ضرورة إبعاد ملف تبادل الأسرى عن المفاوضات السياسية

أسرى محتجزون لدى القوات الحكومية اليمنية يستعدون للصعود على متن طائرة في عدن ستنقلهم إلى صنعاء في إطار اتفاق تبادل الأسرى الذي سهلته الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بين الحكومة وجماعة الحوثيين المسلحة ، 15 أكتوبر / تشرين الأول 2020 // صورة لمركز صنعاء، التقطها أحمد محمد عبيد الشطيري.


 

ندوى الدوسري

 

في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، تبادلت الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثيين المسلحة 1,056 سجينًا كجزء من اتفاقية ستوكهولم المبرمة بين الطرفين في ديسمبر/كانون الأول 2018، ما أنعش الآمال، لا سيما لدى المراقبين الأجانب، في أن يكون ذلك خطوة أولى نحو تحقيق السلام في اليمن.

وصف المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن غريفيث الصفقة بأنها “إنجاز مهم للغاية”، بينما دعا الأمين العام للأمم المتحدة جميع الأطراف “إلى الانخراط مع مبعوثه الخاص للاتفاق على إعلان مشترك يشمل وقف إطلاق نار على مستوى البلاد، وتدابير اقتصادية وإنسانية، واستئناف عملية سياسية جامعة وشاملة لإنهاء الحرب”.[1]

يُعد تبادل الأسرى تطورًا إيجابيًا، لكن يجب ألّا يُفسر على أنه مؤشر على رغبة الحوثيين أو حكومة هادي لإنهاء الحرب، كما لا ينبغي الترحيب به باعتباره “انفراجة” لتحسين فرص السلام في اليمن.

استغرق إتمام صفقة التبادل حوالي عامين، وذلك يعود إلى عيب في اتفاقية ستوكهولم؛ إذ ربطت مسألة تبادل السجناء بمفاوضات السلام، ما أدى إلى تسييس العملية وأثرت بشكل سلبي على جهود الوساطة المحلية التي أثبتت فعاليتها.

وبالفعل، نجحت جهود الوساطة المحلية التي بذلها زعماء ورجال القبائل، وقادة المجتمع، والمحامون، والقادة العسكريون، والمنظمات غير الحكومية المحلية، في تبادل آلاف السجناء منذ بداية التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015.

على سبيل المثال، أفضت وساطة قبلية قادها الزعيم القبلي ياسر الحدي اليافعي عام 2015 إلى تبادل 605 سجناء بين جماعة الحوثيين وقوات المقاومة في جنوب البلاد.[2] ومنذ أواخر عام 2017، نجحت رابطة أمهات المختطفين، وهي منظمة غير حكومية يمنية تقودها نساء، في تسهيل الوساطات بين أطراف النزاع ليُطلق سراح أكثر من 650 مدنيًا من المخفيين قسرًا. وفي تعز، أمّن الوسطاء المحليون الإفراج عن أكثر من 1,200 سجين.[3] وفي فبراير/شباط 2019، ساعد هادي جمعان، أحد رجال القبائل في الجوف في الإفراج عن رفات أكثر من ألف مقاتل وتوسّط لإطلاق سراح 226 سجينًا بين طرفي الحرب الرئيسيين.[4]

“عملية تبادل الأسرى هي قضية إنسانية، بينما يتركز عمل مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة على الشؤون السياسية والعسكرية، وبالتالي فإن ربط العملية بمفاوضات غريفيث جعل تبادل الأسرى مرهونًا بالتفاوض حول القضايا السياسية والعسكرية”، هذا ما قاله لي راجح بليم، الوسيط القبلي المحلي في مأرب.

تفاوض بليم لإطلاق سراح أكثر من 350 سجينًا منذ عام 2016، وأوضح أنه بوسع الوسطاء المحليين العمل بحرية وفعالية لأنهم مستقلون وغير مسيسين، ويعتمد كل منهم على علاقاته وروابطه الاجتماعية وتأثيره المحلي والقواعد العرفية للتوصل إلى الصفقات،[5] وهذا ما تفتقره المفاوضات رفيعة المستوى التي ترعاها الأمم المتحدة.

وأضاف بليم “لا يتلقى الوسطاء المحليون مالًا من أحد، وتتعاون مختلف الأطراف معهم، اليمنيون إخوة، في بعض الأحيان يتم إخلاء سبيل رجل مقابل إفراج الطرف الآخر عن ابن عمه، وبالتالي تنجح جهود الوساطة لأن الأمر شخصي”.[6]

يعد بند تبادل الأسرى وفق مبدأ الكل مقابل الكل كما نصت عليه اتفاقية ستوكهولم طموحاً للغاية وغير عملي إلى حد كبير؛ إذ نصت آلية التنفيذ على أن يقدم الطرفان قوائم بأسماء ومعلومات تتعلق بـ 16 ألف من الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمحتجزين تعسفيًا والمخفيين قسرًا خلال أسبوع واحد من تاريخ التوقيع على الاتفاق، على أن يتم تبادل جميع الأسرى خلال 40 يومًا من تاريخ التوقيع.[7] وثبت أن ذلك يمثل تحديًا كبيرًا ليس فقط على المستوى التقني ولكن أيضًا فيما يخص التزام الأطراف بتنفيذ التبادل.

وغالبًا ما تعثرت المفاوضات بشأن الأسماء، فعلى سبيل المثال، يطلب أحد الأطراف إدراج اسم محدد على القائمة التي تشمل أسماء السجناء، لكن الطرف الآخر ينفي وجود هذا الاسم، وصار ذلك ذريعة من جميع الجهات لرفض الإفراج عن أي سجين.[8] وقال عبد ربه الشيف، وهو زعيم قبلي من محافظة الجوف: “فكرة إطلاق سراح الأسرى وفق الكل مقابل الكل أعاقت العديد من عمليات التبادل التي كانت تتم بوساطة محلية، وعلى مستوى الجبهات”.[9]

مشاعر الإحباط ذاتها كانت لدى ناجي مريط، وهو زعيم قبلي في مديرية الحيمة بمحافظة صنعاء، وقاد مفاوضات انتهت بالإفراج عن أكثر من 2,500 أسير منذ بداية الحرب، وقال إن جهوده وجهود غيره من الوسطاء توقفت تمامًا نتيجة اتفاقية ستوكهولم.[10]

كما انتقدت رئيسة رابطة أمهات المختطفين، أمة السلام الحاج، اتفاقية ستوكهولم لإدراجها المقاتلين مع المختطفين من المدنيين؛ إذ قوّض ذلك عملية المناصرة التي تديرها الرابطة، وقالت: “بعد إبرام اتفاقية ستوكهولم، رفض الحوثيون جميع جهود الوساطة المحلية التي نسقتها الرابطة، وقالوا إن الأسماء التي قدمناها لهم أصبحت الآن جزء من عملية تبادل الأسرى حسبما تنص اتفاقية ستوكهولم، وأصروا (الحوثيون) على عدم إخلاء سبيل الأسرى من المدنيين، وبالتالي، تحولت القضية من إنسانية إلى سياسية وأمست ورقة مساومة”.

وبحسب الحاج، وثقت رابطة أمهات المختطفين اختطاف جماعة الحوثيين المسلحة والحكومة اليمنية وقوات الحزام الأمني ​​في الجنوب أكثر من ثلاثة آلاف مدني، بينهم صحفيون ونشطاء حقوقيون، ووصف تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2017 ذلك بمثابة أخذ رهائن، وأضاف أن ذلك أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني.[11]

وبالفعل، المفاوضات حول تبادل الأسرى التي طالت كثيرًا شجعت مختلف الأطراف على اختطاف المدنيين لمبادلتهم بمقاتلين. وبحسب عدة مصادر، منها عضو الوفد الحكومي المفاوض بملف الأسرى، ماجد فضائل، فإن قرابة ثلثي الأسرى الذين أخلى سبيلهم الحوثيون كانوا من المدنيين، بينهم خمسة صحفيين، خطفهم الحوثيون من منازلهم ونقاط التفتيش على أساس هويتهم وخلفيتهم الجغرافية وبادلتهم بمقاتليها.[12]

كما حذرت أمة السلام الحاج من إدراج المختطفات في أي جهود تقودها الأمم المتحدة لتبادل أسرى، وقالت إن هذا الأمر “من شأنه أن يؤدي إلى أخذ النساء كرهائن، وإطالة أمد اختطافهن، ورهن حريتهن بالمساومة السياسية والعسكرية”.[13]

يجب أن تظل عملية تبادل الأسرى غير مسيسة، وأن تظل قضية إنسانية بحتة، كما يجب فصلها عن المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة.

على مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة أن يدعو بحزم إلى إطلاق سراح المختطفين من المدنيين، والضغط على مختلف الأطراف للإفراج عنهم دون قيد أو شرط. وبعدها، عليه أن يبعد ملف تبادل السجناء من الإجراءات الإنسانية المقترحة في الإعلان المشترك ومن أجندة مفاوضات وقف إطلاق النار كي لا يكون مصير هؤلاء الأفراد تحت رحمة التقدم في محادثات السلام.

ومع أن جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسهيل عملية تبادل الأسرى محل تقدير، إلا أنه لا يجب احتكار التفاوض حول تبادل الأسرى من قِبل أي منظمة دولية، وفي حال استمرت اللجنة في هذه العملية على أساس إنساني بحت بعيدًا عن المفاوضات السياسية، فعليها التشاور مع الوسطاء المحليين لضمان عدم التسبب بضرر أحد.

 


ندوى الدوسري، هي باحثة يمنية غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط، وباحثة في شؤون النزاعات وفي رصيدها خبرة تفوق عشرين عامًا من العمل الميداني في اليمن. تغرد على ndawsari@.


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.


الهوامش:

  1. [1] ستيفان دوجاريك، “بيان صادر عن المتحدّث باسم الأمين العام بشأن اتفاقية اليمن لتبادل الأسرى”، الأمم المتحدة، مكتب الأمين العام، نيويورك، 27 سبتمبر/أيلول 2020، https://www.un.org/sg/en/content/sg/statement/2020-09-27/statement-the-spokesman-for-the-secretary-general-the-yemen-prisoner-exchange-agreement
  2. [2] تم التبادل في منطقة الحد على الحدود بين يافع والبيضاء.
  3. [3] مقابلة مع الدكتور عبدالله شداد، وسيط محلي في تعز، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2020.
  4. [4] مقابلة مع هادي جمعان، 28 سبتمبر/أيلول 2020؛ انظر أيضًا ندوى الدوسري، “الدبلوماسي غير المتوقع الذي أعاد رفات قتلى الحرب”، ذا نيو هيومنترين، 13 فبراير/شباط 2019، https://www.thenewhumanitarian.org/feature/2019/02/13/unlikely-diplomat-bringing-yemen-s-war-dead-home
  5. [5] مقابلة مع راجح بليم، وسيط محلي في مأرب، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ مقابلة مع الدكتور عبد الله شداد، وسيط محلي في تعز، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ أمة السلام الحاج، “مكامن فشل المفاوضات الدولية للإفراج عن المعتقلين المدنيين في اليمن”، 27 مارس/آذار، 2020 https://www.alarabiya.net/ar/politics/2020/03/27/مكامن-فشل-المفاوضات-الدولية-للإفراج-عن-المعتقلين-المدني
  6. [6] مقابلة مع راجح بليم، وسيط محلي في مأرب، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020.
  7. [7] “اتفاق تبادل الأسرى”، النص الكامل من مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، https://osesgy.unmissions.org/prisoners-exchange-agreement
  8. [8] مقابلة مع راجح بليم، وسيط محلي في مأرب، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ مقابلة مع الدكتور عبد الله شداد، وسيط محلي في تعز، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ مقابلة مع وسيط قبلي محلي، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ مقابلة مع مصدر مشارك في عملية تبادل الأسرى الأخيرة، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2020.
  9. [9] مقابلة مع عبد ربه الشيف، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2020.
  10. [10] عدنان الجبرني، “الوسيط القبلي اليمني الذي أعاقته اتفاقية ستوكهولم يدعو الأمم المتحدة إلى التعلم من القبائل”، المصدر أونلاين، 9 ديسمبر/كانون الأول 2019، https://al-masdaronline.net/national/160
  11. [11] أحمد حميش، فرناندو روزنفيلد كارفجيل، داكشيني روانثيكا غوناراتني، غريغوري جونسن، أدريان ويلكنسون، “التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة”، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 26 يناير/كانون الثاني 2018، ص. 49. https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/N1800513.pdf
  12. [12] مقابلة مع وسيط قبلي محلي، 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2020؛ مقابلة مع عضو الوفد الحكومي المفاوض بملف الأسرى، ماجد فضائل، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2020.
  13. [13] “رابطة أمهات المختطفين نرفض صفقات التبادل للنساء المختطفات”، بيان صادر عن رابطة أمهات المختطفين، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2020، http://ama-ye.org/?no=1471&ln=Ar، بحسب رابطة أمهات المختطفين، 157 امرأة اختُطفت من قِبل الحوثيين. انظر الأيام، “أكثر من 150 امرأة مختطفة من قبل الحوثي خلال عامين”، 14 يوليو/تموز 2020، https://www.alayyam.info/news/89OF07QI-NFQ78Q-08DC
مشاركة المقالة على: