إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

 

لأكثر من سبع سنوات، أشركت الجهود الدولية لإنهاء الحرب في اليمن نفس الأطراف المحلية والإقليمية بنفس الطريقة آملة منها أن تتصرف بطريقة مختلفة. لكن هذا النهج ذي الرؤية قصيرة النظر لم يثمر عن شيء سوى الفشل، بالتالي يتطلب الأمر تغييرًا في النهج المتبع، وتبني نهج يشرك الأطراف التي تمتلك القدرة على التأثير في الصراع وليست جزءًا من الإطار الحالي لعملية السلام. الخيار الواضح إذًا هو التوجه نحو قبائل اليمن وإشراكها لتيسير عملية الوساطة في النزاع والتهدئة، خيار واضح لبدء هذا المسار الجديد والمضي قُدمًا فيه.

 

نجحت الوساطات القبلية المحلية عبر أنحاء البلاد في التوصل إلى اتفاقات تبادل عدة آلاف من الأسرى خلال النزاع، بينما لم تثمر سنوات من الجهود رفيعة المستوى بقيادة الأمم المتحدة عن تحقيق نفس النتيجة سوى مرة واحدة فقط، في أكتوبر/تشرين الأول 2020. حتى عند نجاح الجهود الدولية، فإن عدد المفرج عنهم كان ضئيلًا بالمقارنة. سهلت الوساطة القبلية أيضًا حركة الأشخاص والبضائع عبر خطوط المواجهة النشطة بانتظام، ونجحت في إنهاء الحصار المفروض على بلدات وقرى، وسهلت خروج الجماعات المسلحة من مناطق مختلفة دون إطلاق رصاصة واحدة. أظهرت القيادات القبلية مرارًا وتكرارًا أنها تملك القدرة على حل النزاعات بين الأطراف المتحاربة بطريقة لا تستطيع الأطراف الدولية القيام بها، وذلك بفضل استخدام الوسائل التقليدية والقبول المحلي الذي تتمتع به، ولكن حتى اليوم، ما تزال جهود السلام الدولية تهمش تلك القيادات لصالح النُهج والمسارات المؤسساتية الغربية التي جُربت وأثبتت فشلها.

 

في الأوساط الدولية، غالبًا ما يُؤطر موضوع القبائل في اليمن ضمن روايتين. الأولى تستند إلى منظور أنثروبولوجي ينظر إلى القبائل بافتتان ويصوّر اليمن كمتحف حي للمجتمعات القديمة. والرواية الأخرى تصوّر القبائل اليمنية كعقبة رئيسية أمام تطور الدولة وحداثة المجتمع، وكأحد دوافع الصراع. المنظور الثاني موجود داخل اليمن أيضًا، خصوصًا في أوساط بعض النخب التي تنظر إلى القبائل على أنها عناصر تقليدية أعاقت جهود بناء الدولة في التاريخ الحديث للبلاد. في الحقيقة، كانت الديناميات بين القبيلة والدولة دقيقة أكثر ومتعددة الأوجه، كما توضح أبحاث تُنشر قريبًا لمركز صنعاء، إذ كان النهج المتبع في المشروع الوطني عاملًا مهمًا في تحديد طبيعة العلاقة بينهما (الدولة والقبيلة)، ولم يوجد معارضة قبلية متأصلة للعيش في جمهورية تدعم العدالة الاجتماعية والحقوق الفردية في اليمن.

 

تتصف القبائل اليمنية بالتنوع والتعقيد كما تفتقر إلى أيديولوجية سياسية أو -لحسن الحظ -دينية. وبغض النظر عن انتماءاتهم، فإن “حمى” القبيلة هو الأولوية القصوى لزعماء القبائل. سمح هذا الأمر خلال حالات مختلفة إلى استخدام قبيلة أو أخرى لخدمة المصالح السياسية أو الدينية غير القبلية لأطراف عدة تمكنت من غرس فكرة أن هذه المصالح تصب في مصلحة القبيلة. خلال النزاع الجاري، قررت قبائل مختلفة في اليمن، بعد أن كانت أمام خيارين لا ثالث لهما وهما الاستمالة أو الإبادة على يد جماعة الحوثيين المسلحة، القبول بالخيار الأول. وفي مناطق أخرى، مثل مأرب وشبوة، رأت العديد من القبائل أن مقاومة الحوثيين مفتاح للبقاء، ووقفت بالتالي إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

 

في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2021، اجتمع حوالي 50 شخصية قبلية من جميع مناطق اليمن في عمّان، عاصمة الأردن، للمشاركة في مؤتمر نظمه مركز صنعاء ومبادرة إدارة الأزمات بدعم من الاتحاد الأوروبي، وحضره عدد من الدبلوماسيين الغربيين والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن. كان هذا اللقاء نتاج سنوات من الإعداد وعقد اجتماعات أولية داخل اليمن وخارجها. وكان موضوع النقاش هو الحرب الدائرة وضرورة إنهائها لما فيه مصلحة الجميع.

 

خرج المؤتمر ببيان ختامي مميز في القيم والمبادئ التي جسدها. دعا البيان إلى وقف شامل لإطلاق نار، وفتح الطرق واحترام حرمتها، والإفراج عن جميع المعتقلين والسجناء، والشراكة تحت مظلة الجمهورية، والعدالة والمواطنة المتساوية، والمشاركة السياسية الفورية وغير المشروطة في المفاوضات، والتوصل لعملية سلام شاملة تتضمن الأطر المحلية، ودفع رواتب جميع موظفي الدولة في جميع أنحاء البلاد، والتنفيذ الكامل لاتفاقيتي الرياض وستوكهولم. هذه الشخصيات القبلية، التي يمثل العديد منها مجموعات اجتماعية قاتلت على جانبي الصراع وتكبدت خسائر إنسانية مروّعة، تجاوزت الانقسامات وتوحدت معًا في رغبتها المشتركة لإنهاء الحرب وبدء عملية إعادة البناء الوطني والمصالحة.

 

يمثل هذا البيان فرصة جديدة لتحقيق السلام في بلدنا الذي مزقته الحرب، ويستحق دعم ومشاركة جميع الأطراف الفاعلة التي ترغب في رؤية نهاية لهذا الدمار في اليمن.

 

البرامج: تقرير اليمن
مشاركة