إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

اثنتان من كبار الدبلوماسيين تتحدثان عن ديمومة السلام لفترة أطول عندما لا يصنعه الرجال فقط.

جميلة علي رجاء، هي دبلوماسية ومفاوضة سلام يمنية. بعد الإطاحة بالرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح عام 2012، كانت عضوة في مؤتمر الحوار الوطني الساعي للمفاوضة على انتقال ديمقراطي في البلاد. منذ اندلاع الحرب عام 2014، تعمل رجاء كوسيطة في محادثات السلام وتقديم الاستشارة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة. ترأس رجاء الهيئة الاستشارية لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث يمني، وتقيم في القاهرة.

هيلجا شميد، هي من بين كبار الدبلوماسيين الألمان. تشغل منصب أمين عام منظمة الأمن والتعاون في أوروبا منذ ديسمبر/كانون الأول 2020. شغلت سابقًا منصب أمين عام دائرة العمل الخارجي الأوروبي التابعة للاتحاد الأوروبي، وكانت مفاوضة رئيسية عن الاتحاد خلال المحادثات التي انتهت بإبرام الاتفاق النووي مع إيران عام 2015. شغلت سابقًا منصب مديرة مكتب وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر. ولدت شميد وترعرعت في بافاريا.


 

حين يتعلق الأمر بشؤون الحرب والسلام، نادرًا ما تُمنح النساء كرسيًّا على طاولة المفاوضات. القلة اللواتي يُمنحن هذه الفرصة نادرًا ما يتحدثن عن عملهن؛ فالسريّة ضروريّة للدبلوماسية. كما أن التحدث عن خبرتهن كنساء في مجال الدبلوماسية الدولية قد تفهم وبسهولة على أنهن ضعيفات ويفتقرن إلى المهنية. ولكن جميلة علي رجاء وهيلجا شميد، الدبلوماسيتين المخضرمتين، تحدثتا عن خبرتهما عبر الفيديو كونفرنس من القاهرة وفيينا. هذا وقت مناسب للحديث عن الدبلوماسية إذ أن المحادثات بين القوى الدولية والولايات المتحدة وإيران حول العودة إلى العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة تُعقد حاليًّا في فيينا. لعبت شميد دورًا رئيسيًّا في المفاوضات لإبرام هذه الصفقة عام 2015.. 

 

دي تسايت: بدت السياسة العالمية في السنوات الأخيرة خارجة عن السيطرة. هناك حروب جديدة كثيرة، جائحة كورونا، رؤساء مثل دونالد ترامب. ما انطباعكن عن 2021؟ ما المهم؟

رجاء: هيلجا، لديك خبرة أكثر مني في السياسة الدولية، أرجوك تفضلي أولًا.

شميد: بالنسبة لنا نحن الدبلوماسيون، السنوات الماضية كانت صادمة إلى حد ما (تضحك). فعلًا، تعرضت تعددية الأطراف للهجوم، وخُفضت عتبة العنف مقارنة بما كانت عليه، لكن على الجانب الإيجابي، هناك إدارة أمريكية جديدة ملتزمة باستعادة تعددية الأطراف. في نفس الوقت، أصبحت العواقب المترتبة عن جائحة كورونا واضحة للغاية، (على مختلف المستويات) بما فيها الاقتصادية. في بداية تفشي فيروس كورونا، اعتقدت أن هذا سيجعلنا نعتقد أن بوسعنا معالجة بعض الصراعات المسلحة في أنحاء العالم، ولكن العالم أقل أمنًا إلى حد ما. ازداد العنف ضد النساء في كل مكان، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. كما ازداد الاتجار بالبشر، وهو أمر نعمل عليه كثيرًا في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. الاتجار بالبشر ليس فقط انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، ولكنه أيضًا يمثّل تهديدًا حقيقيًّا للأمن الدولي، ومن يقف وراءه شبكات إجرامية تعبر الحدود.

رجاء: يعتبر 2021 عام العودة إلى الدبلوماسية. وهذا يسعدني للغاية. مؤخرًا، (شهدنا) ظهور قادة جدد طموحين سعوا لتحديد المسار عبر إظهار القوة، ولقد حرضوا على الحروب في الشرق الأدنى. وبالرغم من أن دونالد ترامب لم يثر حربًا كلاسيكية، إلا أنه هاجم الديمقراطية، الأمر الذي كاد أن يتسبب بحرب أهلية. يجب الآن إلصاق القطع التي انكسرت. وسنرى كم سيكون هذا جيدًا. بالنسبة للشرق الأدنى، فنحن نتطلع بشكل عام إلى المفاوضات مع إيران.

 

دي تسايت: ذكرت الاتفاق النووي مع إيران، الاتفاق الذي يعده الكثيرون أهم خطوة للرئيس باراك أوباما على صعيد السياسة الخارجية عام 2015. الرئيس ترامب ألغى العمل بها. هناك محادثات حاليًّا في فيينا لإعادة العمل بها. ما مدى تفاؤلكن في نجاح المفاوضات؟

رجاء: من دون اتفاق، ستستمر الحروب الحالية في الشرق الأدنى دون أدنى شك. يجب إعادة دمج إيران في السياسة الدولية، وإلا فإنها ستستمر في استخدام المليشيات لممارسة (نفوذها). هذا هو السيناريو الأسوأ للمنطقة. إلى جانب المفاوضات بشأن الاتفاق النووي، كان هناك مؤخرًا محادثات غير رسمية بين السعودية وإيران. هذا جيد، ولكن بدلًا من مناقشة الأسئلة العسكرية، فإن الحديث عن الحلول السياسية سيحدث فرقًا حقيقيًّا. هيلجا، أنت شاركت في المفاوضات لإبرام الاتفاق مع إيران حينها. هل تعتقدين أنه من الممكن إعادة إحياء الاتفاق؟

شميد: كنت مفاوضة رئيسية حينها. أؤمن بشدة أن الإدارة الأميركية الجديدة تريد العودة إلى هذا المسار. ولكن الوقت ينفد، إذ أن هناك انتخابات في إيران قريبًا. (ملاحظة المحرر: ستُجرى الانتخابات الرئاسية في 18 يونيو/حزيران). جميلة، أريد أن ألفت النظر إلى أننا كنا ندرك حينها أن الاتفاق النووي لن يحل المشاكل في الشرق الأوسط. القوى الإقليمية لا تثق ببعضها البعض. كان نهجنا هو التالي: لنعالج الأمور الملحّة المتعلقة بالملف النووي أولًا ونبني الثقة من هناك لمعالجة النزاعات الأخرى، ولكن الرئيس ترامب ألغى العمل بالاتفاق، ثم توقفت إيران بدورها عن احترام بعض التزاماتها.

 

دي تسايت: هل قللتن من قوة الغرور؟

شميد: الدبلوماسية تزدهر بالشخصيات التي تبني علاقات مع بعضها البعض. مادلين أولبرايت، التي احترمها كثيرًا، قالت إن هذا هو أحد الأسباب الذي يجعل النساء دبلوماسيات ممتازات. نحن جيدات في بناء العلاقات. كانت النساء رائدات خلال ما سُمي بالربيع العربي! ولكن سرعان ما جُمد (دورهن). هذا ما يشعرني بالإحباط: كانت النساء فاعلات للغاية، حتى في الدبلوماسية خلف الكواليس، (ولكن) حين يتعلق الأمر (بما هو جدي)، عليهن أن يفسحن الطريق.

رجاء: إنها ردة فعل تلقائية دفاعية. كان ترامب هو من خلف أوباما، أول رئيس من أصول أفريقية. سُحقت الثورات بمزيد من القمع. أنا شاركت في المفاوضات لانتقال ديمقراطي بعد الانتفاضة في اليمن. كانت نسبة النساء المشاركات في مؤتمر الحوار الوطني 30%. كانت النساء عازمات! هذه الحقيقة أثارت خوف السياسيين من الأحزاب الدينية المحافظة. هم أدركوا أن اليمن قد يبدو مختلفًا في المستقبل. وبالتالي، أبعدوا النساء. قيل: ليس الوقت مناسبًا، نحن في حرب! وفي الحرب، من له كلمة، هو من يقاتل على الأرض.

شميد: المفاوضات واتفاقات السلام أكثر فعالية عندما يكون للمرأة فيها كلمة. غالبًا ما يكون لدى النساء علاقات أفضل مع الناس العاديين ويستخدمن معرفتهن عن هؤلاء الناس في السياسة. السلام الذي لا يُشعر به في الحياة اليومية لا يدوم. رجحت دراسة للأمم المتحدة ديمومة اتفاقيات السلام بنسبة 35% أكثر حين تشارك النساء في التفاوض.

رجاء: صحيح، ولكن إذا كنّا نريد المزيد من النساء كمفاوضات، فنحتاج أيضًا إلى مزيد من السياسيات. لدينا الآن العديد من النساء في المجتمع المدني ومجال العلوم. وبالطبع بوسعهن نصح المفاوضين، ولكن الاتفاقيات تجري بين الرجال في السلطة؛ وطالما تلك النساء لا ينخرطن في السياسة، لن يكن في السلطة. هذه هي نصيحتي للنساء في الشرق الأدنى: كن سياسيات. انضممن إلى الأحزاب، و(طورن مهنة)، اكتبن برامج سياسية. النساء يقفن في المسار السياسي للحزب كما يفعل الرجال، ولكنهن يضعن أجندات مختلفة. تركيزهن (على المواضيع) التي تشمل التعليم والصحة على سبيل المثال.

 

دي تسايت: ما عدد النساء عادة اللواتي تلتقين بهن على طاولة المفاوضات؟ 

شميد: غالبًا ما أكون المرأة الوحيدة. لطالما أُسأل: كيف هو الأمر للرجال عند التحدث مع امرأة؟ السؤال الأفضل هنا هو: كيف هو الأمر لي عندما أتحدث مع جميع هؤلاء الرجال! 

 

دي تسايت: كيف هو الأمر؟

شميد: اعتدت على الأمر. عندما بدأت بالعمل كدبلوماسية، كان ما يزعجني في كثير من الأحيان هو عندما تقول امرأة شيئًا ما، لا أحد يرد على ما تقوله وبعدها بخمسة عشر دقيقة يقول رجل ما الأمر نفسه ويوافق عليه الرئيس، الذي غالبًا ما يكون رجل، وعدة رجال آخرون يوافقونه الرأي. الآن، غالبًا ما أرأس اجتماعات بنفسي، وفي بعض الأحيان يصفونني بالمتسلطة. نعتي بالمتسلطة مدعاة للفخر -هي بمعنى آخر تعني أنني أقود بقناعة وثقة!

رجاء: في الواقع، الأمر يتعلق بقدرة النساء على التأثير أكثر مما يتعلق بإحضار المزيد من النساء إلى طاولة المفاوضات. طبعًا، هناك ما يكفي من النساء الماهرات اللواتي يجب أن يجلسن على الطاولة. ولكن السياسة الدولية لا تزال ناديًّا للرجال، نادٍ لتدخين السيجار، وربما نادٍ لمضغ القات في اليمن، (ملاحظة المحرر: القات هو نبتة منبهة يمضغها اليمنيون كل يوم في اليمن ولها تأثير محفز كالقهوة). اعتقد كامرأة، من المنطقي أن تجدي لنفسك مكان في هذه الهياكل من القوة كما هو ضروري، ولكن يجب (أيضًا) استخدام كل الطرق المتاحة للوصول إلى المعلومات، والتأثير في نفس الوقت. قد يشمل هذا المزيد من الأساليب الأكثر إبداعًا من حين لآخر، مثل التحدث مع الزوجات أو حول الانتماء القبلي. وبالرغم من أن النساء غالبًا ما يكن غائبات عن الطاولة، فلقد حققنا الكثير في حالة اليمن. خلال مفاوضات السلام في ستوكهولم عام 2018، لم تشارك سوى بعض النساء. أسفرت المفاوضات عن اتفاق لم يُنفذ حقًا، ليس أقله لأن الأطراف المتحاربة تقريبًا لم تلتقِ على طاولة واحدة. المرة الوحيدة التي جلسوا فيها في مكان واحد كانت لأنني (نجحت في إحضارهم سويًّا) حافظت على علاقات شخصية مع المفاوضين الرئيسيين من كلا الطرفين لسنوات. لا تستطيعين التخيّل كم صرخوا بوجه بعض! ولكن لو لم تصر الأمم المتحدة على مشاركة النساء في المفاوضات، لربما لم يكن بوسعهم قول كلمة واحدة لبعضهم البعض.

شميد: هذا هو بالضبط سبب دعم مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا للنساء في الدبلوماسية، عبر وضعهم هذا الأمر في الأجندة، وعبر التدريب وبناء شبكات النساء. أنا من المؤمنين بشدة بشبكات النساء. في الاتحاد الأوروبي، أسست شبكة بنفسي. عندما انضممت إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كان هناك شبكة الرجال من أجل المساواة بين الجنسين؛ عظيم! في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، نوفر تدريب على المفاوضات للنساء وتدريب متقدم في المجالات (التي يعمل بها) الذكور مثل الحد من التسلح ونزع السلاح النووي.

رجاء: أنا جزء من شبكات النساء أيضًا. ولكن أعتقد أنه يجب أن نحافظ على العلاقات مع الرجال أيضًا. الأمر لا يتعلق بالمشاركة فقط، ولكن بالتأثير. الاعتماد على تعليم (وتدريب) النساء فقط لن يسفر عن نتائج كبيرة. فالرجال أيضًا يجب أن يُعلموا ويُدربوا، وعلى سبيل المثال، هناك القرار 1325 (بشأن المرأة والسلام والأمن). هذا القرار (يشرح) لماذا السلام يدوم أكثر عندما يكون الجميع منخرطين، بمن فيهم المضطهدين والنساء.

شميد: اتفق معك. وبغض النظر عن مدى دعم النساء في مفاوضات السلام، فإنه طالما أن النساء لا يشاركن في الاقتصاد، فإنهن لا يملكن قوة حقيقية. (تمكين النساء اقتصاديًّا) يفيد المجتمع بأسره. فعندما انخرطت المزيد من النساء في سوق العمل في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا -التي تشمل 57 دولة- ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 15%.

 

دي تسايت: عندما تدخلين إلى قاعة مفاوضات حيث جميع الحاضرين رجال، أين تجلسين؟

رجاء: لا تدخلين إلى القاعة ببساطة. تحضرين مستعدة. تكونين قد أجريت حديثًا مع شخص ذو نفوذ في الردهة، وعلمت من سيكون موجودًا في القاعة وماذا سيقبل أو يرفض كل شخص. أولًا، تفهمين أبراج القوة، ثم تصنعين التحالفات. في السياسة، النزاع ليس دائمًا النهاية، ولكن بداية محتملة لعلاقة.

شميد: عادة هناك أماكن محددة لكل شخص وبطاقات بالأسماء (لكل شخص). كنت أحرص في بداية مهنتي أن أتأكد أين أجلس بالضبط وأن أصل على الوقت لكي لا يأخذ أحد مكاني عن طريق الخطأ. كامرأة، لا يمكنك ألا تكوني مستعدة. 

 

دي تسايت: هل سمعت عن ظاهرة شرح الرجال الأمور للنساء بطريقة فوقية (Mansplainniinng)؟ 

شميد: طبعًا. 

رجاء: طبعًا. 

شميد: في الواقع، نادرًا ما يحاول الرجال شرح شيء ما لي بهذه الطريقة. ولكنني رأيت أن الرجال غالبًا ما يقاطعون غيرهم (أثناء الكلام).

رجاء: في اليمن، الأمر مختلف. النساء هن من يقاطعن الآخرين أثناء الكلام!

 

دي تسايت: كيف يمكن وضع حد لهذا الأمر بطريقة دبلوماسية؟ 

رجاء: إطلاق نكتة عن الأمر. 

شميد: نعم النكتة، وإذا كنت على دراية كافية بالموضوع، تحدثي! 

رجاء: عندما تكونين على طاولة الحوار: أجل، تكلمي! وفي غيرها من المواقف، افعلي ما تشعرين أنه (صحيح) ويجعلك قوية. 

 


أجرت هذه المقابلة مراسلة دي تسايت ليا فريش.

نشرت هذه المقابلة في الجريدة الألمانية دي تسايت في 12 مايو/أيار 2021.

 

مشاركة