إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

الاضطراب في جنوب اليمن: التداعيات على الحوثيين وإيران

Read this in English Read this in English

سيطرت جماعات مسلحة موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي ومدعومة من الإمارات العربية المتحدة على مساحات شاسعة من جنوب وشرق اليمن، في أوائل ديسمبر، وبعد فترة وجيزة – بدا خلالها أن هذه الجماعات فقدت قدرتها على التحرك – نجحت القوات المسلحة المدعومة من السعودية في تقليص هذه المكاسب وإلحاق خسائر فادحة بالمجلس الانتقالي. حتى تلك اللحظة، كان الطرفان منضويين اسمياً تحت مظلة الحكومة المعترف بها دولياً، وهو الائتلاف الذي يجمع القوى اليمنية المناهضة للحوثيين؛ فما هو التأثير الذي سيخلفه هذا التحول الجذري في المشهد الأمني على جماعة الحوثيين (أنصار الله)؟ وما هي تداعيات هذه الأحداث على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الداعم الخارجي الرئيسي للحوثيين، في وقت تسعى فيه جاهدة لوقف نزيفها الجيوسياسي المتواصل خلال فترة من الاضطرابات المحلية غير المسبوقة؟

سيناريوهات مستقبلية

تضع طهران في مقدمة أولوياتها ترسيخ ومأسسة سلطة الحوثيين داخل اليمن؛ فهذا هو الحجر الأساس الذي تأمل أن تبني عليه نفوذها طويل الأمد وتضمن استمراريته في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية. تعاظمت أهمية الحوثيين بالنسبة لطهران في أعقاب الخسائر الجيوسياسية الجسيمة التي منيت بها خلال العامين الماضيين: إضعاف حركتي حماس وحزب الله، وسقوط نظام الأسد في سوريا، فضلاً عن خسائرها أمام الولايات المتحدة وإسرائيل.

هل ستخدم أحداث الأسابيع الأخيرة أهداف إيران؟ من الصعب تقديم إجابة قاطعة في ظل حالة الضبابية السائدة حول الخطوات التالية؛ لذا فمن الأجدى قراءة المشهد من خلال سيناريوهات محتملة. في أوائل ديسمبر، ربما أثار احتمال قيام دولة مستقلة في جنوب اليمن قلقاً في إيران؛ فلو اصطفت هذه الدولة الجديدة مع الولايات المتحدة، أو ربما حتى إسرائيل كما لمح بعض القادة الانفصاليين، لكان لدى إيران سبب وجيه للتخوف من ظهور ثقل موازن أقوى للحوثيين.

مع ذلك، سرعان ما اتضح أن المجلس الانتقالي الجنوبي لن يتمكن من إحكام سيطرته على الجنوب وبناء دولة قوية. إن احتمال وجود جنوب يمني ضعيف، يتعايش على نحو غير مستقر مع ما تبقى من حكومة معترف بها دولياً ومُنهكة، كان سيمثل السيناريو الأمثل بالنسبة لإيران، إذ سيُبقي القوى المناهضة للحوثيين رهينة حالة من الضعف والشلل إلى أجل غير مسمى، وهذا من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لتعزيز سلطة الحوثيين وتوسيع نفوذهم.

بالنظر إلى النجاح السريع والساحق للقوات المدعومة من السعودية في هزيمة المجلس الانتقالي في أوائل يناير، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً، على الأقل في المديين القصير والمتوسط، هو اندلاع موجة جديدة من عدم الاستقرار؛ فرغم أن إضعاف المجلس الانتقالي قد يصب في مصلحة الحكومة، إلا أن التحالف المناهض للحوثيين والمدعوم سعودياً سيواجه صعوبات جمة في ترسيخ واستدامة مكاسبه في الجنوب، حيث لا تزال جذور المظالم قائمة، ورغم تغير الديناميكيات الداخلية في جنوب اليمن، فإن ميزان القوى الذي مال لصالح الحوثيين في مواجهة حكومة هشة وممزقة سيستمر؛ إذ أدى الاقتتال بين الفصائل المدعومة من السعودية والإمارات إلى النتيجة المألوفة ذاتها، وهي إبقاء التحالف المناهض للحوثيين في حالة ضعف.

على الطرف الآخر من الطيف، يبرز سيناريو تتمكن فيه المملكة العربية السعودية وشركاؤها المحليون من إحكام سيطرتهم على الحكومة المعترف بها دولياً، والنجاح في تقويتها، وبناء ائتلاف قادر على كبح جماح سلطة الحوثيين بشكل أكثر حزماً، إن لم يكن قادراً على هزيمتهم بالضرورة؛ بيد أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بالعقبات وسيتطلب وقتاً طويلاً في أفضل الأحوال، لكنه المسار الوحيد الذي قد يشكل تحدياً حقيقياً للمصالح الإيرانية في اليمن.

الرؤية من طهران

ثمة عوامل عدة ستشكل ملامح الرؤية الإيرانية للأحداث في اليمن مستقبلاً: أولها سياق علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، فلطالما ثمنت طهران الجهود التي بذلتها مع الرياض منذ العام 2022، لإدارة التوترات الثنائية بشكل أفضل، ولا يتسم أي من الطرفين بالسذاجة؛ فكلاهما يدرك أن مسببات التنافس لم تتبدل. إلا أن خفض التصعيد يمنح الرياض هامشاً أوسع للتحرك والتفاوض على انسحابها من الحرب في اليمن، وهذا هدف تدعمه طهران، كون النتيجة ستفضي إلى مزيد من ترسيخ وشرعنة سلطة الحوثيين. من هذا المنظور، قيمت طهران الأحداث في جنوب اليمن جزئياً؛ ولعل هذا ما يفسر، على سبيل المثال، تبنيها العلني لموقف داعم لوحدة الأراضي اليمنية وللموقف السعودي.

هل يمكن للانتصار السعودي الحاسم ضد المصالح الإماراتية في اليمن أن يمثل نهاية، أو على الأقل تباطؤاً، للتنافس بين الرياض وأبو ظبي الذي ألحق أضراراً بالغة بالتحالف المناهض للحوثيين؟ نظرياً، يبدو هذا الأمر وارداً، لكنه يصطدم بعدة عوائق. ثمة خلل كبير في ميزان القوى بين الحوثيين وخصومهم؛ فلكي تتمكن الحكومة المدعومة سعودياً والموحدة حديثاً من تحدي الحوثيين، ستحتاج إلى وقت كافٍ لبناء تماسكها الداخلي وقدراتها العسكرية. واقعياً، ستواجه الحكومة تحديات مضنية في هذا الصدد، بما في ذلك التوترات الحتمية المستمرة حول المظالم الجنوبية العالقة.

إن رغبة إيران في منح السعودية المساحة اللازمة للتفاوض على إنهاء انخراطها في الحرب قد تصطدم بمشكلة تتمثل في رغبة الحوثيين باستغلال فرصة عدم الاستقرار في الجنوب؛ فمنذ أوائل ديسمبر، انتهج الحوثيون سياسة الانتظار والترقب، مستمتعين على الأرجح بمشهد اقتتال خصومهم. مع ذلك، فقد أحجموا عن شن هجمات على طول خطوط المواجهة التي هُجرت جزئياً مع تصاعد التوتر السعودي الإماراتي، بيد أن استمرار عدم الاستقرار في الجنوب لفترة طويلة قد يشكل إغراءً يصعب على الحوثيين مقاومته لمواصلة ضبط النفس، لا سيما في ظل طموحهم لتوسيع رقعة سيطرتهم، وتحديداً في مأرب وتعز.

أخيراً، لا يمكن فصل التصور الإيراني للأحداث الأخيرة في اليمن عن موجة الاحتجاجات العارمة التي تهز أسس الجمهورية الإسلامية حالياً. إن الوضع هناك يتسم بعدم القدرة على التنبؤ؛ فبينما يبدو أن إيران قادرة على الصمود، على الأقل حتى الجولة التالية من الاحتجاجات، نظراً لامتلاكها أدوات قمعية كافية لتجنب الانهيار، إلا أن ضعفها المحلي المتزايد، مقروناً بالخسائر الجيوسياسية الفادحة التي تكبدتها مؤخراً، يعني أن طهران بحاجة إلى الحوثيين اليوم أكثر من أي وقت مضى. لقد بات الحوثيون الآن الشريك الأقوى لها في محور المقاومة؛ وبالتالي، فمن المرجح أن تزيد الجمهورية الإسلامية المضعفة من دعمها لشريكها اليمني بدلاً من تقليصه، ولن يؤدي استمرار حالة عدم الاستقرار في جنوب وشرق البلاد – حيث تمر بعض طرق التهريب الخاصة بها – إلا إلى ترسيخ هذا التوجه أكثر.

مشاركة