إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

إلينا ديلوجر

قد يتغير الكثير في خمس سنوات. ففي بداية الحرب في اليمن، كان مجلس التعاون الخليجي محصناً ظاهرياً، حتى عندما أظهر أول شرخ مع قطر عام 2014 وجود تصدعات في وحدته. وعندما قررت السعودية التدخل في اليمن، حذت الإمارات والبحرين وقطر حذوها، في حين وضعت الكويت نفسها في وضع الوسيط وبقيت عُمان على الهامش. والآن وبعد خمس سنوات من ذلك التدخل ترك مجلس التعاون الخليجي الحرب في اليمن للسعودية باستثناء بعض الوحدات البحرينية والإماراتية الصغيرة. 

 

المملكة العربية السعودية

منذ البداية لم تتصور السعودية سوى سيناريو النصر العسكري في اليمن، وظلت مصرة على تحقيق هذا الهدف حتى بعدما رأى معظم المحللين العسكريين أنه قد لا يكون بمقدورها تحقيقه. وفي تحول مفاجئ في خريف 2019 بعد الهجوم على منشآت أرامكو، دخلت السعودية في محادثات مباشرة مع الحوثيين. اتسمت هذه المحادثات بالبطء كون كلا الطرفان يمتلكان نقاط قوة. رغبة السعودية في الخروج من الحرب بطريقة تحفظ ماء الوجه منحت الحوثيين – الذين قد لا يرغبون في التنازل دون الحصول على شيء أساسي في المقابل – نفوذاً. أما قوة السعودية كمنت في نفوذها الاقتصادي وقدرتها على إعادة الإعمار وتأمين فرص عمل للسكان في شمال اليمن وفرص تجارة عبر الحدود بالقرب من صعدة، معقل جماعة الحوثيين. أدى اقتصاد جماعة الحوثيين المرهق بشكل متزايد إلى تعزيز نقطة القوة السعودية هذه. وأخيرًا يدرك السعوديون وجماعة الحوثيين جيداً أن الأخيرة ستواجه صعوبات شديدة للحصول على إعتراف دولي عن طريق الانخراط في حكومة يمنية ما في المستقبل بدون أن تكون الرياض جزء من ذلك.

ولكن الموقف التفاوضي السعودي قد يصبح محفوفاً بالمخاطر، فحرب النفط التي تحرض عليها السعودية ضد روسيا وفيروس كورونا والأوضاع الاقتصادية القاتمة بشكل عام قد تؤدي إلى ضعف قدرة الرياض على توفير هذا الدعم الاقتصادي ما لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبًا. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الحوثيين يضغطون بقوة في جبهات القتال في اليمن وتمكنوا بالفعل من تحقيق بعض الانتصارات، ما قد يقوض قدرة الرياض على دفع الأمور نحو حل سياسي ويزيد من احتمال ألا تؤدي نهاية الحرب إلى تشكيل حكومة انتقالية.

بالإضافة إلى المحادثات مع الحوثيين، تولت السعودية مسؤولية جنوب اليمن المضطرب بعد أن سحبت الإمارات أغلب قواتها منه العام الماضي. وعلى الرغم من أن المملكة توسطت في اتفاق الرياض بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي، إلا أنها لم تتمكن من إقناع الطرفين بتنفيذها. كانت كل الأنظار تتجه إلى السعودية في نهاية عام 2019 لاستخدام المحادثات مع الحوثيين والجنوبيين كبوابة لمحادثات سلام شاملة بوساطة الأمم المتحدة. ولكن لم تستطع السعودية تحقيق أي مكاسب، ولا حتى انتصارات صغيرة، ما يعني أن قدرتها على المناورة السياسية تتقلص بشكل مطرد.

 

الإمارات العربية المتحدة

تختلف تجربة أبوظبي كثيراً عن تجربة الرياض. أثبتت الإمارات تفوقها العسكري من خلال إدارتها للعمليات البرية في الجنوب بشكل مستقل عن السعوديين. والأهم من ذلك أن الإماراتيين يحصدون الإمتنان في المساعدة على طرد الحوثيين من عدن وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب من المكلا. كما أقام الإماراتيون أيضًا مركزًا لوجستيًا وتدريبًيا في مدينة عصب في إريتريا لإعداد وتجهيز ما يُسمى بـ”قوات النخبة” الجنوبية وذلك وفقًا للعقيدة الأمريكية “عبر ومع ومن خلال الشركاء” المتمثلة في تمكين القوات المحلية لتحمل وطأة القتال. أثبتت حرب اليمن، في بعض النواحي، صحة هذا المفهوم. فلقد كان للحرب تكلفة باهظة، ومع أن القوات الإماراتية تدربت إلى جانب القوات الأمريكية على مدار عقدين من الزمن، تلقت الإمارات بعد ستة أشهر من شن الحملة العسكرية على اليمن ضربة موجعة وصادمة عندما قُتل حوالي 60 جنديًا إماراتيًا في هجوم واحد – وهي خسائر كبيرة بالأرواح لم تتكبدها الإمارات من قبل. علاوة على ذلك تشوهت سمعة الإمارات في واشنطن بسبب دورها في اليمن بعد أن أسفرت الغارات الجوية للتحالف في كثير من الأحيان عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين وكان من الممكن تجنبها. حفزت هذه العوامل بالإضافة إلى قرار التحالف بعدم التقدم نحو مدينة الحديدة التي يسيطر عليها الحوثيون عام 2018 الإمارات على أخذ قرارها بتقليص عدد قواتها في اليمن العام الماضي، تاركة قسماً فوضويًا جدًا من السياسات الجنوبية للسعوديين لحلها.

 

سلطنة عُمان 

لعبت سلطنة عُمان دورًا مختلفًا جوهريًا وهو دور الميسر والمضيف للفصائل المتحاربة. وتماشياً مع سياستها الخارجية التقليدية المحايدة، بقيت عُمان خارج الحرب وفتحت حدودها أمام أي يمني يلتمس اللجوء السياسي، ما جعلها على خلاف مع جيرانها. وتميل المجموعات التي قبلت عرض عُمان بالسكن هناك إلى التعبير عن آراء ضد السعودية أو الإمارات، أما مؤيدي الإمارات والسعودية فيعيشون في البلد الذي يرعاهم.

أقام وفد جماعة الحوثيين التفاوضي، الذي لا يستطيع مغادرة صنعاء والعودة إليها بسهولة بسبب القيود المفروضة على المجال الجوي، في العاصمة العُمانية مسقط، ما سمح له بأن يجتمع بانتظام مع الدبلوماسيين ومبعوث الأمم المتحدة الخاص والأطراف الدولية الأخرى. وغالبًا ما تيسر عُمان هذه الاجتماعات. وفي الأيام الأولى من الحرب ساعد العمانيون في تحليل طرق المجتمع الدولي التي كانت غريبة آنذاك على الحوثيين. ويقيم في مسقط أيضاً أعضاء من حزب الإصلاح، الحزب السياسي الإسلامي المتشظي في اليمن، وكذلك عدد قليل من الأعضاء الرئيسيين في حزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان يهيمن على السلطة في السابق. كما تستضيف عُمان المتظاهرين الذين يعارضون الوجود السعودي في محافظة المهرة، التي تقع في أقصى شرق اليمن والتي لها حدود طويلة مع عُمان.

تدعي السعودية – التي تشعر بالإحباط منذ فترة طويلة من استضافة عُمان للحوثيين ومن علاقاتها الودية مع إيران – أن طهران ترسل أسلحة تشمل قطع صواريخ متقدمة إلى الحوثيين عبر الحدود العمانية وأن هذه الأسلحة استخدمت لاحقاً لمهاجمة الأراضي السعودية. وبالرغم من أن عُمان نفت هذه المزاعم بشدة، أرسل السعوديون قوة كبيرة لمكافحة التهريب إلى المهرة عام 2017 حيث تستمر بتوسيع تواجدها.

 

المضي قدماً

بعد مرور خمس سنوات، تبدو توترات النزاع واضحة على العديد من العلاقات الخليجية. ليس الصراع اليمني وحده ما يقسم دول الخليج بل كان العدسة التي مكنت من رؤية هذه الانقسامات بوضوح. في البداية، أدى تصدع العلاقات مع قطر عام 2017 إلى إنسحاب الجنود القطريين من اليمن. وفي حين أن الجهود المشتركة قرّبت في بادئ الأمر ما بين السعوديين والإماراتيين، إلا أن الصراع في اليمن أوضح بمرور الوقت أن الاثنين لم يكونا يسيران بإيقاع موحّد على الاطلاق، فهما لم يعملا جنباً إلى جنب عسكرياً كما اختلفت أولويتهما بالنسبة لتهديدات إيران والإخوان المسلمين إذ ركزت السعودية على الحوثيين المدعومين من إيران بينما ركز الإماراتيون على دعم الجماعات التي تعارض الإخوان المسلمين. تقليص الإمارات عدد قواتها عام 2019 تم عبر تنسيق ضئيل مع الرياض، وترك الأخيرة مسؤولة عن إيجاد حل للتهديد الذي يمثله الحوثيون في الشمال ومعالجة العلاقة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي في الجنوب. وفي هذه الأثناء، أثارت طبعاً العمليات السعودية والإماراتية في المهرة قلق عُمان.

من أجل إنهاء حرب اليمن، ستحتاج دول الخليج إلى الاتحاد مثلما فعلت عام 2011 عندما عملت مع المجتمع الدولي لإدخال استقالة علي عبد الله صالح والعملية الانتقالية حيّز التنفيذ. وبالفعل يبدو أن هناك تكرار لهذا السيناريو إذ اجتمع كبار المسؤولين السعوديين والعمانيين عدة مرات مؤخرًا. يجب على الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة دعم هذه الجهود – ويبدو عبر الزيارات في الآونة الأخيرة إلى عمان والسعودية أنهما تدعمانها بالفعل. ويجب إشراك الإمارات حسب الضرورة. كما قد يكون للكويت دور الوسيط هنا. بعد خمس سنوات من الحرب، قد تُترك السعودية وحدها إلى حد كبير مع الصراع في اليمن، ولكن من شبه المؤكد أنها ستحتاج إلى مساعدة جيرانها لانهائه.

 


إلينا ديلوجر هي زميلة أبحاث في “برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، حيث تتخصص في الأسلحة النووية والانتشار النووي ومكافحة الإرهاب والسياسة الخليجية.

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

مشاركة