حرب اليمن المنسية: كيف باستطاعة أوروبا أن تضع الأسس للسلام في اليمن

حرب اليمن المنسية: كيف باستطاعة أوروبا أن تضع الأسس للسلام في اليمن

ملخص

قرار الحكومة اليمنية في سبتمبر الماضي بنقل البنك المركزي وتغيير محافِظه، ترك البلاد بلا مؤسسة قادرة على توفير أبسط مقومات الاستقرار الاقتصادي. وإذا حاولت الأطراف المتحاربة تعزيز موقفها في الصراع عبر أدوات ومعارك اقتصادية، فإن شل قدرة البنك المركزي اليمني يمثل تصعيدا غير مسبوق في اليمن وعلى المجتمع الدولي التحرك لضمان عدم تجويع ملايين اليمنيين كتكتيك حربي.

أصبحت اليمن على وشك الانهيار التام بعد سنوات من النزاع. تنهار المؤسسات في أنحاء البلاد في حين يستغل عدد كبير من الجماعات المسلحة الفراغ السياسي للسيطرة على مناطق رئيسية، مما أدى إلى تشظي البلاد بشكل أكبر.

أحدث النزاع وتدخل دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية المصاحب لذلك، واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط، مع وجود 86 بالمئة من السكان بحاجة لمساعدات إنسانية. هناك جيل كامل ضائع في اليمن، فيما مئات من الآلاف من الأطفال اليمنيين ينشؤون بدون تعليم أو طعام ليأكلون.

لدى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه مصلحة أخلاقية واستراتيجية في إنهاء النزاع في اليمن. كما أن عدم التدخل قد يؤدي إلى تحول اليمن إلى مركز لجماعات إرهابية عابرة للحدود ، وقد يؤدي إلى ولادة موجة جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.

يجب على دول الاتحاد الأوروبي أن تستفيد من موقفها المحايد نسبياً في اليمن ، لتمهيد طريق للاستقرار بعد النزاع وأن تتواصل مع الجماعات التي تم تهميشها حتى يومنا هذا في عملية السلام الجارية. باستطاعة  الاتحاد الأوروبي أن يتمم جهود الأمم المتحدة وقد يتحمل مسؤولية التغطية عن دور الولايات المتحدة ذات الانعزالية المتزايدة.

هناك جيل كامل ضائع في اليمن، فيما مئات من الآلاف من الأطفال اليمنيين ينشؤون بدون تعليم أو طعام ليأكلون.

 

المقدمة

أصبح اليمن أكثر فقراً وفوضوية من أي مرحلة أخرى في تاريخه. تقسمت الدولة بشكل عملي. مساحات إقليمية شتى يتحكم بها مجموعة واسعة من مختلف القادة ذوو أجندات متباينة،  وغالباً متنافسة. إذا لم يتُخذ إجراء مبدئي وحاسم لإنهاء أو حتى تخفيف الأزمة في البلاد، فإن اليمن تتعرض لخطر الهبوط نحو تدهور مستمر ومتسارع. قد تصبح اليمن أرضاً خصبة للجماعات المتطرفة بشكل سريع وقد توُجه موجة جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.

تكاد السنتان تكتمل  منذ أطلقت السعودية عاصفة الحزم ضد المتمردين في اليمن. الهجوم العسكري الذي شنته السعودية العربية لم يسبق له مثيل، وصُمم أساساً لإعادة الحكومة الشرعية إلى اليمن عبر ردع الحوثيين – جماعة متمردة متكونة من الأقلية الزيدية الشيعية في اليمن- المدعومين من قبل الشبكات المرنة للرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح. أطُلقت العملية العسكرية بعد زحف الحوثيين للسيطرة على البلاد، وكانت الأولى من نوعها تحت قيادة وتخطيط الرياض. وكانت طموحة بشكل لا يمكن نكرانه.

وكما قال حينذاك السفير السعودي بالولايات المتحدة – والذي أصبح  لاحقا وزيراً للخارجية السعودية – (عادل الجبير) فإن العملية لم تكن فقط لردع الانقلابيين أو لتأمين الحدود السعودية. بل كانت من أجل محاربة “التهديد الإيراني” المتمثل بالحوثيين. وكانت أيضاً من أجل إعادة الحكومة ’الشرعية‘ لليمن. وتتضمن العملية، ولا تقتصر على:

إعادة بناء مؤسسات الدولة، ونزع سلاح المتمردين، وإعادة الرئيس الذي لا يحظى بشعبية  كبيرة ولكنه معترف به دولياً، الرئيس عبدربه منصور هادي – الذي لاذ بالفرار إلى السعودية العربية قبل فترة وجيزة من بداية الهجمة في مارس 2015.

أصبح اليمن أكثر فقراً وفوضوية من أي مرحلة أخرى في تاريخه

دفعت العملية السعودية الحوثيين خارجاً من مناطق عديدة من اليمن ومنعتهم من الاستيلاء على ميناء عدن. وقد أرغمتهم على التراجع من  معظم مناطق الجنوب اليمني المستقل سابقاً وأجزاء عديدة من المحافظات القبلية الكبيرة (الجوف ومأرب) في الشمال الغربي. وعلى الرغم من الهجوم السعودي العنيف المستمر، فما زال الحوثيون وحلفاؤهم محكمين سيطرتهم على صنعاء – أكبر مدينة يمنية -، وعلى المرتفعات الشمالية، والجزء الأكبر من ساحل البحر الأحمر للبلاد. تمكن الحوثيون أيضا من الحفاظ على السيطرة على جزء كبير من المدينة المركزية في تعز، التي كانت معقلا لحراك ضد الحوثية حتى قبل بداية المعركة في تعز في أبريل 2015.

على كل، فقد استحالت المناطق التي تخضع لسيطرة الحوثيين إلى مجاعة بعد أن تم تضييق الخناق على الحوثيين بغارات جوية مستمرة وسلسلة معقدة من إجراءات يمكن وصفها ب “حرب اقتصادية”. نتجت معدلات بطالة هائلة بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل  المواد الغذائية والنفطية، ودفع ذلك الكثيرين للمشاركة في القتال. يعتبر الانضمام للمليشيات في اليمن اليوم واحدا من عدد قليل من الوظائف المدفوعة الأجر المتاحة. وبالرغم من التصريحات الطوباوية عن استعادة سيادة الدولة للمسؤولين والمتحدثين الرسميين الموالين لهادي، وكذلك الأقساط المعروفة عن التمويل الخليجي، مازالت المناطق المحررة من الحوثيين تعاني من الفوضى والأمراض. وما يزيد من حدة المشاكل التي تواجهها اليمن هو تواجد القاعدة ومقاتلين مرتبطين بالدولة الاسلامية (داعش)، الذين استغلوا الفراغ في السلطة  وظلوا نشيطين في العديد من المناطق التي تم طرد الحوثيين منها.

يشير تعمق تقسيم الدولة إلى ضرورة مشاركة سياسية واسعة بشكل أكبر، خارجة عن السياق الحالي للجهود الضيقة نسبياً التي تقدمها الأمم المتحدة. كمحاولة لتعزيز هذا الجهد، ينبغي على الدول الأوروبية أن تتطلع إلى تعميق التفاعل مع جميع اللاعبين، بما في ذلك الحوثيين، وفصائل المقاومة المناهضة للحوثيين في اليمن، والسكان في الجنوب (المستقل سابقا). وبذلك، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يضع نموذجاً، يشدد على الحاجة الملحة لمسار سياسي أكثر شمولاً يضمن لجميع الفئات المعنية مقعداً على طاولة محادثات السلام.

يجب على الدول الأوروبية أيضا أن تساعد في تأمين الدعم لجهود المساعدات الإنسانية في اليمن، مع 86 في المئة من السكان في حاجة لتلك المساعدات. في الوقت ذاته يجب عليهم العمل لحماية مؤسسات الدولة التي بالكاد تعمل حالياً، وذلك قبل فوات الأوان. إن أوروبا اليوم تُستنفذ بعدد لا يحصى من الأزمات في الداخل وعلى أطراف الحدود على حد سواء. ولكن ومع ذلك ، يجب النظر إلى اليمن كنزاع بعيد يسهل السيطرة عليه. برهنت أزمة اللاجئين بأن الصراعات البعيدة قد يكون لها آثار كبيرة محلياً. وأخذاً لذلك بعين الاعتبار، فإن  لدى دول الاتحاد الأوروبي مصلحة أخلاقية واستراتيجية بالتعهد والالتزام ببذل مزيد من الجهود السياسية لعملية السلام في اليمن.

يتسم التدخل/النهج الأوروبي في الوقت الحالي إما بالتوافق مع دول الخليج المولعة بالقتال أو الانكفاء وعدم التدخل نسبياً. في الوقت الذي على الأرجح ستنسحب فيه الولايات المتحدة من أي مشاركة فعالة لحل النزاع، يجب على الاتحاد الأوروبي – باستثناء المملكة المتحدة والتي يراها الكثيرون كطرف مباشر في النزاع بسبب دعمها للتحالف السعودي – بأن يصعد دوره في حل النزاع ومنع الدولة من أن تصبح دولة فاشلة والتي قد تستغرق عقودا قبل أن تعمل مجدداً. يلوح مثل هذا التدهور في الأفق القريب، وقد يكون له عواقب وخيمة على المنطقة وأوروبا نفسها، لا سيما أن هناك احتمالية بأن تصبح اليمن مركزاً لأنشطة إرهابية عابرة للحدود.

قد تصبح اليمن أرضاً خصبة للجماعات المتطرفة بشكل سريع وقد توُجه موجة جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.

 

انهيار الدولة وتشظيها

ليس مفاجئا تشظي اليمن وانحدارها لحالة من الفوضى . أبرز النزاع المستمر الكثير من أزمات اليمن الدفينة منذ فترات طويلة إلى السطح. تجد الدولة نفسها ممزقة من التوتر الطائفي لعدم وجود مركز واحد للسلطة، وتواجه أيضاً مجاعة واسعة النطاق. كل هذا ترك البلاد على حافة التحلل.

بالنسبة لأولئك المنخرطين في الصراع الطويل من أجل استعادة الحكم الذاتي للجنوب (المستقل سابقا)، فإن معركتهم الحالية هي مجرد مرحلة أخرى – و إن كانت أشد دمارا- في نضالهم المستمر من أجل الاستقلال. وبالنسبة لأولئك في مدينة تعز المركزية، فإن القتال يشكل إلى حد كبير تصعيدا و تطورا للصراع الناجم عن انتفاضة البلاد سنة 2011. وبالنسبة لنواة كوادر حركة الحوثي، كما هو الحال مع الجنوبيين، فان هذا الصراع يشكل جولة أطول من القتال ضد الخصوم الذين قاتلوهم و ما زالوا يقاتلونهم لما يزيد عن العقد.

إن العديد عديد من الأحداث المهمة التي أحالت الصراع إلى حريق شامل هي عوامل محفزة للصراع أكثر من كونها مسببة له. وبالمثل، فإن العوامل التي تُناقش كمسبب لهذا الصراع كالتنافس المستمر  بين السعودية و إيران والصرامة الإقليمية المتزايدة للإدارة السعودية الجديدة  هي فقط عوامل تضيف إلى القائمة المحفزة – لا المسببة – التي ساعدت على إبراز الصراع في اليمن إلى السطح.

إن تقاسم المؤسسات الحكومة اليمنية إلى نصفين يصب في قلب التجزئة العميقة للبلاد. لقد تم تقاسمها بين الأشخاص بناءَ على ولائهم – أو في حالات عديدة، بكل ببساطة، بناء على رضوخهم – للمجلس السياسي الأعلى للحكومة الفعلية للحوثيين و صالح في صنعاء أو الحكومة المعترف بها دوليا و التي تظل بشكل كبير في المنفى بالسعودية. إن تجزئة الدولة يعني أنه سيكون هناك مطالبات بتقاسم أغلب المناصب الوزارية و الرسمية و الحكومية –  واحد يمثل كلا من الجانبين.

لقد تحولت الخدمة المدنية اليمنية إلى سلاح فعال للجماعات المتحاربة.  مثال مهم على هذا التوجه لاستخدام مؤسسات الدولة كسلاح حربي هو قرار الحكومة المعترف بها دولياً نقل البنك المركزي اليمني إلى عدن بعيدا عن الحوثيين – وهي  خطوة أعطت عكس النتائج المرغوبة بها لأن قرار إقالة الحاكم المحترم جداً محمد بن همام  قد هد واحدة من المؤسسات اليمنية القليلة الباقية. حتى إذا بقت طبقات البيروقراطية على حالها، فإن ما تبقى من اليمن الآن يدار من قبل قوى متصارعة مما يسرع من تفريغ أجهزة الدولة المركزية التي كانت جارية منذ بدء الصراع. غير انقسام اليمن بين حكام مختلفين ذوي رؤى مختلفة، فإن مؤسسات الدولة قد أضعفت مع تحول مسار الأموال، وبعد مغادرة المسؤولين والبيروقراطيين الضروريين لاستمرار المؤسسات من الدولة.

فاقمت هياكل السلطة المتصارعة داخل الدولة -وهو أمر غير مفاجئ- أزمة الميزانية لليمن القائمة حتى من قبل، تاركة المسؤولين على كل جانب غير قادرين على دفع الأجور وتمويل المشاريع. وفي الوقت ذاته ،  فقد ساهمت محاولات الحكومة المعترف بها دوليا لمحاربة سيطرة الحوثيين على المؤسسات الكائنة في صنعاء ، ساهمت فقط في إضعافها. أوضح مثال على هذا هو النقل المتسرع للبنك المركزي إلى عدن. دمرت  العديد من المؤسسات من قبل الغارات الجوية السعودية التي استهدفت مقرات قوة الحوثيين. تضررت عدد من المباني الحكومية الأخرى بسبب القتال على الأرض أو بسبب عمليات قصف الحوثيين.

أطُلقت العملية العسكرية بعد زحف الحوثيين للسيطرة على البلاد، وكانت الأولى من نوعها تحت قيادة وتخطيط الرياض. وكانت طموحة بشكل لا يمكن نكرانه.

 

تحالف حوثي صالحي غير متوقع

على عكس التوقعات ، تمكن التحالف “الحوثي/صالح” من الحفاظ – إلى حد ما – على تماسكه على الرغم من ، أو ربما بسبب ، الحرب المشنة ضدهم. كانت رغبتهم العنيدة في إحكام  قبضتهم على صنعاء (مركز مؤسسات الدولة) هي المفتاح لقدرتهم على الحفاظ على السيطرة على المدينة.

يرتكز صعود الحوثيين للسلطة في صنعاء على عدد من التطورات. أولا:

استطاع الحوثيون الاستفادة من الدعم المتراجع للرئيس السابق علي عبدالله صالح وشبكته، الذي أعرضت عنه عدة عناصر رئيسية عندما فقد الهيمنة التي حافظ عليها طويلا في اليمن قبل أحداث 2011.

ثانياَ: تمكن الحوثيون من تكوين حضورهم  على رأس الشبكات البيروقراطية و المؤسسية الحكومية، بالاستيلاء على الأدوار الرقابية وإجراء حملات تطهير انتقائية بالرغم من إبقائهم على الهيكل الأصلي للمؤسسات والعاملين فيها كما هم.

ثالثا: في العديد من الحالات، تمكن الحوثيون من انتزاع إذعان إجباري لعدد من الشخصيات الاجتماعية الذين حرصوا على تجنب الصراع بأي ثمن، حتى على حساب استيائهم من أسيادهم الجدد.

تعمقت العلاقات بين شبكة صالح والحوثيين فقط خلال الصراع. فعلى الرغم من التاريخ العنيف بين الطرفين، إلا أنهم وجدوا أنفسهم يقاتلون إلى جانب بعضهم البعض في نفس الخنادق ، حرفيا ومجازيا. وكما بدأت القوات الموالية لصالح ومقاتلو الحوثي العمل معاً على أرض المعركة، بدأوا أيضا العمل إلى جانب بعضهم البعض في الوظائف الدبلوماسية، مشكلين جبهة موحدة في المحادثات التي تجريها الأمم المتحدة حالياً لإنهاء الصراع. وكان هناك أيضاً جهود جارية لإضفاء طابع رسمي للشراكة بينهم على أرض الواقع؛ جهود أدت إلى دور مفتوح على نحو متزايد يميل لصالح ومؤيديه.

كان تشكيل المجلس السياسي الأعلى في يوليو ٢٠١٦  هو الجهد الأكثر وضوحا لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقة بين الحوثيين وجماعة صالح ، والذي حل ظاهريا محل اللجنة الثورية العليا التابعة للحوثيين التي حكمت البلاد سابقاً. ترتكز هيئة إدارة الدولة في صنعاء وتتكون من عدد زوجي من حركة الحوثي وأنصار صالح. عين المجلس بنهاية المطاف – محافظ عدن الأسبق (عبد العزيز بن حبتور)  لمنصب رئيس الوزراء. وبالإضافة إلى ذلك كسب تأييد البرلمان اليمني الذي انعقد في 13 أغسطس 2016 في صنعاء فيما مثل تحدياً للزعيم المنفي هادي.

تمثل قدرة الناس على العيش في المناطق التي يسيطر عليها الحوثي  وصمة متنامية على الحوثيين، وذلك بسبب تأثيرات الحرب  المباشرة وغير المباشرة على حد سواء. انخفضت  رواتب موظفي الحكومة وأصبح توفير الخدمات الأساسية نادراً، وانتشرت حالة عامة بمستوى متعدد من اضطراب واستياء ناجمين عن نقص الخبرة العامة في الحكم لدى الحوثيين.

يعتبر الانضمام للمليشيات في اليمن اليوم واحدا من عدد قليل من الوظائف المدفوعة الأجر المتاحة. وبالرغم من التصريحات الطوباوية عن استعادة سيادة الدولة للمسؤولين والمتحدثين الرسميين الموالين لهادي، وكذلك الأقساط المعروفة عن التمويل الخليجي، مازالت المناطق المحررة من الحوثيين تعاني من الفوضى والأمراض.

 

قوى نابذة في الشمال والجنوب

بقية البلد التي تشكل غالبية أراضي الجمهورية اليمنية, ولكن الأقل كثافة سكانية ، تقع  تحت السيطرة الشكلية لحكومة هادي المعترف بها دوليا. لكن مقارنة بالمناطق التي يسيطر عليها الحوثي، فقد شهدت بقية المناطق مجموعة من التصدعات انتشرت بشكل أكبر. بل إن هناك أيضاً توتر وقتال بين القادة الذين أعلنوا ولاءهم لهادي. المناطق التي تسمى بـ “المناطق المحررة” يمكن تقسيمها فعلياً لعدة مناطق فرعية، بقيادة قادة فعليين ذوي أيديولوجيات وأهداف طويلة المدى مختلفة إلى حد كبير من تلك التي لحكومة هادي المنفية.

في الجنوب، تحظى الشخصيات التي لطالما ارتبطت بالتيارات المتشددة في الحراك الجنوبي بالسلطة، و الحراك هو  تجمع يدعو إلى استقلال الجنوب (سابقا) وأن يكون ذو حكم ذاتي مرة أخرى. ينطبق هذا بشكل أكبر في عدن حيث تم تعيين شخصيات أساسية في الحراك الجنوبي مثل عيدروس الزبيدي الذي تم تعيينه لمنصب المحافظ وشلال علي شايع لمنصب مدير الأمن. فعلى الرغم من أنهم مدرجون نظرياً في الهيكل الإداري للدولة، إلا أنهم يظلون لاعبين مستقلين ويحاول الاثنان في حالات كثيرة أن يتجاوزا هادي للتنسيق مباشرة مع الجهات الأجنبية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت ذاته، كثيرا ما أظهرا عدم رغبتهما في التعاون مع أعضاء حكومة هادي، الذين هم من أصل شمالي، والذين لا يزال العديد من الجنوبيين يعتبرونهم (محتلين).

في الشمال، كانت مكاسب القوات المعارضة للحوثي إلى حد كبير في مدينة تعز، ومحافظة مأرب، ومعاقل صغيرة على طول الحدود السعودية. في كلا المنطقتين، تزدهر الكثير من القيادات السياسية الجديدة بالإضافة إلى الجماعات القتالية المعارضة للحوثيين الذين لديهم علاقات إما مع حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهو فصيل المعارضة التي يقودها الإسلاميون السنة الموالون لحكومة هادي، أو مع شبكة الحليف السابق وخصم صالح حالياً، علي محسن الأحمر. الوضع المضطرب في المدينة المحاصرة  تعز – سواء فيما يتعلق باصطفاف القوات المناهضة للحوثيين أو بصعود المتطرفين في صفوفهم – منع أي تقدم ملحوظ لحكومة هادي في المدينة.

يعود الكثير من الاستقرار النسبي في مأرب والمناطق المجاورة بشكل كبير لجهود شبكات الحكم القبلية المحلية والغير رسمية بدلاً عن تلك المكونة من قبل ممثلي حكومة هادي. على الرغم من ولائهم الظاهري للحكومة المركزية، يظهر أن السلطات المحلية تعمل بشكل مستقل في المناطق المجاورة في غياب سلطة الدولة المركزية. وكدليل على ذلك، وجهت محافظة مأرب عائدات النفط والغاز إلى فرع البنك المركزي المحلي، بدلا من المؤسسة المركزية.

برهنت أزمة اللاجئين بأن الصراعات البعيدة قد يكون لها آثار كبيرة محلياً

 

حكومة هادي المنفية

مع احتشاد القوات المنشقة في الجنوب، وتحكم التحالف “الحوثي-صالح” بمركز الحكم، ووجود قوات تميل للحكم الذاتي في الشمال، تبدو حكومة هادي المنفية في المملكة السعودية  بعيدة وعلى نحو متزايد، سواء بالمعنى الحرفي أو المجازي.

الحكومة اليمنية هي عبارة عن خليط متفكك أيديولوجياً لشخصيات وجماعات يجمعها القليل جداً باستثناء معارضة الحوثيين, أو مجموعة انتهازيين، أو علاقة تاريخية مع الحكومة السعودية، أو مزيج من الثلاثة معاً. فشلت  حكومة هادي في تقديم جبهة حقيقية موحدة لتجمع البلاد حولها، ناهيك عن تقديم أي رؤية مستقبلية حقيقية للبلد غير هزيمة الحوثيين. تبقى العديد من الجماعات السياسية ذات الحضور القوي على الأرض مهمشة أو غير ممثلة في صفوف الحكومة. كل ذلك وكنتيجة لطول مدة غياب المسؤولين الحكوميبن عن اليمن، وعيشتهم حياة ترف نسبي خارج البلاد والظاهرة على بدانتهم المتزايدة باستمرار (شيء لا يغيب عن نظر أحد من ال14 مليون يمني الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي وبشكل يومي)، وجدت الحكومة نفسها عرضة لعواصف متكررة من النكات بدلا من  كونها موضع احترام، وذلك حتى بين الكثير من اليمنيين الأشد معارضة للحوثيين.

مع ذلك، تحتفظ حكومة هادي في العملية السياسية بقبضة إحتكار خانق على أي تمثيل للقوات المعادية للحوثي. وهذا شيء عمل بشكل مضاد لمصلحة الحكومة وهمش العديد من القوات المقاتلة المعادية للحوثيين الذين يتشاركون وحكومة هادي هدفا واحدا على الأقل – القضاء على سيطرة الحوثيين. تعتمد العديد من قوى القتال المعادية للحوثيين في حصولها على الأموال والأسلحة على شخصيات مقرها المنفى. وتقدم معظم هذه الأموال والأسلحة من الداعمين في الخليج، ولا سيما حكومة المملكة العربية السعودية. ساعد ذلك أولئك الموجودين في المنفى على الحفاظ على الاتصال مع أولئك الموجودين على الأرض. ولكنه أيضاً عزز من حدة التوترات على الأرض، فيما الشخصيات والجماعات التي تظهر على نفس الجانب تتنافس لصالح المملكة.

يتسم التدخل/النهج الأوروبي في الوقت الحالي إما بالتوافق مع دول الخليج المولعة بالقتال أو الانكفاء وعدم التدخل نسبياً.

 

مخاطر المزيد من الخلافات؟ المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة

الشريكان الدوليان الرئيسيان الداعمان للتحالف المعادي للحوثيين هما – دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية . تشترك السعودية والإمارات في اليمن نفس الهدف، لكن إجراءاتهما على أرض الواقع في اليمن تتطور بشكل مختلف تماما عن بعضهما البعض منذ بداية عملية عاصفة الحزم في مارس 2015. يظل تركيز المملكة السعودية  إلى حد كبير على الشمال ، لا سيما في مأرب والمناطق الواقعة على طول حدودها ، في حين ركزت دولة الإمارات المتحدة على الجنوب (المستقل سابقا) مع وجود قوات إماراتية تعمل سواء على تعزيز قوات الأمن، أو الحفاظ على على الأرض، أو -وهو الأهم – تدريب السكان المحليين. لكن هنالك بالتأكيد شيء من التداخل بين أهداف الدولتان وقد دعمتا أيضا شركاء مختلفين. ويعود ذلك جزئيا لازدراء دولة الإمارات المتحدة القائم لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، والذي يبدو أن الملك سلمان بن سعود لا يعتبره تهديدا كما اعتبره سلفه عبد الله. وأدى ذلك لوجود توترات متكررة بين حزب الإصلاح اليمني، الذي يضم الجزء الأكبر من جماعة الإخوان المسلمين اليمنيين المدعومين من السعودية، وبعض الشركاء في الإمارات العربية المتحدة والكثير منهم من أشد المعارضين لحزب الإصلاح.

معاً أثارا الديناميكيات الداخلية والإقليمية المتنافسة وانفجار سياسي وانهيار مؤسسي في مناطق بأنحاء البلاد. كان الوضع الأمني في اليمن يتدهور بشكل ثابت حتى منذ فترة طويلة قبل بدء عملية عاصفة الحزم، كما كانت السلطة تُستحوذ من قبل على عدد متزايد من الجماعات المسلحة ذات الأهداف طويلة المدى والغير واضحة بشأن مشاركتها للسلطة، وأبرز هذه الجماعات جماعة الحوثيين نفسها.

أصبح تزايد نفوذ الميليشيات في اليمن واضحاً بشكل كبير في مدينتي عدن وتعز، والتي يمكن القول أنهما كانتا من قبل أكثر نظامية من العاصمة صنعاء. فبالرغم من التقدم الضئيل الذي أُحرز تحت قيادة محافظ عدن (عيدروس الزبيدي) ، مازالت المدينة تحت سيطرة الجماعات المسلحة. كثير من هذه الجماعات في كثير من الأحيان لديها علاقات متغيرة مع بعضها البعض، ومع شركائها في التحالف والحكومة المركزية. لم يستطع المسؤولون الحكوميون إلى حد كبير مغادرة مجمع المعاشيق الرئاسي الشديد التحصين وذلك في كثير من الزيارات إلى المدينة، مما يجعلهم غير قادرين على الحصول على أي شيء عدا وجودهم الرمزي في المدينة. وكانت الأمور أسوأ بشكل أكبر في تعز، حيث وضع الحوثيون وحلفاؤهم المدينة تحت الحصار.

إن العديد عديد من الأحداث المهمة التي أحالت الصراع إلى حريق شامل هي عوامل محفزة للصراع أكثر من كونها مسببة له.

 

السلفيون والانفصاليون

وسط الاضطراب العام في اليمن، تمكنت مجموعتان من إثبات وجودهما مع عاصفة من التأييد الشعبي، ويبدو من المرجح أن تنمو قوة الجماعتين. الأولى هي جماعة الانفصاليين الجنوبيين في اليمن بعد اصطفافهم بشكل كبير لجانب التحالف المقاوم للحوثيين. حقق المقاتلون في الجنوب نجاحا نسبيا في محاولاتهم للسيطرة على معظم مناطق الجنوب (المستقل سابقا). والجدير بالذكر أن علم اليمن الموحد إلى حد ما غائب تماما في مناطق كانت خاضعة سابقاً لحكم ما يسمى (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) وحتى المسؤولين الحكوميين ووجهوا برؤية أعلام الجنوب الانفصالية في العاصمة الإدارية المؤقتة (عدن). وفي حين أن العديد من أجنحة الحراك الجنوبي – حتى بشكل غير رسمي- اجتمعت تحت قيادة الزبيدي، فإن  الحراك الجنوبي نفسه يفتقر إلى أيديولوجية متماسكة بعيداً عن مجرد وجود دعم لحكم ذاتي واسع في جنوب اليمن. مع فروعها العديدة، الحركة هي تجمع ضعيف لعدد من الجماعات المختلفة ذات وجهات نظر متباينة بشكل واسع حول كيفية التعاون مع الحكومة المركزية، وذات مستويات مختلفة من السلطة الفعلية على الأرض.

المجموعة الثانية تتكون من مجموعة متنوعة من الجماعات السلفية التي تمكنت من تأمين قوة كبيرة على الأرض, في الكثير من النواحي هذا ليس بتطور جديد, كان السلفيون اليمنيون قوة اجتماعية ضخمة لعقود من الزمن، في حين لعبت الميليشيات السلفية المسلحة أدوارا رئيسية في مقاتلة الحوثيين خلال الحروب الست التي شنها عليهم الرئيس السابق صالح قبل انتفاضة اليمن عام 2011، كون السلفيون اليمنيون هياكلا سياسية رسمية، أبرزها حزب الرشاد الذي شارك في مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2013 – 2014).

أنشأت الظروف التي عززها الصراع تحولا كبيرا في الدور الذي يلعبه السلفيون في اليمن. لقد أخذوا الآن دورا حكوميا نشطا في العديد من المناطق في البلاد، فهم يعملون مع الانفصاليين في الجنوب وينضمون لقوات الأمن المدعومة من دولة الإمارات المتحدة في أجزاء كثيرة من الجنوب – وعلى الأخص في عدن- وقد استغلوا أيضاً الفوضى المستمرة لانتقاء مناطق تخضع لسيطرتهم، وتحديدا في مدينة تعز. بعيدا عن كونهم جماعة متحدة، كان السلفيون في اليمن تاريخيا – ومازالوا – منقسمين بشدة. وعلى غرار الحراك الجنوبي، فهم منقسمون من الناحية الأيديولوجية والتنظيمية و التراتبية. ومع ذلك، فإن دمج الشبكات السلفية الرئيسية للهيكل الوظيفي للحكم في مرحلة ما بعد الصراع، بشكل أو بأخر سيبقى مهمة رئيسية في أي جهود نحو السلام.

بالرغم من كل عيوبها، لا تزال عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة أفضل أمل لتحقيق اي تقدم في الوقت الراهن، كونها واحدة من عدد قليل من المنتديات التي تشارك فيها كل من الجهات المحلية والإقليمية

 

القاعدة في اليمن

ستشكل إدارة القوة الصاعدة  لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ( تنظيم القاعدة في جزيرة العرب) تحديا هائلا أيضاً. حاربت القاعدة في جزيرة العرب بجانب الكثير من القوات السائدة المعادية للحوثيين في العديد من الجبهات، ويبدو أن نشاطها قد انتعش منذ فقدان السيطرة على الساحل الجنوبي للمكلا، مطلقة سلسلة من الهجمات على أهداف الحوثيين في الشمال وعلى القوات المدعومة من دولة الإمارات المتحدة في الجنوب.

على كل هناك بعض الاستثناءات لانهيار النظام في اليمن. في مأرب على سبيل المثال، كان باستطاعة الزعماء المحليين المتحالفين مع حكومة هادي تحقيق قدر معين من الاستقرار. والمثير للسخرية أن هذا الاستقرار هو نتاج نفس نظام الحكم القبلي الغير رسمي الذي أدى في الماضي لوصف المنطقة بأنها “رجعية” من قبل سكان المدن اليمنية. ساعدت القوات التي تدعمها الإمارات في استعادة قدر ضئيل من الاستقرار لمناطق في حضرموت – بما في ذلك مدينة الميناء المكلا – بعد تخلي مقاتلي القاعدة عن المدينة في وقت سابق من هذا العام. وعلى الرغم من الهجمات المستمرة التي يشنها تنظيم القاعدة وجماعة الفرع اليمني التابع لها (أنصار الشريعة) لا تزال المدينة واحدة من المدن الأكثر أمانا في الجنوب، أمر يؤكده التيار المستمر من النازحين داخليا إلى المدينة.

الحكومة اليمنية هي عبارة عن خليط متفكك أيديولوجياً لشخصيات وجماعات يجمعها القليل جداً باستثناء معارضة الحوثيين, أو مجموعة انتهازيين، أو علاقة تاريخية مع الحكومة السعودية، أو مزيج من الثلاثة معاً. فشلت حكومة هادي في تقديم جبهة حقيقية موحدة لتجمع البلاد حولها، ناهيك عن تقديم أي رؤية مستقبلية حقيقية للبلد غير هزيمة الحوثيين.

 

جيل اليمن الضائع

وسط التنافر وعدم الاستقرار في اليمن على مدى العامين الماضيين، فإن  شيئا واحدا ظل ثابتا (معاناة الشعب اليمني) – الأرقام تتحدث عن نفسها. يعيش أكثر من 21 مليون نسمة، -82 في المئة من السكان- في حاجة لمساعدات إنسانية. كما يعاني أكثر من 14 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي ( يعاني نصفهم من شدة انعدام للأمن الغذائي). وهناك تسعة عشر مليون شخص  في اليمن لا يستطيعون الحصول على مياه صالحة للشرب – شيء له عواقب وخيمة، بما في ذلك تفشي أمراض معدية. كما قتل أكثر من 7،000 شخص كنتيجة مباشرة للصراع، وأكثر بكثير بسبب آثار الصراع الغير مباشرة. يقدر مسؤولو الأمم المتحدة أن (10000 طفل) لقوا حتفهم بسبب أمراضكان  يمكن الوقاية منها ، وهذا فقط منذ مارس 2015.

الأضرار التي حلت بميناء الحديدة، الذي تعرض للقصف من قبل قوات التحالف التي تقودها السعودية في عام 2015، جعلت من الصعب للغاية تفريغ الإمدادات اللازمة. كان لهذا عواقب مميتة لبلد يستورد 90 في المئة من احتياجاته الغذائية. وفي الوقت ذاته، فإن  الكثير من البنية التحتية للبلاد تعرضت للقصف و كذلك عشرات المصانع ، وقد أهلك كل ذلك قدرا كبيرا من القدرة الصناعية للبلاد ،  وخلق مزيدا من شريحة البطالة التي هي بالأصل عالية جداً.

الأوضاع في بعض المناطق أسوأ مما هي عليه في المناطق الأخرى. في عدن – وكذلك في المدن الحارة الأخرى من المناطق الجنوبية والساحلية – اختلطت المياه الصالحة للشرب مع مياه الصرف الصحي الحكومية وخدمات القمامة مما أدى إلى انتشار أمراض مثل حمى الكوليرا وحمى الضنك ملحقة ضررا بالغا بالسكان.  كما دمرت غارات قوات التحالف الجوية التي تقودها السعودية كذلك  العديد من المنازل، خاصة في محافظة صعدة، وكذلك الاشتباكات والقصف من قبل الحوثيين وحلفائهم، واللذان تركا مساحات شاسعة من مدن تعز وعدن في حالة خراب كامل. تشير آخر الإحصائيات إلى أن هناك حول (3270000 نازح داخلي) في البلاد.

هذه هي القضايا التي ستبقى قائمة بعد مدة الحرب. ستستمر العواقب والآثار بعيدة المدى من المرض وسوء التغذية والتشرد لعقود. يواجه اليمن جيلا ضائعا. أُرغم الآباء في جميع أنحاء البلاد على الاختيار بين إطعام أطفالهم أو وضعهم في المدارس، مما أدى إلى معاناة الآلاف من الأطفال من الجوع وانعدام التعليم معا، في الوقت الذي زادت فيه معدلات عمالة الأطفال المثيرة للقلق في البلاد بشكل أكبر.

كل هذا ناهيك عن الانهيار الإجمالي لجزء كبير من النسيج الاجتماعي اليمني. رسخ الصراع العسكري والتقاسم للسلطة في الدولة بين جماعات مختلفة الانقسامات الاجتماعية في البلاد. شهدت اليمن منذ بداية الصراع ازدهارا طائفيا لا مثيل له  ويعكس ذلك بتجذر ووضوح انقسامات اجتماعية في البلاد منذ عقود، وحتى في بيئة ما بعد الصراع. في هذا الصدد ليست مجرد المباني اليمنية والبنية التحتية التي ستحتاج إلى إعادة إصلاح، بل أيضاً التمزقات في النسيج الاجتماعي اليمني.

تواجه اليمن عقودا من التداعيات. ينشأ ملايين من الأطفال بدون تعليم ويعانون من سوء التغذية، في بيئة حيث الوظائف القليلة المتاحة  تنحصر في حمل السلاح ضد الآخرين. يتفاقم الصراع في اليمن مع كل يوم يمر، بينما يصبح التحدي المتمثل في إعادة البناء وإعادة الأمور الى طبيعتها أشد صعوبة بأضعاف مضاعفة. التجزئة، تعمق الفوضى، والانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة التي لا تزال قائمة، كل ذلك يثير احتمال أن  الوضع لا رجعة فيه ومع تكاليف باهظة على المدى الطويل، بما في ذلك احتمالية تفكك البلد بأكمله. في بلد ذات تاريخ عريق من التمرد المسلح، وجماعات تنظيم قاعدة نشطة استهدفت الغرب، فإن الفراغ في اليمن يحمل أخطاراً وانعكاسات مقلقة. وليس فقط لليمن، ولكن للمنطقة الأوسع وأوروبا أيضا.

تشترك السعودية والإمارات في اليمن نفس الهدف، لكن إجراءاتهما على أرض الواقع في اليمن تتطور بشكل مختلف تماما عن بعضهما البعض منذ بداية عملية عاصفة الحزم في مارس 2015.

 

ماذا باستطاعة أوروبا أن تفعل؟

لا تستطيع أوروبا تحمل تكلفة تجاهل اليمن. لكن السؤال الأهم هو ماذا يمكن وماذا يجب أن تفعله في نهاية المطاف؟ وحدها الأطراف المتحاربة  – بما في ذلك داعموها الإقليميون- الذين يمكنهم فعلا نزع فتيل الصراع. بناء على هذا فإن هناك عدد من الخطوات التي يمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن تتخذها من أجل المساعدة في تسهيل عملية السلام في اليمن. قد يكون الاتحاد الأوروبي  قادرا على الاستفادة من مكانته باعتباره طرفا خارجيا لتشجيع الجهات الفاعلة الرئيسية للابتعاد عن ميدان المعركة والاقتراب من طاولة المفاوضات.

بالرغم من كل عيوبها، لا تزال عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة أفضل أمل لتحقيق اي تقدم في الوقت الراهن، كونها واحدة من عدد قليل من المنتديات التي تشارك فيها كل من الجهات المحلية والإقليمية. ومع ذلك، فمن الواضح أن أي اتفاق في هذا المنتدى سيواجه صعوبات في التنفيذ بسبب بعد المسافة الأيديولوجية المتزايدة بين القيادة السياسية الرسمية في البلاد والذين يتحكمون بالسيطرة الفعلية على أراضي اليمن. هذا ناهيك عن أن مختلف الجماعات لديها أهداف متباينة ، لا بل  ومتنافسة. وهنا تحديداً يمكن للدول الأوروبية أن تحدث فرقا. يمكن لدول الاتحاد الأوروبي دعم العملية الجارية التي تقودها الأمم المتحدة بينما تشارك في إجراءات موازية للمساعدة في تمهيد الطريق ليمن أكثر استقرارا، بما في ذلك الانخراط مع الجهات الفاعلة الرئيسية على أراضي اليمن التي حتى الآن تم استبعادها من عملية السلام.

في حين أن دول الاتحاد الأوروبي تملك الفرصة لعمل شيء ما ، لا يجب أن يبالغوا من قدراتهم. لن يٌمنح لدول الاتحاد الأوروبي مقعد على طاولة المفاوضات تلقائياً. لذلك يجب أن يعملوا بجد لجعل أنفسهم ذوو صلة إذا كانوا يريدون أن يشاركوا في المساعدة بعملية السلام.

يواجه اليمن جيلا ضائعا

 

ملء الفجوة التي خلفتها الولايات المتحدة

حينما أصبح دونالد دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة في عام 2017، أصبح  تنسيق الخطوات الأوروبية أكثر أهمية. ليس فقط لأن من المرجح أن ترامب سينسى اليمن، لكن من المرجح أيضاً أن يكون تركيزه الوحيد هو على القضايا التي تواجه أراضي الولايات المتحدة كمكافحة الإرهاب. هذا التغيير في النظرة السياسية للولايات المتحدة قد يؤدي إلى تخليها عن التقدم المبدئي المنجز من قبل اللجنة الرباعية – تجمع يشمل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية والمملكة  العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة –  ووزير الخارجية جون كيري في التصدي للقيادات السياسية الأساسية التي تغذي الصراع. تراجع الولايات المتحدة يوفر فرصة ،  بل ويلقي مسؤولية على أوروبا لتكثيف وتوفير القيادة في الجهود الدولية للعمل من أجل السلام في اليمن. سيعتمد نجاح هذه الجهود على قدرة أوروبا على التنسيق الفعال فيما بينها. إن غياب أي جهد منسق أو موقف متماسك للاتحاد الأوروبي أو أي محاولات لملء الفجوة التي خلفتها الولايات المتحدة ، لن  يسفر عن شيء.

تواجه اليمن عقودا من التداعيات. ينشأ ملايين من الأطفال بدون تعليم ويعانون من سوء التغذية، في بيئة حيث الوظائف القليلة المتاحة تنحصر في حمل السلاح ضد الآخرين.

 

التنسيق على مستوى الاتحاد الأوروبي

من الأهمية الحاسمة التأكيد على ضرورة التنسيق بين الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بخصوص اليمن – وتحديدا مع المملكة المتحدة وفرنسا وهولندا وألمانيا، الذين لعبوا دورا نشطا هناك. هذه المهمة أصبحت أكثر صعوبة منذ انسحاب الوفود الدبلوماسية الغربية من اليمن في نهاية عام 2014. العديد من الجهود الغربية ترتكز الآن في جميع أنحاء أوروبا وليس في المنطقة المحيطة لليمن، باستثناء قلة قليلة. القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي والوفود الهولندية للانضمام للألمان و اتخاذ مقرات في العاصمة الأردنية عمان يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. سيسمح هذا على الأقل في خلق فرص أكبر للتعاون بشأن قضية اليمن، تنبع من القرب الإقليمي. لكن هناك حاجة إلى مزيد من التنسيق بين الوفود. أدى نقص التنسيق حتى الآن لعرقلة جهود السلام وإضعاف التأثير المحتمل لأوروبا على حد سواء، مما تسبب في ضياع فرصة كبيرة.

في حين لا تزال الاجتماعات على مستوى السفراء متكررة، فإن تنسيق الجهود على المستويات الأدنى شبه منعدمة، سواء فيما يتعلق بالقضايا العادية مثل تبادل المعلومات أو تلك الأكثر أهمية مثل الرسائل أو الإجراءات المتخذة. في هذا الصدد فإن التشكيل الرباعي الوزاري الحالي – الذي يشمل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – يمثل نموذجا صالحا، نموذجا يمكن أن يحتذى به على المستوى الوزاري وعلى مستوى السفارات لتنسيق سياسة أوروبية تجاه اليمن. ولكن مثل هذا التطور ليس ضروريا للتعاون الأوروبي فحسب، بل سيكون أيضا حاسما فيما يتعلق بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. هناك حاجة ماسة للتنسيق مع المملكة المتحدة أيضا، بسبب علاقات الحكومة البريطانية القوية مع مجلس التعاون الخليجي. زيادة التنسيق على مستوى الاتحاد الأوروبي لن يؤدي فقط إلى جهود أوروبية أكثر عملية، ولكن سيعمل أيضاً في تسهيل الحوار الدولي بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.

التجزئة، تعمق الفوضى، والانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة التي لا تزال قائمة، كل ذلك يثير احتمال أن الوضع لا رجعة فيه ومع تكاليف باهظة على المدى الطويل، بما في ذلك احتمالية تفكك البلد بأكمله.

 

وضع آليات تحييد في الاتحاد الأوروبي

على نقيض المملكة المتحدة، التي ينظر إليها على نطاق واسع بأنها منخرطة في الصراع، فأن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء الرئيسية مثل ألمانيا وهولندا، ينظر إليها على أنها جهات محايدة نسبيا من قبل الجماعات الرئيسية في اليمن. يجب على دول الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء الاستفادة القصوى من هذا الوضع “المحايد” لتسهيل عملية السلام. بسبب وجود عدد من الجماعات المختلفة في اليمن، لا بد من توسيع عملية السلام. إن الاتحاد الأوروبي في وضع فريد للمساعدة في جعل العملية أكثر شمولا لأنه ممثل تميل الجماعات المختلفة للثقة به. بناءً على ذلك، يجب أن يكون للدول الأوروبية دور أساسي لتجنب ظهور التحيز، محافظة خصوصاً على إبقاء قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، بما في ذلك الحكومة المعترف بها دوليا.

يقدر مسؤولو الأمم المتحدة أن (10000 طفل) لقوا حتفهم بسبب أمراضكان يمكن الوقاية منها ، وهذا فقط منذ مارس 2015.

 

التعامل مع الأطراف المهمشة

يجب فتح المزيد من قنوات التواصل مع الجهات الفاعلة الناشئة حديثا وتلك المهمشة تقليديا من قبل المؤسسة السياسية في اليمن. بالفعل، لا بد من تكريس الكثير من الجهد لبناء فهم ديناميكيات القاعدة الشعبية كالجهود التي كرست لإبقاء اتصال مع القادة السياسيين الرسميين للحكومة اليمنية، والذين مازال أكثرهم في المنفى. على وجه أخص، يجب أن يؤخذ التنوع في الجماعات المناهضة للحوثيين بعين الاعتبار.

كانت هناك بالفعل خطوات نحو ذلك، خاصةً فيما يتعلق بزيادة حتى جهود أولية من قبل الدبلوماسيين الأوروبيين للوصول إلى الشخصيات الرئيسية في الحراك الجنوبي. العلاقات الأوروبية الودية نسبيا مع الحوثيين تعني أن القوى الدبلوماسية الأوروبية الرئيسية لديها بالفعل قناة هامة. ومع ذلك، فإنه من الضروري أن أي عملية تفاوض تجري بهذه الطريقة بدلاً من دعم المحادثات الجارية في الأمم المتحدة حصرياً، إذ لا يمنع ذلك  من تنسيق مستمر مع المبعوث الخاص وفريقه.

قد يكون الاتحاد الأوروبي قادرا على الاستفادة من مكانته باعتباره طرفا خارجيا لتشجيع الجهات الفاعلة الرئيسية للابتعاد عن ميدان المعركة والاقتراب من طاولة المفاوضات.

 

تخصيص موارد على المدى الطويل

من الضروري أن ندرك أن إنهاء الحرب وإنهاء العنف في اليمن هما هدفان منفصلان أساساً وإن كانا مترابطين. في حين قد يوفر وقف القتال مساحة لتسوية الصراع/ات في اليمن، فإن إحداهما ليست إلا مسببا حتميا لا مفر منه للاَخر. وهذا قد يكون ربما أهم درس يمكن تعلمه من مبادرة مجلس التعاون الخليجي في عام 2011، والتي مهدت الطريق للمرحلة الانتقالية لليمن لما بعد انتفاضة الربيع العربي. قدمت المبادرة -في أحسن الأحوال- تأجيل للصراع في اليمن أكثر مما قدمت أي سياق يساعد على ضمان نهايته. لذا فإن الجهود الدبلوماسية والتوعوية من أجل تيسير حل الصراعات في اليمن المتنوعة وعميقة الجذور تحتاج إلى مواصلة حتى بعد التوصل إلى أي اتفاق. سيتعين على الاتحاد الأوروبي تخصيص موارد على المدى الطويل لهذه الغاية، لأن أعظم عمل من أجل بناء السلام المستدام سيجري على أراضي اليمن بعد التوقيع على الاتفاق. وفي هذا الصدد، يمكن لأوروبا أن تلعب دورا حاسما في جهود تحقيق الاستقرار، استكمالا للعملية التي يقوم بها الفريق المبعوث من الأمم المتحدة على مستوى عال.

 

دعم عمليات سلام متعددة المسارات

إن الطريق إلى السلام في اليمن سيكون مشحونا ويتطلب تسويات وإعادة بناء الثقة، وإعادة تعريف للعديد من اللحظات المؤلمة في تاريخ البلاد. كما يتطلب قيادة جديدة. لن يتحقق السلام من خلال عملية معزولة واحدة، ولكن فقط من خلال سلسلة من العمليات المستمرة – الرسمية وغير الرسمية على حد سواء- على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي. إن عمليات السلام من على شاكلة”حجم واحد يناسب الجميع” لحل العديد من الصراعات في اليمن ، ولا سيما عمليات السلام التي تشمل النخب فقط وتتركز في صنعاء،  هي عمليات محكوم عليها بالفشل مسبقاً. يجب أن يكون الهدف الفوري هو التوصل إلى اتفاق يوفر مساحة لتزدهر فيه عملية متعددة المسارات. ولكي يحدث ذلك، يتوجب على الممثلين الدوليين الرئيسيين التوقف عن دعم استمرار الصراع، وتركيز جهودهم على إعادة البناء والحد من التصعيد. في هذا الصدد، قد تسمح الحيادية الظاهرة لأوروبا أن تلعب دورا رئيسيا في المساعدة كوسيط على مستوى القاعدة الشعبية، سواء عبر مساعدة الجهود الداخلية، وربما الأهم من ذلك، عبر المساعدة على تبني مخاوف الفئات والجماعات على أرض اليمن إلى المستوى الدولي، مكملة في نهاية المطاف جهود السلام الجارية في الأمم المتحدة. في العديد من الحالات، هذا من شأنه أن ينتفع  من التنسيق الوثيق مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

لا تستطيع أوروبا تحمل تكلفة تجاهل اليمن. لكن السؤال الأهم هو ماذا يمكن وماذا يجب أن تفعله في نهاية المطاف؟

 

دعم الجهود المبذولة لإصلاح مشاكل البنية التحتية

خارج نطاق العمل على دعم العملية السياسية على المدى الطويل، ينبغي أن تركز الجهود الأوروبية أيضا على إيجاد حلول على المدى القصير التي يمكن أن تساعد اليمن أن تقف على قدميها. ستكون إحدى الأولويات الضغط على الجهات الفاعلة الرئيسية لتسهيل عملية إعادة فتح مطار صنعاء للسفر الجوي للمدنيين وتسهيل حركة المرور إلى ميناء الحديدة. هذه الجهود إذا لزم الأمر، ينبغي أن تتضمن ممارسة ضغط أقوى على دول التحالف العربي. من شأن هذا أن يساعد جذرياً في تحسين الوضع الإنساني. سيكون من الضروري أيضاً إعادة بناء البنية التحتية الصناعية والزراعية المتعلقة بوسائل النقل والمواصلات. إن يمنا يعتمد على المساعدات الخارجية هو يمن لن يكون مستقرا ولا مستدام.

إن الطريق إلى السلام في اليمن سيكون مشحونا ويتطلب تسويات وإعادة بناء الثقة، وإعادة تعريف للعديد من اللحظات المؤلمة في تاريخ البلاد.

 

دعم الجهود للحفاظ على مؤسسات الدولة

ينبغي أيضا أن يكون هناك تركيز على المحافظة على ما تبقى من مؤسسات الدولة. لا تزال هناك فرص لتشجيع التنسيق بين البيروقراطيين والمسؤولين الحكوميين من مختلف أطراف الطيف السياسي، بالإضافة إلى تعزيز مؤسسات الحكم المحلي. في بعض النواحي،  يمكن أن يكون هذا مرتبط بتوزيع المساعدات وغيرها من الخدمات. إن التنسيق المثمر مع المؤسسات على أراضي اليمن يساعد على دعم قدراتها التشغيلية وتعزيز شرعيتها تجاه الناخبين. في وضع مثالي، يمكن إيصال المساعدات لتحقيق غرضين: تقديم مساعدة لليمنيين الذين في حاجة ماسة للمساعدة، وفي نفس الوقت تقديم المساعدة لمؤسسات الحكم المحلية الأساسية لمنعها من الانهيار. في حالة استمرار الصراع، يجب توزيع المساعدات على الفور لتخفيف الأزمة الإنسانية المستمرة. لا يوجد أي مبرر للدول الأوروبية للتخفف من تقديم دعم أقوى لمبادرات المساعدات.

 

تكثيف التنسيق مع دول الخليج

في جميع العوامل المذكورة أعلاه، فإن التنسيق مع دول الخليج – لا سيما دولة الإمارات المتحدة والمملكة السعودية – هو أمر لا غنى عنه. إن أي عملية سلام تعتمد على السعوديين والإماراتيين، لا سيما بسبب علاقاتهم التاريخية والمستمرة مع اللاعبين الرئيسيين على أراضي اليمن. ستكون المساعدات والدعم السعودي والإماراتي حاسما في اليمن بعد انتهاء الصراع. وفي هذا الصدد، فإنه من الضروري أن تحافظ أوروبا على علاقة بناءة مع دول الخليج و أن تتجنب استعداء الجهات الفاعلة القوية التي لديها أيضا مصلحة في استقرار اليمن على المدى الطويل. ينبغي أيضا أن تواصل أوروبا الاستفادة من القنوات القائمة مع إيران عند الحاجة، مع الاستمرار في دعم جهود لتخفيف التوترات الإقليمية من خلال الجهود الدبلوماسية المتبادلة مع الأطراف الإيرانية والخليجية. هذا كله يجب أن يأتي بالإضافة إلى استمرار التنسيق مع عمان، ودعم جهود وساطة السلطنة، والتي كانت قادرة على الاستمرار بحكم موقعها الفريد في السياسة الإقليمية. بحفاظها على علاقات ودية مع كل من إيران والمملكة العربية السعودية، استغلت عمان موقفها لتسوية الخلافات بين الجماعات المتحاربة في اليمن باستضافة اجتماعات بين الحوثيين والشخصيات المؤيدة لصالح و بين السعودية والمسؤولين الغربيين طوال فترة الصراع.

في جو من الحصانة من الملاحقة القانونية، من المهم للغاية أن يتم التضحية بسابقة و تقديم نموذج للعدالة.

 

دعم لجنة دولية للتحقيق في جرائم الحرب

وأخيرا؛ يتعين على دول الاتحاد الأوروبي دعم لجنة دولية مستقلة في تقصي مزاعم انتهاكات القانون الإنساني الدولي. في جو من الحصانة من الملاحقة القانونية، من المهم للغاية أن يتم التضحية بسابقة و تقديم نموذج للعدالة.  إن استمرار انعدام المساءلة قد  شجع كلا الطرفين، مساعداً على تمهيد الطريق للمزيد من التجاهل لمسؤولية حماية المدنيين لأن الجماعات المسلحة لديها ثقة أنها لن تحاسب على أفعالها.

للأسف، من المرجح أن اليمن ستغرق في مستويات متفاوتة من الصراع لسنوات قادمة. ويمكن لسياسة أوروبية متماسكة في اليمن أن تلعب دورا قويا في تحسين الوضع الإنساني في البلاد، في حين تضع أسس سلام حقيقي ومستدام.

 

الخاتمة

تمتد مأساة اليمن إلى ما بعد مجرد حرب بسيطة. انهارت الدولة و مؤسساتها. وفي الوقت نفسه، هناك أزمة إنسانية بعيدة المدى تنافس بحدتها الآن، وربما حتى تتجاوز، تلك التي في سوريا. لكن بغض النظر عن بعد اليمن – سواء على الصعيد الجغرافي أو المجازي – من أوروبا، فإن الضرورة الاستراتيجية والمعنوية لجهد أوروبي قوي للفهم وللمساعدة في حل الصراعات في اليمن يجب ألا يتم تجاهله. للأسف، من المرجح أن اليمن ستغرق في مستويات متفاوتة من الصراع لسنوات قادمة. ويمكن لسياسة أوروبية متماسكة في اليمن أن تلعب دورا قويا في تحسين الوضع الإنساني في البلاد، في حين تضع أسس سلام حقيقي ومستدام.

يجب على جميع الأطراف المعنية بأمر اليمن أن يعوا بأنه في حالة عدم التدخل للمساعدة على استعادة البنك المركزي لقدراته ومهامه على المدى القريب والعاجل، فإن أسوأ سيناريوهات الأزمة الإنسانية في اليمن ستتحقق بلا نهايات..


آدم بارون هو مدير التحليل والبحوث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية