إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن
Read this in English

نحو مأرب

اشتد القتال في محيط مدينة مأرب خلال فبراير/شباط 2021؛ حيث جددت قوات الحوثيين هجومها للسيطرة على آخر معاقل الحكومة المعترف بها دوليًّا في شمال اليمن. قررت الذهاب إلى مأرب في مارس/آذار لأطمئن على فريق مركز صنعاء في المحافظة، ولأرى بأم عيني تطورات هذه المعركة الهامة.

اتصلت بأحد الأصدقاء في مأرب وطلبت منه أن يرسل سيارة تقلني إلى المدينة فور وصولي مطار سيئون؛ لم أكن أريد استخدام خدمات النقل التي توفرها شركات خاصة ازدهرت خلال النزاع؛ يستخدمها مختلف الأطراف لمعرفة الداخلين إلى اليمن وأين وجهتهم.

وصلت سيئون مساءً، تناولت العشاء برفقة السائق، كان معظم حديثه عن فيروس كورونا إذ بدأ بالتفشي مجددًا بعد وقت طويل من انحساره، وحين سألته عن وضع طريقنا وهل تغيّر بسبب المعارك، أكد لي أنه لا داعي للقلق، فالناس يسلكون هذا الطريق بالقرب من مناطق المعارك كالمعتاد وفي حال اقترب القتال منها، يسلكون طرقًا أطول للوصول إلى وجهتهم. إنه التكيف المدهش على إيقاع الحرب، حيث الحياة رحلة يستمر الجميع في خوض دروبها مهما اشتدت الصعاب.

بعدها انطلقت رحلتنا التي تستغرق ست ساعات في السيارة. كان الطريق سالك وسلس، وتجاوزنا الكثير من سيارات نقل البضائع الضخمة التي تتحرك ذهابًا وإيابًا على هذا الطريق المركزي الذي يربط أقصى شرق اليمن بغربه. بدا التدقيق على نقاط التفتيش العسكرية اعتياديًّا على الرغم من اشتداد المعارك.

وصلت إلى مدينة مأرب منتصف الليل. فُرض في المدينة حظر تجوال جزئي يبدأ من التاسعة مساءً، هذا الحظر فُرض بالأصل لأسباب تتعلق بجائحة كورونا وأُبقي عليه لاحقًا لدواعٍ عسكرية وأمنية. هنا تجري النقاط الأمنية تدقيقًا مكثفًا في هويات المسافرين خشية أن تخترق خلايا الحوثيين المدينة.

في أول يوم، بدت الحياة طبيعية في المدينة إذ كانت الشوارع مليئة بالمتسوقين والسيارات وطلاب المدارس. لم يكن هناك ما يشير إلى حدوث قتال على أطرافها. في اليوم التالي، كان هناك احتفال مليء بالنساء والأطفال في الحديقة المجاورة للفندق الذي نزلت فيه، كان مشهدًا أخاذًا يذكرنا برفض الناس انتزاع حقهم بالحياة حتى عندما يلوح الموت في الأفق.

في ذات اليوم، عند منتصف الليل، سمعت أصوات المدفعية وتحليق طيران التحالف لأول مرة منذ وصولي. كان هناك قتال عنيف في منطقة المشجح، غرب المدينة، وتبادل للقصف المدفعي في مديرية رغوان، شمال، وفق ما أخبرني صديق مطّلع على تطورات المعارك. لم يقطع دوي الانفجارات البعيدة والمتكررة سوى نباح الكلاب الشاردة في الشوارع. ولم انفكَّ أفكر ماذا سيحدث لو ارتفع صوت الانفجارات؟ كيف يشعر السكان الذين رأيتهم في الشوارع عندما يسمعون صوت الحرب؟ في تلك الليلة، بدا الحوثيون كوحش ينهض من خلف الجبال الغربية ليلتهم سلام المدينة.

خلال الأسبوع الذي قضيته في مأرب، كانت المدينة تعج بالحياة نهارًا ويعتريها القلق ليلًا، وكلما سمع الناس صوت نيران الرشاشات الثقيلة من معسكر صحن الجن، أكبر معسكر قرب المدينة، نظروا نحو السماء. كثّف الحوثيون مؤخرًا استخدامهم للطائرات المسيّرة التي من المستحيل تقريبًا أن تعلم ما إذا كانت محملة بالمتفجرات أو مرسلة للاستطلاع، لكن الخطر الأعظم كان صواريخ الحوثيين إذ أنها لا تستهدف معسكرات الجيش فقط ولكن أيضًا الأحياء السكنية في المدينة ومخيمات النازحين.

يعكس مخيم الجفينة، أكبر مخيمات النازحين في المحافظة، قسوة الحرب التي شردت مئات الآلاف من اليمنيين وأجبرتهم على الهرب من منازلهم سعيًّا وراء حياة جديدة في مأرب. يتفرع المخيم الهائل إلى أحياء وشوارع وأزقة وينمو باستمرار، ويسوده الفقر وانعدام الحيلة، عاكسًا واقع اليمن بأكمله. وبحسب سكان المخيم، تقلّصت الحصص الغذائية التي يحصلون عليها من المنظمات الإنسانية، ويبدو أن الوضع سيصبح أصعب نظرًا لانخفاض تمويل العمليات الإنسانية في اليمن هذا العام.

يُعرف محافظ مأرب الشيخ سلطان العرادة بقوته وحيويته ولكن عندما التقيته بدت علامات التعب واضحة على ملامحه. في نفس اليوم الذي استضافني فيه، استهدف صاروخ حوثي منطقة قريبة للغاية من سكنه، وفي يوليو/ تموز 2019 استهدف صاروخ المبنى المجاور لمنزله حيث يستقبل عموم الناس. قال مصدر مقرّب من المحافظ إن العرادة تعرض لست محاولات استهداف في الأشهر الأخيرة. العرادة هو الهدف الأثمن لدى الحوثيين إذ أنهم يدركون جيدًا أهمية قيادته وإدارته للتوازنات القبلية والسياسية والعسكرية الصعبة في المحافظة. فعلى سبيل المثال، يترأس العرادة اللجنة الأمنية في مأرب التي تضم ممثلين من ألوية الجيش الرئيسية والوحدات التي تعمل في المحافظة. ساعد مركزه كزعيم قبلي فضلًا عن مهاراته القيادية وسماته الشخصية في الحفاظ على دعم زعماء القبائل وجعلهم يشعرون أن صوتهم مسموع. لم يسعني إلا التلفت يمنة ويسرة متوقعًا سقوط صاروخ أو هجمة بطائرة مسيّرة وأنا أتناول الغداء برفقة المحافظ واولاده.

في طريق عودتي إلى مدينة سيئون لمغادرة اليمن، مررت بمجمع صافر النفطي الذي يمد معظم اليمن بغاز الطهي، وتنتج مصفاته كمية قليلة من البنزين. كان مضاءً بالأضواء الصفراء وتعتليه شعلات احتراق الغاز في وسط الظلام الدامس. إنه الجائزة الكبرى التي يتلهف الحوثيون للفوز بها؛ إذ ستتيح المنشأة موارد كبيرة تغذي آلتهم الحربية. غادرت مأرب وأنا أفكر بسكانها الذين لا يعرفون أي مصير ينتظرهم، وكيف سينتهي هذا التهديد الدائم لحياتهم؟ وبينما ينزل مقاتلو الحوثيين من الجبال الغربية نحوهم حاملين الموت في فوهات البنادق، تستمر الحياة.

 

تجهيزات الحوثيين

استعدت جماعة الحوثيين لهذه المعركة لأشهر قبل شنها الهجوم في فبراير/شباط 2021. كان آخر هجوم للحوثيين على مأرب في سبتمبر/أيلول 2020 ولكنه ضعف تدريجيًّا بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وحينها بدأوا التحضير لشن هجوم من جديد. على المستوى الدعائي، استخدم الحوثيون بشكل براغماتي شعارات مختلفة لتناسب مختلف الجماهير، ولحشد الموالين؛ صُيغ الهجوم على مأرب ضمن إطار ديني كان عنوانه المعركة ضد المنافقين؛ معركة الإيمان ضد الكفر. أما للجمهور الأوسع، تبنّت الجماعة خطابًا وطنيًّا، وقالت إنها معركة لتحرير مأرب من الاحتلال السعودي، بينما كان الشعار القائل إنها معركة ضد الإخوان المسلمين، فهو يهدف لإرضاء خصوم حزب الإصلاح المهيمن في مأرب. وطبعًا، تزعم جماعة الحوثيين أيضًا أنها تحارب القاعدة وداعش، سردية تستخدم لمغازلة المجتمع الدولي وإظهار نفسها كشريكة في الحرب الدولية ضد الإرهاب.

كان محمد البخيتي، القيادي الحوثي ذو النبرة الأيديولوجية والمتدينة ومحافظ محافظة ذمار التي تُعد الخزان البشري لمقاتلي الحوثيين، هو أحد أبرز أوجه الدعاية الحوثية. تداولت وسائل التواصل الاجتماعي اليمنية تصريحاته التي تأطّر المعركة بمصطلحات دينية، إذ دعا الموالين للمشاركة بالجهاد في مأرب بالمال والنفس -خطاب مشابه لخطاب القاعدة وداعش. تبنّى الحوثيون هذه اللغة من قبل، وبالتالي هي ليست حصرية لحملتهم على مأرب.

عقد القادة الحوثيون السياسيون والأمنيون والقبليون لقاءات مكثفة مع زعماء القبائل – سواء مع الموالين لهم أو المضطرين للتماشي معهم في مناطق سيطرتهم – لتحقيق هدفين: الأول، تنويع مصادر حشد المقاتلين من محافظات مختلفة وقبائل متعددة بما يغذّي هذه المعركة باحتياجاتها الكبيرة للمقاتلين، والثاني، استخدام زعماء القبائل لإقناع نظرائهم في مأرب باتخاذ موقف الحياد، ولكن بشكل عام، لم تنجح هذه المناشدات في تحقيق هذا الهدف إذ أن الاعتبارات السياسية والتاريخية والمذهبية دفعت بقبائل مأرب للوقوف ضد جماعة الحوثيين.

من بين المسؤولين الحوثيين البارزين الذين شاركوا بكثافة في هذه الجهود اللواء أبو علي الحاكم، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية للحوثيين والموجود على قائمة عقوبات مجلس الأمن، ومحمد علي الحوثي، أحد أبرز قادة الجماعة، إذ يرأس اللجنة الثورية العليا ويشغل منصب عضو في المجلس السياسي الأعلى. كما استُدعي أبو مالك الفيشي – أحد القيادات السياسية البارزة للجماعة والذي كان موضوعًا على الرف بسبب خلافات داخلية – للمشاركة في هذه الجهود؛ لدى الفيشي علاقات جيدة مع الأطراف المدنية، مثل المؤتمر الشعبي العام، لذا قرر الحوثيون استخدام مهاراته كجزء من نهج الترغيب والترهيب لجذب وحشد المقاتلين والموالين.

 

هجوم من ثلاث جهات

في 7 فبراير/شباط، شن الحوثيون هجمات متزامنة على ثلاث جبهات من شمال وجنوب وغرب المحافظة. في الشمال، اندلع القتال في منطقة اليتمة بمحافظة الجوف قرب الحدود السعودية اليمنية، بينما تركزت الاشتباكات جنوبًا في مديرية العبدية بمحافظة مأرب على حدود محافظتي شبوة والبيضاء، أما قلب عملياتهم الهجومية فتركز في مديرية صرواح، غرب مأرب، حيث تقدمت قوات الحوثيين إلى معسكر كوفل، أهم معسكر للحكومة في المديرية، ومن هناك تقدمت نحو حدود منطقة الزور، وهي آخر منطقة تفصل الحوثيين عن جبل البلق الاستراتيجي الذي يطل على مدينة مأرب. لم يتمكن الحوثيون من تأمين المنطقة على يمين معسكر كوفل والمؤدية إلى مدينة مأرب. ما تزال القوات الحكومية تسيطر على هذه المرتفعات ما أتاح لها استهداف المقاتلين الحوثيين قرب معسكر كوفل الخالي حاليًّا وصولًا إلى حدود منطقة الزور، كما لم يتمكن الحوثيون من الاستيلاء على منطقة الكسارة الاستراتيجية في الشمال رغم كثافة هجماتهم عليها.

نسق الحوثيون الهجمات على جبهات مختلفة لكي يعرقلوا قدرة الحكومة على تعزيز جبهات محددة، ولكن يبدو أن الاستعدادات الحكومية -فيما يخص عدد القوات والسلاح والتحصينات الدفاعية- كانت كافية حتى الآن لصد هجوم الحوثيين. لم ينجح هذا الهجوم الكبير بتحقيق اختراق كبير باستثناء إجبار القوات الحكومية على الانسحاب من كوفل، الذي لا يزال بعيدًا عن أن يكون مؤمّنًا، وبالتالي، فإن تقدم الحوثيين الأخير والمكلف يُعد هشًا.

شن الحوثيون عملية نوعية عبر تسلل كتيبة من نخبة مقاتليهم إلى جبل البلق الغربي، واندلعت أعنف المعارك مع قوات الحكومة. كان القتال هناك مكلفًا لكلا الطرفين واضطر الحوثيون لاحقًا للتراجع إلى أطراف منطقة الزور، أما على جانب الحكومة، قُتل قائد قوات الأمن الخاصة عبد الغني شعلان وعدد من معاونيه.

شكل اختراق جبل البلق والمعركة التي تلته تطورًا خطيرًا للغاية إذ أن تقدم الحوثيين إلى الجبل يُعد أقرب ما استطاعوا الوصول إليه نحو مأرب، ومن يسيطر على الجبل يحظى بموقع هام يطل على المدينة وعلى الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بمديرية الجوبة والجبهات في الجنوب. ولعل ما هو أهم من هذه الاعتبارات الاستراتيجية هو حقيقة أن استيلاء الحوثيين على هذه المرتفعات سيوجه ضربة كبيرة لمعنويات سكان مأرب والجيش اليمني.

يبدو أن المجتمع المحلي يدعم بشكل عام المعركة في مواجهة الحوثيين إذ استجابت القبائل لنداء الحشد القبلي وأرسلت مؤخرًا مقاتلين قبليين لتعزيز الجبهات في البلق والكسارة. إن استعداد القبائل للتعبئة رغم الجهود التي يبذلها الحوثيون لردعهم يؤكد الدور الرئيسي الذي لعبته القبائل في دعم القوات الحكومية والدفاع عن المحافظة. ولد شعور الجميع بالخطر الذي يشكله هذا الهجوم، بالإضافة إلى موجة التحريض والدعاية الحوثية ضد مأرب، روحًا من الوحدة الجماعية ضد الحوثيين امتدت حتى خارج حدود مأرب؛ إذ توافدت تعزيزات عسكرية مختلفة ومتطوعين للقتال من مناطق مختلفة من اليمن، تشمل كتائب من ألوية العمالقة ووحدات من الجيش من محافظة شبوة وأبين وتعز، كما حشد حزب الإصلاح مقاتليه في مأرب وفي محافظات مختلفة حيث له نفوذ، مثل تعز وشبوة، ويبدو أن هذه التعزيزات ساهمت في تقوية الوضع العسكري الدفاعي على الجانب الحكومي.

غير أن الجيش ما يزال يواجه تحديات عدة. على سبيل المثال، أدت الاستراتيجية الدفاعية التي تبنتها قوات الحكومة إلى جعل الحوثيين أصحاب المبادرة العسكرية وبالتالي سمحت لهم بتحديد أين ومتى تنطلق المعارك؛ وهذا يضع قوات الجيش والمجتمعات المحلية تحت ضغط دائم. إحدى التحديات الجادة التي يواجهها الجيش أيضًا هي توقف صرف رواتب الجنود إذ تنامى عدد الجنود الذين تركوا الخدمة العسكرية للبحث عن أي فرص عمل -كسائقي سيارات أجرة أو عمال مياومين- تدر دخلًا نتيجة عدم تلقيهم رواتبهم لشهور.

يلعب طيران التحالف دورًا حاسمًا في التصدي لهجوم الحوثيين عبر استهداف قواتهم في جبهات القتال المختلفة. أثبت الطيران أهميته في المناطق ذات التضاريس المستوية مثل جبهة الكسارة حيث بوسع الحوثيين التقدم بسرعة عبر استخدام المراكب القتالية المدرعة لولا التهديد الذي تشكله غارات التحالف، كما يستهدف طيران التحالف خطوط إمداد الحوثيين وتعزيزاتهم التي تتقدم نحو الجبهات في غرب المدينة من صنعاء والجوف. 

 

عواقب المعركة

في الوقت الذي تدخل فيه حرب اليمن عامها السابع، تُعد معركة مأرب هي الأكبر خلال النزاع سواء من حيث نطاقها الجغرافي أو عدد المقاتلين والعسكريين المشاركين أو ما يترتب عليها من نتائج عسكرية وسياسية وإنسانية. احتمال أن تغير هذه المعركة التوازن بين كل من الحكومة المعترف بها دوليًّا والحوثيين مهم للغاية خصوصًا أنه يأتي في ظل تحول كبير في النهج الدولي تجاه الحرب في اليمن تقوده الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس بايدن.

وضع هجوم الحوثيين على مأرب ضغطًا هائلًا على الحكومة الجديدة، فحكومة تقاسم السلطة، التي شُكلت بموجب اتفاق الرياض، تعاني من مصاعب مالية وهي تفتقد إلى المصادر المالية في ظل نظام اقتصادي محكوم بالفوضى؛ وعدم إيفاء السعودية بوعدها في توفير منحة مالية جديدة للبنك المركزي اليمني، وفقًا لمقابلة مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في يناير/كانون الثاني. ناهيك عن التعقيدات التي ما زالت تعترض استكمال تنفيذ الشقين العسكري والأمني لاتفاق الرياض، وبالتالي، جاء القتال في مأرب ليفاقم من هشاشة الوضع السياسي للحكومة.

من غير المرجح أن المعركة للسيطرة على مأرب ستشهد تهدئة. قد تشهد بعض الجبهات اشتباكات أقل، كما حدث خلال هجمات سابقة، وذلك يعود عادة لنقل الموارد إلى مناطق معينة حيث القتال مستمر. ولكن الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو أن المعركة ستشهد المزيد من التصعيد إذ سيحاول الحوثيون تحقيق اختراق ما. تحتاج جماعة الحوثيين إلى تحقيق نتائج ملموسة تبرر حجم الحشد وخسارة مقاتليها والأهداف المعلنة لقاعدتها الشعبية. فماذا سيحدث إذا كسب الحوثيون هذه المعركة؟ هل سيرسخون سيطرتهم على مأرب ومواردها ويثبتون حكمهم في الشمال؟

خسارة الحكومة آخر معقل لها في الشمال سيضعفها ويضعف أيضًا الرئيس عبدربه منصور هادي وحزب الإصلاح ليس فقط في مواجهة الحوثيين ولكن أيضًا في المواجهة المتصاعدة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، الشريك الجديد في الحكومة. وعلى الرغم من المخاطر العسكرية الكبيرة التي يشكلها انتصار الحوثيين، فإن المجلس الانتقالي قد يرى في سقوط مأرب وسيطرة الحوثيين على الشمال بشكل كامل الفرصة السياسية التي يحتاجها للمطالبة بانفصال جنوب اليمن.

كما يبدو أن الحوثيين سيكون لديهم طموحات للسيطرة على مناطق أكثر نظرًا لأن التواجد العسكري في بعض المناطق أضعف من التواجد العسكري الذي حُشد لمواجهتهم في مأرب. قد يستمر الحوثيون بمطاردة خصمهم حزب الإصلاح من مأرب إلى شبوة وحضرموت المجاورتين. نجاحهم في مأرب سيتيح لهم نقل مواردهم العسكرية لمواجهة القوات المشتركة على الساحل الغربي والتركيز على استعادة السيطرة على باب المندب، الأمر الذي يعزز موقعهم على ممر الشحن الدولي الحيوي في البحر الأحمر. لدى الحوثيين طموح فعلي للسيطرة على اليمن بأكمله وذلك يستلزم العبور بمأرب أولًا.

رفض الحوثيين للمسار الدبلوماسي الجديد الداعي لاستئناف الحوار من أجل تحقيق السلام يشير بوضوح إلى أنهم يراهنون على الانتصار في مأرب لتعزيز نفوذهم وإجبار المجتمع الدولي على التعاطي معهم بناء على حقائق جديدة على الأرض تشمل وجود مأرب تحت سيطرتهم. التوقيت مثالي للحوثيين: السعودية في حالة ضعف سياسي على المستوى الدولي، وحلفاؤها يبدون أقل التزامًا بالدفاع عن مأرب مقارنة بحالهم خلال معركة الحديدة عام 2018. خلال معركة الحديدة، كان هناك ضغط دولي واضح وكبير على السعودية لوقف القتال، الأمر الذي أنتج حينها اتفاقية ستوكهولم، أما اللهجة الحالية تجاه الحوثيين فإنها تبدو ضعيفة وخجولة بالمقارنة.

وبالرغم من عدم امتلاك نفوذ ضد جماعة الحوثيين، على المجتمع الدولي اتخاذ موقف أخلاقي واضح في هذه المعركة وإلا فإنه سيعزز تصور اليمنيين بأن القوى الخارجية صامتة في وجه عدوان الحوثيين. الكثير من اليمنيين فروا من منازلهم بحثًا عن ملاذ من الحوثيين في مدينة مأرب، وهم الآن يواجهون احتمال الاضطرار للهروب مجددًا فيما لا يوجد أمامهم إلا ملاذات أقل.

في حال خسر الحوثيون المعركة بعد كل هذا الحشد والتجهيزات، فذلك يعني أن مأرب لا تسقط بالقوة والإكراه. ستوجه خسارة الحوثيين ضربة لجمهورهم وتكبح طموحاتهم السياسية وتحد من قدرتهم على المساومة، وهو أمر يمكن أن يفيد الزخم الدبلوماسي الدولي المتجدد لإنهاء الحرب، وبالتالي قد تُجبر جماعة الحوثيين، الجامحة عسكريًّا حتى الآن، على الإصغاء للدعوات المطالبة بالانخراط في المفاوضات.

الوسوم: مارب
مشاركة