إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

بعد سبع سنواتٍ من الحرب في اليمن، أصبح الجميع تقريبًا متقبلين للواقع الذي كان جليًّا منذ البداية: التدخلات العسكرية الخارجية تحمل في طياتها بذور الفشل. تشكل عنجهية القوى المتدخلة إهانة لشركائها ووكلائها المحليين وتحبط معنوياتهم. وغالبًا تفضل تلك القوى التعامل مع الشركاء المحليين الأكثر امتثالًا والأسهل قيادة، وهذا يدفع الحلفاء المحليين الأقل وطنية والأكثر فسادًا إلى مراكز القيادة. وكثيرًا ما تمثل غطرسة القوى المتدخلة وفساد وكلائها المحليين أقوى سلاحين في ترسانة الأطراف التي تقاوم التدخل العسكري الخارجي. وهذه هي المعادلة البسيطة التي حددت نتائج الكثير من التدخلات العسكرية الخارجية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين. 

بات أغلب المراقبين والناشطين يُقرّون أن الحوثيين ينتصرون، ولكن السؤال المطروح هو ما النصر الذي يحققونه؟ 

إن النصر الأكثر بداهة الذي يحققه الحوثيون هو الانقسامات والخلافات بين خصومهم. أصبح موقف الحوثيين العسكري في مأرب وتوسع رقعة امتدادهم إلى جنوب اليمن مدعاة للاحتفال في صنعاء وطهران وعواصم ما يوصف بـ”المقاومة”. وكل نجاح عسكري يحققه الحوثيون يعزز نفوذ الجناح الأكثر تطرفًا أيديولوجيًّا على حساب المعتدلين، سواء داخل جماعة الحوثيين ذاتها أو في إطار تحالفهم الأوسع الذي يضم نُخبة صنعاء التي أعادت تكوين نفسها من أفراد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ومشايخ القبائل من مختلف أنحاء اليمن. الجناح المتطرف ملتزم أيديولوجيًّا بمفهوم الولاية لدى الزيود والذي يحصر الحق في تولي الحكم للبطنين (سلالة الحسن والحسين). يواصل الحوثيون احتجاز المئات من أعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه وترأسه صالح، وتجميد أصول الحزب وحظر أنشطته بما في ذلك اجتماعاته الداخلية. هذه المعاملة القاسية لحليفهم الرئيسي تثبت أن الحوثيين لا يحترمون حقيقة أن النخبة القبلية الشمالية الزيدية، بقيادة صالح هي التي منحتهم السيطرة على عاصمة الدولة ومؤسساتها وحوّلت الجماعة من ميليشيا عسكرية صغيرة ومتطرفة إلى ما يضاهي الدولة اليمنية. إن عدم قبولهم لهذا الأمر يشير إلى أنهم لن يقبلوا بأي اتفاق حقيقي لتقاسم السلطة مع الأطراف الفاعلة الأخرى في اليمن.

خلال رحلة قمت بها مؤخرًا إلى صنعاء، سألت العديد من الحوثيين الذين تحاورت معهم: “ما سيكون دور “السيد” (عبدالملك الحوثي) في الدولة اليمنية بعد الحرب؟” لم يتمكن أحد من الإجابة. وفقًا لعقيدة الحوثيين، يُعد عبدالملك الحوثي “الولي العلم”، (صاحب الولاية) الذي يتمتع بالسلطة والنفوذ المطلقين على الأمة ولا يمكن تقاسم سلطته. في الوقت الراهن، وبينما جناح الحوثيين المتطرف -المنتشي بسلسلة الانتصارات التي تيسرت بسبب عجز قيادة الجانب الآخر- يخطط لاستكمال سيطرته على بقية اليمن، تدرس المقاومة اليائسة في مأرب الخيارات المتاحة أمامها.

 أمام القبائل في مأرب خيار واحد، وهو قبول العرض الذي قدمه الحوثيون قبل عام تقريبًا: التنديد بالتحالف الذي تقوده السعودية، وطرد مسلحي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من المحافظة، وتقاسم عائدات مأرب من النفط والغاز مع الجماعة. بالمقابل، سيتاح للمحافظ سلطان العرادة، الذي ينحدر من قبيلة عبيدة البارزة، وللقادة المحليين في مأرب، فرصة الاحتفاظ بمناصبهم والتمتع بدرجة من الحكم الذاتي المحلي، في الوقت الراهن على الأقل. الصفقة مغرية بعض الشيء. فقد تكبدت قبائل مأرب خسائر كبيرة في حرب الاستنزاف الدموية هذه. وهي تدرك قدرة الحوثيين على تحمل خسائر في الأرواح أكثر منها، فالحوثيون يجندون من قاعدة سكانية تزيد على 20 مليون نسمة. بالمقابل، لا يصل تعداد القبائل إلى ربع مليون نسمة، وبالتالي تقترب بعضها من قبول صفقة الحوثيين.

من جانب آخر، بات حزب الإصلاح، الذي يسيطر على مأرب باسم التحالف المناهض للحوثيين، في موقف أكثر صعوبة. للحوثيين هدف مشترك مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وداعمته الإمارات العربية المتحدة، في إبادة حزب الإصلاح الذي يعتبر الفرع اليمني لحركة الإخوان المسلمين في المنطقة، في حين تحولت السعودية، الداعم التقليدي للإصلاح، إلى دولة معادية للإسلاميين. وبالتالي، يجد حزب الإصلاح نفسه أمام خيارات محدودة.

وفيما استجابت بضعة أصوات داخل قيادة الإصلاح في مأرب لمقترح الاندماج مع حزب المؤتمر الشعبي العام لتوسيع جبهته والصمود في هذا الوقت الاستثنائي العصيب، يبدو أن استراتيجية معظم قادة الإصلاح هي مزيج مأساوي من العجز والتحدي في الوقت الذي تشير فيه المناقشات السرية بين فصيل من الإصلاح والحوثيين إلى قرب إبرام صفقة مباشرة.

لذا، في الوقت الذي تُلوّح فيه السعودية بالراية البيضاء وتسعى إلى التوصل لاتفاق مع الحوثيين يعالج مخاوفها الأمنية -ويسمح بحسب مصادر سعودية مطلعة باستمرار القتال بين اليمنيين- يتحرك الإصلاح نحو قبول صفقة الحوثيين فيما يتعلق بمأرب. ومن المرجح أن تؤدي هذه الصفقة إلى التوصل لاتفاق أكثر شمولًا من شأنه أن يعيد إحياء ثيوقراطية ما قبل عام 1962، بحيث يصبح حزب الإصلاح السُنّي الشريك الأصغر للحوثيين الزيود. وإذا ما حدث هذا، سيؤدي إلى نشوء نظام ثيوقراطي لا يتيح مكانًا للجماعات غير الطائفية أو لجنوب اليمن. ولن تتمكن الدولة اليمنية من الصمود أمام ذلك.

بيد أن أي اتفاق بين الحوثيين وخصومهم لن يدوم. سيتزايد عدد الأطراف المستبعدة، وسيجد الحوثيون أنفسهم في نهاية المطاف يقاتلون جماعات عدة على جبهات متعددة، بما في ذلك الكتلة الزيدية الشمالية التي حملت السلاح حتى الآن لصد “العدوان” الخارجي.

وسواء أبرمت السعودية والحوثيون اتفاقًا لإنهاء الحرب أو سبق حزب الإصلاح السعوديين بإبرام اتفاق مع الحوثيين أولًا، فإن أي اتفاق يبصر النور لن يكون له فرصة كبيرة للصمود على الأمد البعيد إذ أنه سيغلق أحد فصول الحرب اليمنية ويفتح فصلًا جديدًا أكثر عنفًا. على جميع الأطراف، الحوثيين والإصلاح والسعوديين، إعادة النظر في هذه النهج والعمل معًا لاستيفاء الحد الأدنى من الشروط التي من شأنها أن تعيد الاستقرار وتتوصل إلى صفقة سلام شاملة في نهاية المطاف.

إن التسويات السياسية التي تؤدي إلى دولة مستقرة تقوم على خلق التوازن بين الأطراف الفاعلة المتنافسة بحيث يمسي اللجوء إلى العنف خطوة غير مربحة. وكلما اتسعت قاعدة الاتفاق السياسي، أصبحت أكثر استقرارًا. ولكن في اليمن، لا تحقق ضوابط وموازين الديمقراطيات المستقرة هذا الهدف بسبب الافتقار إلى عُرف سيادة القانون وغياب مجتمع مدني قوي. قد تؤدي الصفقات النخبوية غير الشاملة إلى إيقاف أعمال العنف مؤقتًا، ولكنها لا تستطيع تحقيق الاستقرار الطويل الأمد الذي يحتاج إليه اليمن من أجل البقاء.

لا يمكن تحقيق الاستقرار في اليمن إلا من خلال الموازنة بين السلطة المركزية والمحافظات عبر تطبيق اللامركزية العميقة الإدارية والمالية وفي قطاعي الأمن والجيش، باستخدام نماذج جُربت واختُبرت في النظم الاتحادية في جميع أنحاء العالم.

إن النجاحات العسكرية التي يحققها الحوثيون تقلل احتمال قبولهم بالمساومة على مبدأ الولاية والسلطة المطلقة لزعيمهم، وبالتالي هم غير قادرين على تقاسم السلطة على نحو يخلق هذه الضوابط والتوازنات. وهذا يمكن أن يؤدي إلى تدمير الدولة اليمنية. هذا هو نوع النصر الذي يحققه الحوثيون.


أُعدت هذه الورقة من قِبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية كجزء من مشروع الاستفادة من التكنولوجيا المبتكرة لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والمساءلة في اليمن. مُوِّلت هذه الورقة من قِبل الحكومة الاتحادية الألمانية وحكومة كندا والاتحاد الأوروبي.

التوصيات الواردة في هذه الورقة هي آراء المؤلف (المؤلفين) فقط، ولا تعكس آراء مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أو شريكه (شركائه) أو أي أشخاص أو منظمات أخرى قد يتبع لها المشاركون. لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار محتويات هذه الورقة على أنها تعكس مواقف الحكومة الاتحادية الألمانية أو حكومة كندا أو الاتحاد الأوروبي.

مشاركة