خمس سنوات من رضوخ مجلس الأمن للسعودية

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس يلتقي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 28 مارس 2018 // الصورة: صور الأمم المتحدة / إسكندر ديبي


وليد الحريري ونيكولاس أسك

قبل خمس سنوات، حين اتخذ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة موقفاً من الحرب اليمنية، كان من الطبيعي أن يدعم مصالح بعض دوله الأعضاء ضد جماعة الحوثيين المسلحة التي اجتاحت صنعاء وطردت الحكومة المعترف بها دولياً من السلطة وتقدمت نحو عدن. في أوائل عام 2015، كانت السعودية واثقة من قدرتها على استعادة السيطرة بسرعة، حيث حشدت مع الإمارات تحالفاً عسكرياً عربياً للتدخل وأمّنت دعماً أميركياً وبريطانياً. لم يكن على مجلس الأمن سوى توفير غطاء سياسي وأخلاقي، وهو ما فعله في أبريل/نيسان 2015 عبر إصدار قرار شديد اللهجة افترض أن كل شيء سيسير وفقاً للخطة السعودية.

وبحسب القرار رقم 2216، طالب مجلس الأمن الحوثيين بتسليم كل الأراضي التي استولوا عليها، بما في ذلك صنعاء، ونزع سلاحهم بالكامل، والسماح لحكومة الرئيس عبدربه منصور هادي باستئناف مسؤولياتها،[1][2] أصرّ القرار في جوهره على استسلام الحوثيين، ولكن ذلك باء بالفشل. وكانت الأسباب التي دفعت مجلس الأمن لتقديم مطالب واضحة وحازمة عام 2015، هي نفسها التي منعته من تبني نهج جديد في السنوات الخمس التالية فهناك مصالح سياسية واقتصادية وأمنية مشتركة بين أقوى الدول في مجلس الأمن والسعودية، ما منح الأخيرة التي تقود أحد أطراف الصراع كلمة عليا في تقرير مسار الجهود الدبلوماسية الدولية لحل النزاع.

في عام 2015، حظيت السعودية بدعم كامل من حلفائها الرئيسيين الذين يزودونها بالأسلحة، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، الأعضاء الدائمون الذين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. وحتى روسيا، التي غالباً ما استخدمت حق النقض كوسيلة لموازنة هيمنة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، اكتفت بالامتناع عن التصويت على القرار إذ لديها مصالح جيوستراتيجية تفضل أن تخدمها عبر بناء وتحسين علاقاتها مع المملكة. وإضافة إلى نفوذ السعودية عبر الأعضاء الدائمين، تعزز نفوذها في مجلس الأمن عموماً طوال فترة الحرب عبر الأعضاء غير الدائمين المشاركين في التحالف العسكري التي تقوده.

كل القرارات المتعلقة باليمن في السنوات الخمس الماضية، جرى تدارسها في مجلس طغى عليه نفوذ السعودية واستعدادها للإنفاق الاستراتيجي للأموال. على مر العقدين الماضيين كسب السعوديون دعماً سياسيا من الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين في الشؤون الإقليمية، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وعمليات التدريب العسكري المشتركة وصرف مليارات الدولارات على صفقات الأسلحة والنفط والاستثمار في اقتصادات الدول الثلاثة ووسائل إعلامها. تُعد الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أكبر موردي السلاح إلى السعودية.[3] وتُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري للمملكة، إذ تزود السعودية الأسواق الأميركية بنحو مليون برميل من النفط يومياً.[4] كما استثمر السعوديون مليارات الدولارات في شركات التكنولوجيا وصناعة الصلب والفنادق والمؤسسات العقارية والإعلامية الأميركية.[5]

 تتمتع السعودية أيضاً بعلاقة اقتصادية متنامية مع الصين،[6] العضو الخامس والأخير الذي يتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، كما تسعى روسيا أيضاً إلى زيادة حجم أعمالها مع المملكة.[7] ولكن الرياض حذرة منهما لأنهما وقفتا ضد جهود القوى الغربية للضغط على إيران، خصم المملكة الإقليمي الذي يدعم جماعة الحوثيين في اليمن. هددت روسيا باستخدام الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن التي تخص إيران – تعتبر موسكو حليفة طهران التقليدية – أو بمعارضة الجهود لتوسيع قرارات سابقة بطريقة تعكس مصالح السياسة الخارجية الأميركية ولكنها قبلت الوضع الراهن منذ عام 2015. وتصر روسيا على انتقاد كلا الجانبين المنخرطين في الحرب بشكل متساوي فهي تحاول الحفاظ على استقرار علاقتها مع السعودية، حسب رأي أحد الدبلوماسيين في الأمم المتحدة.[8] وبينما تمارس الإمارات، التي تتمتع بعلاقات اقتصادية مهمة مع القوى الرئيسية الخمس في مجلس الأمن، الضغط نيابة عن التحالف خلال اجتماعات الأمم المتحدة، إلا أن الدول الأعضاء لا تأخذ بعين الإعتبار إلا ما ستقبل به السعودية، إذ أنها مدركة بأن الإمارات ستذعن إلى الرياض حول ما يخص اليمن.

ساعد الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن والمتحالفين مع السعودية في تشكيل مواقف المجلس إذ تصرفت كل من الأردن (2014-2015)، ومصر (2016-2017)، والكويت (2018-2019)، كوكلاء للسعودية في المجلس، وجميعهم أعضاء في التحالف الذي تقوده السعودية.[9] دافعت هذه الدول عن مصالح التحالف داخل مجلس الأمن، واعترضت على أي انتقاد يطال أداء التحالف في اليمن، بما في ذلك إدانة انتهاكات حقوق الإنسان وعرقلة وصول المساعدات والشحنات التجارية إلى الموانئ البحرية والاغلاق القسري لمطار صنعاء الدولي أمام حركة المرور التجارية والمدنية.

وأوقف أعضاء التحالف والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن العديد من المبادرات المحايدة التي أطلقها غيرهم من الأعضاء المتناوبين والذين لديهم الحد الأدنى من العلاقات مع السعودية ويعتبرون حقوق الإنسان في صلب السياسة الخارجية لبلدانهم. وقد اقترحت هذه الدول نصوصاً تتناول العديد من القضايا اليمنية. فمثلاً حاولت نيوزيلندا عام 2016 تعميم نقاط يمكن تضمينها في قرار يحل محل القرار 2216. وجه أعضاء المجلس المتحالفين مع السعودية نقداً عنيفاً لهذه المبادرة ورفضوها بشدة.[10] وحصل الأمر نفسه في أكتوبر/تشرين الأول 2019، حين دعت البيرو وألمانيا وبلجيكا مجموعة الخبراء الدوليين والإقليميين البارزين، التي كلفتهم الأمم المتحدة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، لإطلاع مجلس الأمن على ملخص أعمالها ولكن حلفاء السعودية في المجلس منعوها من تقديم إحاطتها.[11] وتشمل المبادرات الأخرى التي اقترحها الأعضاء المتناوبون ورفضها حلفاء السعودية: دعوة مشتركة من قبل بولندا وهولندا والبيرو عام 2018 لوقف تقدم القوات المدعومة من السعودية والإمارات نحو ميناء الحديدة،[12] دعوة بوليفيا وهولندا وبولندا والسويد عام 2018 إدانة الغارات الجوية السعودية التي استهدفت المدنيين،[13] ودعوة هولندا والسويد وبولندا والبيرو عام 2018 لدفع رواتب عمال القطاع العام وفتح مطار صنعاء الدولي للاستخدام الإنساني والتجاري.[14] كما أعرب هؤلاء الأعضاء غير الدائمين عن قلقهم بشأن عدم إحراز تقدم في جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة، ونددوا بشدة بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات وحكومة هادي وقوات الحوثيين.

كما تمكنت السعودية أيضاً من الضغط على أعضاء مجلس الأمن الذين لا ينسجمون معها. فمثلاً، أبدت ماليزيا موقفاً صريحاً بشأن التدخل العسكري لقوات التحالف العربي في اليمن خلال السنة الأولى من مناوبتها في مجلس الأمن. ولكن بعد ضغط الرياض عليها عبر توجيه خطابات شكوى إلى وزير الخارجية الماليزي آنذاك، خففت ماليزيا حدة موقفها لبقية مدتها كعضو غير دائم.[15] ولعل أكثر دولة نجحت في الدفع نحو أخذ إجراءات مستقلة أثناء مناوبتها في مجلس الأمن كانت السويد التي تمكنت من الدفع باتجاه اتفاقية ستوكهولم عام 2018 بمساعدة مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن وبفضل الضغوط العالمية على الرياض بعد قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول.

لا يعير مجلس الأمن أهمية تذكر لحكومة الرئيس هادي عند اتخاذ قرارت بشأن اليمن إذ لا يحظى الأخير بنفس الأهمية الاستراتيجية مثل السعودية عندما يتعلق الأمر بمصالح الأعضاء الدائمين في المنطقة. كما تُعتبر الحكومة اليمنية ضعيفة وغير كفوءة إلى حد كبير. ويميل مجلس الأمن أيضاً إلى ترك المبادرات الدبلوماسية بشأن اليمن للمبعوث الأممي مارتن غريفيث، ليدعمها لاحقاً عبر إصدار بيانات يوافق عليها. وقال مصدران شاركا في قضايا اليمن في الأمم المتحدة إن غريفيث، وهو دبلوماسي بريطاني سابق، تلقى اقتراحات من ممثلي الدول الأعضاء لرسم مسار جديد بعد تعيينه مبعوثاً أممياً، وشمل أحدها تعزيز جهوده عبر إصدار قرار جديد في مجلس الأمن ليحل محل القرار 2216؛ وبحسب قولهم رفض غريفيث هذا المقترح إذ اعتبر حينها أنه لا حاجة إليه.[16]

منذ مشاركتها العسكرية المباشرة في حرب اليمن، نجحت السعودية بشكل عام من ضمان رؤية مجلس الأمن للملف اليمني وفقاً لمصالحها، ما حد من القرارات والمبادرات التي يمكن أن يوافق الأعضاء الخمسة الدائمون عليها دون المساس بمصالح كل منهم مع الرياض. خلق هذا الأمر بالإضافة إلى رغبة مجلس الأمن في عدم إثارة المشاكل حالة من الإجماع ولكن من دون إحراز أي تقدم يُذكر.

 


وليد الحريري هو مدير مكتب نيويورك في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حيث يركز على قضايا اليمن في الأمم المتحدة، وهو أيضاً زميل مقيم في معهد حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا.

نيكولاس أسك هو زميل مقيم في نيويورك في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية.

 

المراجع:

[1] القرار رقم 2216 (2015)، S/RES/2216، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 14 أبريل/نيسان 2015، https://www.undocs.org/S/RES/2216%20(2015)

[2] “مجلس الأمن يطالب بإنهاء العنف في اليمن، ويعتمد القرار 2216 (2015)، مع امتناع الاتحاد الروسي عن التصويت”، المكتب الصحفي للأمم المتحدة ، 14 أبريل/نيسان 2015، https://www.un.org/press/en/2015/sc11859.doc.htm

[3] “بيتر د. وزمن، أود فلورنت، الكسندرا كيموفا، نان تيان وسيمون ت. وزمن، “إتجاهات نقل الاسلحة الدولية، 2018″، SIPRI Fact Sheet، مارس/آذار 2019، ص. 6، https://www.sipri.org/sites/default/files/2019-03/fs_1903_at_2018.pdf

[4] “العلاقات الأمريكية مع السعودية، بيان حقائق عن العلاقات الثنائية”، مكتب شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، https://www.state.gov/u-s-relations-with-saudi-arabia/

[5] انظر، على سبيل المثال، ايفانا كوتسوفا، “هذا ما استثمرته المملكة العربية السعودية حول العالم”، سي أن أن بيزنس، 17 أكتوبر/تشرين الأول، 2018، https://www.cnn.com/2018/10/15/investing/saudi-arabia-global-investments/index.html، سكوت لانمان، “السعودية تملك 52.4 مليار دولار من الأسهم الأمريكية حتي يونيو 2015″، بلومبيرغ بيزنس، 31 مايو/أيار 2016، https://www.bloomberg.com/news/articles/2016-05-31/saudi-arabia-held-52-4-billion-of-u-s-stocks-as-of-june-2015، جيم واترسون، “الدولة السعودية تملك حصصاً في صحيفتي “إندبندنت” و”إيفننغ ستاندرد” بحسب مرافعة أمام المحكمة”، الغارديان، 23 يوليو/تموز 2019، https://www.theguardian.com/media/2019/jul/23/evening-standard-and-independent-unable-to-rebut-concerns-over-saudi-ownership، “الشركات البريطانية ستستفيد من التجارة البريطانية-السعودية”،الخزانة البريطانية، 8 يوليو/تموز 2019، https://www.gov.uk/government/news/uk-companies-to-benefit-from-uk-saudi-trade، “اختتام زيارة ولي عهد المملكة العربية السعودية”، وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، 10 مارس/آذار 2018، https://www.gov.uk/government/news/visit-of-crown-prince-of-saudi-arabia-concludes، سام بريدج، “مستثمرون من الشرق الأوسط يسعون لإنفاق 5.3 مليار دولار على العقارات التجارية في لندن عام 2020″، أريبيان بزنس، 5 فبراير/شباط 2020، https://www.arabianbusiness.com/banking-finance/439383-middle-east-investors-target-53bn-london-commercial-property-spend-in-2020

[6] ميو كزو وشين أيزهو، “جمارك: ارتفاع واردات الصين النفطية من السعودية 47% في 2019″، رويترز، 31 يناير/كانون الثاني 2020، https://ara.reuters.com/article/idarakbn1zu0w5

[7] مصطفى ناجي، “اليمن في خريطة المصالح الروسية”،مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 3 يوليو/تموز 2019، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/7648

[8] مصدر دبلوماسي لمركز صنعاء في نيويورك، 18 أغسطس/آب 2016.

[9] الدول الخليجية، ومن ضمنها السعودية والإمارات، شاركت بشكل وثيق في صياغة القرار 2216، فيما قاد الأردن مفاوضات المجلس حول المسودة. انظر: “سيادة القانون: التراجع عن المساءلة”، تقرير مجلس الأمن، 23 ديسمبر/كانون الأول 2019، ص. 21، https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/research_report_3_rule_of_law_2019.pdf

[10] مقابلة مركز صنعاء مع مصدر دبلوماسي في نيويورك، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

[11] “توقعات شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2019: الشرق الأوسط – اليمن”، تقرير مجلس الأمن، 31 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

[12] جوليان بورغر، “إحباط قرار بشأن وقف إطلاق النار في اليمن بعد الابتزاز السعودي والإماراتي في الأمم المتحدة”، الغارديان، 29 نوفمبر/تشرين الأول 2018، https://www.theguardian.com/world/2018/nov/29/un-yemen-ceasefire-resolution-blocked-saudi-uae-blackmail

[13] “استطلاع شهر سبتمبر 2018: تحديث الوضع”، تقرير مجلس الأمن، 31 أغسطس/آب 2018.

[14] بيان صحفي لمجلس الأمن، “بيان صحفي لمجلس الأمن حول اليمن”، 28 مارس/آذار 2018، https://www.un.org/press/en/2018/sc13270.doc.htm

[15] مقابلات مركز صنعاء مع مصادر دبلوماسية في نيويورك، 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.

[16] مقابلات مركز صنعاء في 18 مارس/آذار 2018 و 25 يوليو/تموز 2018.

مشاركة المقالة على: