صيام موصول: ماذا يعني فشل اجتماعات عمّان بالنسبة لليمن

صيام موصول: ماذا يعني فشل اجتماعات عمّان بالنسبة لليمن

سبنسر أوسبرغ وهانا باتشيت

بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات التي عُقدت بوساطة الأمم المتحدة في عمّان بين ممثلين عن إدارتي البنك المركزي اليمني المنقسم في كل من عدن وصنعاء، لم يتوصل الوفدان إلى أي اتفاق يتجاوز التزامهما بالاجتماع مرة أخرى.

قبل وأثناء المحادثات التي بدأت في 14 مايو / أيار، عقد مركز صنعاء اجتماعات منتظمة مع كلا الوفدين، وكذلك مع اللاعبين اليمنيين والدوليين وآخرين، وقد بدا من هذه المناقشات أن اجتماعات عمّان كانت فرصة أخرى ضائعة، فقد كان السيناريو المثالي لنجاح تلك المحادثات هو أن يستلم مئات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية رواتب منتظمة لأول مرة منذ ثلاث سنوات، مما يساعد على توفير دخل للملايين من أفراد أسرهم وسط أسوأ أزمة إنسانية في العالم. كما كان من شأن التقدم الملموس في عمّان أن يساعد في دفع اتفاق ستوكهولم خطوة إلى الأمام؛ بدلاً من ذلك، قد يؤدي عدم إحراز أي تقدم الآن إلى شل جهود السلام التي تتوسط فيها الأمم المتحدة.

على الرغم من هذه الرهانات، لم يلتقِ الوفدان أبداً وجهاً لوجه أثناء المحادثات – مع أنهما دخنا الشيشة معاً في إحدى الليالي ، ولم يحضر المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث أبداً. في الواقع، كان غريفيث في البداية قد حدد يوماً واحداً فقط للمحادثات، وقد تم تمديدها إلى ثلاثة أيام بعد طلبات التمديد المقدمة من الوفدين.

كانت القضية الرئيسية التي تقسم الطرفين هي ما يجب فعله بالإيرادات القادمة من الموانئ الثلاثة المحيطة بمدينة الحديدة – رأس عيسى، والصليف، والحديدة، ونقاط الدخول الرئيسية لشحنات البلاد التجارية والإنسانية، والأخيرة هي أكثر الموانئ ازدحاماً في اليمن. وتسيطر جماعة الحوثيين المسلحة على ميناء ومدينة الحديدة منذ أربع سنوات، وفي حين أدى اتفاق وقف إطلاق النار في ديسمبر / كانون الأول 2018 إلى إيقاف هجوم – يدعمه التحالف العسكري بقيادة السعودية – للاستيلاء على المدينة من أطرافها، تشير التقديرات إلى أن إيرادات هذه الموانئ، التي تقدر بعشرات ملايين الدولارات سنوياً، كان تشكل أكثر من ربع دخل سلطات الحوثيين عام 2018، ومن المحتمل أن تكون النسبة قد تجاوزت ذلك الآن.

نص اتفاق ستوكهولم على توريد عائدات الموانئ إلى فرع البنك المركزي اليمني في الحديدة، واستخدامها للمساهمة في دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الحديدة و”جميع أنحاء اليمن“. كان موقف الحكومة أن على البنك المركزي اليمني في الحديدة أن يخضع بالكامل لسلطة البنك المركزي اليمني في عدن، وهذا يستلزم إلغاء جميع التعيينات الحوثية منذ عام 2014، ومن أجل المضيّ قدماً، سيتعيّن على فرع الحديدة اتباع جميع التوجيهات من/ ورفع تقرير بجميع الأنشطة إلى البنك المركزي في عدن.

أرادت الحكومة اليمنية أيضاً تحصيل جميع عائدات الدولة من محافظة الحديدة – وليس فقط من الموانئ – وتسليمها إلى فرع البنك المركزي في الحديدة، على أن يتم استخدام هذه العائدات لدفع رواتب جميع العاملين في القطاع العام في الحديدة، على أساس جدول الرواتب لعام 2014 – وهذا يعني إزالة أي موظفين عيّنهم الحوثيون ـــ وتخصص أية إيرادات متبقية لدفع رواتب موظفي الصحة والتعليم التي لا يتم دفعها حالياً في أماكن أخرى في اليمن. وكنقطة انطلاق، أراد وفد الحوثيين مناقشة جميع إيرادات الدولة في اليمن، مع اشتراط دفع جميع رواتب الموظفين المدنيين في البلاد لتوريد عائدات ميناء الحديدة إلى سلطة البنك المركزي في عدن.

كانت عائدات موانئ الحديدة دافعاً رئيسياً للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية – والذي يدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً – وكان قد أطلق حملته للاستيلاء على المدينة العام الماضي، وذلك بعيداً عن مزاعم تهريب الأسلحة عبر الموانئ، وفي حين أن اتفاق ستوكهولم يعني تخلي الحوثيين عن الموانئ، فقد كانت هناك عدة عوامل موازِنة من وجهة نظرهم: مثل أن تسمح لهم مدفوعات رواتب الموظفين المدنيين الكاملة بالحصول على إيرادات من خلال الضرائب وزيادة النشاط الاقتصادي في مناطقهم، خاصة بالنظر إلى أن معظم الموظفين المدنيين يعيشون في الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، وكذلك أن تتجنب قواتهم (الحوثيون) معركة الحديدة، ما يعفيها من دفع كلفة مرتفعة لها على مستوى القوة البشرية والمالية.

بالنسبة للحوثيين، فإن توقيع اتفاق بشأن عائدات الحديدة دون اتفاق لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية على مستوى البلاد كان يعني فقط خسائر في الإيرادات، وبالتالي لم يكونوا على استعداد للقيام به.

لهذا السبب بالذات، أرادت الحكومة اليمنية أن تستخدم إيرادات الموانئ لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الحديدة فقط، وليس في اليمن بأكمله – لأن ذلك سيحرم الحوثيين من أداة استرداد إيراداتهم المفقودة، وبدل ذلك، دعا وفد الحكومة اليمنية إلى اتباع نهج تدريجي لدفع الرواتب يبدأ بالحديدة أولاً، ثم بتمويل الخدمات العامة في الحديدة، مع الاتفاق في مرحلة لاحقة على كيفية صرف أي إيرادات متبقية.

لذلك، بعد ثلاثة أيام من ركض موظفي الأمم المتحدة ذهاباً وإياباً بين الوفدين، لم تحدث أي تنازلات، وفي نهاية المطاف، سلم موظفو المبعوث الخاص للجانبين مسودة اتفاق تضم 14 نقطة تمثل الخطوط العريضة التي حاولت اللعب على حل وسط بين الطرفين المتنافسين، ومع ذلك، ترك النص مسألة غامضة تتعلق بما إذا كان يجب دفع جميع رواتب موظفي الخدمة المدنية أم لا، مع تجاوز جوهر القضية الخلافية التي تتعلق بادعاء الجانبين بالحق الشرعي في تزعّم البنك المركزي، حيث طلب مكتب المبعوث الخاص من كلا الوفدين أخذ المسودة معهم والعودة بتعقيبات عليها قبل الاجتماع التالي المقرر عقده بعد شهر من الآن.

إذا قبل الطرفان مشروع الاتفاق، فمن المحتمل أن يقوما بذلك بموجب تفسيرات مختلفة، وهنا يكمن الخطر، إذ أن هذا النقص في وضوح الالتزامات بدرجة تعرضها لتفسيرات مختلفة بين الطرفين هو ما أدى إلى تأخير تنفيذ اتفاقية ستوكهولم منذ ديسمبر / كانون الأول 2018.

ينص اتفاق ستوكهولم أيضاً على أن تجتمع الفرق المتفاوضة من الطرفين مرة أخرى في 25 يناير / كانون الثاني – وهو الاجتماع الذي لم يحدث حتى الآن، رغم مرور خمسة أشهر على موعده المقترح ـــ ويجب النظر إلى جدية التزام الوفدين المصرفيين بالاجتماع مرة أخرى خلال شهر في ضوء ذلك، وهو إطار زمني تعززه الأماني فقط.

صرح المبعوث الخاص للأمم المتحدة في أكتوبر / تشرين الأول 2018 بأنه: “لا يعتمل في ذهني أي شك على الإطلاق بأن هذه المسألة الاقتصادية هي ذات الأولوية القصوى الآن”، ومع ذلك كان إظهار غريفيث لالتزامه بمعالجة هذه الأولوية ناقصاً، فمن بين أكثر من 90 موظفا مكتبه، ثمة موظف واحد فقط مخصص بالكامل بالملف الاقتصادي، مما يكشف عن عدم رغبة في بناء القدرات اللازمة للتوسط في الجوانب الاقتصادية للنزاع.

فسر الجانبان المتفاوضان مسألة تحديد المبعوث الخاص في البداية يوماً واحداً فقط للمفاوضات حول هذه “الأولوية القصوى” ومن ثم غيابه عن الاجتماع، على أنها عدم جدية من جانبه، وكما قال أحد المشاركين لمركز صنعاء، فإنه بدلاً من النظر إلى الرحلة على أنها فرصة لإجراء مفاوضات جوهرية، كانت “مجرد رحلة أخرى مع بدل سفر”، وفي نظر الطرفين المتحاربين، قلصت المحادثات مكانة الأمم المتحدة كوسيط، وبدا واضحا أن الأمم المتحدة غير راغبة في أن تكون مهندس الصفقة الاقتصادية، على الرغم من أن القضايا الأساسية التي تحول دون تنفيذ اتفاقية الحديدة هي بطبيعتها مالية واقتصادية في المقام الأول.

وفي سوابق ذات دلالة ، توصلت الأطراف المتحاربة خلال الفترات السابقة إلى اتفاقيات ضمنية مختلفة لحماية المصالح التجارية العابرة للخطوط الأمامية – مثل السماح لرجال الأعمال الكبار، الذين هم أيضاً أعضاء في البرلمان، بالتغيب عن حضور جلسات البرلمان التي عقدتها كل من الهيئتين التشريعيّتين المتنافستين، فحضور هؤلاء قد يعرض المساومة المالية لكلا الجانبين للخطر، كما أن التهريب وغيره من الأعمال المربحة التي خرجت من خضم الحرب أيضاً تسير بسلاسة بين الأعداء المزعومين.

ومع ذلك، كما اتضح في عمّان، لم يكن للبؤس المتعاظم للغالبية العظمى من السكان أن يثير نفس الهواجس لدى الطرفين.

وبدلاً من حضوره اجتماعات عمّان، قدم غريفيث إحاطة إلى مجلس الأمن أكد فيها أن قوات الحوثيين انسحبت من الموانئ، رغم بقاء موظفي إدارة الموانئ والأمن المعينين من قبل الحوثيين.

يعني غياب التقدم في عمّان مواصلة الحوثيين السيطرة على الموانئ، بشكل أساسي بحماية الأمم المتحدة، مع تقويض مبرّرات التحالف العربي لشنّ معركة في الحديدة، وستستمر الحكومة بدورها في محاولاتها لتشديد الخناق الاقتصادي على الحوثيين – من خلال لوائح تخص الواردات والبنوك التجارية ومكاتب الصرافة، وخلال ذلك، يقضي ملايين اليمنيين العاديين رمضانَ آخرَ في حالة صيام لا إفطار منه.

 


سبنسر أوسبرغ وهانا باتشيت محرّران في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.