إصدارات تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

مجلس القيادة الرئاسي يُقرّ برنامج الحكومة للعام 2026

Read this in English Read this in English

ملاحظة المحرر: نُشر هذا التحليل لأول مرة في «الأسبوع في اليمن»، سلسلة التقارير الأسبوعية الصادرة عن مركز صنعاء.


ناقش مجلس القيادة الرئاسي، خلال اجتماع عُقد في الرياض، تنفيذ برنامج الحكومة للعام 2026، إلى جانب أرقام الموازنة العامة المتوقعة للدولة، وتتوزع مسودة البرنامج — التي اطّلع عليها مركز صنعاء — على ثلاثة مستويات: تشخيص الوضع، والاستراتيجية الحكومية، ومصفوفتها التنفيذية.

في تشخيصها للوضع، أقرّت الحكومة بجملة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والسياسية التي تفاقمت منذ اندلاع الحرب؛ فقد سجّل الاقتصاد اليمني انكماشاً تراكمياً تُقدَّر نسبته بأكثر من 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، تحت وطأة توقف الإنتاج في القطاعات الحيوية، وتدمير البنية التحتية العامة والخاصة، وهروب رؤوس الأموال على نطاق واسع. أوقعت هذه العوامل الاقتصاد في ركود عميق، شلّت معه الأنشطة التجارية والتنموية على حدٍّ سواء، كما شهدت البلاد دورات متكررة من التضخم الجامح وانهياراً تاريخياً للعملة المحلية، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. أفضى هذا التدهور إلى تجريد الريال اليمني من وظيفته كمخزن للقيمة، وإلى تآكل شبه كامل للقدرة الشرائية للمواطنين، وتضاعفت أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية المستوردة أضعافاً مضاعفة، بات معها الحصول عليها بعيداً عن متناول الغالبية العظمى من السكان.

على صعيد المالية العامة، تواجه الموازنة العامة عجزاً غير مسبوق، ازداد خطورةً في أعقاب توقف صادرات النفط الخام — التي كانت تُمثّل المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي — مما أعاق إعاقةً بالغة قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية، من بينها صرف الرواتب بانتظام، وإصدار خطابات الاعتماد اللازمة للاستيراد، وتمويل مشاريع صيانة المرافق العامة كالكهرباء، كما قفزت معدلات الفقر والبطالة قفزات حادة، إذ بات أكثر من 80 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، مما يجعل اليمن واحدة من أشد دول العالم فقراً. يُضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، جراء تسريح مئات الآلاف من العمال في القطاع الخاص المنهار، وتوقف صرف رواتب كثير من موظفي القطاع العام، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مما أفضى إلى انعدام الدخل وتعميق الفقر.

يُصنَّف اليمن أيضاً ضمن أسوأ أزمات الأمن الغذائي في العالم، حيث يعاني أكثر من 17 مليون شخص من مستويات مرتفعة من الجوع الحاد وسط تراجع مثير للقلق في المساعدات الدولية، وقد أفضى النزاع إلى موجات نزوح جماعي واسعة، أُرغم فيها أكثر من 4٫5 مليون يمني على الفرار من منازلهم، مما يجعل اليمن رابع أكبر أزمة نزوح على مستوى العالم. انهارت الخدمات الصحية الأساسية، إذ لا تعمل سوى نصف المرافق الصحية في البلاد، فيما تفتقر المستشفيات والعيادات التي لا تزال تُمارس نشاطها إلى الأدوية والمعدات والكوادر الطبية الضرورية، ويمتد هذا الانهيار ليطال قطاعات المياه والتعليم والكهرباء، مما يحرم ملايين اليمنيين من حقوقهم الأساسية ويجعلهم عرضة لتفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها، كالكوليرا وحُمّى الضنك.

تقول الحكومة إن استراتيجيتها الجديدة ومصفوفتها التنفيذية تُمثّلان تحولاً حاسماً من الأطر النظرية إلى التطبيق الفعلي الرصين. ترتكز الأهداف الاستراتيجية على إطارين تأسيسيين سابقين: خطة التعافي الاقتصادي 2025-2026، بوصفها خارطة طريق وطنية للانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستقرار الاقتصادي؛ وقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لعام 2025، الذي اعتمد رسمياً خطة أولويات الإصلاح الاقتصادي الشامل، غير أن خطة التعافي الاقتصادي جاءت مفرطة في طموحها، إذ تضمنت قائمة مطوّلة من الأولويات يصعب تحقيقها في غضون عامين، لا سيما في ظل القيود المؤسسية والمالية الراهنة.

على الرغم من تأكيد الحكومة أن نهجها الإصلاحي الجديد يمثّل قطيعة واضحة مع السابق، يبقى السؤال مطروحاً: هل يعكس هذا النهج استجابةً واقعية للتحديات المعقدة على أرض الواقع، وهل يستطيع تجنّب تكرار إخفاقات الماضي؟ لقد صِيغ البرنامج الحالي في مصفوفة تنفيذية شاملة ومحددة زمنياً، تستهدف تحقيق أهداف قصيرة المدى وتخدم غايات استراتيجية بعيدة المدى. تتصدر سلم الأولويات إبطاءُ وتيرة تدهور الاقتصاد الوطني وصون سُبل العيش؛ ولتحقيق ذلك، ستُعتمد سياسات ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، مع التركيز على التدخلات التي تُعظّم الفوائد عبر القطاعات، كما ستُصمَّم هذه التدخلات في إطار الأنظمة القانونية والسياسية القائمة، إذ قد تُعيق التعديلات التشريعية المعقدة وتيرة التنفيذ.

يرتكز البرنامج الحكومي على ست أولويات استراتيجية:

  1. ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني وتوسيع نطاق سيادة الدولة؛
  2. تحقيق التعافي الاقتصادي والمالي والنقدي؛
  3. ضمان استدامة الخدمات الأساسية والوصول العادل إليها؛
  4. تعزيز الحوكمة والإدارة المحلية وسيادة القانون والتحول الرقمي؛
  5. تعزيز الصمود الاجتماعي وتمكين رأس المال البشري؛
  6. والحفاظ على شراكات دولية فاعلة عبر دبلوماسية تنموية استباقية.

لتحقيق أولويتها الأولى، تسعى الحكومة إلى ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني بوصفهما شرطين أساسيين لا غنى عنهما للتعافي الاقتصادي. يستلزم ذلك توحيد القرار الأمني والعسكري — وهو توجه يصعب إنجازه في غضون عام واحد، نظراً للانقسامات السياسية والأمنية العميقة بين مختلف مكونات الحكومة؛ وتنصبّ الأولوية الثانية على تحفيز النمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، واستعادة التوازن المالي والنقدي، وتعزيز الإيرادات العامة، وضبط الإنفاق العام، وتحسين إدارة الموارد العامة. فضلاً عن ذلك، تسعى إلى تنشيط القطاعات الإنتاجية وتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل، بما يرفع مستوى المعيشة ويُقلّص الفقر والبطالة.

في حين تؤكد الحكومة أن خطتها الجديدة تقوم على الواقعية والجدوى، فإنها لا تعدو في حقيقتها أن تكون محاكاةً لمحاولات الإصلاح الطموحة السابقة؛ إذ يُغفل هذا النهج التحدياتِ المعقدة الراسخة على أرض الواقع والفجوات المؤسسية الجوهرية التي طالما عرقلت التنفيذ، وتكشف القراءة المتأنية لأرقام الميزانية المضخّمة عن سطحية مالية واضحة: إذ يقدَّر إجمالي الإيرادات بـ3٫96 تريليون ريال، تُشكّل الضرائب 41٫5 بالمئة منها، فيما تمثّل عائدات الممتلكات الحكومية وبيع السلع والخدمات 35 بالمئة. تُقدَّر المنح الجارية ومنح رأس المال، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الدعم السعودي، بـ858٫7 مليار ريال، أي ما يعادل 22 بالمئة من الإيرادات، وتبلغ هذه الأرقام نحو ضعف الـ2٫066 تريليون ريال التي جُمعت خلال العام 2024، وهو آخر عام تتوفر عنه بيانات، وقد شكّلت المنح الخارجية 61 بالمئة منها، وفقاً لآخر تقرير سنوي صادر عن البنك المركزي اليمني بعدن.

تُقدَّر النفقات بـ4٫8 تريليون ريال، بزيادة تبلغ 180 بالمئة عن الـ2٫7 تريليون ريال التي أُنفقت عام 2024، ويُقدَّر الإنفاق على الرواتب والسلع والخدمات بـ1٫35 تريليون ريال لكل منهما، وهو رقم يفوق بكثير الأرقام التاريخية، وإن كان الارتفاع الحاد في فاتورة الأجور يعكس إدراج وحدات عسكرية وأمنية متعددة في الميزانية العامة، فإن قدرة الحكومة على الوفاء بهذه الالتزامات الضخمة تبقى التحدي الأكبر، فعلى سبيل المثال، تقترح الخطة رفع ميزانية السلع والخدمات بنسبة 355 بالمئة (من 298 مليار ريال عام 2024 إلى 1٫35 تريليون ريال) لمعالجة انهيار الخدمات الأساسية، وهو هدف من شأنه أن يضع القدرة المالية للحكومة أمام اختبار عسير.


يندرج هذا التحليل ضمن سلسلة من المنشورات التي يُصدرها مركز صنعاء بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية في إطار برنامج إعادة تصوّر السلام في اليمن في المشهد الإقليمي.

مشاركة