إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

كيف خرجت العلاقات اليمنية-السعودية عن مسار حسن الجوار

Read this in English

أنهت معاهدة الطائف بين المملكة المتوكلية والمملكة العربية السعودية حرب عام 1934 بين الدولتين، وأفضت إلى ضم السعودية لمقاطعات نجران وجيزان وعسير المتنازع عليها. نصت المعاهدة على سلطة السعودية على المقاطعات المتنازع عليها لمدة 20 عامًا. كما أنها منحت مواطني كل بلد الحق في العيش والعمل في البلد الآخر. أعقب ذلك 30 عامًا من السلام، الأمر الذي سمح بإقامة روابط اقتصادية قوية ويسر هجرة مئات الآلاف من العمالة اليمنية إلى السعودية.

توترت العلاقات بعد اندلاع ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 ضد الإمام محمد البدر، الذي فر إلى السعودية. وطلب الثوار من مصر عبدالناصر، المنافسة الرئيسية للسعودية في المنطقة، إرسال قوات لدعم الجمهورية الناشئة. وبعد فترة وجيزة، هدد نائب الرئيس عبدالرحمن البيضاني، الذي فرضه المصريون على الثوار، بقصف قصور الرياض. كان ذلك إيذانًا بتدخل سعودي كبير لدعم القوى الملكية التي حاربت لإعادة الإمام إلى السلطة في صنعاء. توقف التدخل المصري بعد اتفاق بين الرئيس عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود عقب هزيمة مصر في حرب 1967، ورغم اتفاقهم مع مصر، ظل السعوديون يمولون الملكيين حتى عام 1970. وحين أصبح عجز الملكيين عن الانتصار واضحًا؛ توقفت السعودية عن تمويل مجهودهم الحربي وتوسطت في إبرام اتفاقية سلام بينهم والجمهوريين، مُنح بموجبها الملكيون حصة رمزية في السلطة السياسية للنظام الجمهوري، وبدأت صفحة جديدة من العلاقات بين اليمن الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية) والسعودية لبضع سنوات فقط، اتسمت بمحاولة السعودية الهيمنة على اليمن وتثبيت خط حدود عام 1934. في أبريل 1973، تمكنت الرياض من حمل رئيس الوزراء اليمني عبدالله الحجري على تجديد معاهدة الطائف، وهي الخطوة التي ألغاها المجلس الجمهوري (المدني)؛ لترعى السعودية الإطاحة بالقيادة المدنية واستبدالها بمجلس قيادة عسكري.

أثبت قائد مجلس القيادة إبراهيم الحمدي مقاومة مماثلة للهيمنة السعودية، واُغتيل في أكتوبر 1977 في مؤامرة يُعتقد على نطاق واسع أنها كانت برعاية السعودية. أما القائد الذي قتل الحمدي وخلفه رئيسًا، أحمد الغشمي، فقد اُغتيل بدوره بعد ثمانية أشهر على يد انتحاري أرسله زعيم اليمن الجنوبي، سالم ربيّع علي، مما مهد الطريق أمام تولي علي عبدالله صالح السلطة في الشمال.

نجا صالح بدهائه من تقلبات العلاقات مع السعودية رغم معارضته تجديد معاهدة الطائف. وكثيرًا ما صرح أنه لا يمكن لرئيس شطر واحد من اليمن استكمال ترسيم الحدود مع السعوديين، لأن الشطر الآخر من اليمن سيعتبر ذلك خيانة. ومنذ عام 1978 حتى الوحدة عام 1990، استُهدف صالح بعدة محاولات اغتيال نسبها إلى السعودية.

عام 1990 وُحِد شطرا اليمن، وهو هدف وطني سعى إليه زعماء اليمن الشمالي والجنوبي منذ عقود. أصبح صالح رئيسًا في حين تبوأ زعيم الجنوب علي سالم البيض، منصب نائب الرئيس. عارضت الرياض الوحدة، إلا أن الخطوة لقيت دعمًا من رئيس العراق صدام حسين ورئيس ليبيا معمر القذافي اللذين كانا على عداءٍ مع السعودية. وسرعان ما ازداد توتر العلاقات بين الجمهورية الموحدة حديثًا والسعودية.

وفي صدفة تاريخية، غزا صدام حسين الكويت بعد بضعة أشهر من الوحدة اليمنية. اختار صالح الوقوف إلى جانب صدام رغم معارضة معظم كبار المسؤولين اليمنيين، بما في ذلك نائب الرئيس البيض، الذي سرعان ما همشه صالح ليصبح صاحب القرار الوحيد في السياسة الخارجية اليمنية. ومن سوء حظ اليمن أنها كانت في ذلك الوقت الدولة العربية الوحيدة العضو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فأمر صالح ممثله الامتناع عن التصويت على قرار يأذن باستخدام القوة العسكرية لتحرير الكويت، كما وجه حكومته بتنظيم مظاهرات تضامنية حاشدة مع العراق، ومنح طلاب المدارس والموظفين المدنيين إجازة وصدرت تعليمات لهم جميعًا بالانضمام للمظاهرات. قُوبلت التدابير اليمنية برد فعل عنيف من جانب السعودية (وبعض الدول الخليجية الأخرى) شملت إلغاء الامتياز الخاص الممنوح للعمالة اليمنية المهاجرة في المملكة للعمل دون كفيل، وطُرد ما يقرب من مليون عامل يمني مهاجر لم يتمكنوا حتى من تصفية أعمالهم أو بيع أصولهم.

وعلى الرغم من الفتور الذي اعترى العلاقات بين 1990-1991، استأنف الجانبان اليمني والسعودي التواصل بشأن قضيتين رئيسيتين: استكمال ترسيم الحدود؛ ومقترح سعودي لإنشاء خط أنابيب يمر عبر شرق اليمن لتصدير النفط السعودي، بهدف تجنب مضيق هرمز. أُحرز بعض التقدم بشأن المسألتين. وافق صالح على بدء المحادثات بشأن الحدود ووافق من حيث المبدأ على مقترح إنشاء خط الأنابيب، ولكن كان هناك نقطة خلاف حول الترتيبات الأمنية لمد خط الأنابيب، حيث أصرت السعودية على ترتيبات أمنية مشتركة في حين أصر صالح على أن تتولى اليمن كافة الترتيبات الأمنية، بناءً على مبدأ السيادة.

في غضون ذلك، أفضى تهميش صالح لنائبه وموجة الاغتيالات التي أودت بحياة أكثر من 150 من قادة الحزب الاشتراكي اليمني إلى توتر انتهى باندلاع حرب عام 1994 بين قوات الحزب الاشتراكي اليمني والقوات الشمالية المدعومة من عشرات الكتائب الجنوبية التي فرت إلى الشمال بعد الحرب الأهلية في عدن عام 1986. قبل ستة أشهر من الحرب، عندما تبيّن لصالح أن السعودية تدعم الحزب الاشتراكي اليمني وتموّل صفقات شراء أسلحته، بما في ذلك صواريخ سكود بي من كوريا الشمالية وقاذفات القنابل ميج 29 من أوروبا الشرقية، أبلغ صالح الرياض موافقته على ترتيبات أمنية مشتركة لمد خط الأنابيب، وجاء الرد السعودي بأنها لن تقبل الآن بأقل من السيادة الكاملة على ممر خطوط الأنابيب.

بعد الحرب مباشرة، وُقعت مذكرة تفاهم بين الدولتين استُهل بموجبها عملية ترسيم الحدود، وبعد ست سنوات، انتهت العملية بتوقيع معاهدة جدة عام 2000، وبموجبها رُسّمت الحدود بشكل دائم.

في أعقاب التوصل لتسوية مرضية لشاغلها الأمني الرئيسي، أي الخط الحدودي، أبدت السعودية استعدادها لفتح صفحة جديدة، وكان الدعم المالي السعودي لليمن، وزيادة فرص العمل للمهاجرين اليمنيين، وخطط تنمية المجتمعات الحدودية وتمويل حرس الحدود اليمني بمثابة مؤشرات واضحة على ذلك، غير أن صالح لم يقابل ذلك بالمثل. جرى تتبع أثر الأسلحة التي استخدمها تنظيم القاعدة في الهجمات الإرهابية ضد السعودية إلى صالح وشريكه السابق، الجنرال علي محسن، الأمر الذي زعزع الثقة المتبادلة مرة أخرى، ويبدو أن مقترح خط الأنابيب -الذي قال عضوان في اللجنة الفنية اليمنية المعنية بالحدود أنهما شاركا في مناقشة المقترح مع السعوديين على المستوى الفني حتى عام 2003 – قد جُمد بسبب حرب الحوثيين عام 2004. هذا الشاغل الأمني المشترك الجديد أدى إلى استمرار الدعم السعودي لليمن، لكن الخطط الرامية إلى إدماج اليمن في الاقتصاد الإقليمي عبر مجلس التعاون الخليجي تراجعت.

مع احتدام الحروب في صعدة، ركزت السعودية على التعامل مع التهديد المباشر المتمثل بتنامي النفوذ الإيراني في اليمن. تحسنت العلاقات اليمنية-السعودية على مستوى القيادة بشكل ملحوظ، حيث تلقى صالح دفعات من الأموال السعودية بشكل متكرر. ساهمت حروب صعدة، التي استخدمها صالح لتدمير القوات العسكرية لمنافسه الرئيسي الجنرال علي محسن، في تحويل ميليشيا الحوثيين الصغيرة إلى قوة عسكرية كبيرة، وبعد حروب صعدة واصلت السعودية دعم صالح، حتى في ظل الاحتجاجات الكبرى التي دعت إلى الإطاحة به خلال الثورة الشبابية عام 2011. وحين أصبح عجز صالح عن التمسك بالسلطة واضحًا، دعمت السعودية الانتقال السلمي للسلطة ورعت الاتفاق السياسي الذي يحقق ذلك.

مع المفاوضات الجارية حاليًّا بين السعودية وعُمان لإنشاء خط أنابيب النفط عبر الأراضي العمانية، بات من الواضح أن اليمن لم يعد إلا مجرد مصدر قلق أمني في المقام الأول من منظور السعودية. لطالما مثّل اليمن تهديدًا حقيقيًّا أو متصورًا للمملكة طوال القرن الماضي، وتجلى ذلك بشكل واضح في النزاع الحالي الدائر في اليمن. من الواضح أيضًا أن السعودية أصبحت في نظر اليمنيين قوة مهيمنة تضع نصب أعينها الاستيلاء على جزء من أراضي بلادهم، فيما بات من الصعب عودة الاستقرار إلى هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية دون معالجة هذا الشاغل الرئيسي.

مشاركة