شكلت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة في جنوب شرقي اليمن مطلع ديسمبر نقطة تحول خطيرة، مما أدخل اليمن في أزمة سياسية ذات تداعيات إقليمية واسعة النطاق. إن التوسع السريع للانتقالي — المدعوم من الإمارات والمدفوع بطموحه طويل الأمد لإعلان دولة جنوبية — مثل تهديداً مباشراً لأمن الدولتين المجاورتين، السعودية وعمان، في لحظة حساسة للغاية تمر بها المنطقة. هذه الخطوة أججت القلق لدى معظم دول المنطقة، التي تخشى أصلاً من تصاعد موجات التفتيت.
حتى الآن، يبدو أن اليمن قد تجنبت السيناريو الأسوأ المتمثل في تحولها لساحة حرب إقليمية طويلة الأمد بين السعودية والإمارات، حيث أنهى الحسم العسكري السريع للوضع مطلع يناير التهديد بنشوب حرب أخرى عن بلد أرهقه صراع دام عقداً من الزمن؛ لكن التحدي الآن أمام الحكومة اليمنية والسعودية يتمثل في كيفية تحويل هذا الحسم السريع إلى استقرار مستدام.
لقد علمتنا السنوات الماضية جملة من الدروس، أهمها أن حالة الجمود المصحوبة بالهشاشة وانعدام الأمن والانقسامات السياسية بين مكونات الحكومة لا تمثل صيغة قابلة للاستمرار لإدارة الصراع أو حله؛ لذا، فقد حان الوقت لتجاوز سياسات الاحتواء الانفعالية وإدارة الأزمات، والبدء بمعالجة المشكلات البنيوية الأساسية التي تغذي الصراع.
كشفت التطورات الأخيرة مدى تشابك مصير اليمن بمصير جيرانه، لا سيما السعودية، نظراً للحدود الطويلة المشتركة والأواصر الاجتماعية والتاريخية العميقة، كما وضعت مكانة المملكة كقوة إقليمية مؤثرة وضامن للأمن الإقليمي تحت الاختبار في اليمن، الذي آل فعلياً وبشكل كلي إلى منطقة نفوذ لها في أعقاب الأحداث الأخيرة، وستشكل المرحلة المقبلة اختباراً حاسماً لقيادة الرياض وقدرتها على التعامل مع التحولات الإقليمية، وهي مهمة لا يمكن إنجازها إلا بالاستفادة من دروس الماضي.
تاريخياً، مارست السعودية نفوذاً واسعاً في السياسة اليمنية عبر الاستفادة من شبكة ممتدة من العلاقات القبلية والاجتماعية؛ ومع ذلك، فإن المواجهة مع الإمارات، وما ترتب عليها من تداعيات غير مسبوقة على النفوذ الإقليمي للسعودية، قد كشفت حدود هذا النهج. لقد أثبتت التجربة أن العلاقات مع شبكات المحسوبية والأطراف من دون الدولة أصبحت عبئاً أكثر منها مكسباً. إن الاستثمار في مؤسسات الدولة اليمنية لحمايتها من الهشاشة في نهاية المطاف، يمثل ضرورة استراتيجية لكل من السعودية واليمن. بناءً عليه، تقتضي المرحلة الراهنة إعادة صياغة العلاقة السعودية-اليمنية لتستند إلى تطلعات واقعية تضمن مصالح البلدين وتعزز تماسك وكفاءة الدولة اليمنية.
بالرغم من المخاطر القائمة، يفتح الوضع الحالي فرصة حاسمة لتمكين وتوحيد الحكومة اليمنية، التي تقوضت قدراتها السياسية والاقتصادية بشدة نتيجة الانقسام بين السعودية والإمارات. لقد ترك هذا الانقسام اليمن بحكومة مجزأة وضعيفة، كما خلق الانسحاب المفاجئ للإمارات فراغاً كبيرا، في حين لا تزال العديد من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية دون معالجة؛ وإذا لم يتم التعامل مع هذه القضايا بكفاءة وأخذها في الاعتبار عند صياغة التسويات السياسية، فقد تتحول إلى نقاط اشتعال لصراعات مستقبلية، مما يهدد الاستقرار والأمن والتماسك الاجتماعي.
لا تزال الأوضاع في المحافظات الجنوبية محفوفة بالمخاطر؛ فالمجلس الانتقالي لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية مؤثرة، لا سيما في معقله الرئيسي بمحافظة الضالع ومناطق ردفان ويافع. بالإضافة إلى الانتقالي، هناك تيار جنوبي يمتد في كل المحافظات، بما في ذلك المحافظات الشرقية، يطالب بفك الارتباط بنسب متفاوتة. هذا الجزء من السكان يخشى التهميش والتحركات الرامية لتصفية القضية الجنوبية؛ كما أن القرار المتسرع من الرياض بحل المجلس الانتقالي قد أجج المخاوف من الإقصاء والتهميش السياسي، أو حتى الانتقام وتكرار مظالم الجنوبيين السابقة.
يقدم مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي في الرياض فرصة مهمة لتبديد هذه المخاوف، شريطة التعامل مع القضية الجنوبية بحرص، بعيداً عن الإنكار أو الإقصاء أو الانتقام من الأطراف الجنوبية. يجب أيضا ألا يتحول المؤتمر إلى منصة لتفكيك القضية أو تقويض وجهة نظر لصالح أخرى، بل أن يكون مكاناً لتأكيد حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم سلمياً، دون عرقلة مسار التسوية اليمنية الشاملة.
على نطاق أوسع، يبدو أن التطورات الأخيرة أنهت الانقسام الذي شل الحكومة طويلاً؛ ومع ذلك، لا ينبغي أن يؤدي ذلك للعودة إلى منطق الحكم المنفرد؛ فمن الضروري تمثيل كل الفصائل القائمة ومنحها دوراً في اتخاذ القرار. بالمقابل، لا ينبغي لمنطق تقاسم السلطة أن يأتي على حساب كفاءة الحكومة في إدارة شؤون الدولة والأوضاع المعيشية. إن أية ترتيبات مستقبلية للتغيير يجب أن تلتزم بالأطر القانونية والدستورية، ليس فقط لتنظيم عملياتها، بل لأن هذه الأطر هي ما يشكل الفارق بين الدولة والكيانات خارج إطارها. يتطلب تمكين المؤسسات الرسمية ودعمها التوقف عن إنشاء أية هياكل سياسية أو بيروقراطية جديدة؛ وبدلاً من ذلك، يجب أن تتقيد التعيينات بالأطر القانونية والممارسات الإدارية الراسخة، مدعومة بآليات رقابة ومساءلة قوية لمكافحة الفساد.
مع ذلك، لا يمكن للإصلاحات أن تنجح بمعزل عن التعافي الاقتصادي؛ فاليمن تحتاج إلى دعم اقتصادي كبير من حلفائها — على أن يتم تقديمه عبر المؤسسات الرسمية وليس عبر أطر موازية أو خارجية. إن تحسين الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرة الحكومة ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل هو شرط أساسي لاستعادة الثقة العامة. إن خلق نموذج ناجح للاستقرار وتقديم الخدمات في هذه المناطق لن يهدئ الاحتقان الشعبي فحسب، بل سيبعث برسالة قوية لليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين، توضح الفرق بين سلطة الدولة وحكم جماعات ما دون الدولة.
ولاستعادة مصداقيتها كطرف موثوق في إدارة الدعم المالي، على الحكومة اليمنية اغتنام هذه الفرصة الذهبية لتحسين أدائها والوفاء بمسؤولياتها تجاه شعبها، وإنهاء الانقسامات الداخلية وكبح الفساد والممارسات السلبية التي رافقتها منذ بداية الصراع. إن القيام بذلك سيعزز مركزها كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في الصراع اليمني وفي تسويته.
يجب أن تتعامل هذه الجهود أيضاً مع الانسحاب الإماراتي من اليمن، الذي خلف فجوات كبيرة في القطاعات الأمنية والعسكرية والخدمية عبر مناطق واسعة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب. إن ضمان دمج القوات العسكرية التي كانت ترعاها الإمارات وصرف مرتباتها، إلى جانب ضمان استمرار عمل المؤسسات الخدمية التي كانت تمولها سابقاً، مثل المستشفيات في سقطرى وشبوة والمخا، هو أمر حيوي لاستقرار البلاد.
يدرك اليمنيون تماماً مخاطر التحول السياسي، كما أثبتت التجارب المضطربة بين عامي 1990–1993 ولاحقاً بين 2012–2014. إن فترات الانتقال تحمل في طياتها فرصاً لمستقبل أفضل، ولكنها تنطوي أيضاً على مخاطر الانزلاق نحو اضطرابات أكبر. تقف اليمن اليوم عند مفترق طرق مشابه؛ فإذا فشلت الأطراف اليمنية التي تقود هذا التحول في إثبات كفاءتها وقدرتها على العمل بمبدأ المساءلة، فإن نجاة البلاد من الصراع الذي كان يلوح في الأفق قبل شهر واحد فقط لن تدوم طويلاً. في نهاية المطاف، تعتمد النجاة الوطنية على رغبة كافة القوى اليمنية في الانخراط بمسؤولية ونزاهة وإخلاص في هذه اللحظة المحورية، والالتزام بإعادة إحياء مؤسسات الدولة الجامعة القادرة على معالجة المظالم المتراكمة لمواطنيها.