إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن
Read this in English

الطريق إلى المخا

وصلت إلى عدن مطلع أبريل/نيسان، قبل أسبوع من شهر رمضان، وأول ما لفت نظري هي حالة القلق العام التي تسود المدينة. تواجه عدن موجة ثانية من تفشي فيروس كورونا، فاقم ذلك المخاوف المرتبطة بالأمن والصراعات البينية والوضع الاقتصادي وتردي الخدمات العامة. تواجه الحكومة ضغطًا متزايدًا نتيجة هذه التحديات؛ واقتحم متظاهرون قصر معاشيق، مقر الحكومة في العاصمة المؤقتة، منتصف مارس/آذار. بعد تشكيل حكومة تقاسم السلطة في ديسمبر/كانون الأول بموجب اتفاق الرياض الذي وُقع برعاية سعودية، وعدت الرياض بتأمين الدعم المادي لها، لكنها لم تقدم شيئًا باستثناء منحة وقود بقيمة 422 مليون دولار أمريكي لمحطات الكهرباء أُعلن عنها في 1 أبريل/نيسان.

كانت وجهتي مدينة المخا الساحلية على الساحل الغربي. برزت هذه المنطقة كمركز سياسي وعسكري رئيسي باليمن كونها مقر القوات المشتركة، المظلة التي تنضوي تحتها ألوية العمالقة وقوات حراس الجمهورية والمقاومة التهامية، التي أُسست بدعم إماراتي عام 2018 خلال الهجوم الذي شُن لاستعادة السيطرة على ساحل البحر الأحمر من قوات الحوثيين. للمنطقة أهمية استراتيجية بالنسبة لأصحاب المصلحة الدوليين الذين يركزون على التهديدات المحتملة التي قد تطال طرق الشحن الدولية نتيجة الصراع في البلاد.

يتسم ساحل البحر الأحمر بتضاريسه المتنوعة حيث هناك سلسلة جبلية موازية للأراضي المسطحة على طول الساحل، ويجاور مضيق باب المندب، نقطة اختناق بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، يجب على حركة الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط العابرة للبحر الأحمر وقناة السويس أن تمر عبره. يمثّل ساحل البحر الأحمر باليمن فردوسًا مزدهرًا للتهريب منذ عقود إذ تُهرّب البضائع بين اليمن والقرن الأفريقي في كلا الاتجاهين، وتشمل الكحول والحشيش والسجائر والدراجات النارية والألعاب النارية والأسلحة والذخائر. تُعد هذه المناطق أحد المنافذ الأساسية التي يستخدمها مهربو المهاجرين الأفارقة الذين يسلكون طرقًا صعبة ويمرون بخطوط التماس ويواجهون مخاطر الحرب للوصول إلى الحدود السعودية في الشمال. غالبًا ما يُلقى بالكثير من المهاجرين على السواحل في ظروف مروعة.

يُعد الطريق الساحلي الذي يربط عدن بالمخا شريانًا حيويًّا منذ أن استعادت القوات الموالية للحكومة سيطرتها على المنطقة من قوات الحوثيين عام 2018. يسيطر مزيج من الجماعات المسلحة التي تنضوي تحت راية القوات المشتركة على مساحات متعددة من الطريق. تضم القوات المشتركة كلًا من ألوية العمالقة، مقاتلون سلفيون وقبليون ينحدر معظمهم من محافظات جنوبية وقبائل الصبيحة في محافظة لحج يقودهم القائد السلفي أبو زرعة المحرمي، وقوات المقاومة الوطنية، جنود سابقون في الجيش اليمني ينحدر أكثرهم من محافظات وسط وشمال اليمن يقودهم العميد الركن طارق صالح، نجل شقيق الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

في الظلام الدامس، أنارت مصابيح الشاحنات المحملة بالبضائع في طريقها نحو المخا الطريق الأسفلتي المتآكل الذي تزحف عليه الكثبان الرملية. كانت الأضواء الخافتة التي يستخدمها المهربون عادة مرئية أيضًا على الطرق الجانبية. ومع اقترابي من المخا، خفتت هذه الأضواء إلى أن تلاشت في الظلام الذي يلف الجبال.

 

مجتمع مهمش

هُمش سهل تهامة، الذي يمتد على ساحل البحر الأحمر في اليمن، سياسيًّا منذ الستينيات حيث لم يحظَ بتمثيل حقيقي في دوائر صنع القرار واقتصرت مشاركته على التمثيل الرمزي لبعض زعماء قبائله في السلطة المركزية بصنعاء. ليس واضحًا إلى أي مدى تمكنت القوى العسكرية التي ثبتت سيطرتها على تهامة منذ دحر الحوثيين من إشراك المجتمع المحلي في التطور السياسي والاقتصادي للمنطقة.

لا توجد تقديرات رسمية لعدد سكان مدينة المخا، لكنه ازداد بشدة منذ عام 2018 حين تحولت المدينة ومدينة الخوخة الأصغر نسبيًّا، إلى مراكز للعمليات العسكرية ضد الحوثيين في الساحل الغربي. وفضلًا عن حركة الأموال والمقاتلين والسكان المحسوبين على القوات المشتركة في المنطقة، تشهد المدينة نموًا في حركة التجارة وأعمال البناء؛ وتسعى الشركات التجارية في محافظة تعز للاستفادة من ازدهار المخا النسبي.

عيّنت الحكومة المعترف بها دوليًّا مديرين لمديرية المخا منذ عام 2018، لا ينحدر أي منهما للمديرية أو الساحل الغربي. تشمل بعض الجماعات التي أنشئت ضمن القوات المشتركة أفرادًا من تهامة، بينما يقدم اللواء الأول مقاومة تهامية بقيادة أحمد الكوكباني نفسه كمنافس لقوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة. يُعد زيد الخرج، وهو زعيم قبلي وتاجر وأحد أبرز المهربين بالمنطقة، أبرز الوجاهات الاجتماعية التي يتم التعامل معها في الساحل الجنوبي للبحر الأحمر. الكيانات المحلية الأخرى مثل القبائل، تباين نجاحها في التواصل مع القوى الموجودة على الأرض للدفاع عن مصالحها حيث انضم بعضها إلى المقاومة الوطنية بينما يفتقر بعضها الآخر إلى علاقات مع هذه القوات التي يقودها طارق صالح.

شمالًا، يراقب السكان المحليون في محافظة ريمة ومديريتي وصاب بمحافظة ذمار، الواقعتين تحت سيطرة الحوثيين والمجاورتين لتهامة واللتين لديهما روابط اجتماعية واقتصادية مع سكان الساحل الغربي، التطورات من بعيد. لديهم مصالح رئيسية في تهامة ومن المرجح أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وقد يتخذون إجراءات في نهاية المطاف لضمان وجودهم وتأثيرهم على طول الساحل رغم أنهم مفصولون عبر الجبهات حاليًّا.

 

توتر مستمر على طول الساحل

جمّد اتفاق ستوكهولم، الذي وُقع بين الحكومة اليمنية والحوثيين في ديسمبر/كانون الأول 2018 برعاية الأمم المتحدة، القتال على ساحل البحر الأحمر، واستقر الطرفان بشكل متقابل على خطوط التماس في مدينة الحديدة وأجزاء من محافظتي الحديدة وتعز. لكن التوترات مستمرة؛ تشهد بعض خطوط التماس اشتباكات من حين لآخر، تستغل قوات الحوثيين مواقعها في مدينة الحديدة -التي أمنت تمركزها فيها وفقًا لاتفاق ستوكهولم- في شن هجمات لاختبار دفاعات خصومها على أمل استعادة بعض المناطق التي خسرتها عام 2018. تشهد مديريتا التحيتا والدريهمي ومدينة حيس مناوشات عنيفة منتظمة رغم وقف الأعمال العدائية شكليًّا. كان عمل لجنة تنسيق إعادة الإنتشار -اللجنة الأممية المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار في الحديدة وإعادة الانتشار من المدينة- غير فعّال بشكل عام منذ تنفيذ اتفاق ستوكهولم. بدت اللجنة ضعيفة في مواجهة خروقات الحوثيين، وعلى الأرجح يعود هذا إلى وجود مقر اللجنة في منطقة يسيطر عليها الحوثيون بمدينة الحديدة؛ يسمح هذا للحوثيين بالتحكم في حركة أعضاء اللجنة ويسيطر على كيفية تفاعلهم مع التطورات المحلية.

أثرت التطورات في المناطق الداخلية الواقعة تحت سيطرة الحكومة في الديناميات المحلية على طول ساحل البحر الأحمر. عزز حزب الإصلاح نفوذه حول مدينة تعز بعد مقتل عدنان الحمادي في ديسمبر/كانون الأول 2020، والأخير كان يقود اللواء 35 مدرع ومدعومًا من دولة الإمارات ويُنظر إليه على أنه قريب من الحزبين الاشتراكي والناصري. تمركزت القوات المحسوبة على الإصلاح في منطقة الحجرية المهمّة استراتيجيًّا جنوب مدينة تعز، ووسعت نفوذها غربًا باتجاه باب المندب والمخا. ومثال على ذلك، يسيطر حاليًّا محور طور الباحة العسكري الموالي للإصلاح، الذي أُنشىء عام 2020، على المناطق الساحلية الرئيسية في محافظة لحج، جنوب شرق باب المندب. يتم التعامل مع هذا المحور كأمر واقع رغم أن وزارة الدفاع لم تصدر قرارًا رسميًّا يعترف بإنشاءه.

في هذه الأثناء، تداعيات المعركة المشتعلة في مأرب ستنعكس على اليمن، بما في ذلك ساحل البحر الأحمر. في حال انتصر الحوثيون في مأرب، من المحتمل أن يوجهوا أنظارهم نحو المناطق التي تسيطر عليها القوات المشتركة ويعززون وجودهم هناك. كما تراقب الجماعات في المخا الوضع بالجنوب عن كثب إذ أن أي تغييرات جذرية في عدن ستؤثر حتمًا على الوضع هناك. أمّنت القاعدة الإماراتية في عصب بإريتريا الدعم اللوجستي للقوات المدعومة من أبوظبي على الساحل الغربي لليمن عبر البحر الأحمر، وساعدت في تسهيل حركة القادة العسكريين. بعد سحب الإمارات قواتها من اليمن عام 2019 وتفكيك قاعدتها في عصب في فبراير/شباط 2021، صارت عدن المنفذ الوحيد للمخا نحو العالم. وبالتالي، تنامت أهمية عدن الاستراتيجية بالنسبة للساحل الغربي.

 

ظهور قوة سياسية جديدة

في 24 مارس/آذار، أعلنت قوات المقاومة الوطنية إنشاء مكتب سياسي يترأسه طارق صالح دون الإدلاء بتفاصيل أخرى عن قوامه وأعضائه. لكن الشخصيات السياسية التي حضرت الإعلان ضمت وجوهًا معروفة من حزب المؤتمر الشعبي العام، الحزب الحاكم سابقًا خلال عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح. يعاني الحزب انقسامًا مدمرًا منذ اندلاع الحرب في اليمن، تفاقم بعد مقتل صالح خلال اشتباكات مع حلفائه السابقين، الحوثيين، في ديسمبر/كانون الأول 2017.

يعكس الإعلان عن المكتب السياسي تنامي الطموحات السياسية لقوات المقاومة الوطنية، التي تشكل جزءًا من القوات المشتركة وتسيطر على أحد أكثر المناطق حساسية وأهمية في اليمن بالنسبة للمجتمع الدولي. أُنشئت قوات المقاومة الوطنية عام 2018 بدعم إماراتي لقيادة الهجوم لاستعادة السيطرة على ساحل البحر الأحمر من الحوثيين. بعد دفع قوات الحوثيين شمالًا إلى أطراف مدينة الحديدة، توقفت المعركة لتحرير المدينة عقب تدخل دولي وتوقيع اتفاق ستوكهولم. غيّر هذا الاتفاق مسار الحرب وموازين القوى باليمن كليًّا. أعادت قوات الحوثيين تنظيم صفوفها واتجهت أنظارها لاحقًا نحو مأرب، واستمر حجم ونفوذ المقاومة الوطنية على البحر الأحمر بالتنامي.

يعبّر إنشاء المكتب السياسي عن إدراك المقاومة الوطنية حاجتها لمنصة تمثلها سياسيًّا في معسكر الحكومة بما يتماشى مع نفوذها العسكري على الأرض، لا سيما في ظل الجهود الدبلوماسية خلال الأشهر الأخيرة والرامية لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات بين الأطراف المتحاربة لإنعاش عملية السلام في اليمن.

أثار إعلان المكتب السياسي قلق بعض الأطراف حول إمكانية استئناف الدور السياسي لأسرة صالح في السياسة اليمنية. تضاءل نفوذ أسرة صالح منذ مقتله حيث فشل نجله أحمد، المقيم بالإمارات، في معالجة أو رأب الخلافات الداخلية في حزب المؤتمر. ونظرًا لأن طارق صالح هو من يرأس المكتب السياسي، فإن لدى الأخير فرصة ليستفيد من رأس المال السياسي الرمزي للحزب الحاكم سابقًا وقاعدة الدعم الواسعة التي كان يحظى بها.

على الساحة السياسية، لا ينافس المكتب السياسي بقايا حزب المؤتمر وحسب، بل يُعد خصمًا لجماعة الحوثيين نظرًا للطابع الشمالي للمقاومة الوطنية بشكل عام. أما على جهة المعسكر الموالي للحكومة، فإن حزب الإصلاح بالتحديد ينظر بحذر إلى المقاومة الوطنية نظرًا لتحالفها مع الإمارات، والأخيرة تبذل جهودًا لمواجهة وإضعاف تمثيلات الإسلام السياسي في المنطقة، وخصوصًا الإخوان المسلمين بنسخها المحلية المتعددة من بينها حزب الإصلاح في اليمن. يمكن النظر إلى هذا التوتر كامتداد للخصومة التي نشأت خلال الانتفاضة عام 2011 حيث سعى الإصلاح لعرض نفسه كوريث لنظام صالح. أما جنوبًا، فحقيقة أن المجلس الانتقالي الجنوبي والمقاومة الوطنية مدعومان من الإمارات فذلك يحول دون انفجار أي خصومة علنية بينهما. ولكن من المؤكد أن المجلس الانتقالي لا يشعر بالارتياح لفكرة تواجد قوة عسكرية شمالية قرب مناطق نفوذه، ناهيك عن أن تكون قوة يُنظر إليها كامتداد لأسرة صالح غير المحبوبة من جهات موالية للانفصال في جنوب اليمن.

المكتب السياسي في موقع يسمح له بالاستفادة من المخاوف الإقليمية والدولية بخصوص ضعف الأطراف السياسية غير الدينية في اليمن. ومع فشل كل الجهود في توحيد حزب المؤتمر، بوسع المكتب السياسي المؤسس حديثًا أن يضع نفسه كوريث طبيعي للحزب الحاكم سابقًا. كما ترى القوى الإقليمية مثل الإمارات ومصر أهمية وجود قوة سياسية بوسعها التنافس مع حزب الإصلاح والحيلولة دون توسع نفوذه من تعز في الوسط إلى سواحل البحر الأحمر وباب المندب؛ تقويض هذا النفوذ سيحرم تركيا وقطر، الداعمين الإقليميين الرئيسيين للإصلاح، من الحصول على موطئ قدم في منطقة تُعد حيوية بالنسبة لأمن مصر والإمارات القومي.

لا تزال قدرة طارق صالح على ترجمة النفوذ العسكري للمقاومة الوطنية إلى قوة سياسية فعليّة غير واضحة. ومن دون رؤية سياسية واضحة ومحددة وهيكل تنظيمي يستمر بالنمو ليعكس واقع الصراع، سيتآكل نفوذ المكتب السياسي بسرعة بغض النظر عن قوته العسكرية. وفي حين يراقب الكثير من اليمنيين تطور المكتب السياسي، فإن السؤال الأهم هو: هل سيصبح هذا المكتب أقوى ويسعى للمشاركة في التحالفات السياسية مع أطراف أخرى يتقاطع معها في أهداف مشتركة؟

من المؤكد أن السيطرة على مناطق محددة على ساحل البحر الأحمر، بغض النظر عن أهميتها السياسية والأمنية، ليس سقفًا لطموحات قوات المقاومة الوطنية. يُعد تعزيز نفوذها على الساحل الغربي ضد التحديات من مختلف الخصوم، تحديدًا الإصلاح، خطوة ضرورية نحو أي محاولة لتوسيع مشروعها السياسي في مناطق أخرى باليمن. كما أن تجسير الفجوة في الثقة مع القوى الأخرى في معسكر الحكومة يمثل عائقًا يجب تخطيه إذا كانت تسعى للتنسيق عسكريًّا وسياسيًّا مع مجموعات أخرى. وفي حين يتركز الاهتمام الدولي والمحلي على المعركة المستمرة في مأرب لأسباب بديهية، إلا أنه يجب عدم تجاهل التطورات على الساحل الغربي نظرًا لقدرتها في التأثير على السياسة في جميع أنحاء البلاد.

الوسوم: الحديدة
مشاركة