الجيد والسيء في اتفاق السلام الجديد في اليمن

الجيد والسيء في اتفاق السلام الجديد في اليمن

أسامة الروحاني

مثل اتفاق استكهولم اختراقاً ضرورياً للغاية بشأن اليمن، لكن هناك عدة مسائل أساسية تستحق النقاش بشأن بعض البنود الواردة فيه.

بعد أكثر من عامين على انهيار محادثات الكويت بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين المسلحة، جلس الطرفان المتحاربان أخيراً في جولة أخرى من المحادثات. 

تمكن مارتن غريفيث المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، من جمع الطرفين معاً على طاولة المحادثات في ريمبو بالسويد لمدة أسبوع، وقد نتج عن ذلك الإعلان عن اتفاق مثل اختراقاً في عملية السلام. 

تضمن الاتفاق المعلن ثلاثة بنود: وقف إطلاق النار على طول جبهة الحديدة، شاملا إعادة انتشار القوات المسلحة خارج المدينة ومينائها؛ واتفاق بشأن تبادل السجناء والأسرى؛ وبيان تفاهم بشأن مدينة تعز اليمنية. 

بالنسبة لـ12 مليون يمني على أعتاب المجاعة وبالنسبة للبلد ككل، كانت تلك خطوة إيجابية نحو السلام، ومع ذلك يجب الاعتراف بأن الاتفاق ينطوي على قيود أساسية ويجب بذل الكثير من الجهد لضمان تنفيذه.

يعتبر وقف إطلاق النار تطوراً هاماً نظراً إلى أن ميناء الحديدة هو نقطة دخول معظم الواردات الغذائية والسلع التجارية والمساعدات الإنسانية إلى اليمن، وتعتمد البلاد حالياً على الواردات بنسبة حوالي 90% من احتياجاتها الغذائية والسلع الأساسية.

هذه أيضاً المرة الأولى التي وافق فيها الحوثيون على الانسحاب من أحد الخطوط الأمامية الأكثر أهمية في النزاع، وهذا يجعل الاتفاق يبدو “جيدا إلى حد كبير”، لكن هناك عدة نقاط في الاتفاق مكتوبة بطريقة غامضة ومفتوحة لتفسيرات مختلفة من قبل الأطراف المتحاربة.

على سبيل المثال، يتحدث الاتفاق عن “إعادة انتشار متبادل للقوات من مدينة الحديدة وموانئ الحديدة وصليف ورأس عيسى”؛ الحوثيون يفسرون ذلك على أنه إزالة للوجود العسكري وليس انسحابا، بينما يعتقد الطرف الآخر أن على الحوثيين الانسحاب التام، أي أن هذه ستكون نقطة خلاف رئيسية في الأشهر القادمة.

علاوة على ذلك، فإن الجدول الزمني للتنفيذ ضيق بشكل غير معقول، فقد تم الاتفاق على تسليم الموانئ خلال 14 يوماً من الاتفاق (31 ديسمبر / كانون الأول) للشرطة والسلطات المحلية والمدينة – في غضون ثلاثة أسابيع (7 يناير/ كانون الثاني 2019)، وقد لا يكون هذا الوقت كافياً للحوثيين لينسحبوا، كما أن من غير الواضح من هي السلطة التي من المفترض أن يقوموا بتسليم المدينة إليها.

التحدي الآخر هو أن قوات الحوثيين قد ثبتت مواقعها في الحديدة، وحتى إذا خرجت قوات الحوثي العسكرية من المدينة، فإن تسليم السلطة لن يتحقق على الفور لأن قوات الأمن المحلية – مثل الشرطة – أصبحت مليئة بالمتعاطفين مع الحوثي، وسيكون تفكيك هذه الشبكات غير الرسمية لإعادة توازن السلطة المدنية صعباً ويحتاج إلى مقاربة حذرة. 

بموجب اتفاق استكهولم، سيتم تكليف لجنة تنسيق إعادة الانتشار بمناقشة مثل هذه القضايا، تتألف اللجنة من ممثلين للطرفين المتحاربين ويرأسها مسؤولو الأمم المتحدة، وعلى المجتمع الدولي أن يراقب عن كثب عمل هذه اللجنة للحد من تأثير مفسدي السلام وتعزيز سلطة الأمم المتحدة وقدرتها على الدفع نحو تحقيق الخطوات الملموسة اللازمة لتنفيذ الاتفاق.

بيان التفاهم بشأن تعز أيضاً مهم جدا، والموافقة على آلية تنفيذية لتبادل سجناء أساسي لبناء الثقة بين الطرفين. سيحدث الإفراج عن السجناء فرقاً لآلاف العائلات اليمنية، نظراً لأن معظم المعتقلين لدى الحوثيين هم مدنيون مسجونون بلا مبرر واضح. 

إن إحراز تقدم في تعز أمر حاسم، لكن البند الوارد في الاتفاق الذي يدعو إلى تشكيل لجنة مشتركة من طرفي النزاع والمجتمع المدني اليمني لتحديد آليات العمل للمشاورات المقبلة، لم يؤد في الواقع إلى أي إجراء حقيقي على الأرض على الأقل حتى الآن.

الجانب السلبي الرئيسي الآخر في مشاورات استكهولم، هو أنها فشلت في التوصل إلى اتفاق حول قضيتين رئيسيتين: إعادة فتح مطار صنعاء الدولي؛ وإعادة توحيد البنك المركزي اليمني، والمقسوم بين طرفي النزاع منذ سبتمبر / أيلول 2016. 

كانت هاتان القضيتان – إلى جانب تبادل السجناء – محوريتين في جدول الأعمال الأولي لمحادثات السلام في السويد، وكان من شأن التوصل إلى اتفاق بشأنهما أن ينعكس مباشرة على كل من الأزمتين الاقتصادية والإنسانية في اليمن لكن ذلك لم يحدث. على النقيض من ذلك، وفي اليوم الأخير من المحادثات تم التوصل إلى اتفاق مثل أهم نتائج المشاورات – أي النتيجة المتعلقة بالحديدة – وهي قضية كانت أيضا موجودة على جدول الأعمال الأصلي. 

كيف جاء الاتفاق؟

إن نجاح المشاورات – مهما بدا جزئياً – ما كان ليحدث لو لم يدفع المجتمع الدولي باتجاه ذلك، جاء ذلك في أعقاب سنوات من التقاعس والانعدام الواضح للإرادة السياسية على المستوى الدولي للدفع باتجاه حل للنزاع في اليمن، فظلت الحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتم الإعلان من قبل الأمم المتحدة عن أكبر أزمة إنسانية في العالم تشهدها اليمن.

في سبتمبر / أيلول، عندما حاول مبعوث الأمم المتحدة غريفيث جلب المتحاربين إلى جنيف، لكنه فشل في ذلك، لماذا وكيف نجح في ديسمبر / كانون الأول إذن ؟ 

يبدو أن أحد الأسباب الرئيسية تمثل في قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في اسطنبول أوائل أكتوبر / تشرين الأول، دفعت تلك القضية العديد من الحكومات الغربية لتغيير موقفها من الرياض ومن تدخل الأخيرة في اليمن.

قبل قضية خاشقجي، تمثلت الحسابات في العواصم الغربية قبل أية اعتبارات إنسانية، في العقود التجارية مع السعودية والإمارات – والأخيرة هي أكبر شريك للرياض في التحالف العسكري المنخرط في حرب اليمن، ومع انتشار الهوس الإعلامي العالمي بمقتل خاشقجي، جر ذلك إلى الاهتمام بالحملة العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وبالتالي أصبح استمرار الدعم الغربي للرياض وأبو ظبي أقل استساغة في الداخل الغربي بالنسبة للعديد من السياسيين.

الأهم من ذلك أن أكبر داعمي التحالف، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، دعوا إلى وقف إطلاق النار في اليمن، وبعدها، أنهت الولايات المتحدة أيضاً مساعداتها بإعادة تزويد طائرات التحالف بالوقود أثناء طلعاتها في اليمن، وكان المشرعون الأمريكيون يدفعون بقوة لسحب كل الدعم العسكري للتحالف السعودي.

لقد غيرت الولايات المتحدة، وأكثر منها المملكة المتحدة، موقفها بشكل كبير، رغم دورهما السابق في إعاقة أي قرار جديد لمجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، وبدأت لندن على وجه الخصوص بلعب دور إيجابي لإنهاء النزاع، حيث قامت البعثة البريطانية في مجلس الأمن الدولي بصياغة قرار أممي جديد يدعو إلى وقف إطلاق النار في الحديدة وضمان المرور الآمن للغذاء والدواء، كما حضر وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت محادثات السلام في السويد. 

للمضي قدماً، يحتاج المجتمع الدولي إلى الاستفادة من الزخم الحالي، فهذا يعني الاستمرار في الضغط على النظام السعودي لإنهاء النزاع، مع تجنب إضفاء الشرعية ضمنياً على السيطرة الحوثية المسلحة على مناطق شمال اليمن، فخلال أية مفاوضات مستقبلية يجب إثارة ومعالجة مسألة الاضطهاد الحوثي للسكان واختلاسهم من عائدات الدولة لتمويل جهودهم الحربية. 

لطالما اتسم الخطاب الدولي حول الحرب في اليمن بالتبسيط المفرط في كثير من الأحيان، وبالفشل المستمر في استيعاب التعقيدات المتأصلة للنزاع على الأرض، ولضمان واستدامة السلام في اليمن، يجب أن تخدم اتفاقات السلام مصالح اليمنيين وتعكس ديناميكياتهم وهياكلهم المحلية، وبهذا المعنى، يجب اعتبار اتفاق استكهولم بداية جيدة، لكن العمل الشاق لضمان السلام في اليمن بالكاد بدأ.