استغرق الحوثيون (أنصار الله) أقل من ثلاثة أيام للإعلان عن دعمهم العسكري والسياسي لغزة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023، فبحلول 19 أكتوبر، كانوا قد أطلقوا أول صاروخ باتجاه إسرائيل، وبعد شهر واحدٍ فقط، قاموا بالاستيلاء على سفينة (Galaxy Leader) وبدأوا عملياتهم لتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر.
جاء هذا التحرك السريع نتيجة سوء تقدير مشترك بين الحوثيين وأطراف أخرى في ما يُعرف بمحور المقاومة، حيث اعتقدوا أنَّ حرب غزة لن تستمر طويلاً وأنَّ تدخلهم لن يؤدي إلى خسائر كبيرة. نظراً لما تحمله القضية الفلسطينية من ثقل عاطفي كبير في العالم العربي، فقد وفَّرت لهذه الجماعات ذريعة قوية للانخراط في الصراع؛ فمن خلال دعم غزة، عزَّز الحوثيون شرعيتهم وتخطت شعبيتهم الانقسامات الطائفية، متجاوزين مؤقتاً الشكوك العربية طويلة الأمد تجاه الطموحات الإقليمية لإيران.
في الوقت ذاته، يتماشى هذا الموقف مع طموحات الحوثيين الإقليمية الأوسع والمتجذرة في أيديولوجيتهم المتطورة، فخلال صراعهم مع التحالف الذي تقوده السعودية بين عامي 2015 و2022، قلَّل الحوثيون من أهمية علاقتهم بإيران ووكلائها، وخاصة حزب الله، في محاولة لتصوير أنفسهم كحركة وطنية تقاوم عدواناً خارجياً؛ إلَّا أنَّ هذا النهج قد تغيّر مع خطاب زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، في 10 أكتوبر 2023، عندما أعلن صراحةً أنَّ الجماعة جزء من تحالف إقليمي أوسع تقوده إيران.
حينها، دفعت طموحات الحوثيين الجامحة، إلى جانب التزامهم العاطفي بالقضية الفلسطينية، وقلة خبرتهم نسبياً مقارنة بحزب الله — خصوصاً في التعامل مع القوة العسكرية الإسرائيلية — إلى اتخاذ خطوات جريئة، لكن منذ ذلك الحين، تكبَّد الحوثيون خسائر ملموسة نتيجة العمليات العسكرية التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، كما ازدادت الضغوط الاقتصادية عليهم مع استهداف العقوبات والعمليات العسكرية لمصادر دخلهم الرئيسية.
لم يتخلَّ الحوثيون عن طموحهم في لعب دور إقليمي، ومن غير المرجح أن تمنعهم تكلفة تدخلاتهم السابقة من الانخراط في هذا الصراع مجدّدًا. مع ذلك، لا شك أنَّ دعم إيران بشكل علني يبدو أقل قبولًا على الصعيد الداخلي مقارنة بدعم غزة، التي تحظى بقبول أقوى بكثير لدى الرأي العام اليمني، ويبدو أنَّهم يستعدون حالياً لاحتمال مواجهة عسكرية جديدة، وهم يراقبون عن كثب التطورات في إيران ولبنان. يتجلى هذا الاستعداد في تعبئتهم العسكرية، والنقاشات الإعلامية، وخُطب عبد الملك الحوثي، بعد اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير، حيث أكد مراراً استعداد الجماعة للتدخل إذا لزم الأمر.
يرتبط تدخل الحوثيين في النهاية ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الاستراتيجية الإيرانية؛ ففي هذه المرحلة، قد لا تحتاج إيران إلى مشاركة مباشرة من الحوثيين، نظراً لقربها الجغرافي من دول الخليج وإسرائيل، إلَّا أنَّ تدخلهم قد يصبح ضرورياً في حالتين رئيسيتين: الأولى، إذا قرَّرت إيران توسيع الصراع إلى البحر الأحمر أو محاولة إغلاق مضيق باب المندب؛ والثانية، إذا تصاعدت الحرب إقليمياً، وخاصة مع تدخل مباشر من السعودية، حيث سيكون الحوثيون في موقع استراتيجي يسمح لهم بشن ضربات عميقة داخل الأراضي السعودية، وربما حتى تنفيذ عمليات برية عبر الحدود.
من المهم أن نتذكر جانبًا جوهريًا في هوية الحوثيين وهو تصورهم لأنفسهم كحركة عابرة للحدود الوطنية، وليس مجرد فاعل يمني محلي؛ بناء عليه: إذا استمرت الحرب الجارية وتوسعت، فسيكون من الصعب عليهم النأي بأنفسهم عنها والمخاطرة بتقويض التزاماتهم الأيديولوجية، وهو أمر سيكون من الصعب تبريره أمام قواعدهم الشعبية. علاوة على ذلك، فإنَّ استثمار إيران طويل الأمد في الحوثيين — والذي يُقال إنه تعزز منذ حرب غزة وازداد بعد حرب الـ12 يوما في يونيو — لم يكن مبنياً على سوء تقدير، فطهران تتوقع عوائد ملموسة من هذا الاستثمار، وقد تشكل مواجهة إقليمية أوسع فرصة لتحقيق ذلك الأمر.
هذا التحليل جزء من سلسلة منشورات يصدرها مركز صنعاء للدراسات بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول السلسلة قضايا اقتصادية وسياسية وبيئية بهدف إثراء النقاش وصنع السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز تحقيق السلام المستدام. لا ينبغي تفسير الآراء الواردة فيها على أنها تمثل بالضرورة مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.