إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن

في الغالب، يجد اليمنيون أنفسهم في حَيرة إزاء الدور الذي تلعبه الإمارات في بلادهم، وما يربكهم بحق، تصرفاتها في الجنوب، التي تثير مخاوف الوحدويين من جهة وتوهَّم الانفصاليين بآمالٍ زائفة من جهة أخرى؛ بأن أبو ظبي تعيد تقسيم اليمن إلى شطرين أو ثلاثة. 

يتكهن آخرون أن هدف الإمارات الحقيقي في استمرار هجماتها ضد قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا يبقي السعودية غارقة في مستنقع حرب اليمن، التي لا تلوح لها نهاية في الأفق. وفي هذه الأثناء، توحي محاولات أبو ظبي، بالتظاهر ببناء امبراطورية – مثل بناء قواعد على طول ساحل البحر الأحمر والساحل الجنوبي اليمني وفي جزر يمنية مثل سقطرى وميون – تطمع من خلالها في موانئ اليمن وممراته البحرية.

ترى الكثير من النخب اليمنية أن الإمارات تشكل تهديدًا وجوديًّا على وحدة اليمن، وأرى شخصيا أن ذلك غير صحيح.

قبل عام 2015، لم تبدِ الإمارات الكثير من الاهتمام باليمن وأراضيه. عام 2008، وقعت شركة موانئ دبي العالمية (الشركة الإماراتية العالمية المتخصصة في إدارة الموانئ) اتفاقًا مع هيئة موانئ اليمن لتطوير وإدارة ميناء عدن على مدى 25 عامًا، ولكن العقد أُلغي في أغسطس/آب 2012؛ بعد أن تخلَفَّت الشركة عن استثمار 85 مليون دولار لرفع طاقة المناولة إلى 900 ألف حاوية سنويًّا. فما الذي تغيّر بعد ذلك ليدفع الإمارات إلى استثمار مليارات الدولارات لتأسيس موطئ قدم لها في اليمن؟ أعتقد أن التدخل العسكري السعودي هو ما أثار سلسلة الأحداث التي أتيت على ذكرها أعلاه. 

يأتي سلوك الإمارات في اليمن ضمن إطار استجابتها لما تراه تهديدًا وجوديًّا من طرفين مختلفين. التهديد الأول هو الإسلام السياسي، وتحديدًا النسخة السنيّة التي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين وحزب الإصلاح اليمني المرتبط لها، والذي يُعتقد أنه يمقت نموذج نظام الرأسمالية المنفلت الإماراتي، والثاني، وهو التهديد الفعلي المتمثل بالهيمنة السعودية على الإمارات.

لطالما عاشت الدول الخليجية الصغيرة تحت خطر الغزو من قِبل “شقيقتهم الكبرى” ضمن سياقات مختلفة في إشارة إلى إيران أو العراق أو السعودية. وباستثناء الكويت، ترى الدول الخليجية الصغيرة، وعلى مر التاريخ، أن من يشكّل تهديدًا وجوديًّا رئيسيًّا عليها هي الرياض وليس طهران، وذلك لسبب بسيط للغاية؛ إذ أن السعودية قد قضمت في الواقع أجزاءً من أراضيها جميعًا. وإضافة إلى ذلك، تدرك أنه لو حاولت إيران احتلال أي منها، لن تفلت بذلك، على عكس السعودية نظرًا لنفوذها الدولي الهائل.

خلال السنوات الستين الماضية ظهر ثلاثة نماذج للتعامل مع تهديد “الشقيقة الكبرى”. في العام 1961 حين باءت محاولة العراق ضم الكويت لأول مرة بالفشل؛ بدأت الكويت بصنع أصدقاء في المنطقة والعالم عبر الزخم الدبلوماسي الذي دعمته بزيادة استثماراتها الدولية وإنفاق تنموّي دولي لا مثيل له. 

أما النموذج القطري، الذي ظهر بعد إحباط الغزو السعودي لها عام 1996، عقب الانقلاب على نظام الحكم في الدوحة، فتمثل بشراء قطر الحماية الغربية، والمشاغبة قدر الإمكان، وجعل نفسها مفيدة عبر التفاعل مع إسرائيل وحماس وطالبان والإخوان المسلمين، وغيرهم ممن اتسمت علاقات الدوحة بهم بالغرابة؛ بهدف زيادة قيمتها الدبلوماسية بأعين الغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد.

أما النموذج الإماراتي، فقد ظهر بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين السعودية والإمارات عام 1974. إذ رُسِّمت الحدود عبر مناطق النفط، ووقّع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الاتفاق تحت الإكراه. استندت موافقة الإماراتيين على التوقيع على الأرجح على القول المأثور – الذي غالبًا ما يُعزى إلى الجنرال سون تزو- “ابقِ أصدقائك قريبين، وأعدائك أقرب”. بعدها، عملت الإمارات بحذر على تماشي مصالحها مع مصالح السعودية وناورت لتصبح أقرب حليف للسعوديين.

هذه النماذج لم تكن سوى جزء من استراتيجيات البقاء، إذ اعتمدت هذه الدول الثلاث أيضًا على الدعم الأمني الخارجي. نجت الكويت لأول مرة من محاولة الغزو العراقي عام 1961 بفضل الانتشار السريع لقوات بريطانيا البرية والبحرية والجوية، وحُررت من الغزو العراقي بقيادة صدام حسين عام 1991 بفضل تحالف قادته الولايات المتحدة وشارك فيه حوالي نصف مليون جندي أمريكي. أما قطر، فقد أمّنت نفسها من خلال انتشار القوات الأمريكية في قاعدة العديد الجوية أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بينما استضافت الإمارات عددًا من القواعد العسكرية على أراضيها وتبنّت ‘استراتيجية القنفذ” عبر بناء قدرة عسكرية محلية كفؤة.

ولكن أمن هذه الدول الثلاث ما يزال يعتمد على ضمانات من الولايات المتحدة؛ يهدف التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة بشكل رئيسي إلى ردع الرياض وطهران من انتهاك سيادة جيرانهم الأصغر. تُعد العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة متعددة الطبقات، وأحد عناصرها المهمة للغاية، والتي أسفرت عن اعتماد الأولى على الأخيرة، هو الدور الأمريكي في تأمين مرور النفط السعودي عبر مضيق هرمز في ظل التهديدات الإيرانية بإغلاق ممر الشحن الحيوّي في سياق اندلاع أي نزاع محتمل.

تحاول الرياض الحد من أوجه الضعف هذه، وتقليل اعتمادها على الضمانات الأمنية الأمريكية. وفي حين تؤمّن خطوط الأنابيب التي تنقل النفط إلى محطات التصدير على سواحل البحر الأحمر نوعاً من الارتياح للرياض إلا أنها تواجه نقاط الاختناق المحتملة في قناة السويس شمالًا وباب المندب جنوبًا. وبالتالي، لطالما عملت الرياض على تأمين وصول مباشر إلى المحيط الهندي عبر شرق اليمن.

في العام 1994، دعمت السعودية انفصال جنوب اليمن؛ إذ رأت أن في وسعها تأمين ممر لبناء خط أنابيب نفط شرق اليمن، يلتف حول نقطة الاختناق في مضيق هرمز، وفرض سيادتها على الممر. ولكن أُحبطت هذه الخطة تحديدًا من قِبل واشنطن التي كان لديها مصلحة استراتيجية في الاحتفاظ بنفوذها على الرياض. أعاقت الولايات المتحدة قرارًا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعمته السعودية، كان القرار يدين الحكومة المركزية ويطالب بوقف إطلاق نار فوري. وبذلك، كسب علي عبدالله صالح الوقت للسيطرة على مدينة المكلا، ومن ثم تأمين عدن. ولو أقر مجلس الأمن القرار قبل ذلك، لكانت السعودية ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي نفذت وعدها بالاعتراف بالدولة الجنوبية.

عند اندلاع النزاع الحالي عام 2015، تصرفت الإمارات -بدعم أمريكي كبير- بحزم لفرض سيطرتها في جنوب اليمن. أحد الأهداف الرئيسية لكلا الطرفين كان احتواء تهديد تنظيم القاعدة في البلاد. أما ما يخص الحرب الأوسع ضد جماعة الحوثيين، فالإمارات دعمت صراحة الأهداف المعلنة والمتمثلة بصد النفوذ الإيراني في اليمن، وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًّا إلى صنعاء، والحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسلامة أراضيها، وفي حال فشل تلك الخطة كانت البديلة هي ضمان استعادة دولة الجنوب والحفاظ على سلامة أراضيها. 

تتضمن الخطة البديلة، مصلحة استراتيجية مشتركة للإمارات والولايات المتحدة في منع وصول السعودية إلى المحيط الهندي عبر اليمن. بصورة كبيرة نشرت الإمارات قواتها شرق اليمن لتحارب تنظيم القاعدة، ما جعلها القوة الإقليمية المسيطرة على الأرض. ولكن، إحدى النقاط المهمة التي يغفلها اليمنيون الذين ينتقدون الإمارات هو أن تهديد الأخيرة للوحدة اليمنية -بكل بساطة- نتيجة ثانوية لاستراتيجيتها الأوسع التي تبنّتها أمام التهديد الوجودي الذي تواجهه هي نفسها.

وفي حين طبّقت الإمارات استراتيجياتها بفعالية في اليمن، فإن مشاكلها الحالية تنبع من دوافع صياغة هذه الاستراتيجيات وليس من فعالية تطبيقها. عندما واجهت الإمارات الخيار بين الاستقرار وعدم الاستقرار، وبين دعم القوى العلمانية التقدمية اجتماعيًا ودعم السلفيين المتشددين -الذين إن تطوروا سيصبحون نسخة مشابهة لحزب الإصلاح أو نسخة مشابهة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب إذا لم يتطوروا- كانت الإمارات تختار الخيار الخاطئ باستمرار.

تشبه استراتيجية الإمارات في جنوب اليمن المشي على الرمال المتحركة. فبعد أن خلقت توازنًا سياسيًّا وعسكريًّا متقلبًا للغاية، يترتب عليها أن تكون محترسة ومستعدة للتدخل في أي لحظة ودون سابق إنذار لتحرص أن الرياح لا تجري بما لا تشتهي سفنها. ولكن مهما كانت الإمارات يقظة، فهي محكومة بالفشل إذ أن خطوة خاطئة واحدة فقط كفيلة بجر الجنوب بأكمله إلى مستنقع من الفوضى وسفك الدماء.

الخيار الحقيقي الوحيد للاستقرار في شبه الجزيرة العربية هو يمن فدرالي مستقر وتقدمي اجتماعيًّا. هذا الخيار من شأنه أن يؤمّن ثقلًا موازنًا إيجابيًّا، يدعم بعض أو جميع دول مجلس التعاون الخليجي ضد هيمنة أي “شقيقة كبرى”.

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، هو مركز أبحاث مستقل، يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

 

هذا المقال جزء من سلسلة إصدارات لمركز صنعاء تفحص أدوار الجهات الحكومية وغير الحكومية الأجنبية الفاعلة في اليمن.

مشاركة