المستفيدون من حرب اليمن هم المعرقلون المحتملون لعملية السلام

المستفيدون من حرب اليمن هم المعرقلون المحتملون لعملية السلام

افتتاحية مركز صنعاء

في الوقت الذي دفع فيه الانهيار الاقتصادي ملايين اليمنيين نحو المجاعة، إلا أن اقتصاد الحرب الذي تطور على مدى أربع سنوات من النزاع سمح أيضاً لمجموعة من الأفراد بجني ثروات طائلة. وهؤلاء الأشخاص – الذي يتقلد العديد منهم مناصب عليا لدى طرفي الصراع، ويتعاونون مع بعضهم البعض عبر هذه الجبهات – لا يمتلكون أي حافز يذكر لإنهاء الحرب، لذلك فإن هناك احتمالاً كبيراً بأن يقوموا بتخريب أية عملية سلام قادمة، كتلك التي يسعى لإنجاحها مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، مارتن غريفيث في الوقت الراهن عبر محادثات بين الأطراف المتحاربة في السويد.

على أية جهود ناجحة لإحلال السلام في اليمن أن تضع هؤلاء المستفيدين من الحرب في الحسبان. وينبغي اتخاذ إجراءات – مثل العقوبات – لمواجهة حوافز وقدرات هؤلاء الأفراد على مواصلة الحرب، أو على زعزعة استقرار البلاد في حال تم التوقيع على اتفاق سلام.

حسب بحث أنجزه مركز صنعاء على مدار عام كامل، غالباً ما يتعاون الخصوم المزعومون في حرب اليمن لتحقيق أرباح شخصية. فعلى مدى السنوات الثلاث والنصف الماضية، وتحت غطاء من العنف والفشل الدبلوماسي، تجاوزت شبكات الفساد المعقدة والمرتفعة خطوط المواجهة النشطة. من أوضح الأمثلة على ذلك تدفق أسلحة التحالف العسكري بقيادة السعودية إلى قوات الحوثيين.

من المتورطين في مشاريع جمع الثروة هذه كبار القادة العسكريين اليمنيين المناهضين لجماعة الحوثيين والحاصلين على مرتبات من السعودية أو الإمارات، فعبر تضخيم عدد الجنود المقاتلين في صفوفهم بشكل كبير بهدف الحصول على رواتب وأسلحة زائدة من الجهات الراعية لهم، كان هؤلاء القادة يقومون ببيع فائض أسلحتهم عبر الجبهات إلى قوات الحوثيين نفسها التي يفترض بهم مقاتلتها.

يتم نقل الأسلحة من المناطق الخاضعة اسمياً لسيطرة الحكومة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين عبر ممرات رسمية وغير رسمية، بما في ذلك مسارات صحراوية تمر عبر محافظات المهرة وحضرموت وشبوة.  يتطلب ذلك معرفة محلية وخبرة  بالتضاريس، والعديد من الرشى المدفوعة على طول الطريق. في النهاية، طالما أن كل طرف يحصل على حصته – من تجار السلاح إلى سائقي الشاحنات وصولاً إلى الأفراد المتمركزين في نقاط التفتيش على طول الطريق – فقد كانت مبيعات الأسلحة تجري بسلاسة، بغض النظر عن وجهتها المقصودة.

تمتد شبكات الفساد هذه إلى ما وراء حدود اليمن. من الأمثلة الواضحة على ذلك انتشار صفقات استيراد الوقود التي تشتمل على وقود إيراني رخيص الثمن ومنخفض الجودة يتم نقله عبر الإمارات أو عُمان قبل وصوله إلى اليمن، حيث يباع هذا الوقود في السوق المحلي بأسعار تضمن عوائد أرباح مرتفعة للغاية بعد ذلك. هذه الصفقات يتم فعلياً الاتفاق عليها في صنعاء وتوقيعها في الرياض، مثلها مثل جميع شحنات الوقود الأخرى الواصلة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

تتعقد الحبكة حين يتعلق الأمر بالتدفقات والتحويلات المالية الخارجية، فلدفع مصدري وسماسرة الوقود خارج اليمن، كان على مستوردي الوقود اليمنيين – خصوصاً أولئك الذين صعدوا إلى المشهد بعد 2016 – اللجوء لشبكات مالية غير رسمية، وتحديداً الخدمات التي تقدمها مكاتب الصرافة. يعتقد أن استماتة مستوردي الوقود للحصول على العملات الأجنبية بأي سعر هي من بين أكبر العوامل المؤثرة على قيمة الريال، وهي بدورها العامل الأساسي في انتشار المجاعة.

يبدو أن نخبة الأعمال الجديدة وشبكات المال غير الرسمية التي ساعدت على صعودها أصبحت مهددة في الآونة الأخيرة، وذلك بسبب القوانين الجديدة لاستيراد الأغذية والوقود التي أدخلتها اللجنة الاقتصادية في سبتمبر / أيلول 2018 بإشراف البنك المركزي اليمني في عدن. ومع ذلك، تشير مؤشرات مبكرة إلى أن هذه القوانين أدت ببساطة إلى حالة من التكيف مع أشكال العلاقات والأنشطة التجارية الجديدة، فهناك شراكات تتشكل بين المستوردين القادرين على تلبية المتطلبات الضرورية وأولئك غير القادرين على تلبيتها. والحقيقة أن الأسواق اليمنية الأكثر ربحية تقع في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث يقيم حوالي 70% من السكان، وقد أثبت الباحثون عن الاستفادة من هذه الحرب براعتهم في العمل والالتفاف حول القيود الجديدة، إلى هذه الدرجة تطور اقتصاد الحرب في اليمن اليوم.

في سبتمبر / أيلول 2018، أعلن مارتن غريفيث المبعوث الخاص للأمم المتحدة نيته في التركيز بشكل أكبر على معالجة الأزمة الاقتصادية في اليمن، مع الاعتراف بالأثر المباشر والكارثي الذي يخلفه التراجع الاقتصادي لليمن على حياة الشعب اليمني وسبل عيشه. هذا الإعلان، الذي صدر في وقت كانت فيه العملة المحلية في حالة انهيار غير مسبوقة، هو بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح. إلا أن المطلوب هو التشديد بشكل أكبر، والتنقيب عن الشخصيات الرئيسية المستفيدة من هذه الحرب من جميع الأطراف، وكذلك الشبكات التي تتدفق من خلالها مواردهم المالية وأدوات الضغط التي يمكن استغلالها ضدهم، فمن دون كبح تأثير المستفيدين من الحرب ستبقى فرص تحقيق السلام محدودة بشدة.

 

ظهرت هذه الافتتاحية في تقرير اليمن – نوفمبر / تشرين الثاني 2018