدن وصنعاء إلى تقويض قدرة البنك على تنظيم القطاع المالي المحلي، وفي الوقت نفسه، تم سحب الاعتراف الدولي من آليات تمويل مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال في اليمن – وخاصة وحدة المعلومات المالية واللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال – مما دفع معظم البنوك التجارية الدولية إلى وقف العمل مع البنوك التجارية والإسلامية في اليمن، كما منع التحالف الذي تقوده السعودية البنوك اليمنية من تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج.

كل هذه العوامل ساهمت في انهيار الدورات الاقتصادية الرسمية وانتشار تحويل الأموال غير المرخص وغير المنظم في جميع أنحاء اليمن، ويعتقد العديد من المراقبين الماليين في البلاد أن هذه المنافذ التي تزداد حصتها من سوق المعاملات التجارية والتجارية الدولية، تسهّل أيضاً عمليات غسل أموال واسعة النطاق لصالح القاعدة.

 


التطلع قدماً

من المحتمل أن تستمر عمليات مكافحة الإرهاب في اليمن من جانب الولايات المتحدة والإمارات في المستقبل القريب، وسيستمر هؤلاء في الضغط على التنظيم عسكرياً، وحرمانه من القدرة على الاحتفاظ بمناطق جغرافية مهمة لأي فترة زمنية طويلة، وإجباره على التموضع بشكل غير مركزي، مع إجبار شخصياته القيادية العليا على الاختباء النسبي تجنباً لاغتيال الغارات الجوية الموجهة، ومع ذلك، ستكون كل هذه العمليات مجرد احتواء. فمن دون استراتيجية أوسع لمواجهة القاعدة، من المحتمل جداً أن تظل تمثل تهديداً في اليمن، وأن تحتفظ بالقدرة على استخدام البلاد كمنصة لتنظيم وشن العمليات في جميع أنحاء المنطقة والعالم بأسره.

إن تركيز الولايات المتحدة القصير النظر على الخيار العسكري في مكافحة القاعدة يتجاهل العوامل التي جعلت ولاتزال تجهل اليمن مرتعاً للتنظيم، وفي سياق مباشر، فإن استمرار النزاع في البلاد بين الحكومة اليمنية ومؤيدي التحالف الذي تقوده السعودية وجماعة الحوثيين المسلحة – وكذلك العنف وانعدام الأمن والانقسامات الاجتماعية وانهيار الدولة والأزمة الاقتصادية والكارثة الإنسانية التي أحدثها النزاع – كلها تغذي مصالح تنظيم القاعدة وتخلق مساحة عملياتية له.

لقد أظهرت القاعدة أيضاً قدرتها على البقاء والتعافي رغم الخسارة المتكررة في صفوف قياداتها، في حين أن الحرب المستمرة في اليمن، والتي دخلت عامها الخامس، ستخلق نبعاً طبيعياً للمواهب والخبرات التي يمكن للقاعدة استقطابها، وبالتالي، يجب أن تتضمن حملة مكافحة الإرهاب في اليمن على رأس أولوياتها إنهاء النزاع الشامل في حال أرادت أن تهزم القاعدة هزيمة جادة.

يجب أن تركز سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية على تحسين الأساليب بدلاً من زيادة العمليات، وينبغي أن تشمل هذه المقاربة غير العسكرية تحديداً تعزيز آليات الحكم والمؤسسات المحلية المستقلة والفعالة، وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية، ومع ذلك ستبقى فرص نجاح مثل هذه الأساليب بعيدة المنال، في ظل استمرار الحرب وضعف احتمال تشكيل “حكومة” يمنية فاعلة.

كما يجب أن تضع نهاية الحرب اليمنية البلاد على مسار التحول الديمقراطي وبناء الدولة وإعادة الإعمار، وذلك لملء الفراغات التي تسعى الجماعات (الجهادية) لملئها، وحتى ذلك الحين، سيكون دعم وإعادة تأهيل الحلفاء المحليين أكثر فعالية من التدخل المباشر، ففي بعض الحالات يغيب التواصل بين الولايات المتحدة والسلطات المحلية بشكل تام تقريباً. ينبغي تطوير العلاقات الأمريكية-اليمنية نحو التعاون على أرض الواقع، وتوجيه الاستثمار الاستراتيجي الأمريكي نحو إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية اليمنية، فمن شأن ذلك أن يسهل فهم البيئة المحلية والديناميات الاجتماعية التي تشتد الحاجة إليها – وهو مجال تتمتع فيه القاعدة بتفوق واضح على الولايات المتحدة، ويمكن العثور على مساحة التعاون هذه مع كل من الجهات الفاعلة المعروفة – قبائل الشمال والحراك الجنوبي – وكذلك الأجهزة الأمنية والعسكرية الناشئة مثل الجيش الوطني اليمني.

على الدول الأعضاء في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية أن تسعى أيضاً إلى إنهاء النزاعات بين مختلف الأطراف اليمنية التي تدعمها – ولا سيما النزاع في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى بين المجلس الانتقالي الجنوبي المناصر للانفصال والحكومة المعترف بها دولياً، والذي تسبب باشتباكات عنيفة في عدة مناسبات، حيث أن هذه التنازعات بين اليمنيين تقوض محاولات إرساء الأمن والسلطة الحكومية في الجنوب، وإذا ما سمح لها بالاستمرار فستعيق تفعيل وظائف الدولة في العديد من مناطق البلاد في أي سيناريو لما بعد النزاع.

وبقدر ما ينطبق ذلك على الولايات المتحدة، يجب على السعودية والإمارات أيضاً دعم الحل السياسي لإنهاء الحرب والسماح ببناء الدولة وتقويض المساحة العملياتية للجماعات المتطرفة، ويجب أن تضمن هذه المقاربة السياسية تمثيلاً عادلاً للاعبين الرئيسيين، وإعادة تأهيل الحكومة اليمنية، وتطهيرها من الأفراد المعروفين بعدم الكفاءة وممارسة الفساد بما يفي بمتطلبات الإجماع السياسي العام.

إن وضع حد للنزاع اليمني من خلال التسوية السياسية وإعادة هيكلة وتوحيد الهيئات الأمنية والعسكرية، وإدماج القوى الاجتماعية والسياسية في البلد، هو الضمان الحقيقي الوحيد لإنهاء دورة العنف والفوضى التي تنتج المساحة والظروف لازدهار الجماعات المتطرفة.

 


حسام ردمان هو زميل باحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. تتركز أبحاثه على الحراك الجنوبي والجماعات الإسلامية المسلحة في اليمن، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والفصائل السلفية المسلحة. وهو أيضاً مراسل لقناة دبي التلفزيونية، وعمل سابقاً لصالح صحيفتي الشارع اليمنية والأهرام المصرية.

ملاحظة المؤلف: لم يكن يمكن لهذه الورقة أن ترى النور لولا التحرير والمراجعات الهامة من قبل هولي تافام ووليد الحريري وسبنسر أوزبرغ.

 


مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.