عن الاغتيالات في اليمن

عن الاغتيالات في اليمن

ماجد المذحجي*

في أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، توفي الصحافي الشاب محمد عبده العبسي في ظروف غامضة تَرجح فيها شبهة الاغتيال على الوفاة الطبيعية. وفيما تستمر جهود أسرته وبعض المنظمات المستقلة لقطع الشك باليقين بخصوص ذلك، فإنّ تقديراً عامّاً ترسَّخ يقول بأن العبسي تمّ اغتياله بالسم، في استعادة رمزية لوفاة صحافي جريء آخر لاحق موته الشبهات ذاتها التي تلاحق وفاة العبسي الآن، وهو عبد الحبيب سالم الذي توفي في نهاية التسعينات من القرن الماضي، واشتهر بمقارعته للسلطة السياسية ومراكز القوى حينها.
في شهر كانون الأول / ديسمبر ايضاً قبل 14 عاماً، أطلق علي جار الله السعواني رصاصته على الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي جار الله عمر عقب انتهاءه من إلقاء كلمة أمام المؤتمر الثالث للتجمع اليمني للإصلاح، ليودي به صريعاً في مشهد مفزع تناقلته وسائل الإعلام والفضائيات بذهول، وبشكل أحدث صدمة عميقة في الحياة السياسية والاجتماعية حينها.
وفاة العبسي الغامضة تذكر بكيف كانت الاغتيالات حاضرة على الدوام  وبكثافة في تاريخ البلاد الحديث، وأنه تمّ التواطؤ على استخدامها ومنحها شرعية صامتة، حيث لم يتم أبداً تحميل مسؤولية صريحة للجهات القائمة عليها أو محاسبتها.

 

الاغتيال في “سياسة” اليمنيين

قبل حدوث الاغتيال الأكثر علانية وتبجحاً في الاغتيالات اليمنية، لجار الله عمر أمام حوالي 2000 مندوب حزبي وأبرز الرموز السياسيين اليمنيين الحاضرين في مؤتمر الإصلاح، كان هذا الفعل نشطاً كخيار سياسي بين الخصوم اليمنيين. فمنذ اغتيال الإمام يحيى، ومرورا باغتيال النعمان الابن، ومحمد علي عثمان، وتفجير طائرة الدبلوماسيين، واغتيال الحجري، والحمدي، والغشمي وغيرهم، وحتى موجة الاغتيال التي طالت القيادات الاشتراكية قبل حرب صيف 1994، لم يبدُ أن أحداً اعترض على الفعل بشكل جاد، أو مس شرعيته كـ”حقّ” للساسة ومراكز القوى، يستخدمونه ضد خصومهم. تعاقد الجميع على تسويغه باعتباره “حل” اللحظة الأخيرة، حين تعجز شروط السياسة الطبيعية عن توفير تنحية ملائمة لخصم ما.

 


محمد عبده العبسي

كان الاغتيال فعلاً أكثر نشاطاً في اليمن الشمالي من ناحية تطاوله على رموز سياسيين كبار، قياساً بالجنوب الذي وفّرت دورات الصراع الدموية التي حدثت فيه الحاجة لاستخدامه. وبدا أن الطبقة السياسية المحافظة التي هيمنت على السلطة شمالاً بعد أحداث آب / أغسطس عام 1968 (مواجهة دموية في صنعاء كصراع بين قطاعات من الجيش ومراكز قوى أخذت طابعاً طائفياً ومناطقياً) استخدمته بكثافة لتسوية النزاعات بين أطرافها ولتكريس الهيمنة في يد عصبة أصغر بداخلها. وتغذّى هذا الفعل الدموي المستمر على بيئة ثقافية واجتماعية تتبنى العنف وتقر نتائجه، وتعجز عن توطين أدوات سياسية طبيعية لتسوية الخلافات.

وفاة العبسي الغامضة تذكّر بكيف كانت الاغتيالات حاضرة على الدوام وبكثافة في تاريخ البلاد الحديث، وأنه تمّ التواطؤ على استخدامها ومنحها شرعية صامتة، حيث لم يتم أبداً تحميل مسؤولية صريحة للجهات القائمة عليها أو محاسبتها

تفاقم حضور الاغتيال في الحياة اليومية للمواطنين من نهاية عقد السبعينات وحتى بداية الثمانينات من القرن الماضي، أثناء المواجهات بين “الجبهة الوطنية اليسارية” (المتشكلة في 1976 من اتحاد خمس قوى يسارية، والنشطة في المنطقة الوسطى من البلاد، أي تعز وإب ومحيطهما)، ونظام الحكم في صنعاء، وسقط بسببه الكثير من كوادر ورموز الجهتين، ليصبح أحد أوراق النزاع العنيفة الأكثر أهمية في الصراع السياسي في الشمال، والذي تقف خلفه لعبة “كسر العظم” بين النظامين في الجنوب وفي الشمال. أمكن تحقيق تهدئة مؤقتة في هذا النزاع المسلح، مع استحضار متقطّع للاغتيال، بعد وصول صيغة أقل راديكالية للحكم في الجنوب مثّلها الرئيس علي ناصر حينها، وأنجزت اتفاقاً سياسيّاً على التهدئة كان طرفيه الرئيسان ناصر وصالح.

 

الوحدة تنشط القتل

لم تُحدِث علانية العمل السياسي وتعدده بعد الوحدة عام 1990 تعطيلاً لهذه الأداة الدموية، باعتبار أن هناك ثقافة وأدوات سياسية سلمية جديدة يمكن أن يتم التراضي على ما تقره من تسوية للخلافات بين الخصوم السياسيين. فلم يتعدَ الأمر عامين فقط حتى بدأ الاغتيال يحضر كحليف سياسي وورقة تفاوضية ضاغطة تستخدم ضد الحزب الاشتراكي والشخصيات الوطنية المستقلة. ابتدأ الأمر بمحاولة اغتيال عمر الجاوي (مؤسس وأمين عام حزب “التجمع الوحدوي اليمني”) التي سقط فيها رفيقه المهندس حسن الحريبي “أول شهيد للديمقراطية” وفق الوصف التي أطلق عليه حينها، ليعصف الاغتيال بعدها بقائمة طويلة من القيادات الاشتراكية. تطور الحال وقتها نحو تعطيل كامل للخيار السياسي السلمي، واستخدم العنف كحل حاسم بالنسبة للشريك الشمالي في الوحدة، تجلّى في الحرب الدموية التي قادها ضد الجنوب معتمداً على تعبئة حقيقيه ضد الشيوعيين والانفصاليين.

 


عبد الحبيب سالم

انتهى الأمر بانتصار علي عبد الله صالح في حرب 1994، وتكريس السلطة بأكملها ضمن “الأسرة” والتحالفات القبلية العسكرية التي يعتمد عليها. فانتهت الحاجة للاغتيال من قبل القائمين عليه باستمرار بعد الوحدة، كون السلطة استقرّت تماماً بصيغة ملائمة بيد طالبها، ولم تعد هناك قوىً تشكّل تهديداً فعلياً له.
لكنّ مسار السياسة لم يمضِ باتجاه ذلك التقدير، فتمّ اغتيال جار الله عمر بشكل علني وبشكل مرعب كما أسلفنا، وبطريقة بدت كوسيلة ترويع للآخرين، علاوة على كونها تتضمن إزاحة خصم يبدو أنّه كان يسير بالقوى السياسيّة في اليمن نحو إنجاز تحالفات جديدة خارج الاصطفافات القديمة، ويستخدم أدوات مختلفة، ويستطيع استثمار اللحظة السياسية والظروف العامة بشكل ديناميكي وفعّال يمكن أن يهدد استقرار السلطة المريح منذ صيف 1994.

 

الإسلاميون والعنف

علاقة الإسلاميين بالعنف العام في اليمن متينة تماماً، وهي قائمة منذ تشكلهم كقوة سياسية رئيسة في البلاد تعتمد إيديولوجيتها على وجود نقيض مستمر، “علماني”، وتتعرف على كينونتها بإنكاره كلياً. وبحكم اعتماد النظام في الشمال على أداتهم الإيديولوجية والتنظيمية التعبوية بشكل ناجح في الصراع مع الإيديولوجية الماركسية التي كانت خصماً قوياً له قبل الوحدة، دخل الإسلاميون إلى جانب النظام في الصّراع المسلّح العنيف مع الجبهة عبر صيغة المعاهد الإسلامية في تلك المرحلة، علاوة على شراكتهم في منظومة إقليمية تموّلها السعودية، وبإدارة أمريكية، وموافقة رسمية على تغذية “العمليات الجهادية” في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي “الكافر”.

هناك حوادث اغتيال متعدّدة في عدن ضد كوادر أمنية لكونها في التعريف الجهادي “مرتدة”، وتصفية شباب ذوي أفكار متحررة في النقاش الديني مثل محمد باطويل في عدن وابن الوزير في تعز، اعتماداَ على هذا التعبئة الدينية

عقب الوحدة عمل الإسلاميون عبر “التجمع اليمني للإصلاح” على تعبئة المجتمع ضد “الاشتراكي”، وكان خطابهم العام واليومي يعمل على نزع حق الاشتراكيين في الحياة عبر توصيفهم المستمر بأعداء الدين، وهو ما شكّل تبريراً دينياً ضمنياً لموجة الاغتيالات التي طاولتهم حينها. الصيغة الدينية التعبوية ضد الاشتراكي لم تنتهِ فعاليتها بسقوط التحالف بين المؤتمر والإصلاح، ومقدرة جار الله عمر على هندسة تجربة سياسية فريدة اسمها “المشترك”، استطاعت أن تضع حداً للصراع المرير بين الإصلاح والاشتراكي، لتنشئ تحالفاً جديداً في الحياة السياسية اليمنية شكّل تهديداً حقيقياً لاحتكار السلطة، وهو حدث كان دور جار الله البارز وفق التقدير العام أحد أسباب القرار الضمني باغتياله.

 


جار الله عمر

امتدّت فعالية هذه التعبئة لاحقاً في وعي كثير من الإسلاميين الجهاديين الذين لم يتم إنكار “كفر” الاشتراكيين أمامهم من قبل شيوخهم، وهي تعبئة دينية متطرفة ومسكوت عنها، تتيح القتل وتقر الاغتيال وتصفية المختلف، وما زالت تتغذى على قواعد متشددة تتم رعايتها وتوظيفها رسمياً، وأبرزها معاهد السلفيين و”جامعة الإيمان”.
اغتيال جار الله عمر حدث على يد إسلاميٍّ متطرف. ولكن هذا الفعل الدموي لم يكن معزولاً ضمن دافعه الجهادي فقط، ولم يحدث أن اقتنع أحد ببراءة الأمر من الامتداد الأمني فيه، وإن كان يمكن التأكيد مرة أخرى على كون التعبئة الدينية الحماسية التي نهض بها سابقاً حزب الإصلاح ضد الاشتراكيين، والتي تكررت عقب الحرب أيضاً وامتدت حتى الآن عبر رموز إسلاميين (مثل الزنداني، والذارحي، والتاج، وغيرهم) على المثقفين والصحفيين والنخب الليبرالية الجديدة في اليمن، برعاية رسمية وأمنية ضمنية، أسهمت بشكل كامل في هذه الواقعة الدموية التي ذهب ضحيتها جار الله، على الرغم من أنّها أتت متأخرة قياساً لفترة الذروة في اغتيالات ما بعد الوحدة التي حدثت بين عامي 1992 و1993. ويمكن بالتأكيد لهذه التعبئة وللتحريض الديني المستمرين أن يستخدما لاحقاً في تسويغ أي قتل واغتيال، ما دام جذرها المتطرف يتلقى تغذية مستمرة.

علاقة الإسلاميين بالعنف العام في اليمن متينة تماماً، وهي قائمة منذ تشكلهم كقوة سياسية رئيسة في البلاد تعتمد إيديولوجيتها على وجود نقيض مستمر، “علماني”، وتتعرف على كينونتها بإنكاره كلي

وتتكرر أشكال التعبئة الدينية الآن، مضافاً لها أبعاد طائفية في إطار الحرب الحالية المستعرة في اليمن، ضمن تعريفات استئصاليه متبادَله تمهد للتصفية. فكلّ الجماعات الإسلامية تركن لها بسهولة، مثل الإخوان والسلفيين والحوثيين، علاوة على المتطرفين الصريحين في القاعدة وداعش. وهناك حوادث اغتيال متعددة في عدن ضد كوادر أمنية لكونها في التعريف الجهادي “مرتدة”، وتصفية شباب ذوي أفكار متحررة في النقاش الديني مثل محمد باطويل في عدن وابن الوزير في تعز، اعتماداَ على هذا التعبئة الدينية.
لم يستنفذ الاغتيال بعد.

تلقى الناس وفاة الكثير من الشخصيات العامة القوية التي صنفت بالاستقلالية السياسية في علاقتها بالسلطة، أو عملت في إطار قوي على معارضة سياستها، بكونها تصفية من نوع ما، وإن لم تأخذ شكل الاغتيال العلني، إلّا أنّ التّقدير كان دوماً ينسب الحوادث المرورية مثلاً إلى مؤامرة من نوع ما، واعتبارها عملاً مقصوداً على الأرجح، (مثل تلك الحادثة التي أودت بحياة اللواء يحيى المتوكل، والحوادث التي أودت بآخرين)، ويرى في أزمة صحية طارئة تودي بحياة فرد بكونها تسميماً مثلا، حيث تمّ تلقّي الوفاة المفاجئة للصحافي والبرلماني عبد الحبيب سالم في هذا السياق، وصولاً إلى الوفاة المفاجئة ايضاً للصحافي الاستقصائي البارز محمد عبده العبسي، ليمتد الحديث عن الاغتيال باستمرار على شاكلة شائعات وظنون تترافق مع أيّ حادثة تؤدي لوفاة أحد هذه الشخصيات العامة.
المناخ العام في اليمن لم يستبعد الاغتيال أبداً، بل هو يرجحه باستمرار ويستند في ذلك إلى الحقائق والظنون، باعتبار أنّ صيغة السياسة في البلد ما زالت تستمد أدواتها من الذهنية القديمة نفسها، ذات الهوى الأمني والخيارات العنيفة، التي أدارت البلد باستمرار.

 
ابراهيم الحمدي


* كاتب وباحث من اليمن، مدير مركز صنعاء للدراسات