إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن
Read this in English

في حين اشتدت المعارك في مأرب خلال شهر فبراير/شباط مع ظهور بوادر تصعيد بجبهات أخرى في أنحاء البلاد، بدأت أشعر بالتفاؤل؛ فالتهديد الذي يمثله انتصار جماعة الحوثيين المسلحة على جميع الأطراف الأخرى بشكل حاسم، وبالتالي التهديد على فرصة تحقيق سلام بين الفرقاء لإبقاء اليمن موحدًا، أسفر عن سلسلة من الأحداث التي يمكن أن تجعل السلام ممكنًا. اسمحوا لي أن أشرح هذه الفكرة المخالفة للتوقعات البديهية.

لطالما تحدثت لسنوات عن خمس عقبات تواجه تحقيق السلام في اليمن.

تتمثل العقبة الأولى في اقتصاد الحرب، فانهيار الدولة اليمنية والظروف غير الاعتيادية للحرب أتاح لأشخاص في أماكن معينة أن يكسبوا أرباحًا مادية بطرق لم تكن ممكنة في وقت السلم.

من جانب الحوثيين، استُخدمت ضرورة “الدفاع عن اليمن ضد العدوان الدولي” حجة لإسكات أصوات الاحتجاج على النهب الفاضح الذي حوّل أعضاء الجماعة شبه الأميين -المعروفين باسم المشرفين- إلى مليارديرات بين عشية وضحاها. وبما أن الرواتب لا تُدفع والخدمات لا تُقدم، فإن مئات المليارات من الريالات اليمنية أصبحت متاحة للفساد. كما نهب الحوثيون وصادروا ممتلكات اليمنيين المعارضين لهم. أدى تحصيل الضرائب المرتفعة والتعسفية في كثير من الأحيان إلى زيادة الإيرادات بنسبة 500%، وفقًا لمصدر موثوق في صنعاء. كما وصل تحصيل الرسوم غير القانونية -من الشركات وملاك العقارات والمزارعين وحتى أطفال المدارس- إلى مستويات خيالية. حتى أن الرسوم الإضافية المفروضة على منتجات المشتقات النفطية التي تستوردها في الغالب شركات مملوكة لأعضاء جماعة الحوثيين كانت في سنوات سابقة تساوي إجمالي الإيرادات الضريبية التي جمعتها سلطات الحوثيين، وفقًا للمصدر نفسه. أما المساعدات الإنسانية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي فحُولت عن وجهتها بشكل روتيني وعلى نطاق واسع. شهدت العقارات في صنعاء -في خضم الحرب والأزمة الاقتصادية الساحقة التي تركت العديد يتأرجحون على شفا الوقوع في المجاعة- طفرة لم نشهدها منذ فترة طويلة.

يتفشى الفساد واستغلال الحرب بنفس القدر في جانب الحكومة المعترف بها دوليًّا. المصدر الرئيسي لأموال الحكومة هو السعودية. ووفقًا لمسؤول حكومي يمني تحدث إلى مركز صنعاء، كان من المفترض أن تحوِّل الحكومة السعودية مبلغ 40 مليار ريال سعودي (10.66 مليار دولار أمريكي) إلى الحكومة اليمنية في 2015-2016، لكنها لم تتلق سوى 25 مليار ريال سعودي (6.66 مليار دولار). وقال المسؤول إن ممثلي الحكومة اليمنية الذين يتلقون المدفوعات كان عليهم منح المسؤولين السعوديين الذين يسلمونهم الأموال مبلغ 10 مليارات ريال سعودي، وهذه ممارسة شائعة في المملكة، في حين ذهب ثلثا المبلغ المتبقي، البالغ 15 مليار ريال سعودي، مباشرة إلى جيوب القيادات اليمنية العليا، واستخدمت الـ5 مليارات ريال سعودي المتبقية -أي ثُمن المبلغ الأساسي- لتغطية النفقات التشغيلية الحكومية ودفع الرواتب. وبما أن هذا المبلغ الهائل لم يذهب سوى إلى جيوب أفراد دائرة صغيرة في المستوى الأعلى من القيادة، أُجبر المسؤولون الآخرون في المستويات الأدنى على ملء جيوبهم بأموال من مصادر أخرى. غالبًا لا تودع عائدات مبيعات النفط الخام وغاز الطبخ في البنك المركزي اليمني. كما تتعرض المساعدات الإنسانية التي يقدمها مركز الملك سلمان السعودي لتحويلات كبيرة عن مساراتها، فعلى سبيل المثال، أخبرني قادة أحزاب سياسية في تعز أن المركز يخصص آلاف السلال الغذائية شهريًّا لتوزيعها على الموالين كما يرونه مناسبًا، وأن الكثير من هذه المعونات تباع لاحقًا للتجار. وغالبًا ما تستخدم هذه الأرباح غير المشروعة من الصراع لشراء عقارات في القاهرة واسطنبول وغيرها.

أما في الجانب السعودي، قال سفير أوروبي في اليمن إن حكومته قدّرت تكلفة العمليات السعودية في اليمن بما يتراوح بين 5 و6 مليارات دولار سنويًّا، في حين قال مصدر دبلوماسي مختلف لديه وصول إلى الديوان الملكي السعودي، إن تكلفة عمليات الرياض في اليمن تصل إلى 200 مليون ريال سعودي في اليوم (ما يقرب من 20 مليار دولار أمريكي سنويًّا). يمكن القول بكل بساطة أن هامش الفساد كبير بشكل مذهل.

في أعقاب محادثات السلام الفاشلة في الكويت عام 2016، ظهرت أدلة  كثيرة أن اقتصاد الحرب كان العامل البارز في إدارة الحرب، إذ تقلصت مستويات العنف إلى مستوى يمكن تحمله، وظلت الجبهات جامدة، وجرى التوصل إلى ترتيبات تجارية للسماح للاقتصاد بالاستمرار وللأطراف المتحاربة بتقاسم الأرباح. من الواضح أن هدف القيادة السعودية كان الإبقاء على الوضع الراهن كما هو عليه عندما منعت القوات الحكومية من التقدم نحو صنعاء طوال الفترة من 2016 إلى 2018، حسبما أفاد العشرات من كبار الجنرالات اليمنيين والقادة السياسيين سرًا وعلانية، مثل المستشار الرئاسي عبد العزيز جباري. أما القادة الذين تجرأوا على التقدم بعكس رغبات السعودية، فقد أوقفتهم قنابل سلاح الجو الملكي السعودي، كما أخبرني كبار القادة بشكل خاص، وأُعفي بعضهم من واجبهم. على سبيل المثال، عام 2017، قاد اللواء محمد عبدالله العذري وحدة وصلت إلى مفرق نهم-أرحب. وبعد أن قصفت قوات التحالف وحدته العسكرية، استُدعي هو ومساعديه إلى مأرب حيث أُعفوا من مناصبهم وكُلفوا بتأدية وظائف مكتبية.

كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة متواطئتين في تلك المهزلة، فكلاهما استمر في دعم السعودية على الرغم من معرفتهما بوضعها الذي يتعذر الدفاع عنه. لم يكن أحد على استعداد لإخبار الإمبراطور بأنه عار. وفي الواقع، كانتا تبيعان للسعودية الحبل الذي ستشنق نفسها به. في البيت الأبيض، أُديرت العلاقات مع الرياض بشكل مباشر من قبل صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، مما قلل من فعالية الآليات التصحيحية المؤسسية وسمح بتفوق المصالح قصيرة الأجل، وربما الشخصية، على المصالح الاستراتيجية الأمريكية. أما بالنسبة للمملكة المتحدة، فإن النفوذ المحدود الذي تتمتع به على السعودية وصفقة اليمامة للأسلحة -وهي أكبر اتفاقية تصدير في التاريخ البريطاني- أبقيا داوننغ ستريت صامتة.

كانت بعثة الأمم المتحدة إلى اليمن، وعلى الأخص مكتب المبعوث الخاص، مذنبة بنفس القدر في عدم الاعتراف بمركزية اقتصاد الحرب في الصراع اليمني، فقد استمرت بدلًا من ذلك في مطاردة سراب السلام الذي سيتجسد بطريقة ما من فراغ.

إصرار السعودية على الحفاظ على الوضع الراهن دفعني، من بين آخرين، إلى التكهن بأن السعوديين كانوا يطيلون الحرب لتحقيق أجندة خفية. أما فرضيتي، فهي أن الرياض تسعى إلى وضع يدها على أراضي في شرق اليمن تتيح لها الوصول إلى المحيط الهندي، وهذه هي العقبة الثانية أمام السلام. بحلول عام 2018، كانت القوات السعودية قد انتشرت في جميع أنحاء محافظة المهرة، وإلى حد ما في حضرموت. مع ذلك، استمر اقتصاد الحرب في التحكم بسلوكيات المعسكر المناهض للحوثيين، بما في ذلك العديد من المسؤولين السعوديين. بالنظر إلى المركزية الشديدة للسلطة في النظام السعودي، يبدو أن هذا الأمر قد استمر دون أن يلاحظه أحد، أو تم تجاهله، حتى سبتمبر/أيلول من العام الماضي، عندما أُقيل قائد القوات المشتركة للتحالف بقيادة السعودية في اليمن اللواء فهد بن تركي آل سعود بتهمة الفساد. هذه الخطوة لم تكن غير كافية فقط بل أيضًا متأخرة جدًا لوقف الحوثيين، الذين مُنحوا فترة سماح مدتها أربع سنوات لبناء قدراتهم العسكرية وتفعيل الموارد الكبيرة للجيش اليمني الذي كان تحت قيادة حليفهم السابق والراحل، الرئيس علي عبدالله صالح، والتي أصبحت تحت سيطرتهم (الحوثيون) بالكامل منذ أوائل عام 2018.

وفي حين يقترب الحوثيون الآن من مأرب، إلا أنه لن يكون من السهل عليهم السيطرة على المدينة، فعشرات الآلاف من الرجال في سن التجنيد الذين فروا من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون مستعدون للقتال حتى النهاية لمنع حدوث ذلك. وبالتالي، هناك احتمال أن تتجنب قوات الحوثيين معركة كبيرة وتلتف حول المدينة وتتقدم شرقًا لمضايقة السعوديين في حضرموت والمهرة. مثل هذا السيناريو قد يجبر الرياض على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط الحوثيين ويجبرها على التخلي عن الحلم القديم المتمثل في الوصول إلى المحيط الهندي. وهي العقبة الثانية التي قد تكون آخذة في التلاشي.

العقبة الثالثة أمام السلام هي الإطار القانوني لعملية السلام والذي عفا عليه الزمن إذ ينص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 (2015) على تسليم الحوثيين أسلحتهم والانسحاب من صنعاء -شروط الاستسلام التام هذه لم تترك للحوثيين أي خيار سوى مواصلة القتال. قال العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين لمركز صنعاء إن المجتمع الدولي مستعد الآن لتعديل القرار 2216 بآخر أكثر ملاءمة للسلام، وذلك إذا أظهر الحوثيون حسن النية.

إطار دولي آخر ذو إشكالات فما يتعلق باليمن هو المبادرة الخليجية، التي أدت إلى تنحي الرئيس السابق علي عبدالله صالح في أعقاب انتفاضة اليمن عام 2011 والتي كانت تهدف إلى أن تكون بمثابة خارطة طريق لعملية الانتقال الديمقراطي في البلاد. وبما أن نصوص هذه المبادرة لا تعكس التحديات الحالية أو الأطراف الفاعلة في الصراع، يبدو أن الوقت قد حان لتعديلها أيضًا.

العقبة الرابعة أمام السلام هي الافتقار إلى التمثيل المناسب للأطراف اليمنية في عملية السلام، ويقع جزء كبير من اللوم في ذلك على الرئيس عبدربه منصور هادي. بذل هادي قصارى جهده لاحتكار التمثيل الجنوبي في عملية السلام من خلال استخدام مفهوم “الوحدة” كسلاح ضد خصومه الجنوبيين، وقد ترك هذا غالبية الفصائل الجنوبية -ولا سيما تلك المؤيدة للانفصال- في العراء. ثم قاتلت هذه الأطراف، وتحديدًا المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم من الإمارات، لضمها إلى الحكومة وهو ما تحقق في نهاية المطاف في اتفاق الرياض. من المرجح أن يؤدي الموقف الشجاع من قِبل قبائل مأرب خلال الأشهر القليلة الماضية إلى فرض إشراكهم أيضًا، وهو الأمر الذي قد يفتح الباب أمام عملية سلام شاملة. دعوت لسنوات إلى أسلوب الخيمة الكبيرة لتشمل جميع أصحاب المصلحة اليمنيين في هذه العملية، والآن نرى هذه الخيمة تتشكل بالتدريج.

العقبة الأخيرة أمام السلام هي الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين والافتقار العام للقيادة. هناك نافذة صغيرة جدًا أمام هذا المعسكر لاستجماع قواه والعمل بفاعلية، وإلا فسيفوّت الفرصة حيث يبدو من المرجح بشكل متزايد أن تبدأ المفاوضات المباشرة بين الحوثيين والسعودية. وفي كلتا الحالتين، جعلت النجاحات العسكرية للحوثيين هذه العقبة بالذات دون أهمية.

مع تقلّص أو اختفاء العقبات الخمس، أصبح اليمنيون على الأغلب في طريقهم نحو سلام غير سهل، تهيمن عليه الميليشيات المتصارعة، وفي بداية مسيرة طويلة نحو استعادة دولتهم.

 

ظهرت هذه المقالة في “الحوثيون على أبواب مأرب – تقرير اليمن – يناير/فبراير 2021

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

الوسوم: مارب
مشاركة