مجاعة محتملة ولا بنك مركزي فعال يحمي الريال اليمني

مجاعة محتملة ولا بنك مركزي فعال يحمي الريال اليمني

افتتاحية مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

أكبر خطر يواجه ملايين اليمنيين اليوم ليس قسوة الحرب، بل تفاقم انهيار العملة المحلية التي أفرزتها هذه الحرب. بعبارة أخرى، في حين تؤذي الرصاصات والقنابل الأفراد المعرضين لها، فإن انهيار العملة – في بلد يعتمد بشكل كبير على الواردات – جعل من الصعب على أغلب اليمنيين الحصول على احتياجاتهم من الغذاء. لم تكن هذه الأزمة قدرا محتوما بل كانت من صنع الإنسان.

بحلول نهاية سبتمبر / أيلول 2018، انخفض الريال اليمني إلى ما يقارب ربع قيمته بالمقارنة عما كان عليه عند بدء احتدام النزاع المسلح في مارس / آذار 2015 – متراجعا من 225 ريال للدولار الواحد إلى 760 ريال خلال هذه الفترة. وقد تسارع هذا التدهور مؤخراً، حيث انخفض سعر صرف الريال بنسبة 40% أمام بالدولار بين شهري أغسطس / آب وسبتمبر / أيلول فقط.

وقد ارتفعت أسعار كل السلع ، وبحلول منتصف سبتمبر / أيلول، أخذت أزمة الوقود تتفاقم في جميع أنحاء اليمن. أﻓﺎدت اﻷﻣم اﻟﻣﺗﺣدة ﺑﻌد ذﻟك ﺑﺄﻧﮫ ﻣن اﻟﻣﺣﺗﻣل أن ﯾﺣﺗﺎج 3.5 ﻣﻟﯾون ﺷﺧص يمني إﻟﯽ ﻣﺳﺎﻋدات ﻏذاﺋﯾﺔ طﺎرﺋﺔ، ﻣﻣﺎ ﯾﺟﻌل إجمالي ﻋدد اﻟﯾﻣﻧﯾﯾن اﻟذﯾن ﯾواﺟﮭون المجاعة يرتفع إﻟﯽ ﻣﺎ ﯾﻘﺎرب 12 ﻣﻟﯾون ﺷﺧص. ولم يكن السبب عدم توفر الغذاء، بل عدم قدرة الناس على شرائه. هذه مشكلة يمكن حلها في حال توفرت الإرادة اللازمة للقيام بذلك.

أولاً، يجب العمل على إعادة تفعيل البنك المركزي اليمني. إن قرار الحكومة اليمنية المعترف به دولياً في سبتمبر / أيلول 2016 بنقل مقر البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن أدى لإنشاء بنكَين مركزين أحدهما بصنعاء والآخر بعدن. وبينما يعمل كل منهما بشكل مستقل عن الآخر على طرفي جبهات الحرب، لم يتمكن أي من هذين البنكين المنقسمين من إدارة العملة أو الاقتصاد بشكل فعال. لإعادة توحيد البنك المركزي أو تفعيله في حالة فشل التوحيد ليتمكن من تأدية وظائفه بشكل مستقل بعيدا عن تدخلات الأطراف المتصارعة، يجب ممارسة ضغوط متعددة الجوانب على كل من الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين المسلحة لكي يسمحوا بحدوث هذا الأمر. لقد أصبح خفض حدة التصعيد الاقتصادي للنزاع اليمني على رأس أولويات الأمم المتحدة، بحسب تصريح مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن مارتن غريفيث الذي أكد أن إعادة توحيد البنك المركزي اليمني يمثل المحور الرئيسي لهذه الجهود.

ثانياً، يجب على المجتمع الدولي – ولا سيما دول الخليج العربية مثل السعودية والإمارات اللتان تشكلان طرفاً أساسياً في الحرب اليمنية – تزويد البنك اليمني بالموارد المالية اللازمة لمعالجة أزمة شحة العملة الأجنبية في السوق اليمني. فرغم أن السعودية أودعت ملياري دولار في البنك المركزي اليمني بعدن بداية العام الجاري بهدف دعم قيمة الريال، إلا أن الشروط التي وضعتها الرياض على استخدام البنك المركزي اليمني لهذه الوديعة والقيود التي وضعها البنك المركزي اليمني بعدن على صرفها، حدت بشدة من تأثير تلك الوديعة على استقرار الريال اليمني. ولا يزال مبلغ الوديعة غير كاف على الأرجح، وفقاً لمحافظ البنك المركزي اليمني السابق محمد بن همام، الذي ناقش أزمة العملة مع مركز صنعاء في سبتمبر / أيلول الماضي.

ولو تذكرنا أن دول الخليج المجاورة عرضت هذا الشهر على البحرين دعماً مالياً بقيمة 10 مليارات دولار، وفي شهر أغسطس / آب قامت قطر بإقراض تركيا 15 مليار دولار لإنقاذ الليرة التركية من الانهيار. لا تواجه أي من هاتين الدولتين مجاعة جماعية، بينما قد يساهم جزء صغير من هذه المساعدات في إنقاذ ملايين الأرواح في اليمن. وغني عن القول أن جزءاً ضئيلاً من مليارات الدولارات التي أنفقها التحالف في حملته العسكرية على اليمن منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف قد ينهي أزمة الغذاء التي تشهدها البلاد.

يجب على السعودية أيضاً التوقف عن الترحيل الإجباري الذي طال الآلاف من العمالة اليمنية كجزء من حملتها لسعودة سوق العمل. فمنذ أن توقفت صادرات اليمن من النفط والغاز في مارس / آذار 2015، تمثل تحويلات المغتربين اليمنيين أكبر مصدر للعملة الأجنبية المتدفقة للبلاد، التي يأتي معظمها من السعودية. إن الكارثة الإنسانية في اليمن تتفاقم أكثر مع كل عامل يجبر على العودة إلى دياره من سوق العمل السعودي.

بالوقت نفسه، على الحكومة اليمنية التوقف عن تغطية الفجوة التمويلية في عجز الموازنة العامة للدولة عن طريق الإصدار النقدي الجديد . إن زيادة حجم النقد المتداول بالسوق بهذه الطريقة سينتج عنه المزيد من التدهور في قيمة الريال. وبدلاً من ذلك، يجب بذل كل الجهود لاستعادة إنتاج النفط والغاز اليمني بطاقته الإنتاجية القصوى – وقد كان في السابق أهم مصادر العملة الأجنبية والإيرادات الحكومية في البلاد. وحتى ذلك الحين، يتوجب على دول الخليج المساعدة في توفير موارد العملة الصعبة لتغطية فاتورة الإنفاق الحكومي للحكومة اليمنية. وفي الوقت نفسه، يتعين على رئيس الوزراء اليمني المعين حديثاً معين عبد الملك تفعيل آليات الشفافية، ووضع حد لدعاوى الفساد التي تواجهها حكومته، والحد من الإنفاق الباهظ لكبار المسؤولين.

في أيلول / سبتمبر، أعلن البنك المركزي اليمني الذي يتخذ من عدن مقراً له أنه سيعجّل بعملية الترخيص لتجار الوقود والسلع الراغبين بتمويل وارداتهم، وهي وسيلة البنك المركزي الأساسية للتأثير على سوق العملات. كما ذكر أنه سيعمل مع البنوك اليمنية ومكاتب الصرافة لتنظيم سوق العملات وحماية الريال. ومع ذلك، ونظراً إلى أن معظم اللاعبين الماليين في اليمن تقريباً يتركزون في صنعاء، فإن تأثير البنك المركزي اليمني في عدن لدعم استقرار العملة المحلية يبقى محدوداً. وبالتالي، بغض النظر عن النوايا الحسنة للخطط التي يتبناها البنك المركزي اليمني بعدن لحماية الريال، فمن المرجح أن تكون غير فعالة.

إن أزمة اليمن الإنسانية هي في الواقع أزمة اقتصادية، وأزمة ناجمة عن قرارات متعمدة لأصحاب المصلحة المتورطين في النزاع. هؤلاء لديهم وسيلة لإنهاء الأزمة، وفي حال تقاعسوا عن ذلك، فإنهم مسؤولون عن المجاعة الجماعية التي ستتسع دائرتها نتيجة السياسات الحكومية الخاطئة.

لمزيد من التفاصيل، يرجى مراجعة تقرير اليمن – سبتمبر / أيلول 2018.