إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

في مارس/آذار 2015، وافق الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما على إجراءات لدعم التحالف العسكري الذي شُكل بقيادة السعودية للتدخل في اليمن.[1] والآن وبعد مرور خمس سنوات، لا يزال هذا الدعم الذي اتسم بملامح غير واضحة منذ البداية مبهما للغاية على الرغم من الضغوط الداخلية لمراجعة نطاقه وطبيعته. ولكن ما يبدو واضحاً هو أن واشنطن ليست في “مقعد القيادة” عندما يتعلق الأمر بسياستها تجاه الحرب في اليمن – هذا إذا كان من الممكن تصور أنه لها سياسة هناك أساساً.[2]

قد تعد استعانة واشنطن بحلفائها الإقليميين فيما يخص اليمن منطقية قبل خمس سنوات، فاليمن لم يكن أبداً أولوية استراتيجية بالنسبة لواشنطن وكان عموماً محدداً ضمن نطاق الرياض. وبالنسبة للكثيرين في دوائر صنع القرار في واشنطن، لا يؤخذ اليمن بعين الإعتبار إلى عند النظر إليه عبر عدسة إستراتيجية معينة – مثل تهديدات تنظيم القاعدة أو التوتر الإقليمي مع إيران. يشير مسار الصراع في اليمن إلى مخاطر الاستعانة بمصادر خارجية فيما يخص السياسة المتبناة بهذا الشكل. ما كان من المفترض أن يكون تدخلًا عسكرياً سريعًا بقيادة السعودية تطور إلى حرب متعددة الأوجه خرجت عن سيطرة حلفاء أمريكا.

وفي هذه الذكرى الخامسة والقاتمة لعاصفة الحزم، لا بد من الإقرار بدور أمريكا في استمرار الحرب. سارت واشنطن على خط رفيع خلال سنوات الصراع في اليمن وحافظت على مسافة كافية لتجنب التورط المباشر في العديد من الفظائع التي تُرتكب في اليمن في الوقت الذي وفرت فيه الدعم المادي واللوجستي – وقبل كل شيء، الغطاء السياسي – الذي لا غنى عنه خلال هذه العمليات العسكرية. هذه استراتيجية ماهرة على المستوى السياسي ولكنها مريبة أخلاقياً. وكان واضحاً أن تبني هذا النهج هو خيط مشترك بين إدارتي أوباما وترامب. ظل الدعم العسكري كما هو إلى حد كبير خلال فترتي أوباما وترامب، كما افتقرت الجهود السياسية التي تبذلها واشنطن ضمن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة إلى الزخم اللازم. ستجري الولايات المتحدة انتخابات رئاسية في وقت لاحق من هذا العام، وقال المرشحان الديمقراطيان المتبقيان في السباق الرئاسي أنهما يدعمان تغييرًا جذرياً في السياسة المتعلقة بحرب اليمن وإعادة توجيه العلاقات مع السعودية. ولكن تجربة السنوات الخمس الماضية تشير إلى سياسة راسخة قد يصعب تغيير مسارها.

 

دعم مبهم للتحالف

عندما شن التحالف بقيادة السعودية حملته في اليمن، وافق الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما على تقديم “الدعم اللوجستي والاستخباراتي” للعمليات العسكرية وإنشاء “خلية تخطيط مشتركة” للتنسيق مع السعودية.[3] وسرعان ما تبين أن هذا الدعم كان أساسياً لما يعتبر الجانب الأكثر إثارة للجدل: ضربات التحالف الجوية. وفرت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية بشأن الأهداف المحتملة لاستهداف الأراضي اليمنية بقنابل أمريكية الصنع.[4][5] وحتى وقت قريب، قام الجيش الأمريكي بإعادة تزويد طائرات التحالف العربي بالوقود في الجو.[6] وبحسب تقدير مشروع بيانات اليمن حتى بداية مارس/آذار، قتلت غارات التحالف الجوية أكثر من ثمانية آلاف مدني.[7]

وفي تقرير نُشر أواخر 2019 ، خلصت لجنة خبراء عينتها الأمم المتحدة إلى أن المساعدة التي تلقاها التحالف قد تجعل أمريكا متواطئة في جرائم الحرب في اليمن.[8] ولكن على ما يبدو هناك جهود متضافرة لكي يكتنف الدعم المقدم للتحالف غموض كاف لتجنب التورط المباشر في العمليات العسكرية. تقدم الولايات المتحدة “دعم يتعلق بجمع المعلومات والاستهداف” إلى التحالف ولكنها تقول إنها ليست مسؤولة عن “اختيار الأهداف والتدقيق النهائي فيها”.[9] ومع أنها لا تعد نفسها في حالة حرب مع الحوثيين، فلقد نشرت واشنطن في الماضي أفراد من القوات الخاصة على الحدود السعودية-اليمنية لدعم عمليات التحالف.[10] وفي هذه الأثناء، طغى الغموض على عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أكثر من أي وقت مضى. ووافق ترامب على شن هجوم على الأراضي اليمنية خلال الأشهر الأولى من توليه إدارة البلاد، وكانت نتيجته مشؤومة.[11] كما ألغت إدارة ترامب فيما بعد الشروط التي تقضي بالإبلاغ عن عدد المدنيين الذين يقتلون في هجمات الطائرات المسيرة التي تنفذ خارج مناطق الأعمال العدائية النشطة.[12]

وبحسب عدة مؤشرات، هناك العديد من المحاولات المتعمدة لمواجهة الجهود الرامية لتوفير المزيد من الشفافية. وقالت مصادر لمركز صنعاء إن قرار الادارة الأمريكية بإنهاء إعادة تزويد طائرات التحالف بالوقود في الجو يعود إلى شروط جديدة فرضها الكونجرس على هذه العمليات.[13][14] ولكن واشنطن سمحت للتحالف بأن يأخذ الفضل لهذا القرار علنًا، ما ساعد السعودية في الحفاظ على ماء الوجه في محاولة واضحة لصرف الأنظار عن دور البنتاغون في الحملة الجوية للتحالف.

من المحتمل أن محاولات واشنطن هذه لإبعاد نفسها عن أعمال التحالف قد زادت خطر إلحاق الأذى بالمدنيين في بعض الأحيان. في أواخر عام 2016 ، علق الرئيس أوباما مبيعات ذخائر دقيقة التوجيه إلى السعودية بعد أن قُتل أكثر من 150 شخصًا في هجوم على قاعة جنازة في صنعاء.[15] وما نشر عنه أقل اعلامياً ضمن هذا السياق هو تقليص الإدارة الأمريكية للجهود الرامية لإنشاء آلية مع التحالف الذي تقوده السعودية لحماية المدنيين ذلك العام.[16] ومع أن المستشارين كانوا واثقين من أن هذه الجهود ستحسن الاستهداف وتقلل من الأذى الذي يلحق بالمدنيين، فلقد قالوا إن محاولاتهم أثارت مخاوف من إحتمالات استخدامها كغطاء بروبغندا؛ وبالتالي مُنعوا عمداً من العودة إلى ممارسة دورهم الاستشاري بعد الهجوم الذي استهدف قاعة الجنازة. ومنذ ذلك الحين، لم تكن هناك أي محاولة لوضع أي إجراءات تتعلق بالرقابة أو الحماية أو المساءلة جنب الدعم العسكري الأمريكي للحرب الجوية. هذه إحدى الأمثلة التي تشوه حُجة واشنطن المتكررة بأنها تؤثر بشكل أفضل لتبني سلوك جيد عندما تمارس الضغط من “الداخل”.

 

الاستعانة بمصادر خارجية لرسم السياسة

رسم الصراع على السلطة في الخليج مسار تورط أمريكا في النزاع اليمني منذ بداية تدخل التحالف بقيادة السعودية. عرضت إدارة أوباما المساعدة على الرياض لاسترضائها بعد توقيع الاتفاق النووي مع عدوها اللدود إيران – وكانت مطمئنة أن حملة السعودية ستكون عملية عسكرية سريعة لاعادة حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي المعترف بها دوليًا إلى السلطة. حتى مع تقدم الصراع ببطء وتزايد عدد الخسائر في صفوف المدنيين، سار مسار الحرب في مراحله الأولى بالتوازي مع أولويات أمريكا الاستراتيجية في المنطقة: دعم حلفائها الخليجيين وإعلان موقف ضد إيران وتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب – تمت الأخيرة عبر شراكة وثيقة مع القوات الإماراتية في جنوب اليمن.

ولكن سرعان ما تغيرت الحرب وأخذت منحى آخر، إذ صعدت مطالب الانفصال التي نادت بها الميليشيات المدعومة من الإمارات والتي تعارض حكومة هادي المدعومة من السعودية حدة التوتر في الجنوب بينما تخلص الحوثيون من حليفهم السابق علي عبد الله صالح وشددوا قبضتهم على السلطة في الشمال. لا يبدو المشهد في اليمن منسجماً البتة مع مصالح أمريكا القومية: حليف أميركي يقصف قوات مدعومة من حليف آخر؛ الفاعلون غير الحكوميين – بما في ذلك الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة – يحملون أسلحة أمريكية الصنع بيعت لأعضاء التحالف؛ ومهارة الميليشيات السلفية الممولة من الإمارات العربية المتحدة تتزايد – بعض هذه الميليشيات يؤمن بنفس العقيدة المتطرفة التي تؤمن بها عدة جماعات تحاربها الولايات المتحدة بنشاط على الأراضي اليمنية. من شأن إستمرار الخلافات بين الفصائل في الجنوب أن يهيئ الظروف مرة أخرى لعودة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب – الذي اعتبرته الولايات المتحدة لفترة طويلة أخطر فروع تنظيم القاعدة. إحدى المفارقات هنا هو أن تقرب إدارة ترامب من حلفائها الخليجيين وتبني موقفاً أكثر تشددًا ضد إيران قرب الحوثيين إلى طهران. وبالتالي، وجدت الولايات المتحدة نفسها بشكل أساسي في “المقعد الخلفي” لحملة عسكرية كارثية وعسيرة بشكل متزايد، انحرفت كثيراً عن تلك التي قدمت لها الدعم في البداية.

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، هو مركز أبحاث مستقل، يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

 


المراجع:

[1] “تصريح المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، برناديت ميهان، حول الوضع في اليمن”، البيت الأبيض، 25 مارس/آذار 2015، https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2015/03/25/statement-nsc-spokesperson-bernadette-meehan-situation-yemen

[2] غريغوري جونسن، “كيف ساهمت السياسة الأميركية المستندة إلى رؤية سعودية في سوء فهم أمريكا لليمن وتعثرها هناك؟”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/8348

[3] “تصريح المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، برناديت ميهان، حول الوضع في اليمن”، البيت الأبيض، 25 مارس/آذار 2015، https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2015/03/25/statement-nsc-spokesperson-bernadette-meehan-situation-yemen

[4] مارك هوسيبنال وفيل ستيوارت ووارن ستروبل، “حصري-أمريكا تعزز تبادل معلومات المخابرات مع السعوديين في عملية اليمن”، رويترز، 10 أبريل/نيسان 2015، https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0N200N20150411

[5] ديكلان والش وإريك شميت، “مبيعات الأسلحة للسعوديين تترك بصمات أمريكية على المذبحة اليمنية”، نيويورك تايمز ، 25 ديسمبر/كانون الأول 2018، https://www.nytimes.com/2018/12/25/world/middleeast/yemen-us-saudi-civilian-war.html

[6] أوريانا باوليك، “سنتان على حرب اليمن، الولايات المتحدة تكثف إعادة تزويد الطائرات السعودية بالوقود”، Military.com، فبراير/شباط 2017، https://www.military.com/daily-news/2017/02/15/2-years-yemen-war-us-ramps-up-refueling-saudi-jets.html

[7] مشروع بيانات اليمن، آخر تحديث في 29 فبراير/شباط 2020، https://www.yemendataproject.org/data.html

[8] محمد بزي، “أمريكا متواطئة على الأرجح في جرائم الحرب في اليمن. حان الوقت لمحاسبة الولايات المتحدة “، الغارديان، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2019، https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/oct/03/yemen-airstrikes-saudi-arabia-mbs-us

[9] شريف عبد القدوس، “بمساعدة الولايات المتحدة، السعودية تدمر اليمن”، جلوبال بوست، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، https://www.pri.org/stories/2015-11-30/us-help-saudi-arabia-obliterating-yemen

[10] هيلين كوبر وتوماس جيبونز نيف وإريك شميت، “قوات الجيش الخاصة تساعد السعوديين سراً على مكافحة التهديد من متمردي اليمن”، نيويورك تايمز، 3 مايو/أيار 2018، https://www.nytimes.com/2018/05/03/us/politics/green-berets-saudi-yemen-border-houthi.html

[11] سينثيا مكفادين وويليام م. أركين وتيم أويلينغر، “كيف فشلت الغارة العسكرية الأولى لفريق ترامب في اليمن “، أن بي سي نيوز، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2017، https://www.nbcnews.com/news/us-news/how-trump-team-s-first-military-raid-went-wrong-n806246

[12] “البيت الأبيض يلغي شرط الإبلاغ عن غارات الجيش الأمريكي بالطائرات بدون طيار، تقرير اليمن، مارس/آذار 2019″، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 8 أبريل/نيسان 2019، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/7312#section_4_1_1

[13] “الولايات المتحدة ستوقف تزويد طائرات التحالف بالوقود، تقرير اليمن، نوفمبر/تشرين الثاني 2018″، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 8 ديسمبر/ كانون الأول 2018، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/6737

[14] ربيكا كيل، “مشروع قانون الدفاع النهائي سيحد من دعم الولايات المتحدة للحملة السعودية في اليمن، ذا هيل، 23 يوليو/تموز 2018، https://thehill.com/policy/defense/398457-final-defense-bill-includes-limit-on-us-support-to-saudi-campaign-in-yemen

[15] بيل ترو، “أوباما يوقف بيع الأسلحة للسعوديين”، ذا تايمز، 14 ديسمبر/كانون الأول 2016، https://www.thetimes.co.uk/article/us-halts-precision-arms-sales-to-saudi-over-yemen-fears-bhgjqntrb

[16] صموئيل أوكفورد، “مهمة أميركية فاشلة لحماية المدنيين في اليمن”، ذا أتلانتيك، 17 أغسطس آب 2018، https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/08/yemen-saudi-airstrike-school-bus/567799/

مشاركة