إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

يمر حزب المؤتمر الشعبي العام بفترة ضعف غير مسبوقة مع حلول الذكرى الأربعين لتأسيسه الذي وافق الـ24 من أغسطس/ آب. وُلد الحزب من رحم الحوار الوطني الذي أُجري مطلع الثمانينيات من القرن الماضي بعد حرب داخلية شرسة، ومنذ تأسيسه وحتى هذه اللحظة، يُعد كل رئيس من رؤساء اليمن من قيادات الحزب. كان صالح رئيسًا للحزب وحكم اليمن باسمه حتى تنحيه عقب احتجاجات حاشدة عام 2011، ليصعد نائبه في السلطة والرجل الثاني في الحزب عبدربه منصور هادي كرئيس للبلاد في 21 فبراير/ شباط 2012. وبعد تنحية الأخير من السلطة في أبريل/ نيسان هذا العام، صعد قيادي آخر من الحزب كرئيس لمجلس القيادة الرئاسي وهو رشاد العليمي، الذي شغل سابقًا منصب وزير الداخلية إبان حُكم صالح.

بدأت مرحلة الانقسام في صفوف الحزب الذي حكم اليمن لعقود فعليًا مطلع 2011، بإعلان قيادات مؤتمرية وازنة انشقاقها عن الحزب عقب شن الحكومة حملات قمع عنيفة ضد المحتجين. ومع تولي هادي السلطة، انقسمت قيادات الصف الأول بينه وصالح الذي تمسك بقيادة الحزب ولم يتنازل عنها لهادي رغم مطالب الأخير بذلك. بلغت خلافاتهما ذروتها في 2014 حين تحالف موالون لصالح مع الحوثيين باستيلائهم على صنعاء في سبتمبر/ أيلول، وأدرج هادي صالح على قائمة العقوبات الأممية في نوفمبر/ تشرين الثاني ورد صالح بطرده من منصبه الحزبي.

جادل أنصار هادي منذ عام 2015 على أحقية الأخير بخلافة صالح كرئيس لحزب المؤتمر وفق لائحة الحزب الداخلية، إلا أن صالح عيَّن “صادق أبو راس” نائبًا له في الحزب، وبالتالي انتقلت رئاسة الحزب في صنعاء إليه بعد مقتل الرئيس السابق عام 2017. ظلت قيادات حزب المؤتمر في الخارج تتعامل مع هادي كرئيس للحزب، مما عمّق الانقسام.

باءت الجهود الرامية إلى إعادة توحيد صف الحزب بالفشل. خلال عامي 2018 و2019، حاولت قيادات حزب المؤتمر في مدينتي القاهرة وجدة إعادة ترتيب صفوف الحزب دون جدوى، فقياداته منقسمة على نفسها على نحو لا رجعة فيه. من يعترف بهادي رئيسًا لما بات يُعرف بمؤتمر الخارج، لا يعترف بقيادة “أبو راس” في صنعاء، بينما هناك تيار ثالث -موالِ لأحمد علي عبدالله صالح الابن البكر للرئيس السابق والخاضع فعليًا للإقامة الجبرية في الامارات -وبالتالي ساهم هذا الانقسام في إضعاف الحزب. كما يواجه حزب المؤتمر منافسة من جهات أخرى، مع تأسيس طارق صالح (ابن أخ الرئيس السابق) مجلس سياسي لقوات المقاومة الوطنية التي يقودها بالساحل الغربي، في خطوة مغايرة لمحاولة إحياء حزب المؤتمر أو العمل تحت مظلته.

حاليًا، يُعد رئيسا البرلمانين اليمنيين يحيى الراعي بصنعاء (المتحالف مع جماعة الحوثيين)، وسلطان البركاني (المتحالف مع الحكومة المعترف بها دوليًا) من قيادات حزب المؤتمر أيضًا، حيث يحمل كل منهما صفة أمين عام مساعد للحزب.

على هذا الأساس، تعمق التشرذم داخل الحزب في ظل تجاذب كوادره في مختلف الاتجاهات. لم يتمكن الحزب من إحياء ذكرى تأسيسه الأربعين داخل اليمن، حيث مُنع في صنعاء وتعز من إقامة فعالية احتفائية بالمناسبة، لتتجمع بعض قياداته بالقاهرة في فعالية باهتة شارك فيها “مدين” نجل الرئيس الراحل صالح، لمناقشة جهود توحيد الحزب.

في صنعاء، تعرض رئيس حزب المؤتمر “صادق أبو راس” لتهديد صريح بالقتل على لسان “عبدالسلام جحاف” القيادي في جماعة الحوثيين والحليف المفترض لحزب المؤتمر في معسكر حكومة الأمر الواقع بصنعاء. جاء التهديد في أعقاب رفض “أبو راس” مطالب حوثية بإقالة “أحمد علي صالح” من منصبه كنائب لرئيس الحزب، وهو المنصب الذي تولاه بعد مقتل والده على يد الحوثيين عام 2017. منذ ذلك الحين، ضُيق الخناق على أنشطة الحزب في الشمال، واعتُقل عدد من قياداته التي لم تتمكن من الفرار للخارج، واستُولي على مقراته وأمواله ومؤسساته الإعلامية التي أصبحت تنتهج الآن نهجًا أقرب للحوثيين، ومُنعت من رسم خط خاص بخطابها وسياساتها.

صرّحت فائقة السيد -الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر -أن عدد كوادر الحزب داخل اليمن وخارجه بلغ قرابة 7 ملايين، غير أن العديد من هذه الكوادر تنازعتها في الواقع القوى الأخرى ولم تعد مرتبطة عمليًا بالحزب. رغم ذلك يمثل أعضاء الحزب السابقون القوام الأكبر من الكادر الإداري بالقطاع العام في كل مناطق اليمن، وإن تبدلت ولاءات معظمهم حاليًا بغية الحفاظ على مناصبهم بينما تمت إزاحة المتمسكين علنًا بانتمائهم لحزب المؤتمر بشكل ممنهج.

ما تزال سلطة الأمر الواقع بصنعاء قائمة نظريًا على تحالف بين حزب المؤتمر وجماعة الحوثيين، منذ إشهار تحالفهما رسميًا بتشكيل المجلس السياسي الأعلى أواخر 2016، لكن رئاسة المجلس لم تنتقل بتاتًا إلى حزب المؤتمر، رغم الاتفاق المبدئي على تدوير المنصب بين الطرفين كل ستة أشهر. كما أن الوزراء التابعين لحزب المؤتمر في حكومة صنعاء ليسوا صناع القرار الفعليين في وزاراتهم، حيث لكل منهم نائب من جماعة الحوثيين يتمتع بصلاحيات أقوى من الوزير نفسه.

تراجع دور حزب المؤتمر في مفاوضات السلام عامًا بعد آخر، ولم يُمثَّل رسميًا إلا في محادثات الكويت عام 2016. فيما بعد، أصبح أعضاء منه يشاركون بصفاتهم الشخصية وليس كممثلين رسميين للحزب، لا سيما أن حزب المؤتمر بصنعاء أصبح تابعًا لجماعة الحوثيين أكثر منه حليفًا لهم.

بعد مرور 40 عامًا على تأسيسه، أصبح حزب المؤتمر مجرد إرث لأعضائه. فمن يشغلون مناصب قيادية رفيعة باتوا يعتمدون الآن بشكل أساسي على ثقلهم الشخصي وخبرتهم التي اكتسبوها من العمل داخل الحزب خلال حقبة نظام صالح، أما هياكل الحزب وموارده وأنشطته فقد أصبحت في أضعف حالاتها.

قد يكون حزب المؤتمر الشعبي العام، أو بقاياه، هو القوة الوحيدة التي تعمل بوفاق ضمني بين الرياض وأبوظبي مع وجود تيارين متباينين كل منهما موالٍ لإحدى العاصمتين. فهو حزب سياسي غير أيديولوجي على عكس الأحزاب اليمنية الأخرى التي شكلت امتدادات لتيارات فكرية عالمية أو قومية أو دينية. ومع تقدم أعمار قياداته، والانقسامات بين مختلف تياراته، وخسارته موارده المالية، والتقييد الذي يُمارس ضده من قِبل سلطات الحوثيين، وعدم قدرته على حماية كوادره -باتت هناك عوامل كفيلة بالدفع بمن تبقى ضمن هياكله التنظيمية للذوبان داخل أحزاب أخرى مع مرور الوقت. ومع فقدان الحزب البوصلة وانقطاعه عن الجماهير وعجزه عن تقديم خطاب موحد، ستستولي قوى أكثر تماسكًا وقوة وشبابًا على زمام الأمور من حزب حكم لعقود وأصبح الآن عاجزًا عن حماية نفسه.

مشاركة