إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

حكومة الفرص الأخيرة: المخاطر والأولويات أمام الحكومة اليمنية الجديدة

Read this in English Read this in English

منذ العام 2011، تشكّلت الحكومات في اليمن على أساس تقاسم السلطة لا الاستحقاق الانتخابي، مع تخصيص حقائب وزارية للأحزاب السياسية. تأسست أول حكومة من هذا النوع بموجب المبادرة الخليجية، على قاعدة تقاسم السلطة بين المؤتمر الشعبي العام، الحزب الحاكم آنذاك، وأحزاب اللقاء المشترك التي مثّلت المعارضة؛ ثم، عقب اتفاق الرياض الأول في نوفمبر 2019، وهنا تم تقسيم المقاعد بين اليمنيين على أساس الشمال والجنوب ضمن نظام الحصص، وتشكلت الحكومة الجديدة، التي أُعلن عنها في 6 فبراير، وفق معايير مماثلة تقريبا.

تتحمل الحكومة اليمنية الجديدة إرثًا من تدهور الخدمات العامة، والتراجع الاقتصادي، والأزمات السياسية، فقد عجزت الحكومات السابقة عن ردم الفجوات بين الأطراف السياسية التي تفتقر إلى توجهات وأهداف وسياسات مشتركة، وكان الوزراء يسعون إلى تمثيل مصالح ومواقف الفصيل الذي ينتمون إليه، حتى عندما يتعارض ذلك مع السياسة الوطنية. تسعى الحكومة الجديدة إلى معالجة هذه الإشكالات، وقد بذلت الرياض جهودًا لتوحيد عملية اتخاذ القرار ومعالجة الانقسامات الداخلية.

مع ذلك، فإن حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، وما كان يمتلكه من هياكل مؤسسية وتشكيلات عسكرية، إلى جانب تصاعد التوترات السعودية الإماراتية في اليمن، يطرحان تحديات خطيرة، فقد أحكمت الرياض قبضتها على الملف اليمني، مع استمرار الغموض حول ما إذا كان الدور الإماراتي قد انتهى بالفعل، ولا تزال القوى الموالية للإمارات — رغم الجهود المبذولة لحلّها — تحتفظ بقدرتها على التأثير.

في محاولة لاستباق المعرقلين المحتملين، بذلت السعودية جهودًا لضمان تمثيلهم، فقد أعلنت عن التحضير لمؤتمر حوار جنوبي–جنوبي بالتوازي مع جهود تشكيل الحكومة. في تشكيلة الحكومة، جرى تقسيم الحقائب الوزارية بصورة عامة بين الشمال والجنوب، مع تخصيص عدد محدود منها للمحافظات الشرقية بوصفها كتلة تمثيلية مستقلة. مع ذلك، لا تزال الرياض والحكومة تواجهان حالة من عدم الاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن، إضافة إلى مقاومة إخراج القوات المسلحة الموجودة حاليًا من المدينة وتسليم مهامها إلى جهاز أمني جديد هو جهاز الأمن الوطني. سيتطلب بسط السيطرة على الأرض وضمان أمن المواطنين والحكومة على حد سواء وقتًا وموارد واستعدادات كبيرة.

تواجه الحكومة أيضا احتمال تجدّد هجمات الحوثيين، فقد استُهدفت الحكومة السابقة بصواريخ الحوثيين فور وصولها إلى مطار عدن بعد وقت قصير من تولّيها مهامها، ولا يمكن استبعاد خطر حملات الاغتيال، لا سيما في ظل الانتشار غير المنضبط للسلاح عقب المعارك التي شهدتها حضرموت.

اقتصاديًا، تفتقر الحكومة إلى أهم مصادر إيراداتها، وهو صادرات النفط والغاز. كما أن أوجه القصور في تحصيل الإيرادات العامة تجعلها معتمدة إلى حد كبير على الدعم السعودي وما يرافقه من نفوذ. تشمل التحديات الأخرى العرقلة المنظمة للخدمات والأنشطة الاقتصادية للتعبير عن مظالم محلية، وإذا أخفقت الحكومة في مواجهة هذه التحديات بحزم، فإنها ستفقد ثقة الجمهور قبل أن تتمكن من المضي قدمًا في تنفيذ بقية أجندتها.

لتجنب الفشل، يتعين على الحكومة توحيد خطابها وآليات اتخاذ القرار فيها، كما ينبغي لها وضع أطر قانونية جديدة تحدد معالم الشراكة والالتزامات داخل الحكومة، ويجب أيضًا تعزيز الشفافية من خلال تعيين متحدث رسمي ليطلع المواطنين على الإجراءات المتخذة وكيف ستؤثر في حياتهم.

على الحكومة أيضا، أن تطمئن جميع اليمنيين إلى قدرتها على تلبية تطلعاتهم وتأمين احتياجاتهم وصرف رواتبهم دون تمييز؛ كما ينبغي تحويل عدن إلى نموذج للأمن والخدمات والتنمية، وإدارة الإيرادات والنفقات والسياسات بشفافية، مع إصدار موازنات وتقارير عامة للمواطنين والشركاء، كما يجب أن تثبت أنها جديرة بالدعم الخارجي وبثقة المواطنين، وأن تعمل في الوقت ذاته على تفكيك شبكة التعقيدات التي قد تنشأ نتيجة الغضب الشعبي أو مصالح سياسية مهمّشة.

لهذا الغرض، ينبغي على جميع الأطراف العمل لإيجاد سبيل لاستئناف صادرات النفط والغاز، الأمر الذي من شأنه تعزيز الخزينة العامة واستقرار العملة الوطنية، كما أنه من الضروري أن توحّد الحكومة، مؤسسيًا وقانونيًا، الوحدات العسكرية والأمنية تحت إشراف وزارتي الدفاع والداخلية؛ فذلك ضروري لتوحيد عملية اتخاذ القرار، واحتكار استخدام القوة، وتوفير البيئة الأمنية اللازمة لحكم موحّد ومؤسسي.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي إعادة النظر في صلاحيات واختصاصات السلطات المحلية لضمان امتلاكها الصلاحيات اللازمة لأداء مهامها بفعالية. من شأن ذلك أن يعزز مشاركة المواطنين في صنع القرار وفي إدارة الموارد المحلية، وأن يسهم في بناء الثقة مع المجتمعات المحلية. سيتطلب ذلك تعديل قانون السلطة المحلية المنظم لعملها، وهو إصلاح ضروري.

لا تقتصر مسؤوليات الحكومة على المناطق الخاضعة لسيطرتها؛ إذ يتعين عليها أن تُظهر لجميع اليمنيين، بمن فيهم المواطنون المقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أنها حكومة لكل اليمنيين. من الخطوات الأولى المهمة في هذا الاتجاه وضع ترتيبات مدروسة لاستئناف صرف الرواتب. يمكن لتوزيع هذه الرواتب أن يُستخدم كأداة لتعزيز السيادة الوطنية، إن تزامن مع إخضاع الثروة الوطنية لرقابة الدولة اليمنية، ومنع الجهات غير الحكومية من امتلاك السلاح وممارسة القوة العسكرية.

تمثل الحكومة الجديدة الفرصة الأخيرة لليمنيين؛ فهي تحظى بدعم محلي وإقليمي، كما تستفيد من زخم نسبي ناتج عن الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده برعاية الرياض، إلى جانب تجدد الدعم الاقتصادي السعودي. مع ذلك، لا توجد ضمانات لاستمرار هذا الدعم أو لكونه كافيًا لضمان الاستقرار الاقتصادي، أو تحسين الخدمات العامة، أو الحفاظ على إيرادات الدولة، كما لا يوجد ما يضمن قدرة الحكومة الجديدة على تجاوز الانقسامات السياسية والاختلالات التي أفشلت الحكومات السابقة. تواجه الحكومة الجديدة مجموعة من التحديات الملحّة، وسيعتمد نجاحها على مدى قدرتها على التعامل معها بفعالية.


هذا التعليق جزء من سلسلة إصدارات يصدرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، وذلك ضمن برنامج «إعادة تصور سلام اليمن في المشهد الإقليمي». تهدف هذه السلسلة إلى دعم جهود بناء السلام في اليمن من خلال دراسة الروابط الأمنية والاقتصادية للبلاد مع منطقة الخليج والبحر الأحمر على نحو استراتيجي.

مشاركة