حدود القوة العسكرية الأميركية في اليمن: كيف تواصل القاعدة الازدهار؟

فارع المسلمي & آدم بارون


ملخص تنفيذي

على غرار جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في اليمن في ظل الرئيس باراك أوباما، أظهرت إدارة البيت الأبيض الجديدة برئاسة دونالد ترامب رغبة ضئيلة باستكشاف خيارات سياسة غير عسكرية تسند القوة النارية الأميركية في اليمن. في الواقع، بعد فترة وجيزة من توليه منصبه، أذن الرئيس ترامب بتصعيد ضربات الطائرات بدون طيار وعمليات القوات الخاصة في اليمن. كما أن اقتراح ميزانية العام 2017 للكونغرس انطوى على تخفيضات كبيرة في الإنفاق الدبلوماسي والإنساني الأميركي، في حين أعلنت الأمم المتحدة في شهر فبراير المنصرم أن اليمن يواجه أكبر حالة طوارئ على مستوى الأمن الغذائي في العالم. هذا التركيز القصير النظر على الخيار العسكري في المعركة ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يدل على سوء فهم لأسباب التوسع الناجح لتنظيم القاعدة في اليمن، رغم مرور أكثر من عقد على بداية الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب في البلاد.

من بين أهم نقاط القوة لدى القاعدة استيعاب أعضائها للسياق التاريخي والديناميكيات الاجتماعية-السياسية والقبلية والأمنية والاقتصادية المؤثرة، حيث تغرس المجموعة وجودها في صلب كل ذلك؛ يسمح هذا للتنظيم بتفصيل تكتيكاته وبالاستفادة من الظروف المحلية لتوسيع قاعدته الشعبية وقدراته العملياتية، ولاستيعاب الخسائر. ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن، استغل التنظيم الاستقطاب الطائفي، وانهيار الدولة والمؤسسات الأمنية، والأزمة الإنسانية الكارثية، ليصبح في نهاية المطاف أكثر قوة من أي وقت مضى.

يتحتم على الإدارة الأميركية الجديدة، وهي تصوغ سياسات مكافحة الإرهاب في اليمن، أن تدرك أن الاعتماد الحصري على القوة العسكرية سيخفق بشكل شبه مؤكد في هزيمة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. بل من الأرجح أن تكون له نتائج عكسية، نظراً للضحايا المدنيين الذين ستسفر عنهم التدخلات العسكرية الرعناء والصلفة بالضرورة، ونظراً لإمكانية استغلال القاعدة هؤلاء الضحايا في جهود التجنيد والدعاية. لكي تنجح المعركة ضد تنظيم القاعدة ينبغي أن تكون متعددة الأوجه، وأن تشمل تعزيز الحكم المحلي ذي الكفاءة، وتحسين فرص الحصول على الخدمات الأساسية، وإنشاء آليات قضائية أكثر عدلاً، وتأسيس قوات أمن محلية فعالة.

والأهم من ذلك، لا يمكن مقاربة الإرهاب في اليمن بمعزل عن الحرب الأهلية الجارية في البلاد والأزمة الإنسانية الكارثية – ما دامت هذه الأجواء في ازدهار سيبقى تنظيم القاعدة في ازدهار.

تقدم هذه الورقة عرضا لظهور تنظيم القاعدة في اليمن، خاصة سبل تكيّفه وغرس وجوده ضمن النسيج الاجتماعي للمحافظات اليمنية الثلاث التي ركّزت عليها جهود مكافحة الإرهاب الأميركية مؤخراً: البيضاء وأبين وشبوة.

 

لمحة موجزة عن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب

اليمن هو موطن أجداد أسامة بن لادن، وقد كان للبلاد ظهور متواتر ضمن مخططات مؤسس تنظيم القاعدة للجهاد العالمي. قام المجاهدون العائدون إلى اليمن من أفغانستان، في أعقاب الحرب ضد الروس في الثمانينيات، بدور رئيسي في كسر القوات الجنوبية في الحرب الأهلية في اليمن عام 1994. وتولى العديد من هؤلاء تأسيس سلسلة من المجموعات الإسلامية المتطرفة التي أخذت تنفذ هجمات ضد الأهداف المحلية والغربية في اليمن، وكان أبرزها التفجير الذي استهدف المدمرة الأميركية يو إس إس كول في ميناء عدن عام 2000، والذي أسفر عن مقتل 17 بحاراً أميركياً وجرح 39 آخرين.

إلا أن هذه الجماعات الجهادية انتظرت حتى 2009 لكي تتماسك عملياً وهيكلياً بشكل فاعل، وقد حدث ذلك باندماج فرعي تنظيم القاعدة اليمني والسعودي، حيث أعلنا بصورة علنية ظهور الكيان الجديد «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب». وكان زعيم المشروع المشترك الجديد ناصر الوحيشي - وقد فر من أفغانستان عائداً إلى اليمن في 2001 - وقبض عليه حينها في إيران قبل أن يعاد إلى اليمن ويفرّ من سجنه في اليمن عام 2006 بعدما كان سكرتيرا لأسامة بن لادن سابقاً. وكان نائبه سعيد الشهري، وهو سعودي اعتقلته الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001 ونقلته إلى غوانتانامو في كوبا، قبل أن تعيده إلى المملكة العربية السعودية عام 2007، قد سافر إلى اليمن وانضم إلى تنظيم القاعدة بعد إطلاق سراحه من برنامج إعادة التأهيل في السعودية.

ولم يلبث التنظيم أن بدأ شن هجمات بلقبه الجديد ( تنظيم القاعدة في جزيرة العرب)، حيث توسعت قدرته على ضرب الأهداف الأجنبية والمحلية داخل وخارج اليمن. ومن بين العمليات المنسوبة إلى القاعدة خارج اليمن المحاولة الفاشلة في عيد الميلاد 2009، حين فشل عمر فاروق عبد المطلب في تفجير رحلة خطوط نورث ويست أثناء هبوطها في ديترويت، بالإضافة لحادثة يناير/كانون الثاني 2015 حين هاجم مسلحون مكتب مجلة شارلي إيبدو في باريس، مخلفين 12 قتيلاً وجريحاً واحداً. وقد اكتسب فرع القاعدة هذا مكانة بارزة بالترويج لنفسه عبر وسائل إعلام ناطقة بالإنجليزية: كان الداعية اليمني المتطرف أنور العولقي ينشر خطب الفيديو على الإنترنت بانتظام، متحدثاً الإنجليزية بطلاقة ومشجعاً على مهاجمة أهداف مدنية في البلدان الغربية، في الوقت الذي كان يساعد فيه على تأسيس مجلة إنسباير، وهي مجلة شبه منتظمة تصدر على الإنترنت باللغة الإنجليزية منذ 2010.

وقد استغل التنظيم في السنوات الأخيرة اشتداد الاستقطاب في المجتمع اليمني وانحسار سلطة الدولة اليمنية والأجهزة الأمنية، كما حصل على موارد مالية هائلة أثناء سيطرته على مدينة المكلا الساحلية بين نيسان/أبريل 2015 ونيسان/أبريل 2016، حيث أصبح التنظيم وفصيله اليمني التابع له (أنصار الشريعة) أقوى وأثرى من أي وقت مضى. للتنظيمين اليوم وجود نشيط في 11 محافظة يمنية على الأقل، وهما يقومان بهجمات مستمرة على القوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية، وعلى حركة الحوثيين المتمردة وحلفائها، فضلاً عن استهداف قادة القبائل الذين يعارضونهما. كما تفاخر القاعدة في شبه الجزيرة العربية على وسائل إعلامها بمواصلتها التخطيط لهجمات في الدول الغربية.

 

استمرار السياسة الأميركية لمكافحة الإرهاب

بدأت الطائرات بدون طيار الأميركية الصنع وغيرها من تكتيكات مكافحة الإرهاب الغربية، منذ عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، مع زيادة كبيرة في تواتر هجمات الطائرات بدون طيار في زمن إدارة أوباما. وقد نجحت هذه الهجمات في قتل كل من أنور العولقي والمواطن الأميركي سمير خان، رئيس تحرير مجلة إنسباير، وذلك في غارة لطائرة بدون طيار في محافظة الجوف اليمنية في سبتمبر/أيلول 2011، في حين قتل الشهري والوحيشي في غارتين عامي 2013 و2015 على التوالي. بيد أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أظهر مرونة عملياتية، فأعاد تجميع قواه وتمكن من الوقوف على قدميه رغم هذه الخسائر.

وفي ظل إدارة أوباما، احتلت محافظات أبين والبيضاء وشبوة المراكز الرئيسية في بنك أهداف العمليات العسكرية الأميركية ضد القاعدة في اليمن؛ وبقيت هذه المحافظات أهدافاً رئيسية في ظل الرئيس ترامب. وفي الواقع فقد افتتحت إدارة ترامب نشاطاتها المكافحة للإرهاب في جمعة توليه المنصب، واستمرت طوال يومين في سلسلة ضربات صاروخية ضد أهداف يشتبه في أنها لتنظيم القاعدة في محافظة البيضاء.

وبعد فترة وجيزة من دخوله البيت الأبيض، أذن الرئيس ترامب للبنتاغون بتصنيف مناطق في اليمن على أنها مناطق «أعمال عدائية نشطة». وكانت إدارة أوباما، في أيار/مايو 2013، قد قيّدت استخدام الجيش للقوة إلا في العمليات التي فيها «شبه اليقين» أنها لن تقتل أي مدني. وقد طلب البنتاغون من ترامب أن يلغي هذا الحظر للسماح بإصابة المدنيين «ما دام ذلك ضرورياً ومتناسباً مع هدف عسكري مشروع»، حسبما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. وفي صباح 29 يناير/كانون الثاني، شنت القوات الخاصة الأميركية، تدعمها قوات إماراتية، غارة على قرية يكلا في محافظة البيضاء، ما أسفر عن مقتل 14 من أفراد التنظيم –ينتمي اثنان منهم إلى عائلة قبلية محلية ذات نفوذ– و25 مدنياً بينهم تسعة أطفال دون 13 عاماً. كذلك استمرت ضربات الطائرات بدون طيار وغيرها من العمليات الأميركية منذ ذلك الحين، وبلغ وابل النيران الذروة بين 2-6 مارس/آذار، عندما شهد اليمن كثافة نارية غير مسبوقة قدرت خلال أيام بنحو 40 غارة جوية أمريكية في محافظات البيضاء وشبوة وأبين.

لكن على غرار الجهود الأميركية في ظل إدارة أوباما، ما تزال إدارة ترامب تبدي رغبة ضئيلة باستكشاف خيارات لمكافحة الإرهاب تنطلق من تقليل الاستخدام المباشر للقوة. بالعكس، يقلص اقتراح الموازنة الأخير الذي قدمه الرئيس إلى الكونغرس من إنفاق المساعدات الخارجية الأميركية والجهود الدبلوماسية بمليارات الدولارات، في حين أعلنت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة في فبراير/شباط 2017 أن اليمن يواجه أكبر حالة طوارئ على مستوى الأمن الغذائي في العالم؛ هناك 10.3 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة إنسانية فورية من أجل «إنقاذ حياتهم والحفاظ عليها»، بينما يعاني نحو 3.3 مليون شخص، بينهم 2.1 مليون طفل، من «سوء تغذية حاد»، أو بعبارة أخرى من التضور جوعاً.

وبالنظر إلى حجم الكارثة في اليمن، فإن تركيز إدارة ترامب حصراً على الخيار العسكري ينطوي على قصر نظر وتجاهل تام للعوامل التي مكنت القاعدة في شبه الجزيرة العربية من التوسع في البلاد. إن لدى كوادر القاعدة وعي عملي عميق بالسياق التاريخي والديناميكيات (الاجتماعية-السياسية والقبلية والأمنية والاقتصادية) الموجودة في المناطق التي يغرسون فيها وجودهم. وقد سمح ذلك للتنظيم بتفصيل عملياته بشكل متكرر حسب الظروف الخاصة التي يواجها، متكيفاً مع هذه الظروف، ومستفيداً من الواقع المحلي، ومن الحرب الأهلية والأزمة الإنسانية، حيث تمكن من توسيع قاعدته الشعبية وزيادة قدرته العملياتية والتعافي من خسائره التكتيكية.

إن أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب هدفها طرد وكسر شوكة تنظيم القاعدة في اليمن ولا تأخذ في الحسبان التعقيدات المتأصلة في ساحة المعركة – ولا سيما في المناطق التي عززت فيها القاعدة من وجودها – ستخفق بشكل شبه مؤكد. فيما يلي نظرة عامة على الديناميكيات الاجتماعية-السياسية والقبلية والأمنية والاقتصادية الخاصة بالمحافظات اليمنية الثلاث (البيضاء وأبين وشبوة) التي برزت بشكل كبير ضمن عمليات مكافحة الإرهاب الأميركية في البلاد حتى الآن.

 

ثلاثة مراكز لنشاط القاعدة في شبه الجزيرة العربية

البيضاء

تقع محافظة البيضاء في القلب الاستراتيجي للبلاد، وهي واسطة العقد على خط الانقسام التاريخي بين شمال اليمن وجنوبه، كما أنها تتقاسم الحدود مع ثماني محافظات أخرى، فضلاً عن كونها نقطة التقاء بين مختلف المناطق القبلية. لذا برزت هذه المقاطعة في كثير من الصراعات اليمنية، سواء في الحرب الأهلية في الستينات أو في حركات التمرد اليسارية المشؤومة في السبعينات على حدودها وفيها. ورغم شهرة عدد من أبناء البيضاء في سياق «الجهاد العالمي» – وأبرزهم ناصر الوحيشي، الذي ينحدر من منطقة مكيراس في الجنوب – إلا أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بقي محدود الوجود والنشاط في البيضاء حتى السنوات الخمس الأخيرة.

بدأ هذا التغير بعد وفاة علي أحمد الذهب، كبير عائلة الذهب القوية من قبيلة قيفة، ومقرها منطقة قيفة شمال البيضاء. بعد وفاته أواخر عام 2010، نشب خلاف داخل آل الذهب حول خلافته ككبير للعائلة، ما أدى إلى نزاع مفرط ودموي بين أقارب العائلة الأوسع. ثم سعى الشيخ طارق الذهب (الوريث الواضح) مع أخويه قائد ونبيل، إلى مبايعة تنظيم القاعدة لكسب النفوذ ضد خصومهم. ومع أن هؤلاء الأخوة أقارب لأنور العولقي (بالمصاهرة) وأحد الأخوة (قائد) سبق وأن ألقي القبض عليه لمحاولته الذهاب إلى العراق للجهاد ضد القوات الأميركية، إلا أن تحالف عائلة الذهب مع القاعدة كان مدفوعاً بحسابات سياسية وتكتيكية أكثر منه لقناعات عقائدية ذات جذور إيديولوجية.

في يناير/كانون الثاني 2012، استولى مقاتلو القاعدة – بقيادة الشيخ طارق الذهب – على مدينة رداع شمال غرب المحافظة. وبينما ضمنت الوساطة القبلية في وقت لاحق من الشهر انسحاب مقاتلي القاعدة من رداع –بعد وقت قصير من مقتل طارق نفسه– استمر تواجد الجماعة المسلحة في البيضاء، وخاصة في المنطقة المحيطة بقيفة. وقد سهل ذلك إلى حد بعيد الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب الجيش اليمني، حيث انقسم إلى فصائل في أعقاب انتفاضة «الربيع العربي» عام 2011 – وهو ما أدى إلى تدهور الوضع الأمني الذي كان هدية لتنظيم القاعدة في العديد من مناطق اليمن. كما أن الهجمات العسكرية التي شنتها عناصر من الجيش اليمني في محافظة أبين الجنوبية، وخاصة في ربيع 2012، دفعت العديد من مقاتلي القاعدة للانسحاب شمالاً نحو محافظة البيضاء والمناطق المحيطة بقيفة.

لم يتمكن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من غرس نفسه في قلب النسيج الاجتماعي القبلي في أي مكان آخر في اليمن بهذا العمق الذي غرس به نفسه في البيضاء. وعبر مواصلة توسيع وتعزيز علاقاته مع كبار أفراد عائلة الذهب، تمكن التنظيم من تأسيس سردية مفادها أنهم قوة حماية للسكان المحليين؛ وقد اكتسب هذا التأطير قبولاً متزايداً حتى بين أولئك الذين لا يبدون تعاطفاً عقائدياً مع المجموعة. حاولت الحكومة اليمنية استعادة سيطرتها العسكرية على المنطقة –ولا سيما هجومها الواسع في يناير/كانون الثاني 2013– كما تستمر الطائرات بدون طيار الأميركية في إسقاط ضحايا مدنيين، ما يؤدي إلى تأجيج الغضب العام وإلى تعزيز جهود التجنيد ضمن القاعدة، حيث يسعى السكان المحليون الذين فقدوا أحباءهم للانضمام للجماعة المسلحة بداعي تحقيق العدالة والأخذ بالثأر.

بعد فترة وجيزة من سيطرة المتمردين الحوثيين والقوات المتحالفة مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح على العاصمة اليمنية صنعاء، في سبتمبر/أيلول 2014، توجهوا لغزو محافظة البيضاء واستولوا على رداع وأجزاء كبيرة من منطقة قيفة. وبينما قد يكون رحب بعض السكان بتطهير منطقتهم من تنظيم القاعدة، رأى آخرون في تقدم الحوثيين اعتداء عاماً على شعب وقبائل البيضاء، ما دفعهم لحمل السلاح ضد الحوثيين، غالباً جنباً إلى جنب مع مقاتلي القاعدة – هذا في حال لم ينضموا مباشرة إلى الجماعة أو إلى فصيل أنصار الشريعة التابع لها. ومع تجذر النبرة الطائفية في الصراع اليمني، بدأ ينتشر أكثر النظر إلى القاعدة على أنها أقل الشرين بالمقارنة مع الحوثيين. وقد عبر عن ذلك بشكل ضمني بيان لتنظيم القاعدة في أعقاب غارة القوات الخاصة الأميركية على يكلا في يناير/كانون الثاني من هذا العام وما تلاه من ضربات طائرات بدون طيار؛ فقد ادعت القاعدة أن العمليات العسكرية الأميركية تساعد القوات الحليفة للحوثيين، وأن إجبار القاعدة على الانسحاب من قيفة سيكون انتصاراً للحوثيين، حيث سيؤدي ذلك لسقوط مأرب وشبوة أيضاً؛ كما حث التنظيم جميع اليمنيين للانضمام إليه لمنع حدوث ذلك.

من المهم الإشارة إلى أن العضوية أو الانتماء إلى تنظيم القاعدة، على مستوى الشخصيات الاجتماعية والقبلية والدينية والميليشياوية في البيضاء، ليست مسألة متبلورة أو يمكن قياسها بالوضع الرسمي بل بالدرجات والظروف. بدا ذلك جلياً أثناء التعريف المتباين بقتلى العمليات العسكرية الأميركية الأخيرة: على سبيل المثال، عبد الرؤوف الذهب، وهو أحد أهداف الغارة التي شنّت في 29 يناير/كانون الثاني، ذكرته بعض الجهات في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على أنه من الحلفاء القبليين المهمين ضد الحوثيين، رغم علاقاته الطويلة الأمد بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وبينما عين الرئيس عبد ربه منصور هادي –رئيس الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً– نايف بن صالح بن سالم القيسي محافظاً (حتى اللحظة) للبيضاء  في ديسمبر/كانون الأول 2015؛ في مايو/أيار 2016 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن القيسي «إرهابي عالمي معين بشكل خاص»، كما وصفته بـ«المسؤول الكبير في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» و«الممول للقاعدة في جزيرة العرب». ولا يزال القيسي محافظاً للبيضاء حتى كتابة هذه السطور.

أبين

كانت أبين معروفة كمعقل لليسار الراديكالي قبل أن تصبح معقلاً للإسلام الراديكالي. كان للعديد من أبناء المحافظة أدوار قيادية في القوات الاشتراكية والماركسية التي قاتلت المشيخات والسلطنات المتحالفة مع بريطانيا في جنوب اليمن في الستينيات، ما أدى في نهاية المطاف إلى إنشاء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وشهدت أبين في البداية بروز العديد من أبنائها داخل إدارة الجمهورية، ولا سيما رئيسها الأسبق علي ناصر محمد وقبله الرئيس الأشهر للجنوب سالم ربيع علي "سالمين". وقد تغير ذلك بعد الهزيمة الحاسمة لقوات علي ناصر خلال الحرب الأهلية جنوب اليمن عام 1986، والتي هرب بعدها الآلاف من مسؤولي أبين إلى اليمن الشمالي ،منهم الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي، تاركين أبين تعاني من هبوط كبير في مستويات المعيشة والتهميش في ظل النظام الجديد.

وقد توحد اليمنان (الشمالي والجنوبي) عام 1990، وبعدها قام رئيس الشمال اليمني –سابقا- علي عبد الله صالح بالسيطرة على الجنوب عبر زرع الشقاق السياسي، خصوصياً عبر تنمية العلاقات مع نخبة المنفيين الأبينيين والاستفادة من مظالمهم ضد سياسات الأحزاب الجنوبية الأخرى. كان أبرز هؤلاء المنفيين عبد ربه منصور هادي، والذي عينه صالح في نهاية المطاف نائباً له. في موازاة ذلك، سعت عناصر من نظام صالح للاستفادة من المجاهدين العائدين من أفغانستان لتسهيل إعادة توطينهم في الجنوب، بهدف المساهمة في تآكل نفوذ/تقويض الحزب الاشتراكي اليمني.

وكان من بين العائدين الشيخ طارق الفضلي، وهو سليل عائلة أبينية كان يحارب مع أسامة بن لادن في أفغانستان، وقد عاد مرة أخرى إلى اليمن ليستخدم شبكة علاقاته لتسهيل نقل مقاتلين آخرين من أفغانستان –يمنيين وغير يمنيين– إلى البلاد. التأم هؤلاء المقاتلون في جيش عدن أبين الإسلامي، ونفذوا عدداً كبيراً من الاغتيالات ضد مسؤولي الحزب الاشتراكي، كما تحالفوا لاحقاً مع صالح والقوات الشمالية الأخرى أثناء الحرب بين الشمال والجنوب عام 1994.

ومع الوقت ذاب معظم العائدين من أفغانستان في الحياة المدنية؛ غير أن آخرين أبقوا على جذوة الهمّ الجهادي، وبدأوا بعد ذلك بتنفيذ هجمات تستهدف الحكومة اليمنية وقوات الأمن، بالإضافة لعدة عمليات استهدفت أهدافاً غربية، بما في ذلك استهداف سياح في اليمن وتفجير المدمرة (يو إس إس كول). في نهاية المطاف، تم دمج جيش عدن أبين الإسلامي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وظلت أبين مركزاً لعمليات المجموعة.

ومع انحسار جزء كبير من سيطرة الدولة عام 2011، استغلت جماعة أنصار الشريعة هذا الوضع وسيطرت على مدينتي زنجبار وجعار، ونجحت فعلاً في تشكيل دويلة إسلامية – على الرغم من استمرار الضغط من قبل كل من القوات الحكومية اليمنية والضربات الجوية الأميركية. وقد أنشأت المجموعة هياكلها الإدارية الخاصة وفرضت تفسيراً متشدداً للشريعة الإسلامية، وبدأت في تقديم الخدمات العامة التي كانت على العموم أجود من أي شيء تلقاه السكان من قبل – نظراً لإهمال الحكومة المركزية سابقاً. وكثيراً ما روجت الأذرع الإعلامية لتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة لجهود الحكم هذه. وحتى السكان المحليون الذين يعارضون تنظيم القاعدة على المستوى العقائدي تكلموا بشكل إيجابي عن تركيز المسلحين على كسب القلوب والعقول، رغم ما يقوله من أشياء أخرى أيضاً استمرار نزوح أهل أبين بعيداً عن سيطرة التنظيم.

بحلول منتصف عام 2012، شنت الحكومة اليمنية بدعم من الولايات المتحدة هجوماً ضم «اللجان الشعبية» المناهضة للقاعدة، والتي تتألف إلى حد كبير من رجال القبائل المحليين. أجبر الهجوم أنصار الشريعة على الانسحاب من زنجبار وجعار، وأجبر الجزء الأكبر من الجهاديين على إعادة الانتشار في المناطق الجبلية شرق المدينة. غير أن الأهم من ذلك عودة الكثيرين من أعضاء المجموعة للاندماج في الحياة المدنية بكل بساطة.

وعلى الرغم من الخطاب الحكومي في بداية الأمر حول التنمية وإعادة الإعمار الواسعين، لم يحدث الشيء الكثير بعد استعادة المدن وتشريد مقاتلي القاعدة، في حين تم تجاهل الأغلبية الساحقة للوعود المبذولة لمقاتلي اللجان الشعبية فيما يتعلق بالدعم المالي والاندماج في الجيش، حتى مع تواصل تعرض قيادتهم لاستهداف المتطرفين. أتاحت هشاشة البيئة الأمنية لتنظيم القاعدة الحفاظ على موطئ قدم ونفوذ، مع تواتر أدلة تشير إلى أن مقاتلين مختلفين في اللجان الشعبية بدأوا يعملون "مياومين" لتنظيم القاعدة مقابل تأمين دخل.

وأدى زحف الحوثيين وحلفائهم العسكري عام 2015 من صنعاء إلى أبين، والهجوم اللاحق على مدينة عدن، إلى تعديل كبير في الديناميكيات المحلية. ودعا الرئيس هادي اللجان الشعبية للدفاع عن المدينة (عدن)، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الفراغ الأمني في معظم أنحاء المحافظة، حيث غادر هؤلاء المقاتلون للدفاع عن عدن. وبعد قتال الشوارع الوحشي الذي انحدرت إليه المعركة داخل المدينة، حل الحوثيون وحلفاؤهم محل تنظيم القاعدة كتهديد أساسي وخصم مباشر في أذهان السكان المحليين. في الواقع، كثيراً ما قاتل مجاهدو القاعدة جنباً إلى جنب مع القوات الموالية لهادي ومجمل القوات المعادية للحوثيين، وكثيراً ما غض هؤلاء الطرف عن مشاركة جهاديين إلى جانبهم في المعركة.

بعد طرد الحوثيين من عدن، تمكن تنظيما أنصار الشريعة والقاعدة في جزيرة العرب من استعادة زنجبار وجعار تحت عنوان تحرير المدن من الحوثيين؛ وزعم أعضاء اللجان الشعبية في أبين أن الرئيس هادي وحلفاؤه تخلوا بالفعل عن أجزاء من المحافظة لصالح القاعدة في جزيرة العرب دون قتال. وواصلت القوات الجهادية السيطرة على البلدات حتى مايو/أيار 2016، عندما نجمت وساطة القبائل المحلية عن اتفاق سحبت فيه القاعدة مقاتليها من جعار وزنجبار، رغم أنها أعادت توطيد وجودها في تلك البلدتين منذ ذلك الحين.

ومع انتقال خطوط المواجهة الأمامية أبعد نحو الشمال من أبين، وتقلص التهديد الحوثي المباشر، بدأت السلطات المحلية وأعيان المحافظة –غالباً بدعم أجنبي– في تحويل انتباهها مرة أخرى إلى مكافحة القاعدة وأنصار الشريعة. على سبيل المثال، قامت الحكومة الإماراتية بتدريب العديد من الكيانات الأمنية وإرسالها في أنحاء أبين لمحاربة المقاتلين المتطرفين، على الرغم من استمرار تنظيم القاعدة بالحفاظ على وجوده وشن هجمات مضادة ضد قوات الأمن المدعومة من الإماراتيين. وفي الأثناء، أدى الافتقار إلى الخدمات الحكومية الأساسية، كالحصول على المياه والكهرباء، إلى استياء واسع النطاق وإلى احتجاجات مناهضة للحكومة في أبين.

شبوة

تقع محافظة شبوة إلى الغرب من أبين، وهي موطن قبيلة العوالق –إحدى أقوى قبائل اليمن– وهناك هيمنة تاريخية للديناميكيات القبلية على سياساتها المحلية، حيث تكمن الولاءات والاعتبارات القبلية وراء جميع أشكال التفاعل الاجتماعي. وعادة ما كانت سلطات الحكومة المركزية صاحبة أدنى نفوذ في المحافظة. يتوزع السكان في معظمهم في المناطق الريفية، مع عدد قليل من المدن الكبيرة أو البلدات، في حين تتكون الجغرافيا من مزيج وعر من سلاسل الجبال والصحاري.

إبان تأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية في الجنوب، حاول الحزب الاشتراكي اليمني الحد من النفوذ القبلي في شبوة. قاومت القبائل تلك المحاولة، لكنها بعد اشتباكات عنيفة ومنتظمة انتهت إلى مقتل أو نفي معظم شخصياتها القيادية من محافظة شبوة. كذلك أدى التأميم القسري للمصالح التجارية في جنوب اليمن إلى انخفاض حاد في النشاط الاقتصادي ومستويات المعيشة في شبوة. في نهاية المطاف، تسبب الضرر الذي لحق بالنظام الاجتماعي القبلي التاريخي، وما صاحبه من فشل للمشروع الاشتراكي بتمزق اجتماعي واسع في محافظة شبوة.

ومع توحيد اليمن عام 1990، عادت النخبة القبلية المنفية إلى المحافظة وبدأت بسرعة في إعادة بناء النظم القبلية القديمة، بما في ذلك إعادة تأسيس البيعات والمظالم والبنى القبلية لحل النزاعات. وقد تم تسهيل العودة إلى بنى السلطة القبلية من خلال تواصل تقدير السكان المحليين لهؤلاء القادة ولأساليبهم التقليدية، بالإضافة لاستمرار إهمال الحكومة المركزية لمعظم أجزاء المحافظة، بل وعدم قدرتها على السيطرة عليها. مع ذلك تجدر الإشارة إلى أنه، على غرار ما حدث في أماكن أخرى جنوب اليمن، تم استيعاب نخب شبوة الذين كانوا أعضاء سابقين في الحزب الاشتراكي في مناصب رفيعة في صنعاء ضمن نظام صالح بعد الحرب الأهلية عام 1994.

وقد بلغ تجاهل الحكومة المركزية لمعظم السكان المحليين ذروته الصارخة بعد اكتشاف احتياطيات الهيدروكربونات في اليمن وإنشاء محطة بلحاف للغاز الطبيعي المسال على طول ساحل شبوة. ورغم أنه أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الصناعية في تاريخ اليمن، إلا أن الجزء الأكبر من الفوائد المالية ذهب إلى صنعاء، بعد مروره على سكان شبوة نفسها مرور الكرام.

هذا التهميش والانفصام/ل عن السلطات المركزية، فضلاً عن التضاريس الوعرة، جعل شبوة موقعاً مثالياً لتنظيم القاعدة لبناء شبكات سرية وقاعدة عمليات. الشيخ اليمني-الأميركي المتطرف أنور العولقي مثلاً، والذي ينحدر من عائلة قبائل بارزة في المحافظة، وجد ملجأ له هنا، كما فعل فهد القصع، وهو شخصية قاعدية لعبت دوراً رئيسياً في هجمات المدمّرة الأميركية (إس إس كول). ومع ذلك، ونظراً لما تبديه قبائل شبوة من شك عام تجاه الغرباء، بقيت الغالبية العظمى من مقاتلي تنظيم القاعدة الذين التجأوا في شبوة هم أنفسهم من أبناء المحافظة – وهي دينامية لا تتمظهر بشكل كبير في محافظات أخرى ينتشر فيها تنظيم القاعدة. كما أن التنظيم يراعي قوة قبائل شبوة ويحرص على عدم إثارة غضب أي منها، لذلك يحافظ على بصمة خفيفة نسبياً رغم تواجده الكبير، ويعمل على تجنب الصراع مع شيوخ القبائل كلما أمكن له ذلك؛ كان هذا سبب حرصه على تغيير موقعه كلما زادت ضربات الطائرات بدون طيار، وذلك لكيلا يتسبب بإصابات بين المدنيين فيزيد الاستياء المحلي تجاهه.

عام 2011، صعّدت جماعة أنصار الشريعة عملياتها في شبوة وأنشأت إمارة إسلامية في بلدة عزان الجنوبية، وهي منطقة كان لها فيها نشاط قديم، ومن ثم أطلقت أول جهودها التجريبية في مجال الحكم في اليمن. لكن على عكس ما حدث في أبين، لم تقم القوات الحكومية اليمنية وحلفاؤها بأي جهد عسكري جاد لطرد القاعدة من عزان. انسحبت الجماعة طوعاً في 2012 بعد وساطة قبلية.

وعلى غرار أبين، كانت شبوة مسرحاً لعمليات توغل كبيرة للحوثيين في 2015. وبسبب الغضب الشعبي الواسع النطاق ضد الرعونة الحوثية –وقد شملت هدم منازل زعماء القبائل البارزين الذين عارضوهم– تنحى وجود القاعدة إلى مصدر قلق ثانوي عند العديدين، وتحول التركيز بدلاً إلى طرد الحوثيين من شبوة. وبمجرد أن فقد الحوثيون السيطرة على عاصمة المحافظة، عتق، وعلى مناطق رئيسية أخرى في شبوة، وقعت صراعات محلية متقطعة بين مختلف قبائل شبوة وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

غير أن المحافظة لا تزال فسيفساء من الفصائل المسلحة المتنافسة. وفي حين يسيطر المقاتلون والقبائل المتحالفة مع الحكومة المعترف بها دولياً على حصة الأسد من الأراضي، إلا أن القبائل الأخرى المتحالفة إما مع الحوثيين أو مع الرئيس السابق صالح تستمر في الثبات والدفاع عن مواقعها. ويحتفظ تنظيما القاعدة وأنصار الشريعة أيضاً بفضاء عملياتي ضمن المحافظة، ويستمران في استغلال غياب المؤسسات الحكومية وقوات الأمن، وفي بناء نفوذ محلي عبر الاضطلاع بوظائف الحكم الفعال وأداء الوساطة في النزاعات بين الجماعات المحلية.

 

التطلع قدماً

بالنسبة للمسارات الحالية في اليمن –وفي محافظات البيضاء وأبين وشبوة على وجه الخصوص– من المرجح أن تقوم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بتثبيت نفسها محلياً وبتوسيع قدراتها العملياتية. ومن المؤكد أن زيادة استخدام القوة العسكرية ستخفق بشكل شبه مؤكد في هزيمة تنظيم القاعدة، ومن المرجح أن يؤدي إلى نتائج عكسية. إن الدمار والإصابات في صفوف المدنيين، والذي تنطوي عليه التدخلات العسكرية الرعناء، قامت فعلاً وما تزال تقوم بتنفير المدنيين والحلفاء المحتملين لمكافحة الإرهاب على أرض الواقع، وهي تعزز التعاطف الشعبي مع تنظيم القاعدة والجماعات المشابهة، وتسهل عليه نشاطه التجنيدي بين السكان المحليين .

وقد فشل تصعيد استخدام القوة العسكرية الأميركية خلال ثماني سنوات من إدارة أوباما في فعل أي شيء، اللهم إلا تعطيل عمليات تنظيم القاعدة بشكل مؤقت وقصير الأمد. ويمكن القول اليوم إن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أكثر قوة، وأغنى بالموارد، وأشد ثباتاً وتمتعاً بالمرونة المؤسسية والقدرة على التكيف، أكثر من أي وقت مضى. ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن تصعيداً إضافياً للتدخل العسكري الأميركي في اليمن سينجح بحد ذاته في الحد من صعود القاعدة على المدى الطويل.

إن التهميش الذي تتعرض له المناطق اليمنية التي أوجدت فيها القاعدة فضاءها العملياتي أمر بالغ الحيوية في هذه الدينامية. وفي حين أن نقص الكهرباء أو مياه الشرب، مثلاً، لا يحول المدنيين اليمنيين في الريف تلقائياً إلى متطرفين جهاديين، إلا أن هناك علاقة واضحة بين إفقار المنطقة وعزلها عن المؤسسات الرسمية وبين هشاشتها تجاه تسلل تنظيم القاعدة إلى أراضيها. إن تحسن الخدمات والضروريات الأساسية، التي غالباً ما ترافق احتلال التنظيم لمنطقة من المناطق، يشير إلى أن وجوده هو إلى حد كبير نتيجة وظيفية للتهميش، وليس سبباً من أسبابه. من شأن ذلك أن يلفت الانتباه إلى القضايا الأهم التي خلقت بيئة يمكن فيها لتنظيم القاعدة أن يزدهر، وإلى حقيقة أن مكافحة القاعدة لا يمكن أن تعني ببساطة قتل مقاتليها: الجهود الرامية إلى تعزيز الحكم المحلي، وتحسين تقديم الخدمات، وربما الأهم من ذلك إنشاء قوات الأمن يرى فيها السكان المحليون قوات عدالة وكفاءة، هو ما سيكافح الإرهاب في اليمن، لا السياسة العسكرية الرعناء.

إن فهم السياق التاريخي والديناميكيات الاجتماعية-السياسية والقبلية والأمنية والاقتصادية الجارية في اليمن سيكون حاسماً لصانعي سياسات مكافحة الإرهاب للتنبؤ بالنتائج الأرجح لخياراتهم السياسية. وسيكون ذلك ضرورياً أيضاً لتحديد، وفهم وظيفة الشركاء المحتملين على أرض الواقع, فمن المرجح ألا تثمر الجهود الأميركية لمكافحة تنظيم القاعدة في اليمن ما لم تتضمن التعاون مع شركاء إقليميين وتمكين شخصيات محلية على الأرض لتكون قادرة على فرض الأمن في مناطقها.

ولا يمكن النظر إلى جهود مكافحة الإرهاب بمعزل عن الصراع الأوسع نطاقاً. طالما استمرت الحرب اليمنية بشكل عام، ستواصل الأطراف المتحاربة في اليمن إعطاء الأولوية للمجهود الحربي مقابل اعتبارات مكافحة الإرهاب، والأهم من ذلك أنها ستترك مهام استعادة الحكم المتماسك وتعزيز مؤسسات الدولة سائبة. سيفشل صانعو السياسات في تقييم واقعهم بشكل صحيح في حالة نظروا إلى مكافحة الإرهاب في اليمن وإلى الحرب الأهلية الجارية في البلاد كقضيتين منفصلتين على مستوى السياسات – بغض النظر عن الجبروت العسكري الأميركي. ما دام اليمن يواصل انزلاقه إلى دولة فاشلة وأزمة إنسانية كارثية، سيواصل تنظيم القاعدة والمجموعات الشبيهة الازدهار.

 


فارع المسلمي هو وزميل غير مقيم في كل من مركز كارنيغي للشرق الأوسط ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن.

آدم بارون وزميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.


ملاحظة المؤلفين: لم يكن لهذه الورقة أن ترى النور لولا الجهود الهائلة التي بذلها سبنسر أوسبرغ في التحرير والمراجعة. نشكره لجهده كثيرا.

موسومة تحت