إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن

في 15 مايو/أيار 2015، وجدت نفسي جالسًا بين ضابطين يمنيين في سيارة شرطة خلف مبنى إدارة البحث الجنائي في صنعاء. “ستكون حرًا في غضون ساعتين”. هذا ما قاله لي أحدهم وهو يحدّق بقلق في المبنى، حيث تدير وحدة مكافحة الإرهاب المدعومة من الولايات المتحدة سجنًا.

في وقت سابق من ذلك اليوم، دخلت مجموعة من المراهقين مسلحين ببنادق كلاشنكوف عليها ملصقات لشعارات جماعة الحوثيين المسلحة منزلي في حارة البونية (وسط المدينة)، فتشوا ممتلكاتي ثم سلموني إلى رجال أمن في قسم شرطة قريب. أراد مدير القسم ورجل آخر يرتدي زيًّا عسكريًّا أن يعرفا كل التفاصيل حول الوقت الذي أمضيته في اليمن، ولماذا لم أغادر البلاد حين اندلعت الحرب قبل بضعة أشهر.

شرحت لهما أنني صحفي مقيم في العاصمة منذ ثلاث سنوات ونصف، وحاولت المغادرة عدة مرات خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب. قبل ذلك بيوم، رفض مسؤول استخباراتي في مطار صنعاء الدولي السماح لي بالعبور عبر بوابة الصعود والمغادرة على متن طائرة الإجلاء التي نظمت رحلتها الأمم المتحدة، لأن جواز سفري لم يحتوي على الختم المطلوب.

كان موظف الجمارك الذي بوسعه معالجة الأمر قد غادر، فقال لي المسؤول الاستخباراتي: “عد غداً”.

شهدت صنعاء خلال الأسابيع الست -حينها- قصفًا جويًّا منتظمًا عقب شن عملية عاصفة الحزم، الحملة العسكرية التي قادتها السعودية بهدف إنهاء الانقلاب الذي أدى إلى استيلاء جماعة الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح على السلطة في العاصمة أواخر عام 2014.

سعت قوات الحوثيين وصالح إلى تعزيز سيطرتها على صنعاء، وشملت أساليبهم احتجاز أي شخص قد يشكل خطرًا محتملًا لحكمهم، أو بوسعهم استخدامه كورقة مساومة في النزاع.

لكن في حالتي أنا، كان الأمر يتعلق بمالك منزل غاضب سلمني إلى سلطات الأمر الواقع؛ تخلفت عن دفع الإيجار لشهر مايو/أيار بالكامل وكان ينقصني مئة دولار، فطلب مني حزم أغراضي وإخلاء المنزل. حين حضر حارس المالك -الدمث عادة- وحاول الدخول بالقوة، قاومته ودفعته إلى الوراء، استعاد توازنه ورفع يديه عاليًا كأنه يحمل بندقية موجهة نحو رأسي، وقال إنه سيحضر الحوثيين.

بعد أن أصبحت في قبضة رجال الأمن، ظلوا ينقلونني حسب أوامر سلسلة القيادة إلى أن انتهى بي الأمر في سجن شديد الحراسة خارج العاصمة، وخلال استجوابي، لم يأت أحد على ذكر المئة الدولار الناقصة من الإيجار.

****

بعد نحو 45 دقيقة في موقف السيارات خلف مبنى إدارة البحث الجنائي، خرج رجل ذو شعر أبيض وهيبة قيادية من المبنى، توجهت نحوه عربة بيضاء لامعة نوافذها مظللة، وأمر رجال الشرطة بإحضاري إليه. رأيت هذا النوع من المركبات من قبل في مجمعات الحوثيين عبر المدينة خلال الفترة الماضية، حاولت تجاهل الأمر وعدم التفكير بما يعنيه وصول هذه المركبة على أمل أن الالتباس سينتهي بغضون ساعات. لكنني وقعت بيد الحوثيين، وأدركت حينها أن قصتي ستأخذ منعطفًا نحو الأسوأ.

توجهت نحو الرجل ذو الشعر الأبيض الذي خاطبني بالإنجليزية قائلًا: “مرحبًا كايسي”، وطمأنني أنه لا داع للقلق، لكنه أضاف بنبرة توحي بالأسف أنه سيجري تكبيل يداي. أحضر جندي شالًا يمنيًّا تقليديًّا من المركبة البيضاء وعقدها، ثم كبل معصمي بها. لم أقاوم.

فتحوا باب المركبة الجرار وأشاروا لي بالصعود.

 قال الرجل ذو الشعر الأبيض من مقعده في الأمام: “علينا وضع هذا على عينيك”، بينما أسدل الجندي شالًا على وجهي مُحكِمًا ربطه أعلى رأسي، وأضاف سائلًا بنبرة حازمة ولكن متعاطفة، ما إذا كان الشال مشدودًا جدًا. أجبته قائلًا: “لا بأس”، مندهشًا بأسلوبه اللطيف نوعًا ما.

حين حاولت السؤال عن وجهتنا، قاطعني وصرخ: “لقد فعلت شيئًا فظيعًا! أنت كذاب! أخرس واخفض رأسك!” ومد يده لدفع رأسي بين ركبتاي.

ثبّت رأسي أرضًا خلف مقعد السائق، وأقلعت المركبة من الموقف الموحل نحو شارع مزدحم. كنت أشعر بقدمي تغرقان في المقعد الخلفي بينما أسرعت المركبة. امتزج صوت المحرك بأبواق السيارات وحديث خافت باللغة العربية في المقعد الأمامي. كانت المركبة تهتز طيلة الوقت كون السائق يقود بسرعة ثم يتوقف فجأة. داس السائق على دواسة الوقود لتنزلق المركبة نحو منعطف، وشعرت بقطعة معدنية حادة تغرز رجلي الشمال. ثم أسرع مجددًا وشق طريقه عبر الزحام. شد الجندي الذي كان على يميني الرباط حول معصمي، ما قطع تدفق الدم عبر شراييني.

بعد حوالي نصف ساعة على ما أعتقد، وصلنا إلى قاعدة سرية لجهاز الأمن القومي في الجزء الشمالي الغربي لصنعاء، حيث يتدرب ضباط المخابرات إلى جانب القوات شبه العسكرية من وحدة مكافحة الإرهاب. كان السجن يُستخدم لاحتجاز واستجواب “العناصر الإرهابية”، حسبما قال لي علي الأحمدي، رئيس جهاز الأمن القومي السابق، مؤخرًا. وقال إن الولايات المتحدة ساعدت في بناء منشأتين جدد لوحدة مكافحة الإرهاب في القاعدة، لكنها لم تشارك في بناء السجن وليس لها أي دور في إدارته. غالبًا ما سخر حراس السجن من الأمر، مذكرين السجناء الأمريكيين بأنهم محتجزين في منشأة شيدتها دولتهم لاحتجاز المشتبه بانتمائهم إلى القاعدة.

عندما وصلت إلى السجن في منتصف 2015، كان أغلبية السجناء أفرادًا يُشتبه أنهم أعضاء في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. ومع مرور الوقت خلال فترة التحالف بين الحوثيين وصالح، أصبح السجن يضم صحفيين أمريكيين وأوروبيين ويمنيين ومواطنين أجانب، بينهم أمريكيين اُعتقلوا في صنعاء، وأعضاء من الأقلية الدينية البهائية وناشطين سياسيين، من بينهم الدكتور عبدالقادر الجنيد.

اقتادني الرجل ذو الشعر الأبيض والجندي إلى السجن، وتأكدوا من أنني لن أتعثر عند صعود الدرج إلى الباب الأمامي، وبعد أن أفرغوا جيوبي من محتوياتها وأخذوا حذائي وحزامي وسترتي، فك اثنان من حراس السجن القماش عن معصمي واستبدلاه بأصفاد معدنية. فتحوا بوابة كبيرة واقتادوني حافي القدمين في رواق مظلم تصطف فيه الزنزانات على جانب واحد.

عندما وصلنا إلى نهاية الممر تقريبًا، أزالوا الشال عن عيناي وفتحوا بابًا حديديًّا لأحد الزنزانات حيث حدّق بي ثلاثة يمنيين، شاب واهن من صنعاء، ورجل ممتلئ الجسم من أبين، وشاب عشريني العمر عريض المنكبين ومفعم الحيوية من عدن.

كانت مساحة زنزانتنا نحو 6×15 قدمًا، ويسد جدار خرساني بارتفاع الخصر -جزئيًّا- مرحاض القرفصاء. لم يكن هناك أي نوافذ، باستثناء فتحة صغيرة فوق الحمام قرب السقف يدخل منها الهواء النقي والصوت وتتسلل منها أشعة الشمس. وكلما انفجرت قذيفة كنا نسمع صوت فرقعة خافت نتيجة تغير ضغط الهواء. أخبرني سجناء سابقون -لاحقًا- أنهم كانوا يفقدون سمعهم مؤقتًا عند سقوط القذائف قرب السجن نتيجة الضغط الناتج عن الانفجار.

كان ما يشغل بالي فعلًا وأنا محبوس في تلك الزنزانة الخرسانية هو إقناع الحراس بإحضار الدواء الذي أتناوله بموجب وصفة طبية يوميًّا للإحباط والقلق، فعدم أخذ الجرعة الاعتيادية منه مؤلم للغاية. حدث لي ذلك أكثر من مرة في صنعاء عندما تأخر وصول الدواء من الولايات المتحدة، ولم يكن الدواء الباهظ الثمن متوفرًا في أي صيدلية محلية. كانت أطول مدة لم أخذ فيها الدواء هي يومين فقط؛ شعرت خلالهما بالعجز عن الحركة؛ وانتابتني عوارض شبيهة بأعراض الأنفلونزا فضلًا عن حساسية تجاه الصوت والضوء وأي شكل من أشكال الحركة حولي.

أخبرت الحراس أن بوسعهم إيجاد علبة الدواء في حقيبة السفر بمنزلي. بعدها بساعات، أتى أحد الحراس وبحوزته حبتين تشبهان حبوب التايلينول. كتبت اسم الدواء على ورقة وقلت له -بمساعدة رفيقي العدني في الزنزانة الذي يتكلم الانجليزية- إنني سأمرض جدًا من دونه. ولكن بدا وكأنه لم يعر أحد اهتمامًا بالأمر. تجاهل الحراس مطالبي المتكررة لإحضار الدواء وسرعان ما تبيّن أنه لم ينوي أحد جلبه. تلك الليلة، نمنا على أصداء صراخ سجين يلقبونه -لسبب أو لآخر- بكاسبر. قال لي السجين العدني الذي يشاركني الزنزانة إن كاسبر فقد عقله. بعدها بسنوات، قال لي سجين سابق إن كاسبر، المشتبه انتمائه إلى القاعدة، كان يعتقد أنه ممسوس من الجن.

في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، استيقظنا في حالة ذعر على رفيقنا الأبيني، إذ كان متصلّب ومرتعش الجسد بالكامل. كان يحاول أن يجلس وهو يئن من الألم، صرخ العدني للحارس وطرق على الباب الفولاذي إلى أن أتى أبو حمزة، محقق كبير البطن وحجم رأسه أكبر من الطبيعي.

ثم دخل رجل آخر، ووخز الأبيني بإبرة في ذراعه موصولة بكيس مصل يحتوي على سائل شفاف وغادر، وفي غضون دقائق، انتفخت يده -حيث حقن بالإبرة- وأصبحت بحجم ثمرة الجريب فروت، ما دب فينا الذعر وصرخنا لنجدته. عاد الرجل نفسه، وكان عابسًا؛ إذ من الواضح أنه منزعج من الأمر. أزال الحقنة من يد الأبيني وعندما وجد وريدًا، غرزها مجددًا وناول كيس المصل للأبيني، وغادر.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، وأنا أحاول الاعتياد على روتين رفاقي في الزنزانة، فتح أبو حمزة الباب بقوة وأشار إلي. كان يرتدي قناع وجه أسود، ما أبرز حجم رأسه أكثر. قفزت بحماس ممزوج بالقلق معتقدًا أنهم سيخلون سبيلي. ولكن أبو حمزة وحارس يحمل كلاشينكوف اقتاداني إلى زنزانة انفرادية لا تحوي أي فتحة تهوية. كانت منعزلة تمامًا عن العالم الخارجي، شعرت وكأن الغرفة تحت الأرض أو شبيهة بالقبر، مساحة ضيقة في أعماق الأرض حيث لن يجدني أحد على الإطلاق.

بدأت في هذه الأثناء أشعر بتأثير عدم تناول الجرعة الصباحية من دوائي. انتابني صداع نصفي وألم عضلات في جميع أنحاء جسمي، وشعرت بإحساسٍ مروّع كلما حركت عيناي، وذلك أحد الأعراض الشائعة للانسحاب من تناول مضادات الاكتئاب. حاولت أقاوم ذلك الشعور بالهلاك الوشيك الذي انتابني نتيجة انخفاض مستوى السيروتونين في الدماغ، فرحت أمشي ذهابًا وإيابًا وقمت ببعض تمارين الضغط. ولكن حماسي تلاشى عندما اجتاح الظلام الزنزانة وأُطفئت الأنوار. سواد حالك. قابعًا هناك وحيدًا خائفًا من التفكير في المصير الذي قد أواجهه. كلما حاولت النوم أستيقظ مذعورًا؛ عند إضاءة الأنوار التي كانت تومض كلما غفت عيناي، أو سماع الصرير الدائم والناتج عن إغلاق وفتح البوابة الحديدية خارج زنزانتي.

كانوا يحضرون الطعام، الخبز والحبوب المطبوخة، مرتين في اليوم، وخلال ذلك، كان حراس السجن يكبّلون معصمي وكاحلي ويقتادوني إلى غرف الاستجواب ويعيدوني إلى الزنزانة. خلال الاستجواب، كان أبو قيس، وهو موظف في جهاز الأمن القومي منذ فترة طويلة وأحد الموالين لعلي عبدالله صالح، يأمرني بالاعتراف بأني عميل في وكالة المخابرات المركزية أو أساعد السعودية على قصف صنعاء، وأحيانًا كان يطلب مني الاعتراف بكل ذلك في آنٍ واحد.

لا أدري إلى أي مدى استمر هذا، إذ فقدت إحساسي بالوقت بعد أن أمسيت حبيس تلك الزنزانة التي لا يتسلل إليها ضوء الشمس، وتوقفت فجأة عن تناول دوائي. انجرفت أفكاري وتبعثرت.

****

لا أذكر ما الذي حدث خلال الأيام القليلة التي تلت كل هذا… وكأنها مُحيت من ذاكرتي. أذكر بعض التفاصيل… مشاهد مجزأة… بعد ذلك بسنوات، أطلعني السجناء الآخرون على بعض التفاصيل الأخرى. في بعض الأحيان، يبدو وكأن قطع الأحجية تتساقط وتتكامل، وفي أحيان أخرى تتبعثر، ولكن مما لا شك فيه أن جسدي يذكر ما نسيه عقلي.

أعادوني إلى الزنزانة الأولى في فترة ما. وفي أحد الأيام، كنت ورفاقي الثلاثة نجلس في دائرة على الأرض ونأكل الأرز حين حضر أبو شامخ، حارس حوثي ذو منصب رفيع يهوى إهانة الناس وتأليب السجناء ضد بعضهم البعض، وهذا ما أتى لفعله بالضبط، إذ ألقى بهراوات خشبية عبر فتحة الباب وأمر الآخرين بضربي. هذا ما قِيل لي، لكني لا أتذكر شيئًا من هذا.

بعدها نقلوني مجددًا إلى الزنزانة الانفرادية حيث أجبرني حارس على الوقوف والجلوس تكرارًا لمدة عشر دقائق. كان هذا أحد أشكال العقاب الشائعة التي قد تستمر لساعات، ولكنني عجزت عن إطاعة أوامره. أذكر جيدًا جلوسي ووقوفي ولكني لا أذكر إحساسي بأي ألم. ولسبب ما، لم أستطع من الوقوف باستقامة بعد جلوسي على الأرض. اجتاحني الارتباك وحاولت الوقوف مستقيمًا لكن ظهري خذلني.

كل ما أذكره بعد ذلك هو صوت أبو حمزة صارخًا عبر أحد فتحات باب الزنزانة؛ يسألني ما الخطب. كنت ممددًا على الأرض، في ألم لا يُحتمل، عاجزًا عن الحركة، وكلما حاولت أن أتحرك كانت العضلة تحت القفص الصدري تتقلص. ظل يصرخ وأنا أعاني محاولًا أن أفهم ما يحدث. وبعدها اختفى، وفقدت قدرتي على التركيز.

نجحت في الزحف على البلاط القذر نحو المرحاض في الزاوية، حيث كان بوسعي أن أنتظر ما قد يحل بي. قال السجناء في الزنزانات المجاورة إنهم سمعوني أصدر أنينًا وأصرخ على الأقل خلال ليلتين متتاليتين على الأقل قبل أن يأخذني الحراس إلى المستشفى، حسبما يُعتقد. لعلني كنت أصرخ فعلًا بهذا الشكل، ولكنني لا أذكر شيئًا. في اليوم التالي أو الذي يليه، أعادوني إلى زنزانتي الانفرادية، قِيل لي إنني لم أتوقف عن الأنين والصراخ من شدة الألم، ولكن ذاكرتي تخونني. في مرحلة ما، في اليوم التالي أو الذي بعده، اقتادني الحراس خارج السجن، يتذكر أحد السجناء أنه كان برفقتي في مركبة تقلنا إلى المستشفى، كنت مربوطًا على نقالة بلاستيكية، ومكبّل الأطراف.

استيقظت داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفى السعودي الألماني في صنعاء. كان هناك طبيبًا يمنيًّا كبير السن يقف قرب النقالة التي أحضروني عليها، وقال لي إنهم كانوا يجرون لي مسحًا بالرنين المغناطيسي للكشف عن إصابات. لا أذكر صوت الرنين الصاخب الذي يصدره الجهاز ولكنني أتذكر الطبيب. ثم غبت عن الوعي.

استعدت وعيي في غرفة بالمستشفى وكنت ما أزال مقيّدًا على النقالة. وفي الزاوية، جلس أربعة رجال حوثيين يحملون كلاشنكوف. حدّق ثلاثة منهم بي، وكانوا يبدون وكأنهم في المرحلة الثانوية من سن التعليم. حاولت تجنب التقاء العيون خوفًا من أن يعتقدوا أن نظرات الألم في عيناي نظرات عداء. بدا وكأن واحدًا منهم فقط، وهو الأكبر سنًا -لعله في أوائل العشرينيات من عمره- متعاطفًا معي، إذ نبّه الطاقم الطبي عندما لاحظ أن وجعي لا يُحتمل، فأتت ممرضة وحقنت مسكن للألم في المصل، ما أراحني لبرهة قبل أن أفقد وعيي مجددًا.

دخل الطبيب الذي كان في الغرفة حيث خضعت لتصوير الرنين المغناطيسي إلى غرفتي عدة مرات بصحبة طبيب آخر مشلول، وناشد الحراس تسفيري خارج اليمن لإجراء عملية جراحية طارئة لا يمكن إجرائها في اليمن، وصرخ: “إذ لم يجرِ العملية سيموت أو يصبح مشلولًا مثله”، مشيرًا إلى الطبيب على الكرسي المتحرك.

أظهرت مسوحات التصوير بالرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية التي أُجريت في 27 و28 مايو/أيار، كسورًا وإصابات خطيرة في وسط الجزء السفلي من ظهري، حيث تتصل الفقرة الصدرية والقطنية من العمود الفقري، وكانت شظايا العظام من الفقرات المكسورة تشكل خطرًا على الحبل الشوكي لقربها الشديد منه.

وفي 1 يونيو/حزيران، أخذني الحراس إلى المطار حيث كانت تنتظرني طائرة لتسفيري إلى مسقط، عاصمة عُمان، وكان بصحبتنا الطبيب الذي وبّخ الحراس وناشدهم إطلاق سراحي. عند نقلي إلى الطائرة على الحمالة، وقف الطبيب ونظر إليّ بنظرة ملؤها التعاطف وقال وهو ممسكًا بيدي: “ليس كل اليمنيين سيئين، مستر كايسي”.

****

بعد قضائي أسبوع في مسقط، نُقلت إلى سياتل في واشنطن حيث خضعت لعملية جراحية استمرت لتسع ساعات واستبدل الجراحون الفقرة القطنية L1 بقفص دمج فقرات العمود الفقري حيث دمجوا 11 فقرة. حينها، لم يكن لدي أي فكرة كيف حدثت هذه الإصابات. تكهن الجراحون أنها قد تكون ناتجة عن تعرضي لحادث سيارة عالية السرعة أو أنني وقعت من علو مرتفع عن الأرض. أحد النظريات الأخرى هي أن السجن حيث كنت معتقلًا استُهدف بغارة جوية ولكن الجراحون استبعدوها لأنه لم يكن هناك أي عظام أخرى مكسورة أو خدوش أو إصابات توحي بذلك.

خلال السنوات التي تلت إطلاق سراحي، جمعت ببطء تفاصيل الفترة التي قضيتها في السجن بفضل ما أطلعني عليه السجناء السابقون: الضرب الذي تعرضت له على أيدي رفاقي في الزنزانة، الليالي التي أمضيتها في الزنزانة الانفرادية، وكيف انتهى بي الأمر في المستشفى. وبناء على هذه الروايات، أفضل تخمين هو أن الكسور في عمودي الفقري ناتجة عن الضرب -ربما وقعت وارتطم ظهري بالحائط الخرساني في زاوية الزنزانة أو ربما بكل بساطة تلقيت ضربًا بالعصي الخشبية- ثم تضررت أكثر خلال التمارين التي أجبرني الحارس على القيام بها.

احتجت سنوات لأتعافى. تركزت الأشهر الستة الأولى بعد الجراحة على بناء قوة العضلات لأعاود المشي مجددًا، وأتعلم كيف أصعد وأنزل من مقعد الراكب في السيارة. لاحقًا، تعلمت كيف استقل الباص وأنزل من على متنه دون الوقوع. ساعدت المسكنّات القوية والفاليوم على تخفيف الألم الذي شعرت به خلال هذه الفترة، ولكنها خدرت مشاعري أيضًا كلما استعرضت ما حدث لي خلال آخر ثلاثة أسابيع قضيتها في اليمن أو حاولت تذكر كيف تكشفت هذه الأحداث المصيرية.

ومنذ إخلاء سبيلي، سمعت الكثير من القصص عن بعض الأشخاص الذين كانوا محتجزين في السجن نفسه. شملت أساليب التعذيب التي تعرضوا لها الصعق بالصدمات الكهربائية والخنق والضرب المبرح والركل والضرب بالهراوات الخشبية والتعريض لعمليات الإعدام الوهمي. كما ربط الحراس السجناء من أطرافهم في وضعيات مؤلمة لساعات، وأجبروهم على الجلوس في أحواض الماء البارد خلال فصل الشتاء، وهددوهم بأن يخبروا سجناء تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بأن السجناء الذين يشاركونهم الزنزانة ساعدوا الطائرات المسيّرة الأمريكية على استهداف التنظيم.

كما عانى معظم السجناء من المرض في أوقات عديدة: الجرب الناجم عن العث، ونوبات الهلع، والالتهاب الرئوي، واضطراب ما بعد الصدمة، وأمراض القلب، وارتجاج المخ، وغيرها من الإصابات الناتجة عن التعذيب.

جمال المعمري، زعيم قبلي من مأرب، شُل من الخصر نتيجة ضرب المحققين الحوثيين الذين اختطفوه في مارس/آذار 2015. أمضى المعمري ثلاث سنوات في سجون مختلفة، بما فيها السجن حيث احتُجزت، قبل أن يُطلق سراحه. انتحر العديد من السجناء، ومن نجا من الانتحار، عُوقب.

بعد خمسة أشهر من إطلاق سراحي، توفي سجين أمريكي في الزنزانة الانفرادية حيث احتُجزت، استنتج التقرير النهائي لتشريح الجثة أنه توفي اختناقًا، كما أشارت الدعوى القضائية التي رفعتها عائلة السجين إلى أنه خُنق حتى الموت.

ابتعدت عن كل ما يتعلق باليمن لسنوات. احتجت وقتًا لأستعيد عافيتي واستوعب ما حدث وأتعلم كيف أتعايش معه. عام 2019، عدت تدريجيًّا لأكتب عن اليمن. ما حصل معي ليس استثناء، ليس بالنسبة لأولئك الذين سجنهم الحوثيون. في الواقع، هانت تجربتي مقارنة بما يتعرض له السجناء اليمنيون في قبضة الحوثيين، إذ ساعدتني جنسيتي على مغادرة البلاد حين احتجت الرحيل وتلقيت العلاج الطبي الجسدي والنفسي وحصلت على الدواء اللازم لأتعافى من الضرر النفسي. أما الكثير من اليمنيين الذين يخرجون من السجون فليس بوسعهم مغادرة البلاد أو تلقي المساعدة الطبية أو حتى الحديث عمّا حدث لهم خوفًا من أن يُلقى بهم أو بأفراد عائلتهم في السجن. ولكنني أستطيع الكلام، فها أنا ذا أتكلم. قصتي هي واحدة فقط من قصص كثيرة لم تروى، ولكنها ليست تجربة فردية.

 

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

مشاركة