إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

وادي حضرموت: المعركة المنتظرة

Read this in English

في ظل الوضع الهش للهدنة غير المعلنة بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثيين، تتصاعد في جغرافيا جنوب اليمن وتحديدًا في وادي حضرموت دورة أخرى من الاستقطاب السياسي والعسكري حول مصير المنطقة العسكرية الأولى التي تتخذ من مدينة سيئون مقرًا لها، منذرة بجولة جديدة من المعارك القتالية بين الأطراف اليمنية في المعسكر المناهض للحوثيين.

يشكل هذا الاستقطاب المتجدد حول وادي حضرموت امتدادًا لانقسامات حادة كامنة منذ فترة بين الأطراف اليمنية، لم تجد طريقًا للتسوية خلال الحرب، بل على النقيض تغذت منها. يقع في صميمها الانقسام الشمالي-الجنوبي، ومطالبة جماعات جنوبية -أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي -بفك الارتباط بين الشمال والجنوب واستعادة دولة اليمن الجنوبي على أساس حدود ما قبل 1990.

المعركة على الجنوب

أدت التغييرات الكبرى في اليمن العام الماضي إلى صعود سياسي كبير للمجلس الانتقالي الجنوبي ومعظم الجماعات الأخرى المدعومة من الإمارات في المناطق الخاضعة اسميًا لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. في يناير/كانون الثاني 2022، نجحت ألوية العمالقة المدعومة إماراتيًا في طرد قوات الحوثيين من محافظة شبوة وأجزاء من جنوب مأرب، ومع طي صفحة عهد الرئيس عبدربه منصور هادي واستبداله بمجلس قيادة رئاسي مكوّن من ثمانية أعضاء في أبريل/ نيسان، تنامى نفوذ القادة العسكريين المدعومين من الإمارات وأبرزهم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي. انفتحت شهية المجلس الانتقالي السياسية لإكمال مشروعه بالسيطرة على جميع المحافظات التي شكّلت دولة الجنوب سابقًا، وبعد سقوط شبوة في يده وطرد القوات الموالية للإصلاح في سبتمبر/ أيلول، وجّه المجلس بوصلته السياسية نحو حضرموت.

وبالتالي يمكن وصف الصدام المنتظر في سيئون أنه نزاع على آخر مواطن النفوذ الشمالية الصريحة في جغرافيا الجنوب اليمني، التي يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إخضاعها لسيطرته. يتشكل معظم قوام القوة العسكرية للمنطقة الأولى من أفراد ينتمي معظمهم لشمال اليمن، حيث توجد في سيئون عائلات الجنود وغيرهم من الأسر الشمالية التي يعمل أفرادها في التجارة أو قطاع الخدمات منذ عام 2015 وشكلوا باستمرار جزءًا أساسيًا من نشاط ونمو المدينة. رغم انتماء قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء الركن صالح محمد طيمس إلى محافظة أبين الجنوبية، كان يحيى محمد أبو عوجا (المنحدر من محافظة عمران) حتى فترة قريبة أركان حرب المنطقة وقائدها الفعلي، ويُعد الرمز الأبرز للسيطرة الشمالية التي يُندد بها من قِبل الأطراف الجنوبية والحضرمية. من هذا المنطلق، جاء قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في ديسمبر/كانون الأول باستبداله بشخصية عسكرية حضرمية “عامر بن حطيان” من المنطقة العسكرية الثانية (ومقرها المكلا في ساحل حضرموت) كمحاولة للتخفيف من التوترات وامتصاص الضغوط المطالبة بإحداث تغييرات هيكلية في وادي حضرموت. لكن العليمي أبقى على منصب أبو عوجا كقائد للواء 135 مدرع القوي في إطار المنطقة العسكرية، وهي خطوة لم تجد ترحيبًا من المجلس الانتقالي المستاء من استمرار نفوذ أبو عوجا؛ خصوصًا أن بديله لا يُعد حليفًا وثيقًا. رغم ذلك، لم يتخذ المجلس الانتقالي موقفًا صريحًا ضده بسبب هويته الحضرمية، لكنه ما يزال يسعى إلى مزيد من التغييرات في وادي حضرموت. تعد حضرموت الجائزة الكبرى للمجلس الانتقالي، وأي نجاح محتمل له في السيطرة على المحافظة الاستراتيجية الغنية بالنفط سيعني حسم معركة النفوذ الفعلية لصالحه وسيطرته على معظم المساحة غير الخاضعة لجماعة الحوثيين وهو ما يعني فعليًا السيطرة تقريبًا على كامل جنوب اليمن السابق باستثناء محافظة المهرة الواقعة في أقصى الشرق. كما ستخضع موارد حضرموت من النفط والغاز لسيطرة الانتقالي الأمر الذي سيمنحه هيمنة على عملية صنع القرار داخل الحكومة.

من جهة أخرى، تُمثل الضغوط الممارسة لإجراء مزيد من التغييرات في المنطقة العسكرية الأولى تحديًا كبيرًا أمام حزب الإصلاح باعتبار شمال حضرموت موطن نفوذ صريح له وامتدادًا جغرافيًا لمعقله في مدينة مأرب، حيث تحظى سيئون (الذي يعد مطارها أحد منفذي الوصول الوحيدين إلى اليمن، إضافة إلى مطار عدن) ومنفذ الوديعة الحدودي (المعبر الحدودي الوحيد المفتوح بين اليمن والسعودية) بأهمية حاسمة وفق تقدير الحزب. بالتالي، سقوط وادي حضرموت بيد أطراف مناوئة سيعني اكتمال حصار الإصلاح في مأرب، مع سيطرة الانتقالي على شبوة جنوب مأرب وتمركز قوات الحوثيين على الخطوط الأمامية غرب مدينة مأرب. ازدادت حساسية الإصلاح تجاه هذا الأمر بعد تغيير صيغة الحكم بإنشاء مجلس القيادة الرئاسي وخروج حليفه الرئيس هادي ونائب الرئيس السابق علي محسن الأحمر من المشهد، حيث تقلّص نفوذه بدرجة كبيرة داخل الحكومة بهذا التغيير الدراماتيكي، وتفاقمت مخاوفه بعد معارك شبوة في سبتمبر/ أيلول 2022 التي أخرجت المحافظة من دائرة نفوذه.

في سياق الوضع الراهن، يبدو ملفتًا أن مفاعيل الصراع بين المجلس الانتقالي الجنوبي والإصلاح أدى إلى تنامي الدور السياسي لمؤتمر حضرموت الجامع، وهو تكتّل سياسي حضرمي أُنشئ عام 2017 بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، ويضم طيفًا حضرميًا واسعًا من ممثلين عن القبائل الحضرمية وسياسيين وأكاديميين ورجال دين ونشطاء. ينضوي ضمن المؤتمر حلف قبائل حضرموت (الذي يقوده أيضًا الشيخ عمرو بن حبريش المتمتع بنفوذ هائل)، ويشكل الحلف 30 في المائة من قوام المؤتمر. لدى المؤتمر ممثل وحيد في الحكومة المعترف بها دوليًا وهو أمينه العام طارق العكبري الذي يشغل منصب وزير التربية والتعليم، بينما يشغل الأمين العام المساعد للمؤتمر أكرم العامري عضوية في هيئة التشاور والتصالح التي شُكلت بعد تأسيس مجلس القيادة الرئاسي.

يتقاطع مؤتمر حضرموت الجامع في موقفه مع الانتقالي بشأن ضرورة إحلال قوات المنطقة العسكرية الأولى، ويظهر ذلك من مطالبه بأن تتولى قوات حضرمية محلية المسؤوليات الأمنية في وادي حضرموت ومدن أخرى في المحافظة، إلا أن المؤتمر يتخذ موقفًا مناوئًا من رغبة الانتقالي باحتكار تمثيل الجنوب ويميل إلى مقاربة لدور حضرمي بعيد عن الرؤية السياسية للجنوب التي يسوقها الانتقالي. بمعنى آخر، يدعو التحالف إلى أن تكون حضرموت إقليمًا مستقلًا في أي مستقبل سياسي لليمن، سواء تحت نظام فيدرالي أو في حال انفصال الجنوب.

صدع سعودي-إماراتي

هناك عامل آخر لا مَحِيدَ عنه يؤثر على مجريات الأحداث في وادي حضرموت وهو الانقسام السعودي-الإماراتي المتنامي، الذي ظهر بعد فترة من التفاهم أفضت إلى تشكيل المجلس الرئاسي. تنظر المملكة إلى الوضع في الوادي باعتباره مسألة أمن قومي لها، وبالتالي تسعى لمنع أي تمدد للنفوذ الإماراتي إلى المنطقة الواقعة على حدود مباشرة معها. تعتمد السعودية في حماية نفوذها على قوات المنطقة العسكرية الأولى وعلاقتها الوطيدة بمشايخ القبائل الحضرمية البارزة وحزب الإصلاح، وهي تدرك أن أي تحول كبير في ديناميكيات الوضع في شرق اليمن سيثير أيضًا مخاوف جدية لدى العمانيين، وقد يدفع هذا مسقط للتصعيد استباقًا في المهرة (حيث تحظى بحلفاء محليين) في ظل شواغلها على أمنها القومي. من جانبها، تحرص السعودية على الاحتفاظ بعلاقات بناءة مع عُمان نظرًا للدور الدبلوماسي النشط الذي تلعبه الأخيرة في المفاوضات الجارية بين الرياض وجماعة الحوثيين.

إجمالًا، تظل أدوات السعودية في وادي حضرموت قديمة، وتبدو في المقابل أقلّ فعالية من أدوات الإمارات التي تعتمد على الجاذبية الشعبية لفكرة “حضرمة” قوات المنطقة العسكرية الأولى، واستقطاب مشايخ قبليين من الصفوف الثانية واستخدامهم لقيادة مبادرات اجتماعية سياسية مناهضة لوجود قوات شمالية في المحافظة (مثل الهبة الحضرمية)، واستغلال الأذرع الإعلامية الموالية للتأثير على السكان المحليين، وتسليط الضوء على قضايا كأهمية مكافحة الإرهاب والتهريب. أثبتت هذه الأدوات الديناميكية فعاليتها مقارنة بالجهود السعودية البطيئة التي تفشل عمومًا في التكيف مع المتغيرات على الأرض.

بالمحصلة، يغذي الوضع في وادي حضرموت حدة الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي ويقوّض القدرة على خفض الاحتقان بين أعضائه. وهو أمر يتفاقم مع وجود خلاف سعودي-إماراتي خلف الكواليس، الأمر الذي يُضعف موقف رشاد العليمي وقدرته على إدارة المجلس المنقسم على ذاته. شكلت قراراته بخصوص حضرموت اختبارًا لهذا الأمر مع اتخاذ أعضاء المجلس موقف جماعي ضدها، وإن أبدى كل عضو أسباب مختلفة عن الآخر، مما ينذر بمستقبل قاتم أمام مجلس القيادة الرئاسي الذي شُكّل أساسًا بهدف الحد من الانقسامات ودورات العنف بين أطراف المعسكر المناهض للحوثيين التي طالما ميزت عهد الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.

مستقبل يشوبه الغموض

تتوسط مدينة سيئون -التي يطلق عليها سكانها اسم “مدينة السلام” -وادٍ تحيط به هضاب صخرية جرداء، وهي انعكاس مثالي للهوية الحضرمية الهادئة والودودة. وبينما ترددت أصوات المدافع والصواريخ في أرجاء اليمن طوال سنوات الحرب الثمانية، ظلت هذه المدينة مكانًا بعيدًا عن شبح عنف يبدو أنه لن يوفرها الآن في حال تفاقم الصراع حول المنطقة العسكرية الأولى.


هذا التحليل هو جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من الحكومة الهولندية. تستكشف السلسلة قضايا ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاشات وصنع السياسات التي تعزز السلام المستدام في اليمن. الآراء المعرب عنها في هذا التحليل لا تعكس آراء مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.

مشاركة