إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

صنعاء، أحد أعرق كنوز البشرية، يجب ألّا تكون الضحية التالية لحرب إيران

Read this in English Read this in English

تستمر الحرب على إيران في إشعال المنطقة، بينما تظل اليمن غائبة بشكل ملحوظ عن هذا التصعيد. الحوثيون في مرمى الأنظار، وهم حتى الآن يتحاشون الانجرار إلى هذه الحرب؛ لكن إن هم تحركوا، أو أقدمت إسرائيل والولايات المتحدة على ضرب اليمن دون استفزاز، فما يتهدد صنعاء، جوهرة اليمن وإحدى أعرق المدن الحية والأكثر حفاظاً على تراثها، يجب أن يستنفر الجميع، وما ألحقته الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأسبوع الماضي من دمار بقصر كلستان في طهران العريق الذي يعود تاريخه إلى أربعة قرون، وما يتواصل من خراب يطال جنوب لبنان وما يحويه من مواقع أثرية فينيقية ورومانية تعود إلى آلاف السنين — كل ذلك درس ينبغي استيعاب دروسه جيداً، أما صنعاء، المدينة التي لا تقلّ ثقلاً حضارياً عن القدس، فقد تكون اليوم أمام أعظم اختباراتها حتى الآن.

صنعاء من أعرق العواصم الحية في العالم؛ مدينة تعود أصولها العمرانية إلى ما يزيد على ألفين وخمسمائة عام، وتحتضن إرثا معماريا يعد من أكثر أنماط العمارة تناسقاً والأثرى تعبيراً. عام 1986، صنّفت اليونسكو مدينة صنعاء القديمة موقعاً للتراث العالمي؛ وكسائر حواضر العالم العربي، هي عاصمة متشعبة صاخبة، لكنها تحمل اليوم ندوب الحرب؛ فمنذ أكثر من عقد واليمن رهينة نزاع مستعصٍ أفضى إلى تفككها، في ظل أطراف متقاتلة وداعمين إقليميين يتجاذبون السيطرة عليها، بيد أن صنعاء ليست الموصل، وليست حلب؛ فموروثها المعماري واسع مذهل لا يزال حياً بأهله، وكثير منه باقٍ على حاله إلى الآن، ويتخطى النسيج العمراني القديم للمدينة حدود المنطقة المصنّفة من قِبَل اليونسكو وما تضمّه من معالم كـ(باب اليمن وباب شعوب وباب السبح)، ليشمل نسيجاً حياً من الأحياء العتيقة والمناطق التاريخية التي تمتد لأميال حتى أطراف وسط صنعاء.

المفارقة المذهلة أن هذا الإرث التاريخي نجا من عقد كامل من الصراع، ومن حملة القصف المدمّرة التي شنّها التحالف بقيادة السعودية عام 2015، ومن الفيضانات الصيفية المتكررة، ومن الإهمال الذي تفرضه الحرب على المدن؛ إلا أن صنعاء – التي يسيطر عليها الحوثيون منذ 2014، وتبقى رمزاً للهوية لدى كل اليمنيين – تعرضت خلال العامين الأخيرين لضربات بريطانية وأمريكية وإسرائيلية، وقد أصابت الضربات الإسرائيلية الأخيرة عمق قلبها التاريخي.

في سبتمبر الماضي، وبعد أسابيع من اغتيال رئيس وزراء الحوثيين وعدد من أعضاء حكومته غير المعترف بها، شنّت إسرائيل ضربة استهدفت مقر إحدى المؤسسات الإعلامية في صنعاء، أودت بحياة 31 صحفياً وعاملاً في قطاع الإعلام، لتكون الضربة الأكثر دموية بحق الصحفيين خلال ستة عشر عاماً. ما غاب عن معظم التقارير آنذاك أن المبنى كان يقع في حيٍّ مكتظ بالسكان، على امتداد المدينة القديمة، وملاصق تماما للمتحف الوطني، وقد أحدثت الضربات موجات ارتدادية هزت أرجاء الحي التاريخي المحيط، فخلّفت أضراراً في المساجد الأثرية والمنازل القديمة، وحطّمت القمريات العتيقة ونوافذ الرخام الشفاف، وخلّفت دماراً واسعاً في محيطها.

إن التهديد الذي تواجهه المدن العريقة في المنطقة وما يتعرض له تراثها الحضاري من نهب لا يقتصر على ما يلحق بالمباني أو بمواقع التراث العالمي المصنّفة لدى اليونسكو، فلهذه المدن أرواح قديمة تذكّرنا بإنسانيتنا المشتركة وتشهد على إرثنا الحضاري الجامع. في مطلع الألفية، زارني والدي الراحل في صنعاء، المدينة التي سكنتها لأكثر من خمس سنوات، وما إن حطّ به الرحال في مطار صنعاء حتى أخذته في جولة عبر المدينة القديمة؛ شققنا طريقنا في أزقتها الضيقة وأسواقها ومقشاماتها وسماسرها العتيقة، نمرّ بصفوف من البيوت البرجية المشيّدة بالحجر والياجور المحروق، تلك التي باتت علامة فارقة في العمارة اليمنية. كثير من هذه البيوت تعود إلى القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين، وترتفع طوابقها إلى خمسة وستة وسبعة أدوار، تزيّن واجهاتها نقوش جبسية بيضاء دقيقة ونوافذ ملوّنة تُعرف في اليمن بالقمريات. حين بلغنا أطراف الجامع الكبير، توقف والدي فجأة ليستند على عقد قوس قديم. كان في أواخر الستينيات من عمره وقد بدأت تظهر عليه أولى علامات مرض باركنسون. ظننت أن وعثاء السفر قد أنهكته، لكن تبيّن لي أن المدينة القديمة قد لامست شغاف روحه. قال: «أعطني لحظة. أريد أن أستوعب هذه المدينة».

نميل عادةً إلى تجاهل الحديث عن ما يتهدد المدن العريقة ومعالمها وتراثها حين تُزهق الأرواح بهذا الحجم المروّع، لكن حين ينجلي الغبار ونستوعب الحجم الحقيقي للكارثة التي تخلّفها هذه الحملات المتهوّرة، سندرك أن إرث الماضي السحيق، ذلك الموروث الذي يخصّنا جميعاً، يُباد بتهور على أيدي قادة لا تحرك بوصلتهم الأخلاقية سوى السلطة والجشع. طوال العقد الماضي، تضرّر التراث الثقافي اليمني، الذي يُعدّ من الأغنى في المنطقة بل وفي العالم، تضرراً بالغاً جراء الصراع. هناك أربعة من أصل خمسة مواقع مصنّفة لدى اليونسكو مدرجة حالياً على قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر. بغض النظر عن انزلاق اليمن إلى هذه الحرب من عدمه – وهو قرار لا يملكه اليمنيون للأسف – ينبغي ألّا يغيب عن الأذهان التهديد الوجودي الذي يطال إرثا حضاريا حيا لا نظير له في اليمن، وصنعاء هي تاجه وجوهرته.


صدر هذا المقال في إطار المرحلة الثانية من منتدى سلام اليمن، وهو مبادرة أطلقها مركز صنعاء تهدف إلى تمكين الجيل القادم من الشباب اليمني وناشطي المجتمع المدني من المشاركة الفاعلة في القضايا الوطنية المصيرية. يمول المنتدى من حكومة مملكة هولندا.

مشاركة