إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

شكر وتقدير

ندين بالشكر، أولًا وقبل كل شيء، لجميع الأشخاص الذين كانوا على استعداد لإجراء مقابلات معهم والذين شاركوا قصصهم معنا، فلولا مساهمتهم، ما كان هذا البحث ليبصر النور. كنا متأثرين بتجاربهم الملهمة خلال مرحلة تحليل البيانات وإعداد هذا التقرير، الأمر الذي يشدد على أهمية تناول هذا الموضوع. سررنا بالعمل مع فريق من الباحثين المتفانين الذين تمكنوا من جمع البيانات في ظل ظروف صعبة وفي فترة زمنية قصيرة جدًا، وعلى ضوئه، نتوجه بالشكر لأعضاء الفريق (مروان حسن، وعثمان محمد سالم، ونسيم عارف المريسي، وأمل ناصر، وفطوم صالح). زخرت الاجتماعات المنتظمة التي أجريناها عبر منصة (زووم) بالمعلومات دون أن تخلو من الأجواء اللطيفة. نتوجه بالشكر كذلك لمارتا كولبورن التي شاركتنا تجربتها في إعداد دراستها عن المهمشين وأعطتنا فكرة عن الأدوات البحثية التي استخدمتها لهذا الغرض. نشكر كذلك أمل ناصر وبلقيس اللهبي وخالد الدبعي ودلال عبدالرزاق الحبيشي وياسمين ناصر على مساعدتنا في تحديد الأشخاص المناسبين للمشاركة في استطلاعات الرأي المرتبطة بالبحث. الشكر موجه أيضًا لأمل ناصر ونادرة عمرجي وعثمان محمد على قراءة المسودة الأولية لهذا التقرير. نعرب عن تقديرنا أيضًا لفريق المحررين الذين أفادونا بملاحظات قيّمة. وأخيرًا وليس آخرًا، نوجه شكرنا لياسمين الإرياني وعلي الديلمي، اللذين يسّرا إجراء هذا البحث ولم يتوانيا عن فعل كل ما من شأنه أن يعزز قيامنا بعملنا بالشكل الصحيح وإرشادنا متى احتجنا للتوجيه.

نهدي هذا التقرير لروح علي البطاطي، الصديق المقرّب من عائشة والذي وافته المنية أثناء مرحلة إعداده، حيث كان من أشد المهتمين بهذه الدراسة ومؤيدًا لإجرائها بحُكم كونه من الموَلَّدين. فلترقد بسلام عزيزنا علي.

الملخص التنفيذي

يشير مصطلح الموَلَّدين (مفرده موَلَّد وموَلَّدة) إلى اليمنيين المنحدرين من أسر تربطهم علاقات نسب تاريخية مع دول أخرى، حيث يُعدون في بعض الحالات من ذوي الأصول المختلطة (من أب أو جد يمني وأم أو جدة غير يمنية). غالبًا ما يُستخدم هذا المصطلح على نحو انتقاصي، ولعقود ظل الموَلَّدون عُرضة لممارسات تمييزية حيث كانوا -ولا يزالون -محرومين غالبًا من حق الحصول على الجنسية وفي بعض الأحيان على التعليم، وعُرضة للتمييز في سوق العمل، وللوصم الاجتماعي. يلجأ الموَلَّدون في معظم الأحيان إلى انكار أصولهم غير اليمنية لتجنب الوصم والتهميش، وينطبق هذا بصفة خاصة على أولئك الذين تربط أسرهم علاقات نسب في بلدان إفريقية؛ فالموَلَّدون من ذوي الأصول اليمنية-الإفريقية يعانون أكثر من العنصرية على أساس الانتماء العرقي مقارنة بالموَلَّدين المنحدرين من أصول أخرى، مثل أولئك الذين تربط أسرهم علاقات نسب تاريخية مع بلدان في آسيا أو أوروبا.

يتناول هذا التقرير تجارب الموَلَّدين المنحدرين من أصول يمنية-إفريقية والمفاهيم المرتبطة بالوصم والتمييز والعنصرية المُمارس ضدهم على أساس الانتماء العرقي، مع إيلاء اهتمام خاص للشواغل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في اليمن المعاصر الذي مزقته الحرب. تضمن البحث إجراء دراسة نظرية ومقابلات مع خبراء بارزين إلى جانب 36 مقابلة مع موَلَّد وموَلَّدة في كل من صنعاء وعدن وحضرموت. فضلًا عن ذلك، أُجريت مقابلتان مع موَلَّدين مقيمين خارج اليمن، وعُقدت حلقة نقاش بؤرية في العاصمة الأردنية عمّان مع ستة ذكور يمنيين من أصول صومالية.

تُظهر نتائج الدراسة معاناة غالبية الموَلَّدين من العنصرية والوصم في المدارس وسوق العمل، وعلى المستوى المجتمعي ككُل. إلا أن هناك تباينات كبيرة في هذه الظاهرة من منطقة إلى أخرى، حيث يعاني الموَلَّدون في جنوب اليمن، لا سيما في عدن، بدرجة أقل من الوصم والتمييز مقارنة بالموَلَّدين الموجودين في مناطق أخرى، مثل مدينة صنعاء. مما يثير الاهتمام التصور السائد لدى العديد ممن أُجريت معهم المقابلات بشأن تأثير الحرب حيث يرون أنها لم تؤدِ إلى تفاقم العنصرية والتمييز ضدهم، وأن جميع اليمنيين دون استثناء ذاقوا مرارة الحرب بغض النظر عن انتماءاتهم (العرقية).

تحت طيات هذا التصور العام، شارك العديد من الأشخاص المُقابَلين معاناتهم من التمييز، سواء في الماضي والحاضر، حيث يواجهون غالبًا صعوبة في الحصول على وثائق الهوية القانونية -كالبطاقات الشخصية وجوازات السفر -كون ذلك مشروط بتقديمهم دليل يثبت مسقط رأس آبائهم. وذكر بعضهم أن الموَلَّدين أكثر عرضة لفقدان وظائفهم مقارنة بغيرهم من اليمنيين. أما من المنظور الجنساني، فقد أشار من جرى مقابلتهم إلى أن الموَلَّدين الذكور يواجهون درجة أكبر من التمييز مقارنة بالموَلَّدات، كونهم أكثر نشاطًا في الحياة العامة، لكن ذلك لم يمنع النساء من مشاركة تجاربهن مع العنصرية والصعوبات التي واجهنها بسبب تدهور الحالة الاقتصادية التي أجبرتهن على العمل مقابل الحصول على أجر. رأى معظم المستطلعة آراؤهم -من كلا الجنسين -أن مغادرة اليمن هي السبيل لتحسين أوضاعهم، ووجدت الدراسة أن الشباب أكثر مرونة في تقبل وضعهم كموَلَّدين مقارنة بالأشخاص الأكبر سنًا.

وعلى ضوء ذلك، تقترح الدراسة التوصيات الرئيسية التالية بغية تحسين أوضاع الموَلَّدين في اليمن:

للمجتمع الدولي والمنظمات المانحة:
  • ضمان إشراك ممثلي الأقليات في مفاوضات السلام مستقبلًا، بحيث يتضمن أي اتفاق محتمل للسلام أو المصالحة أحكامًا تضمن حقوق تلك الأقليات.
  • ممارسة الضغط على الحكومة المعترف بها دوليًا وسلطات الأمر الواقع لحماية حقوق الأقليات -بمن فيهم الأشخاص المنحدرون من أصول مختلطة -مثل الحق في التنقل والحصول على وثائق ثبوتية رسمية ووضع حد للتمييز ضدهم.
  • تخصيص جزء من المنح المالية لدعم المنظمات اليمنية المحلية التي تسعى لتحقيق المساواة الاجتماعية ومكافحة العنصرية، وكذلك لإجراء مزيد من الدراسات عن وضع الأقليات في اليمن، لا سيما في ضوء الواقع المعاصر المتمثل في عدم إدماج فئات مثل الموَلَّدين بشكل عام على المستوى المجتمعي.
لمنظمات المجتمع المدني:
  • وضع برامج تستهدف الموَلَّدين والمجتمع المحلي بغية إزالة الحواجز الثقافية والنفسية التي تحول دون اندماجهم الكامل في المجتمع، مثل حملات التوعية العامة التي تعالج أوجه التحيز والتحامل ضدهم لدى الرأي العام.
  • وضع برامج تتوخى تقديم الدعم النفسي لليمنيات واليمنيين المنحدرين من أصول مختلطة للتخفيف من تأثير الوصم والتمييز المُمارس ضدهم، وحث اليمنيين واليمنيات من ذوي الأصول المختلطة على تشكيل روابط تتمتع بالقدرة على تقديم الدعم النفسي والقانوني بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية الأخرى.
  • تصميم حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تحتفي باليمنيات واليمنيين المنحدرين من أصول مختلطة باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من المجتمع اليمني، مع تركيز الضوء على المفاهيم الخاطئة لمبدأ “نقاء العرق”.
للحكومة المعترف بها دوليًا وسلطات الأمر الواقع:
  • سن قوانين تُجرّم العنصرية بكافة أشكالها، إلى جانب وضع لوائح تضمن الامتثال لتلك القوانين ورصد أي مخالفات على كافة الأصعدة، لا سيما في المسائل المتعلقة بالتوظيف وإصدار بطاقات الهوية وعقود الزواج.
  • تقديم العون للأقليات فيما يتعلق بالمعاملات القانونية وإصدار الوثائق الثبوتية، لا سيما في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد.
  • تضمين مواد تعليمية تتناول التنوع العرقي وأوجه العنصرية في جميع المراحل الدراسية (الابتدائي والثانوي والجامعي)؛ على أن يشمل ذلك التطرق إلى التاريخ العريق للهجرة من وإلى اليمن وتأثير ذلك على تركيبة المجتمع اليمني والسكان اليمنيين.

المقدمة

يقدم هذا التقرير النتائج التي خلصت إليها دراسة نوعية أُجريت حول وضع من يوصفون بالموَلَّدين المنحدرين من أصول إفريقية في اليمن. فالموَلَّد (مفرد مذكر)، الموَلَّدة (مفرد مؤنث)، والموَلَّدين (جمع) هي مصطلحات تُستخدم لوصف اليمنيين المنحدرين من أصول مختلطة، وتشير في بعض الأحيان إلى اليمنيين الذين ولدوا ونشأوا خارج اليمن. ورغم عدم توفر إحصاءات دقيقة، إلا أن هجرة اليمنيين إلى إفريقيا وآسيا على مر العصور أنجبت مجموعة كبيرة من اليمنيين المنحدرين من أصول مختلطة. [1] يرتبط مصطلحا الموَلَّد والموَلَّدين في اليمن بإفريقيا ويستخدمان للإشارة إلى اليمنيين من ذوي الأصول الإفريقية على نحو انتقاصي. لذا يحاول العديد من اليمنيين من ذوي الأصول المختلطة إخفاء أصولهم لتجنب التعرض للوصم والإقصاء، وهذا ينطبق بصفة خاصة على اليمنيين المنحدرين من أصول إفريقية. يختلف الحال بالنسبة للموَلَّدين المنحدرين من أصول آسيوية وأوروبية وأمريكية حيث يُنظر إليهم على أنهم أرقى اجتماعيًا ونادرًا ما يعانون من التمييز ضدهم بسبب لون بشرتهم الفاتحة. عانى الموَلَّدون لعقود طويلة من الممارسات التمييزية ضدهم وذلك كونهم لا يُعدون “يمنيين خالصين”، وهو ما أثر، من بين أمور أخرى، على حقهم في الحصول على الجنسية والتعليم وفرص العمل، واندماجهم في المجتمع. حتى الآن، يتسم وضع الموَلَّدين الاجتماعي بنوع من التعقيد، مقارنةً بوضع المهمشين[2] وغيرهم من الفئات الأخرى في المجتمع اليمني، حيث إن الموَلَّدين لا يشكلون مجموعة واضحة المعالم. فالوضع الاجتماعي للموَلَّدين يُعتمد على عوامل تشمل بلد هجرة أجدادهم، ومسقط رأسهم في اليمن، ومركزهم الاجتماعي، ونوع الجنس والعمر، ومن يعتبر نفسه/ نفسها موَلَّدًا/ موَلَّدة، وكيف يُصنف اليمنيون ذوو الأصول المختلطة -وكذلك اليمنيون الذين ولدوا وترعرعوا خارج اليمن، ولكن ليسوا بالضرورة من ذوي أصول مختلطة -من قِبل الآخرين.

لعب الموَلَّدون أدوارًا مهمّة في المجتمع اليمني ككُتاب وفنانين. فمحمد عبدالولي (1940-1973) كان أحد أشهر الكُتاب اليمنيين إلى جانب شغله مناصب دبلوماسية، وكان منحدرًا من أصل يمني-إثيوبي، ولطالما تناولت كتاباته قضايا المهاجرين اليمنيين ومصيرهم، منها روايته الأشهر “يموتون غرباء”، التي تصوّر حياة اليمنيين في أديس أبابا وكيف يتوقون دومًا إلى العودة لأرض الوطن رغم تأسيس حياة لهم في الخارج وزواجهم بنساء محليات (غالبًا يُتخذن كزوجات ثانيات) وتكوينهم عائلات هناك. برز خلال العقود الماضية سياسيون يمنيون منحدرون من أصول مختلطة، إلا أنهم نادرًا ما كانوا يتحدثون عن أصولهم خوفًا من تأثير ذلك على مركزهم الاجتماعي. من بين الموَلَّدين الآخرين الذين ذاع صيتهم كان عبدالرحمن حسين، المخرج المساعد للفيلم الوثائقي ليس للكرامة جدران[3]؛ وعارضة الأزياء اليمنية انتصار الحمادي، المحتجزة لدى سلطات الحوثيين منذ فبراير/ شباط 2021؛[4] وكذلك الروائي عبدالرزاق قرنح، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 2021، والذي ينحدر من أصل حضرمي ومولود في زنجبار.

ورغم هجرة أعداد كبيرة من اليمنيين إلى الخارج على مدى عدة قرون، مكونين جاليات يمنية كبيرة في جنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا والقرن الإفريقي وأوروبا والولايات المتحدة، إلا أن عددًا محدود نسبيًا من الدراسات تناولت هذه الروابط الممتدة منذ أمد طويل إلى ما وراء البحار وتأثيرها على تركيبة السكان اليمنيين. فمعظم الدراسات التي تناولت موضوع هجرة اليمنيين ركزت على أولئك الذين انتقلوا إلى آسيا -لا سيما من حضرموت[5] -أو إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة[6]، ولم يجرِ إيلاء المزيد من الاهتمام الأكاديمي لهجرة اليمنيين مما كان يُعرف سابقًا باليمن الشمالي إلى شرق إفريقيا والقرن الإفريقي سوى مؤخرًا.[7] في بعض الأحيان تلعب هذه الدراسات دورًا مهمًا في ردم الفجوات المعرفية[8] حول هذا الموضوع عبر تسليط الضوء على جوانب مختلفة من حياة الأشخاص الموَلَّدين المقيمين داخل اليمن وخارجه.

ازداد وصم الأفراد على أساس أصولهم الأسرية في أعقاب اندلاع الحرب الأهلية باليمن، ويُعزى ذلك أساسًا إلى واقع مطالبة الحوثيين بالسلطة على أساس نسبهم إلى أسرة النبي محمد.[9] وبالتالي، أصبحت الأنساب قضية سياسية تواصل تحديد معالم المجتمع اليمني، بحيث بات يختار العديد من الموَلَّدين في الوقت الراهن مغادرة البلاد رغم محاولاتهم الاندماج في المجتمع اليمني قبل الحرب. على سبيل المثال، غادر اليمنيون المنحدرون من أصل إفريقي إلى جيبوتي[10] وإلى الأردن، [11] لكنهم وجدوا أنفسهم في الغالب ضحايا التهميش والتمييز في هذه البلدان المضيفة، حيث لا ينظر إليهم كيمنيين من قبل إخوتهم المواطنين المقيمين هناك أو من قِبل المجتمعات المضيفة، لكن برغم استمرار التمييز ضد الموَلَّدين، تمكن البعض من استرداد هوياتهم.[12]

المنهجية

تهدف هذه الدراسة إلى ردم الفراغ المعرفي القائم منذ اندلاع الحرب الدائرة في البلاد، في ظل غياب دراسة شاملة تتناول أوضاع الموَلَّدين في اليمن المعاصر. تمثل السؤال الرئيسي للدراسة في: كيف أثرت الحرب على نظرة الموَلَّدين إلى ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في اليمن وكيف يقاسونها، وكيف يستكشفون هوياتهم في سياق يزداد فيه الوصم والتهميش؟ وبالنظر إلى ضيق الوقت المتاح لجمع البيانات وتحليلها، وإلى العدد الكبير للموَلَّدين المنحدرين من خلفيات عرقية مختلفة (مثل آسيا وإفريقيا وأوروبا)، اتُخذ قرار بالتركيز على الموَلَّدين المنحدرين من أصل إفريقي. اليمنيون هاجروا إلى الصومال وإثيوبيا وإريتريا وكينيا والسودان ودول أخرى في شرق إفريقيا، وعادوا إلى الوطن بأعداد كبيرة[13] بعد استقلال تلك الدول وتأسيس الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي). أصبح أولئك يشكلون شريحة كبيرة من السكان اليمنيين[14]، لكنهم غالبًا ما يتعرضون للتهميش والتمييز بسبب السلوك العنصري ضد الأشخاص ذي البشرة الداكنة و/أو المنحدرين من أصل إفريقي.[15]

استندت هذه الدراسة النوعية بشكل أساسي إلى مقابلات متعمقة أجريت مع موَلَّدين منحدرين من أصل يمني-إفريقي، سواء مقابلات شخصية أو مقابلات عن بُعد (عبر الهاتف أو سكايب أو زووم). لم تهدف الدراسة إلى الحصول على عينة تمثيلية لهذه الفئة في المجتمع، نظرًا للأعداد الكبيرة من الموَلَّدين الموجودين في اليمن، ممن يعيشون في مناطق مختلفة من البلاد، من مختلف الأعمار والأجيال والطبقات الاجتماعية. عوضًا عن ذلك، ركزت الدراسة على جمع بيانات عالية الجودة تساهم في إعطاء فكرة واضحة عن التجارب التي يعيشها الموَلَّدون من مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين.

قام فريق مكوّن من ستة يمنيين بجمع البيانات، أربعة منهم من الموَلَّدين (جميعهم نساء). عمل أحد جامعي البيانات الستة منسقًا ميدانيًا مسؤولًا عن تنسيق التواصل بين جامعي البيانات، وتنسيق أنشطتهم، وضمان جودة البيانات والمشاركة في تحليلها، إلى جانب المشاركة في إعداد التقرير مع الباحثة الرئيسية. من جانبها، قامت الباحثة الرئيسية بتصميم أدوات جمع البيانات، بما في ذلك إرشادات إجراء المقابلات، ومناقشتها مع الفريق، فضلًا عن تولي تدريب جامعي البيانات على إجراء البحوث النوعية والمقابلات شبه المنظمة، ورصد عملية جمع البيانات، وتدريب المنسق الميداني على الترميز اليدوي وتحليل البيانات، إلى جانب المشاركة في إعداد التقرير. امتد العمل الميداني على مدى ستة أسابيع خلال الفترة من أغسطس/ آب إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2021.

بغية إعداد دراسة تتضمن أوجه مختلفة للتجارب الحياتية للموَلَّدين، جرت مقابلة 18 رجلًا و18 امرأة تتراوح أعمارهم بين 20 و74 عامًا، ويعيشون في ثلاثة مناطق مختلفة من البلاد، وهي صنعاء (21) وعدن (10) وحضرموت (5). فضلًا عن ذلك، أُجريت مقابلتان خارج اليمن: واحدة مع موَلَّد مقيم في مصر وأخرى مع موَلَّدة مقيمة في هولندا.

اختيار المشاركين في البحث

استخدمت طريقة كرة الثلج للتواصل مع الأشخاص المحتمل إجراء مقابلات معهم، وذلك عبر الاستفادة من الشبكات التي يمتلكها فريق البحث. مع الأخذ بعين الاعتبار هدف هذا التقرير بتقديم منظور نوعي حول التحديات التي تواجه الأشخاص الذين يُعرّفون صراحة باسم الموَلَّدين في اليمن، وجرى اختيار الأشخاص للمقابلات بناء على استعدادهم وقدرتهم على مشاركة قصصهم الشخصية. تتطلب المقابلات النوعية وجود جسر من الثقة بين الباحث والشخص الذي تجري مقابلته، وهو ما تحقق على ضوء اختيار الأشخاص الذين جرت مقابلتهم عبر الشبكات الشخصية، رغم تسبب ذلك في حصر النطاق الجغرافي للدراسة على سكان المناطق الحضرية في كل من صنعاء وعدن وحضرموت كون جامعو البيانات إما مقيمين هناك أو لديهم شبكة معارف في تلك المناطق.

أساليب البحث

جرى اتباع أساليب البحث التالية:

  • البحث المكتبي: دراسات أكاديمية وتقارير ومصادر أدبية عن الجذور (التاريخية) للموَلَّدين في اليمن.
  • 36 مقابلة متعمقة أُجريت في كل من صنعاء وعدن وحضرموت، إلى جانب مقابلتين أُجريتا خارج اليمن (واحدة في مصر والأخرى في هولندا).
  • حلقة نقاش بؤرية: أُجريت حلقة نقاش بؤرية في العاصمة الأردنية “عمّان” مع ستة موَلَّدين من أصل صومالي.
  • مقابلات مع الخبراء: أُجريت أربع مقابلات مع خبراء/ باحثين رئيسيين تناولت دراساتهم القضايا المتعلقة بالعرق والانتماء الإثني في اليمن (انظر المرفق 1).

الاعتبارات الأمنية والأخلاقية

بالنظر إلى الوضع الأمني في اليمن والتحديات المواجهة في العمل الميداني، تم إيلاء اهتمام خاص للجوانب اللوجستية والاعتبارات الأخلاقية. أُطلع الأشخاص المُقابَلون على أهداف البحث وأن المعلومات المستقاة من المقابلات ستُصنف باعتبارها مجهولة المصدر لحماية خصوصيتهم، وأُخذت موافقات شفوية مسبقة منهم بهذا المضمون. فضّل الأشخاص المُقابَلون، في بعض الأحيان، عدم الإجابة على أسئلة معينة خشية أي عواقب محتملة. كما تقرر إجراء المقابلات بشكل شخصي أو عبر الهاتف أو زووم أو سكايب لضمان سلامة جامعي البيانات. أُجريت معظم المقابلات الشخصية في صنعاء وعدن (30 مقابلة من أصل 31 مقابلة)، بينما أُجريت مقابلات مع موَلَّدين في حضرموت (5 مقابلات) عبر الهاتف وعبر منصة زووم.

تحليل البيانات وضمان جودتها

جرى تسجيل المقابلات وتدوينها باللغة العربية، مع حرص المنسق الميداني على جودة المعلومات المستقاة من هذه المقابلات. من جانب آخر، جرى تسجيل المقابلات مع الخبراء الرئيسيين وتدوينها باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى تسجيل حلقة النقاش البؤرية وتدوينها باللغة العربية ومن ثم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. وقد جرى ترميز نصوص المقابلات المتعمقة مع الموَلَّدين يدويًا وتحليلها من قِبل المنسق الميداني، تحت إشراف الباحثة الرئيسية وبالتعاون الوثيق معها.

قيود الدراسة

تمثلت الخطة المبدئية في إجراء مقابلات مع أشخاص يُعرّفون أنفسهم بالموَلَّدين ومن مختلف مناطق البلاد (المناطق الحضرية والريفية) في شمال اليمن وجنوبه، لكن كان لا بد من تعديل الخطة بسبب التحديات التي أعاقت سيرها أثناء العمل الميداني. فقد تأثر العمل الميداني بالتغييرات التي طرأت على أعضاء فريق جمع البيانات إلى جانب التحديات الأمنية القائمة، لا سيما خطط التنقل التي كانت متوخاة داخل مناطق اليمن. على سبيل المثال، تقرر عدم إدراج الحديدة في الدراسة بسبب عدم استقرار الوضع الأمني فيها. فضلًا عن ذلك، اتُخذ قرار بعدم إجراء حلقات نقاش بؤرية في اليمن بسبب حساسية الموضوع، وعلى هذا الأساس، أُجريت حلقة نقاش بؤرية واحدة فقط خلال زيارة قامت بها الباحثة الرئيسية إلى الأردن.

مغادرة اليمن والعودة إليه

يحفل تاريخ اليمن بالهجرات، حيث يقع البلد على الحافة الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة العربية، ويطل على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. كان اليمنيون في حالة تنقل دائم، مهاجرون إلى إفريقيا وآسيا، ويقال إن مملكة سبأ امتدت من اليمن حتى إثيوبيا، [16] في حين سيطرت مملكة أكسوم، التي كانت تمتد فيما يعرف اليوم بشمال إثيوبيا وإريتريا وأجزاء من السودان، على مساحات من اليمن بين القرنين الأول والعاشر الميلادي. تذكر العديد من المصادر الأكاديمية لجوء الجماعة الأولى من معتنقي الإسلام في عهد النبي محمد إلى الإمبراطور النجاشي في أكسوم هربًا من الاضطهاد، وهي الهجرة التي فتحت أول بوابة لدخول الإسلام إلى إفريقيا.[17]

بدأ دور الحضارم يبرز في تجارة البخور ابتداءً من القرن الثالث عشر، حيث هاجروا إلى الأرخبيل الإندونيسي وشرق إفريقيا. جاءت هجرة الحضارم المنتمين إلى أعلى طبقات المجتمع اليمني (أي المعروفين بالهاشميين) بدوافع تجارية أو دينية في المقام الأول، وكان لهجرتهم أثر عظيم على تطور الشبكات الدينية والتجارية والسياسية في بلدان المقصد. فقد حظي الحضارم -ولا يزالون -بالاحترام داخل المجتمعات التي استقروا فيها.[18] في إفريقيا تحديدًا، توجد جاليات حضرمية استقرت منذ قرن من الزمن في زنجبار وأديس أبابا والخرطوم، إضافة إلى مناطق في كينيا وأوغندا وتنزانيا.

تصاعدت وتيرة هجرة اليمنيين إلى الخارج في أعقاب الاستعمار البريطاني لعدن الذي بدأ عام 1839 والاستعمار الفرنسي لجيبوتي عام 1888، حيث خلقت هذه الجيوب الاستعمارية فرص عمل وجذبت عدة يمنيين من جنوب اليمن وشماله. كان ما سيُعرف لاحقًا باليمن بالشمالي في ذلك الحين جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، إلا أن المناطق الداخلية من اليمن كانت تحت حكم الأئمة الزيديين لعدة قرون الذين أبقوا السكان في تخلف وعزلة. أدى الاضطهاد والمجاعة وانعدام الفرص الاقتصادية التي توفر سبل العيش في عهد الإمام يحيى (1868-1948) بشكل خاص إلى هجرة العديد من اليمنيين، الذين كان غالبيتهم من الشباب العازبين. ومن خلال فرص العمل المتوفرة لليمنيين في موانئ عدن وجيبوتي، تمكن العديد منهم من الانتقال إلى أوروبا وآسيا، غالبًا كبحارة على متن السفن، وبالتالي هاجر اليمنيون بهذه الطريقة إلى المستعمرات البريطانية في الشرق الأقصى مثل الهند وسنغافورة، بل وإلى بريطانيا نفسها، وإلى المستعمرات الفرنسية مثل فيتنام ومدغشقر، وبدرجة أقل، إلى فرنسا.[19] وبعد الانتهاء من مدّ خط السكة الحديدية الرابط بين جيبوتي وأديس أبابا عام 1889، أصبح من السهل على اليمنيين الانتقال إلى إثيوبيا، إلى جانب هجرتهم إلى ما يعرف اليوم بكينيا وأوغندا[20] وتنزانيا والسودان وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى.[21]

في أوائل الأربعينيات، ظهرت موجة كبيرة أخرى من هجرة الحضارم بعد أن عصفت مجاعة كارثية بحضرموت وأودت بحياة نسبة كبيرة من السكان، ما يقرب من 35 ألف شخص. فقد تسبب مزيج من الجفاف الذي ضرب حضرموت وانقطاع القنوات العالمية للتحويلات المالية في دفع العديد من الأسر الحضرمية للهجرة إلى شرق إفريقيا وآسيا.[22]

بدأ العديد من المهاجرين اليمنيين في العودة إلى اليمن في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استقلال العديد من البلدان التي استقروا فيها، ما أدى إلى تنامي النزعة القومية هناك. خسر الأجانب تجارتهم إلى جانب ملكيتهم للأراضي بسبب تغيير الحكومات الوطنية قوانينها لصالح السكان المحليين. فضلًا عن ذلك، أصبحتا اليمن الشمالي واليمن الجنوبي دولتين مستقلتين، في عامي 1962 و1967 على التوالي. لاحقًا، أي سبعينيات القرن الماضي، دعا رئيس اليمن الشمالي “إبراهيم الحمدي” الشتات اليمني للعودة إلى ديارهم، لأن العديد من اليمنيين وأقاربهم قد استفادوا من الفرص التعليمية المتاحة في الخارج، وهو ما أراد الحمدي الاستفادة منه للمساعدة في تطوير البلاد، واعدًا المهاجرين العائدين بفرص العمل والسكن المجاني ومستقبل أفضل.[23] أُنشئت أحياء خاصة للعائدين (المغتربين) في مختلف المدن اليمنية، [24] لكن بدلًا من الترحيب بهم في أرض الوطن، أصبح العديد من العائدين وأطفالهم مواطنين من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة. ورغم إلغاء الدستور اليمني الفوارق بين الأفراد رسميًا بحيث أصبح كل يمني مواطنًا بغض النظر عن جذوره الأسرية، استمرت معاناة الموَلَّدين بأوجه مختلفة نتيجة وضعهم كـ”أقلية”، مما أثر على حقوقهم في المواطنة والاندماج الاجتماعي والزواج وتبوء المناصب في سوق العمل وعلى مركزهم ومستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي.

تعرض الأقسام الخمسة التالية نتائج الدراسة، حيث يركز القسم الأول على تحديد الهوية الذاتية والدور المهم للوالدين، يليه قسم يتناول الوصم والعنصرية، وقسم عن الفوارق بين الجنسين، كما يناقش القسم الرابع آثار الحرب، بينما يتناول الخامس التطلعات المرتبطة بالهجرة، ويختتم التقرير بعدد من التوصيات السياساتية.

تحديد الهوية الذاتية ودور الوالدين

أُشير في المقدمة إلى الدلالات السلبية لمصطلحي موَلَّد وموَلَّدين، وغالبًا ما يستخدمان لوصم أولئك الذين ينحدرون من أصول مختلطة أو الذين ولد أو نشأ آباؤهم أو أجدادهم خارج اليمن. كما قد يستخدم هذان المصطلحان للشتم، الأمر الذي يدفع الأشخاص المنحدرين من أصول مختلطة إلى التكتم على جذورهم الأسرية لتجنب الوصم والتمييز. تتشكل الهويات من خلال العلاقات بالآخرين وقد يكون للأحكام القيمية التي يطلقها المرء عن الأشخاص الذين لا ينتمون إلى فئته الاجتماعية أثر بالغ في تكوين فهم هؤلاء الأشخاص للطريقة التي يصنفهم بها الآخرون، وهو ما يشير كذلك إلى أهمية السياق الذي تستخدم فيه مصطلحات معينة. كما أن مواقف الوالدين تسهم بشكل قوي في كيفية تحديد الهوية الذاتية للموَلَّدين، وهي نقطة برزت لنا خلال المقابلات التي أجريناها مع الموَلَّدين. يناقش هذا القسم الوهلة التي علم فيها الأشخاص الذين جرت مقابلتهم بأن المجتمع يصنفهم موَلَّدين وما كان يعنيه ذلك بالنسبة لهم.

أفاد الأشخاص المُقابَلون أن الطريقة التي عاملهم بها الآخرون كانت كفيلة بأن يعلموا بأن المجتمع يصنفهم موَلَّدين، حيث أشار رجل (27 عامًا) يعيش في كريتر -عدن إلى ذلك بقوله:

“في طفولتنا وأثناء لعبنا مع أقراننا في حي كريتر بمدينة عدن، بدأنا نسمع كلمة (موَلَّدين) وغيرها من عبارات الوصم. علمنا عندئذٍ أننا من أصل مختلط، وشرح لنا والدانا ما يعنيه ذلك…. كان لهويتنا كموَلَّدين تأثير كبير على حياتنا حيث واجهنا مشاكل وصعوبات ما زلنا نعاني منها إلى الآن. لدرجة أن والدينا في البداية حثانا على عدم الكشف عن هويتنا كموَلَّدين حتى لا نتعرض للمضايقات. لكن حين تعرّف الجميع علينا، عززوا إحساسنا بالانتماء وجعلونا فخورين بهويتنا.”[25]

يمكن القول بأن الأشخاص المُقابَلين انقسموا إلى ثلاث فئات بشكل عام. الأولى يُعرّفون أنفسهم بأنهم موَلَّدين وهم فخورون بأصولهم المختلطة، مثل الرجل من عدن المذكور آنفًا. آباؤهم أو أجدادهم لم يخفوا حقيقة أصولهم المختلطة أو توقفوا عن إخفاء جذورهم في مرحلة ما عند ترعرع أطفالهم. وهم يتحدثون أكثر من لغة في البيت، ويعدون الأطباق غير اليمنية ويعتزون بأصولهم المختلطة. لكن على الرغم من الموقف الإيجابي لآبائهم وأجدادهم، ما تزال هذه الفئة تواجه الوصم والتمييز، وهو موضوع سيتناوله القسم التالي بمزيد من التفصيل.

تضم الفئة الثانية أولئك الذين يقدمون أنفسهم كموَلَّدين تبعًا للظروف، فهم يدركون الدلالات السلبية للمصطلح في اليمن وبالتالي يستخدمونه بشكل انتقائي. فمثلًا ذكرت إحدى النساء اللواتي جرت مقابلتهن ما يلي:

” أعتبر نفسي موَلَّدة، كوني من أصل يمني صومالي مختلط، لكني أتجنب أحيانًا الإفصاح عن ذلك لتفادي التعرض للتمييز أو أي صعوبات قد أواجهها بسبب ذلك. أدركت أنني انحدر من أصول مختلطة حين كنت في الثانية عشرة من عمري، عندما سألنا المعلم في الصف عن جنسياتنا. مضيت لأسأل أبي وأمي عن أصولي، وكنت اعتقد حينئذٍ أنني من أصل صومالي فقط إذ كنت أعيش في منطقة كان معظم قاطنيها صوماليون وبيئتها صومالية….نصحني أبي ألا أخبر أحدًا بأنني موَلَّدة، حمايةً لي من التعرض للتمييز. أما أمي، فعلى العكس من ذلك، كانت تقول ‘أنتِ صومالية’. وقد اتبعت نصيحتهما بشكل انتقائي، تبعًا للظروف التي أجد نفسي فيها.”[26]

يشير هذا التصريح إلى اختلاف مثير للاهتمام بين موقفي الوالدين، والذي يمكن تفسيره بأن أباها ينحدر من أصل يمني وبالتالي لم يكن يرغب في تعرض ابنته للوصم كونها من أصل مختلط، بينما كانت أمها فخورة بجذورها الصومالية وربما لم ترغب في الاستسلام للتمييز والوصم الذي واجهته في اليمن.

تضم الفئة الثالثة والأخيرة الأشخاص الذين لا يعترفون علنًا بأنهم موَلَّدين، وهذا ينطبق بصفة خاصة بين أوساط الموَلَّدين الذين يعيشون في الجزء الشمالي من البلاد، كما هو الحال في صنعاء، حيث تبدو العنصرية والوصم أكثر حدة مما هو عليه الوضع في عدن وحضرموت. تحدثت إحدى النساء اللواتي جرت مقابلتهن قائلة:

“أنا لا أعرّف نفسي كموَلَّدة. ولدت في إثيوبيا، إلا أن مصطلح الموَلَّد يشير إلى الشخص الذي ينحدر والداه من أصول أخرى. في الواقع، أنا أختلف مع الأشخاص الذين يصفونني بالموَلَّدة؛ لأني من أم وأب يمنيين.”[27]

تعتمد الثقة في الاعتراف بالهوية التي ينتمي إليها المرء على العديد من العوامل، ولعل أبرزها في الطريقة التي يتعامل بها الوالدان مع الأمر. كما أن اللغة تُعد عنصرًا مهمًا من عناصر تحديد الهوية، حيث نشأ العديد من الأشخاص الآخرين الذين جرت مقابلتهم في أسر تتحدث لغتين، أو حتى لغات متعددة. وغالبًا ما يشير مكان وزمان التحدث بلغة معينة إلى انفتاح أو تكتم الأسرة بشأن أصولها المختلطة. بالتالي، يجري التحدث باللغات الإفريقية بحرية في العائلات المنفتحة بشأن جذورها المختلطة. قال أحد المُقابَلين:

“في الوقت الراهن، نتحدث اللغة العربية في المنزل، إلا أن العديد من أفراد أسرتنا يتحدثون عدة لغات مثل الإنجليزية والسواحلية والأوغندية. عاداتنا يمنية، سواءً خلال فترة إقامتنا في أوغندا أو في اليمن، حافظنا عليها ولم نتأثر بعادات الدول الإفريقية التي عشنا فيها لبعض الوقت.”[28]

غالبًا يفضل الآباء الذين يخشون أن يتعرض أطفالهم للتمييز والوصم بسبب أصولهم المختلطة التحدث باللغة العربية في المنزل، آملين أن يكفل ذلك عدم تعرض أطفالهم للوصم. أشار جميع المستطلعة آراؤهم تقريبًا إلى أنهم يتحدثون اللغة العربية خارج المنزل، حيث يقتصر استخدامهم للّغات الإفريقية (مثل الصومالية والسواحلية والأمهرية والتغرينية) على أحاديثهم مع والديهم أو غيرهم ممن يجيدون تلك اللغات. أشارت إحدى النساء اللواتي جرت مقابلتهن إلى ذلك بقولها:

“تتحدث إلينا أمي باللغة العربية دائمًا، ولكنها تتحول إلى اللغة الصومالية حين تغضب. نفهمها ونفهم كل كلمة تقولها، على الرغم من أننا لا نتحدث باللغة الصومالية.”[29]

كما يتضح مما سبق، قال بعض الأشخاص إنهم لا يجيدون اللغات الأصلية التي تتحدثها أمهاتهم إلا أنهم قادرون على فهم المحادثات واستخدام بعض المصطلحات. قالت إحدى النساء:

“أفهم اللغة الإثيوبية إلى حد ما. حين أكون بصحبة الإثيوبيين أو الموَلَّدين، يمكنني فهم 50 بالمائة من المواضيع التي يتحدثون عنها، لكن لا يمكنني الكتابة باللغة الأمهرية. في بعض الأحيان، حين يرغب أبي وأمي في التحدث دون أن نفهم ما يقولانه، فإنهما يتحدثان باللغة الأمهرية. هي نوع من الشفرة السرية بينهما.”[30]

خلاصة القول، تباينت المواقف التي أبداها الموَلَّدون الذين جرت مقابلتهم تجاه هوياتهم، حيث ارتبطت هذه المواقف ارتباطًا وثيقًا بالأفكار النمطية والوصم والعنصرية. سيتم تناول هذه التجارب في القسم التالي بشكل أعمق وربطها بالعنصرية وما تعنيه هذه الظاهرة في اليمن.

العنصرية والوصم

شكل نظام التقسيم الطبقي للمجتمع في اليمن أساسًا للتمييز والوصم الذي يعاني منه الموَلَّدون في اليمن، حيث يلعب فيه النسب والمهنة التي يزاولها المرء دورًا حاسمًا في تحديد مركزه/ مركزها الاجتماعي. فالأشخاص الذين يدّعون انتسابهم إلى النبي محمد (من يُعرفون بالهاشميين) يتربعون على قمة الهرم الاجتماعي، يليهم القضاة ومن ثم رجال القبائل ويأتي بعد ذلك المزاينة[31] (الذين يزاولون حرفة معينة). يقبع في أسفل الهرم الاجتماعي أولئك الذين يُنظر إليهم بأنهم ينحدرون من نسل العبيد السابقين، إضافة إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون تتبع نسبهم (المهمشين).[32] وبما أن مصطلحي “عبيد” و”أخدام” ينطويان على الإهانة، فقد جرى استبدالهما بمصطلح المهمشين (مفرده المذكر ’مهمش‘، والمؤنث ’مهمشة‘).[33]

أظهرت العديد من الدراسات التي أُجريت حول الطبقية الاجتماعية في اليمن خلال العقود الماضية أن هذه التقسيمات لا تُطبق بانتظام في جميع أنحاء اليمن، إذ أن هناك اختلافات مهمة من منطقة إلى أخرى. في حضرموت، على سبيل المثال، حيث أجرى عبدالله بوجرا دراسته (1971)؛ وكذلك في اليمن السفلى وتهامة، حيث أجرت ديلوريس والترز أبحاثها (1987)؛ والمرتفعات حيث قام لوكا نيفولا بالعمل الميداني (2020). علاوة على ذلك، لا يبقى التقسيم الطبقي الاجتماعي على حاله، ففي أعقاب الإطاحة بالإمامة في شمال اليمن عام 1962 واستقلال جنوب اليمن عن بريطانيا عام 1967، نصت الدساتير في كلٍ من الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) على أن جميع المواطنين سواسية بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي وأصولهم. كما أدت الهجرة في الداخل وإلى الخارج (خاصة إلى السعودية ودول الخليج)، وتوسع المراكز الحضرية، وزيادة فرص التعليم والتوظيف إلى حدوث تغييرات في نظام التقسيم الطبقي للمجتمع في اليمن.

بالرغم من هذه التغييرات، حافظت الهياكل التقليدية على تأثيرها في السكان؛ فبالإضافة إلى النسب والمهنة، كان لون البشرة واحدًا من أهم علامات تحديد الهوية، وهذا هو الأساس الذي ينبني عليه الكثير من ممارسات الوصم والعنصرية تجاه الموَلَّدين. تشير جوخه أمين الشايف (2021) إلى أن مصلحة الأحوال المدنية أصدرت قرارًا في مارس/ آذار 2014 يحظر منح بطاقات الهوية “للموَلَّدين الذين ولدوا خارج اليمن، وخاصة من وُلدوا في القرن الإفريقي، ممن لا يملكون إثباتات على جنسيتهم اليمنية”. يحرص القرار على استثناء الموَلَّدين من غير البشرة الداكنة، وتحديدًا أولئك الذين “ولدوا في دول الخليج وأوروبا وآسيا”. يواجه اليمنيون من ذوي الأصول الإفريقية وصمة عار وعنصرية بشكل مستمر، وهي ظاهرة شائعة يعاني منها جميع العرب من ذوي البشرة الداكنة في جميع أنحاء المنطقة ممن لا يزال يُشار إليهم باسم “عبيد”. تقول الشايف على نحو مقنع إن:

“التسلسل الهرمي ضمن هذه الفئة الخامسة (فئة المهمشين) تكشف عن تدرج في لون البشرة السمراء ومعاداة لذوي البشرة الداكنة في اليمن. إنه منظور معين وليس ازدواجية الهوية بين العرق والعنصرية. هذا التدرج في لون البشرة يشكل منطلقًا لبعض المهمشين للمطالبة بالانتماء إلى مجتمعات يمنية أخرى من ذوي البشرة الداكنة. في الواقع، يلعب الأصل الإفريقي دورًا حاسمًا في تحديد “سواد بشرة” المهمشين مقارنة باليمنيين الآخرين من غير المهمشين، الذين قد لا يختلفون عنهم من حيث الملامح الخارجية. وعلى هذا النحو، يصبح وجود الشخص المهمش الداكن البشرة والمتأثر بهذه الظاهرة بمثابة “الآخر” المختلف الذي يمنح الشخصية اليمنية العنصرية القدرة على ادعاء بعض المهابة على حسابه.”[34]

الموَلَّدون هم جزء من فئة اليمنيين “غير المهمشين”، الذين يتعرضون أيضًا للتمييز والتهميش بسبب لون بشرتهم وأصولهم الإفريقية. يعد هذا بالنسبة لبعض الموَلَّدين سببًا إضافيًا للتكتم على أصولهم المختلطة، إلا أن هذا ممكن فقط لأولئك الذين لا يمكن تمييزهم بلون بشرتهم. بدا هذا واضحًا بين العديد من الأشخاص الذين جرت مقابلتهم، وقال رجل (34 عامًا) في صنعاء:

“التنمر الذي عانيت منه حين كنت صغيرًا جعلني أتساءل: لماذا ينعتونني بالخادم؟ لكن بعد انتهائي من المرحلة الثانوية، لم يعد هذا الأمر يؤثر بي بأي شكل من الأشكال، فهناك انفتاح وتطور في الوقت الحالي. كان الوضع مختلفًا في الماضي، في جيل والدي وجدي، حيث كان يُنظر لأولئك المنحدرين من أصول مختلطة باعتبارهم أحباش، وليسوا يمنيين، وبأنهم جاءوا للحصول على الجنسية اليمنية دون وجه حق. وحين بينت لهم أنني يمني وأن جدي هاجر إلى هناك (إلى إفريقيا) وعدنا إلى بلدنا، لم يقتنعوا بذلك”.[35]

يجادل الباحث لوكا نيفولا بأن العنصرية في اليمن تتجاوز لون البشرة والملامح الخارجية للمرء، وأنها تستند في الغالب إلى تصنيفات التسلسل الهرمي الاجتماعي لنسب الأب. فالذين ينحدرون من نسب مُشرّف (أي من يمكنهم إثبات أنهم من نسل العرب الشماليين أو الجنوبيين) هم فقط من يعدون “يمنيين خالصين”.[36] أما من لا يمكنهم إثبات ذلك، فينظر إليهم على أنهم “نُقاص الأصل” والأخلاق. ظهرت نزعة العنصرية باليمن في خمسينيات القرن العشرين حين استُخدمت لمعارضة حكم الهاشميين الذين كانوا على رأس السلطة، ولكن يُنظر إليهم كأقلية من حيث النسب. لم يستخدم هذا المصطلح لتمييز من يطلق عليهم نُقاص الأصل على أساس لون البشرة أو الملامح الظاهرية، ووفقًا لنيفولا، لا تزال العنصرية مفهومة بهذه الطريقة. في العقود القليلة الماضية، وخاصة خلال فترة الربيع العربي ومؤتمر الحوار الوطني الذي تلاه، بدأ نشطاء من “المهمشين” “باستخدام لون البشرة كوسيلة لتأسيس هوية جماعية شاملة والمطالبة بالاندماج الاجتماعي والسياسي”[37]، ونجحوا بذلك في إعادة تعريف أنفسهم كمجموعة عرقية من ذوي البشرة السمراء تتعرض للتمييز. من خلال الدراسة التي أجرتها عن المهمشين، تؤيد جوخه أمين الشايف هذا الرأي بقولها:

“يتضح لنا من تجارب المهمشين واليمنيين من أصحاب البشرة السمراء، أن العنصرية في اليمن منظور معين وليس ازدواجية في الهوية. تنشأ هوية “العربي” و”صاحب البشرة الداكنة” عند تداخل التصورات السائدة بشأن النسب مع لون البشرة بصورة ديناميكية. ويكشف التاريخ الاجتماعي للمهمشين ووضعهم كغرباء دائمين في بلد أقاموا فيه منذ قرون عن متانة وعدم استقرار الفئات العرقية والقومية في آن معًا”.[38]

تدل تجارب الموَلَّدين على هذا المنظور السائد؛ فتجاربهم تختلف وفقًا لنسب الأب (مثلًا إن كان الوالد أو الجد من أصل الهاشميين أو القبائل)، ومسقط الرأس (مثلًا في شمال اليمن يعاني أولئك المنحدرون من أصل مختلط من الوصم بشكل أكبر مما هو عليه الحال في جنوب اليمن)، ولون البشرة (التي تتراوح بين الفاتحة إلى حد ما إلى الداكنة جدًا). على سبيل المثال، قال رجل من عدن (53 عامًا) إنه لم يتعرض شخصيًا لأي تمييز:

“عشت حياتي ولم أواجه أي وصمة عار أو تمييز، على الرغم من أن بعض اليمنيين ينظرون إلى أولئك المنحدرين من أصول مختلطة بازدراء وترفع، لكن هذا يعتمد على ثقافة الشخص وأخلاقه. فبينما يتعامل البعض مع الأشخاص ذي الأصول المختلطة باحترام، قد تجد بعض الأشخاص من ذي الأصول غير المختلطة يصمون بعضًا من ذوي الأصول المختلطة ويخبرونهم أنهم لا ينتمون إلى البلاد، أو بأنهم موَلَّدون، أو صوماليون أو غير ذلك.”[39]

مع ذلك، أشار بحثنا إلى وجود اختلافات محتملة من منطقة إلى أخرى في تجارب الموَلَّدين مع العنصرية. أخبرنا رجل من صنعاء (40 عامًا):

“كان لمعاملتنا بشكل سيء تأثير سلبي علينا. أقصد أن المعاملة في الحديدة كانت مختلفة، حيث كنا نحظى بحياة طيبة هناك. لم يكن أحدٌ ينعتنا بالموَلَّدين أو أي وصف من هذا القبيل، لكن هنا في صنعاء، هناك تمييز واضح”.[40]

وهذا ما أكده شخص آخر أُجريت معه مقابلة في صنعاء، وهو شاب كان أجداده وآباؤه جميعًا موَلَّدين من أصول صومالية، بقوله:

“يُستخدم مصطلح موَلَّد في اليمن للأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي. هم فقط يوصفون بالموَلَّدين، لكن لكي أكون صادقًا، لم ينعتني أحد أبدًا بالموَلَّد. عوضًا عن ذلك يقولون لي بشكل مباشر “أنت إثيوبي أو صومالي”، لم يقولوا أبدًا “أنت موَلَّد”، ولم يقتنعوا أبدًا بأن لدي قطرة دم يمنية. من الغريب أن يُطلق عليك لقب الإثيوبي (الحبشي) أو الصومالي.”[41]

يُعد مصطلح ’حبشي‘ (المستخدم في الوقت الحاضر للإشارة للإثيوبيين، وجمعها بالعامية ’أحبوش‘) شائع جدًا، وينطوي على الإساءة ويشير إلى الأشخاص من ذوي البشرة الداكنة. غالبًا ما تستخدم مصطلحات من قبيل الصوماليين والسود كمصطلحات تنطوي على الإساءة أيضًا، مما يدل على أن لون البشرة عامل مهم جدًا في التمييز العنصري ضد الموَلَّدين (بالإضافة إلى اليمنيين الآخرين من ذوي البشرة الداكنة، ولكن ليسوا بالضرورة موَلَّدين أو مهمشين). قال أحد الرجال أيضًا إن كلمة وَريا (وهي كلمة باللغة الصومالية الدارجة تعني “رجل”) تستخدم كمصطلح مسيء في صنعاء. شاركت إحدى المستطلعة آراؤهم القصة التالية:

“حين كنت صغيرة، كانت عمتي تقول لي: ‘إذا سألك أصدقاؤك في المدرسة [عن أصول عائلتك] ماذا ستقولين؟ كنت أردّ أني سأقول “أنا موَلَّدة” وكانت تمازحني وتقول ‘موَلِّدة مياه أم موَلِّدة كهرباء؟‘ (كلمة موَلَّد لها معنى في اللغة العربية مشابه للموَلَّد الكهربائي، بكسر اللام المشدد بدلًا عن الفتح) سألتها ماذا أقول بدلًا عن ذلك، ردّت قائلة ينبغي أن تقولي أنا يمنية. حين ذهبت إلى المدرسة، كان أصدقائي يتساءلون كيف يمكن أن أكون يمنية لأن بشرتي سمراء! كنت أحيانًا أشعر بالحرج، فأقول إنني يمنية، وأحيانًا إنني صومالية.”[42]

تتوافق هذه التجربة مع تجربة عائشة الجعيدي، التي شاركت في إعداد هذا التقرير، والتي نشأت في حضرموت. فقد اكتشفت أنها تعتبر موَلَّدة فقط حين قالت لصديقة لها إن والدها وُلد في كينيا[43]، وعندما أخبرت والدتها عن تلك المحادثة، نصحتها بعدم ذكر مسقط رأس والدها لأن الناس قد يعتقدون أنهم “عبيد”. يؤكد هذا المثال أن الأنساب عامل مهم في التمييز العنصري ضد الموَلَّدين، وأنها لا تتعلق بلون البشرة فقط. وُلد والد عائشة الجعيدي في كينيا، ورغم أن والديه وزوجته يمنيون، لا يزال البعض يعتبره وأبناؤه من الموَلَّدين. وهذا يدل أيضًا على أن الموَلَّدين لا يشترط بالضرورة أن يكونوا من أصول مختلطة؛ فاليمنيون الذين ولدوا وترعرعوا في الخارج يمكن تصنيفهم كذلك على أنهم موَلَّدون.

يأتي الزواج كإحدى الوسائل التي تستخدم للتمييز ضد الموَلَّدين، حيث لا يحق لهم الزواج بمن يُسمون باليمنيين “الأنقياء”. لا يزال الزواج في اليمن يخضع بشكل قوي لنظام التقسيم الطبقي الاجتماعي، ويعزف معظم اليمنيين عن الزواج من خارج طبقتهم الاجتماعية. هذا ينطبق بصفة خاصة على الرجال، فقد أخبرتنا إحدى النساء عن تجربة شقيقها بقولها:

“لم نكن ندرك وجود تمييز ضد هذه الفئة (الموَلَّدين) إلا حين حاولنا طلب يد إحدى الفتيات لأخي، حيث رُفضنا لأن والدتنا تنحدر من أصول إفريقية. يواجه بعض الرجال اليافعين من ذوي الأصول المختلطة صعوبات حين يتعلق الأمر بالزواج”.[44]

قال شخص آخر إنه تعرّف على امرأة عبر الفيسبوك، ووقعا في الحب وسافر من عدن إلى تعز ليطلب يدها للزواج. إلا أن والدها رفض حين علم بأصوله اليمنية-الصومالية المختلطة. عاد أدراجه مفطور الفؤاد لأن علاقتهما انتهت على الرغم من محاولاتهما العديدة لإقناع والد الفتاة.[45] تعد هذه القصة مثالًا جيدًا على العُرف الذي يجوز بموجبه للموَلَّدات الزواج من رجال غير موَلَّدين، في حين يجد الموَلَّدون من الرجال صعوبة في الزواج من النساء اللواتي لا ينحدرن من أصول مختلطة. ونتيجة لذلك، يتزوج معظم الموَلَّدين من موَلَّدات.

قد يتأثر مستوى ونوع التمييز الذي يواجهه الموَلَّدون بالمحددات الاجتماعية مثل مستوى تعليم الفرد، والوضع الاجتماعي لعائلة الأب (سواء كان من الهاشميين أو القبائل أو ينتمي إلى فئة ذات مكانة اجتماعية أدنى)، والوضع الاقتصادي للأسرة. بعض العائلات التجارية المعروفة تنحدر من أصول إفريقية. أخبرنا شاب من حضرموت أن نسب والده لقبيلة معروفة ساعدته كثيرًا في حياته، حيث تمكن من مواصلة تعليمه وهو الآن يدرس في الخارج، ومع ذلك، تساوره مخاوف من رفضه في حال تقدمه للزواج بسبب لون بشرته الداكنة.[46]

أشار آخرون إلى الصعوبات التي يواجهونها في إنجاز المعاملات القانونية، مثل التقدم للحصول على بطاقة هوية أو جواز سفر. فمن أجل الحصول على أوراق ثبوتية، يتعيّن على المرء إبراز وثيقة تثبت أن والده وُلد في اليمن، وهذه مسألة صعبة غالبًا على الموَلَّدين. قال أحدهم:

“سأخبركم بما حدث لي بعد عودتي من كينيا إلى اليمن، ومحاولتي الحصول على بطاقة هوية. ذهبت إلى دائرة الأحوال الشخصية للحصول على بطاقة هوية، لكن طُلب مني تقديم وثائق تثبت هوية والدي. إلا أن والدي لم يعش قط في اليمن لأن جدي هاجر عام 1918. كان الحل بالنسبة لي هو العودة إلى قريتي من أجل الحصول على شهادة تثبت أن هذا هو المكان هو مسقط رأسي، إضافة إلى حكم قضائي، والعودة لاستكمال إجراءات الحصول على البطاقة، لكن في رأيي، هذه الإجراءات قانونية ويجب إنجازها. أما بالنسبة للتمييز الذي يواجهه الموَلَّدون … أعتقد أنه أمر شائع ويحدث في جميع أنحاء العالم”.[47]

يرى هذا الشخص أن طلب هذه الوثائق كان قانونيًا، بل ويُعرب عن تفهمه للتمييز ضد الموَلَّدين. إلا أن الآخرين لم يشاطرونه الرأي، ورأوا أن الجهود المبذولة لحرمان أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في اليمن من الجنسية، وأولئك الذين جاءوا من الخارج، ولكن عاشوا لعقود في اليمن، هي أمثلة واضحة على العنصرية والتمييز. قال امرأة من صنعاء (26 عامًا): “عاشت أمي في اليمن لمدة 40 عامًا، ولم يوافقوا على منحها الجنسية”.[48]

ذكر بعض الأشخاص أنه طُلب منهم إظهار بطاقات هويتهم عند نقاط التفتيش رغم عدم وجود ركاب آخرين على متن الحافلة، وعزوا ذلك إلى تصنيفهم عنصريًا على أنهم موَلَّدون. قص علينا رجل من عدن (46 عامًا) التجربة التالية:

“أُوقفت عند نقطة تفتيش أمنية على الطريق، رغم أني كنت أحمل بطاقة هوية يمنية. إلا أن الركاب الذين كانوا معي على متن الحافلة أظهروا موقفًا إيجابيًا، فقد دعموني وأقنعوا المسؤولين في نقطة التفتيش بالسماح لي بمواصلة رحلتي”.[49]

لا تقتصر الصعوبات التي يواجهها الموَلَّدون على استخراج جوازات السفر وبطاقات الهوية في اليمن، والتوقيف عند نقاط التفتيش، فالعديد من اليمنيين غير المنحدرين من أصل مختلط عانوا من مثل هذه التجارب. أعاقت الحرب حركة اليمنيين بشكل كبير، سواء داخل اليمن أو عبر الحدود، وازداد عدد نقاط التفتيش حيث يجرى فحص المسافرين عدة مرات خلال مسار رحلاتهم، فضلًا عن صعوبة الحصول على جواز سفر، بشكل عام، والذي لا يمكن استخراجه إلا من عدن حيث توجد المكاتب التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا.

تفاقمت العقبات القانونية جراء إغلاق السفارات الأجنبية داخل اليمن، مما حال دون تجديد جوازات السفر لحاملي جوازات سفر الدول الإفريقية، وهو ما يصعب على الموَلَّدين السفر إلى الخارج للهرب من ويلات الحرب التي تدور رحاها في اليمن. كما أن التنقل داخل البلاد يعتمد على امتلاك وثائق ثبوتية شخصية، فبعد استيلاء السلطات الحوثية على السلطة في شمال اليمن، زادت المخاطر الأمنية على الموَلَّدين الذي لا يملكون وثائق ثبوتية قانونية أو الذين لم يتمكنوا من تجديدها لأنهم لم يتمكنوا من إثبات يمنيّتهم لسلطات الحوثيين.

إضافة إلى المسائل القانونية، قال العديد من الموَلَّدين إن فرص الحصول على العمل باتت صعبة بالنسبة لهم، وروى بعضهم العديد من حالات التمييز في العمل، سواء في شمال اليمن أو جنوبه. وقال الرجل المذكور سابقًا من عدن:

“لم أتمكن من الحصول على وظيفة لأنني من أصل مختلط. تقدمت بطلب إلى الشركات والمصانع، لكنني لم أُقبل. هم ينظرون إلينا (الموَلَّدين) كما لو أننا لسنا مواطنين في هذا البلد، كما لو أننا أجانب.”[50]

ترتبط هذه التجارب السلبية بالطبقة الاجتماعية والخلفية التعليمية للأشخاص المُقابَلين. فكما ذكر سابقًا: ألغى دستور 1970 بشكل رسمي الفوارق بين الأشخاص، لكن تستمر معاناة المنحدرين من أصول مختلطة من التمييز على المستوى القانوني. ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حظي الموَلَّدون في كثير من الأحيان بمستوى تعليمي أفضل من السكان اليمنيين المحليين، بحُكم تلقيهم تعليمهم في الخارج، وغالبًا ما كانوا يتقنون اللغة الإنجليزية بالإضافة إلى العربية. كما أن مواقف الموَلَّدين من توظيف المرأة كانت أكثر إيجابية مقارنة بمواقف السكان من غير الموَلَّدين[51]، فقد عملت العديد من الموَلَّدات الرائدات في كثير من المجالات، منها التدريس والتمريض والإدارة، وبذلك مهّدن الطريق لغيرهن من النساء. قال كوني كريستيانسن في مقال نُشر لها عام 2012 إن نسبة الموَلَّدين الشاغلين لوظائف في المنظمات الدولية كانت عالية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه كان (ولا يزال) من الصعب على الموَلَّدين الحصول على عمل في القطاع الحكومي بسبب التحديات المتمثلة في صعوبة الحصول على بطاقة هوية.[52] ينظر بعض المُقابَلين، مثل الرجل المذكور سابقًا الذي يقطن في صنعاء -والذي تحدث عن التطور والانفتاح الحاصلين في الوقت الراهن مقارنة بالماضي في أيام أبيه وجده -إلى أن الوضع العام أصبح أكثر مرونة مع مرور الوقت. وذكرت امرأة من صنعاء (52 عامًا) أن الوضع قد تحسّن بعد توحيد شطري اليمن عام 1990، وقالت:

“ينظرون إليك نظرة دونية، بسبب اختلاف لهجتك أو لون بشرتك، ويتحدثون إليك كما لو أنك لست واحدًا منهم، لكن الحمدلله، بعد الوحدة، لم نعد نرى نفس التمييز الذي كان موجودًا في السابق. حاليًا، أصبحوا متواضعين قليلًا، وأصبح الوضع أفضل من ذي قبل.”[53]

بالمقابل، كان لأحد الأشخاص الذين قُوبلوا من حضرموت رأي مغاير تمامًا:

“أثرت الحرب بشكل كبير على وضع الموَلَّدين، لكن في الواقع، ربما بدأت معاناتهم بتوحيد شمال وجنوب اليمن. فلم تعد هناك قوانين تحميهم، ومع قدوم العديد من اليمنيين من ذوي البشرة البيضاء من الشمال، أصبح هذا هو المعيار للون البشرة في البلاد، وازدادت معاناة الموَلَّدين بسبب لون بشرتهم الداكنة.”[54]

حاليًا ومع بسط الحوثيين سلطتهم على ما كان يُعرف سابقًا باليمن الشمالي، أصبحت مسألة الأنساب أكثر أهمية مما كان عليه الوضع منذ الإطاحة بالإمامة في ستينيات القرن العشرين.[55] سيجري تناول هذه المسألة بمزيد من التفصيل في القسم المُعنون “آثار الحرب”، إلا أن مدى الوصم والعنصرية اللتين تعرض وما زال يتعرض لها الموَلَّدون يعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل، مثل المنطقة التي يعيشون فيها والخلفية الاجتماعية لأسر آبائهم ولون بشرتهم. وقال أحد الأشخاص إنهم يواجهون التمييز في المدارس وسوق العمل والزواج والحصول على الوثائق القانونية. يتناول القسم التالي الفوارق بين الجنسين في أوساط الموَلَّدين.

الفوارق بين الجنسين

يُصنف اليمن مجتمعًا ذكوريًا حيث تشكل الفوارق بين الجنسين جزءًا لا يتجزأ من التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد. فما طبيعة تأثير النوع الاجتماعي على تجارب الموَلَّدين والموَلَّدات؟ بصورة مثيرة للاهتمام، رأى الرجال والنساء الذين جرى مقابلتهم أن الرجال هم أكثر عرضة للتمييز والوصم من النساء، بحكم خوضهم لمعترك الحياة العامة وتواصلهم مع الآخرين، وأن احترام المرأة جزءٌ من الثقافة اليمنية، وهذا قد يفسر سبب تعرض النساء الموَلَّدات للوصم أو التمييز بدرجة أقل من الرجال. قالت إحدى الشابات:

“الناس في اليمن يحترمون النساء كثيرًا، باستثناء كلمة “وَريا”… لكن إن كنت رجلًا، فلن يحترموك. أعتقد أن الرجال يقاسون الكثير من التجارب بحكم اختلاطهم مع الناس، على عكس النساء.”[56]

إلا أن هذا التصريح ينطوي على تناقض لا ينبغي غض الطرف عنه. ففي حين أن المرأة التي جرت مقابلتها تدّعي أن المرأة تحظى بالاحترام باليمن، تشير في الوقت نفسه إلى أن النساء يُطلق عليهن أحيانًا كلمات مهينة مثل كلمة ’وَريا‘، وهي كلمة تنطوي على الإهانة عند استخدامها في سياق خاطئ.[57] كما أشار شخص آخر من الذين جرت مقابلتهم، وهو رجل من صنعاء (33 عامًا)، إلى أن الموَلَّدات يوضعن في قالب نمطي بوصفهن أكثر تساهلًا في الأمور الجنسية مقارنة بغيرهن.[58] ورأى بعض من الأشخاص أن الموَلَّدين من الذكور والإناث يتعرضون لنفس القدر من التمييز، وقال أحدهم:

“ليس هناك فرق في كونك رجلًا أو امرأة من الموَلَّدين، فالازدراء والنظرة الدونية لا تفرّق بين الجنسين.”[59]

تُظهر النتائج التي توصلنا إليها وجود تناقضات صارخة بين الأفكار المنفتحة نسبيًا للعائلات التي ترعرع فيها الأشخاص الذين جرت مقابلتهم، وبين ما اعتبروه الأعراف والقيم الاجتماعية “المتشددة” التي تهيمن على المجتمع اليمني، والتي تفرض قيودًا على النساء أكثر من الرجال. تحدثت امرأة من حضرموت (20 عامًا) قائلة:

“كأسرة تعرف معنى الهجرة، نحن أكثر انفتاحًا من الآخرين على الاختلافات وأكثر تقبلًا لأولئك الذين يختلفون عنا. يسود جو من الحرية والمرونة في المنزل حيث إن عائلتي تقدم لي ولأخواتي الأخريات الدعم في جميع خياراتنا، وهذا أمر نادر في اليمن.”[60]

وكنتيجة لموقف عائلتها المنفتح، تمكنت هذه الشابة من الالتحاق بالتعليم العالي والعمل، حيث أشارت إلى أن هذا الوضع كان استثنائيًا للغاية في سيئون، حيث لا تزال العلاقات بين الجنسين محافظة للغاية ولا يوجد سوى عدد قليل من النساء اللائي يعملن مقابل أجر خارج المنزل.

أكدت نساء أُخريات أن الحرب كانت لها تداعيات سلبية عليهن كنساء، بحكم فقدان أقاربهن من الرجال -إخوانهن وأبنائهن وأزواجهن -أعمالهم واضطرار النساء للبحث عن عمل بأنفسهن، وهو خطوة صعبة للغاية. كما أن هؤلاء النساء شعرن بالتمييز ضدهن لعدم حصولهن على وظائف ذات أجر جيد وذات مراكز رفيعة، وغالبًا ما تنخرط الموَلَّدات في خدمة المنازل أو تقديم المساعدة في المناسبات الاجتماعية مثل حفلات الزفاف والجنازات مقابل أجر زهيد، بسبب حاجتهن إلى العمل. وبرأيهن، يُنظر إلى خروجهن للعمل والانخراط في الحياة العامة بشكل سلبي.

يمكن أيضًا تفسير الإجابة القائلة أن النساء يواجهن تمييزًا أقل من الرجال، بأن النساء أقل ظهورًا في مضمار الحياة العامة في ضوء الأيديولوجية الجندرية السائدة في اليمن والتي من المفترض أن تكون المرأة وفقًا لها أقل نشاطًا وأقل انخراطًا في معترك الحياة، لكن هذه الأيديولوجية لا تتوافق في كثير من الأحيان مع الواقع المُعاش يوميًا، وربما لم يرغب من جرت مقابلتهم في لفت الانتباه إلى أن الموَلَّدات يشقين طريقهن في معترك الحياة العامة بغية حماية المركز الاجتماعي للنساء ذوات الأصول المختلطة.

من الواضح أن النساء اللاتي تزيد أعمارهن عن 40 عامًا أكثر وعيًا بالمواقف العنصرية تجاههن، وهو ما يُعزى إلى مزاولتهن الكثير من الأنشطة المدرة للدخل منذ بداية الحرب، وكونهن أكثر نشاطًا في الحياة العامة. فقد تركزت إجاباتهن بشأن تأثير الحرب على فقدان أزواجهن لأعمالهم والاضطرار إلى العمل من أجل كسب لقمة العيش. يميل الأشخاص الأصغر سنًا ممن جرت مقابلتهم إلى التنويه بأن وضع الموَلَّدين جيد بشكل عام، مما يشير إلى أنهم ربما لم يواجهوا الكثير من العنصرية والتمييز، في حين تواجه النساء من الفئات الاجتماعية-الاقتصادية الدُنيا درجة أكبر من التمييز نتيجة لتداخل عوامل العرق والفقر وسوء جودة التعليم.

نفى الرجال الثلاثة الذين جرت مقابلتهم من حضرموت تعرضهم للتمييز، وقد لاحظ من أجروا تلك المقابلات بعض الفخر في هذه الإجابات، وهو ما يمكن أن يُعزى إلى واقع أن التمييز يرتبط بالأشخاص ذوي المكانة الأدنى، مثل المزينين أو المهمشين، لكن في وقت لاحق من المقابلات، روى هؤلاء الرجال قصصًا تعكس معاناتهم من التمييز، ومن خلال ذلك أظهروا أنه على الرغم من انتماء عائلاتهم لصفوة المجتمع، إلا أن روابطهم بإفريقيا ألقت بظلالها على مكانتهم الاجتماعية.

خلاصة القول، رأى من جرت مقابلتهم من الذكور والإناث وجود بعض الفوارق في معاملة الموَلَّدين على أساس النوع الاجتماعي. وبشكل مثير للاهتمام، رأى غالبية من أجريت معهم المقابلات أن الموَلَّدين الذكور يتعرضون لقدر أكبر من الوصم والتمييز كونهم أكثر نشاطًا في الحياة العامة، لكن ذلك لا يعني عدم تعرض النساء اللاتي أجبرتهن ظروف الحرب على العمل مقابل أجر كذلك للتمييز.

تأثير الحرب

يتناول هذا القسم التداعيات السلبية للحرب على الموَلَّدين. كما ذُكر سابقًا، ساد المجتمع اليمني عبر التاريخ نظام صارم قائم على التقسيم الطبقي الاجتماعي على أساس الأنساب والمهن التي يزاولها الناس. خلال الصراع الدائر، استند استيلاء الحوثيين على السلطة في شمالي اليمن على النسب، وبالتالي كان لعودة ظهور الاهتمام بالأصول الأسرية تأثير كبير على المجتمع اليمني. لذا لا يُستغرب تعرض الموَلَّدين لتمييز إضافي نتيجة لذلك، لكن ما يثير الاهتمام هو وجهة النظر السائدة بين من أُجريت معهم المقابلات وهي أن معاناة الموَلَّدين نتيجة للحرب لا تختلف عن معاناة اليمنيين الآخرين، واعتبار الحرب عامل ساوى بين الناس. قالت إحدى النساء:

“لم تعد التحديات التي يواجهها الموَلَّدون أو غيرهم كما كانت، والتي تتمثل في كيفية الحصول على القوت اليومي والبقاء على قيد الحياة والحصول على فرصة عمل. فالجميع يعاني، الموَلَّدون وغيرهم على حد سواء. أعتقد أن قضية الموَلَّدين تلاشت بعد اندلاع الحرب، لأن الناس يرغبون في البقاء على قيد الحياة ولديهم مخاوف أكبر، وهذه مسائل صغيرة مقارنة بالهموم الأكبر”.[61]

إلا أن الآخرين الذين جرت مقابلتهم كان لهم رأي مغاير، حيث رأى شاب من صنعاء (25 عامًا) أن الحرب عمّقت الفوارق الاجتماعية وزادت من حدة انقسام المجتمع إلى طبقات اجتماعية على أساس الجذور الأسرية، وقال:

“لن أقول إن الحرب أثرت على الموَلَّدين، لكنها خلقت مزيدًا من العنصرية بين اليمنيين أنفسهم. والآن مع ظهور الحوثيين كفئة اجتماعية ترى أنها أكثر تفوقًا على أي شخص وكل فرد -باعتبارهم بيض البشرة وينحدرون من سلالة النبي محمد -أصبحت جميع هذه المصطلحات تمايز وتفرق بين الناس. مثلًا، نحن كذا وكذا، وإذا كان هذا التقسيم وهذه المعايير تنطبق عليك، فأنت جيد، ما لم، فأنت لست جيدًا. لذا فإن الصراع جلب معه مزيدًا من العنصرية إلى المجتمع، ليس فقط تجاه ذوي البشرة الداكنة، لكن تجاه الجميع.”[62]

ظهر التمييز بشكل أوضح خلال الحرب في ممارسات التوظيف. حيث أشار رجل من صنعاء (40 عامًا) إلى ذلك بقوله:

“أساسًا، ومنذ اليوم الذي ولدنا فيه ببشرة داكنة كنا نعاني من الاضطهاد كموَلَّدين وفي كل شيء وكنا نواجه حربًا ضدنا في لقمة العيش والطعام والمعيشة والعمل وفي كل شيء. ارتفعت أسعار كل شيء، فالشخص الذي كان يستأجر منزلًا مقابل 50 ألف ريال، أصبح في الوقت الراهن مُطالبًا بدفع 100 ألف، أو مغادرة المنزل. إلى أين سيذهب؟ إلى الشارع؟ لقد أثرت هذه الحرب على الجميع، سواء كانوا يمنيين أو موَلَّدين، إلا أن وضع اليمنيين (غير الموَلَّدين) أفضل بطريقة أو بأخرى، فهُم على الأقل يمتلكون أراضي أو منازل. أما الموَلَّدون فنادرًا ما تجد أحدًا منهم يعيش في وضع جيد، بعضهم يعمل بالأجر اليومي والآخر لا يعمل. في السابق، كانت كل الأمور ميسرة، لكن بعد الحرب، تغير الوضع وأصبح كل شيء صعبًا”[63].

وفي حين أن بعض من جرت مقابلتهم كانوا يرون أن الموَلَّدين يعانون أكثر من ويلات الحرب كونهم يقبعون في أسفل الهرم الاجتماعي في اليمن، ذكر آخرون أن الموَلَّدين يتعرضون للتمييز لأن الغير يتوقعون امتلاكهم للمال ربما بسبب الفرضية القائلة بأن لديهم أقارب في الخارج يدعمونهم ماليًا. قالت امرأة من صنعاء (23 عامًا):

“عُرقلت عملية إصدار بطاقات هوية لنا بغية الحصول على المال كرشوة. حصل هذا أثناء فترة الحرب، لأننا تقدمنا بطلب للحصول عليها، وساورنا شعور بأنهم لم يوافقوا على منحنا إياها لأننا موَلَّدون. أشعر بأن الناس لديهم هذه الفكرة عن الموَلَّدين -أنهم أغنياء، لذلك يأخذون منهم ضعف المبلغ المعتاد.”[64]

فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي، أظهرت نتائج البحث أن الرجال والنساء يتأثرون بالحرب بطرق مختلفة، سواءً كانوا من الموَلَّدين أم لا. فالرجال هم أرباب الأسر وفقًا للتقاليد السائدة في اليمن، غير أن الحرب أدت إلى فقدان بعضهم لوظائفهم. ومن الأمثلة الأخرى على التمييز الذي يعاني منه الموَلَّدون الصعوبات التي يواجهونها في الزواج وتفكك الأسر.[65] تطرق أحد الأشخاص الذين جرت مقابلتهم إلى الكفاح الذي يخوضه أبناء المجتمع، لكنه أشار إلى مصدر قلق إضافي:

“يواجه الموَلَّدون وغيرهم التحديات ذاتها، باستثناء بعض الأمور. مثلًا، حين يتقدم بعض الشباب من الموَلَّدين للزواج من الفتيات، يساور عائلات الفتيات القلق من هوية الشباب ذوي الأصول اليمنية -الإفريقية المختلطة. فهم يخشون أن يكونوا من بين الأفارقة الذين دخلوا البلاد بشكل غير رسمي خلال الحرب.”[66]

كما أجبرت الحرب بعض اليمنيين على الانتقال من منطقة إلى أخرى داخل البلاد، وارتفعت وتيرة الهجرة العابرة للحدود مما أدى إلى بروز تحديات وتوترات جديدة تتعلق بالنوع الاجتماعي. قالت إحدى النساء إن عائلتها أُجبرت على الفرار من صنعاء لأن منزلها كان قريبًا جدًا من المناطق التي تعرضت للقصف، وعادوا إلى حضرموت، مسقط رأس عائلتها، إلا أنهم واجهوا هناك العديد من التحديات في محاولتهم لإعادة الاندماج في مجتمع لا يملكون فيه شبكة علاقات اجتماعية. وأضافت:

“كنت في المدرسة الثانوية وواجهت عنصرية فظيعة لأنني كنت الفتاة الوحيدة التي لم تكن تغطي وجهها بالنقاب، وتعرضت للمضايقات في الشارع.”[67]

على العكس تمامًا من تجربتها، نفى ثلاثة موَلَّدين من حضرموت تعرضهم لأي شكل من أشكال التمييز والعنصرية. وقد يكون من أسباب هذا التناقض كونهم رجالًا يتمتعون بمكانة اجتماعية واقتصادية ولديهم شبكات اجتماعية راسخة نسبيًا، لكن ما أثار الاهتمام أثناء المقابلات هو أنهم جميعًا رووا تجاربهم عن المعاملة المختلفة التي يواجهونها في المجتمع. وقال أحدهم:

“لو لم أكن موَلَّدًا وأتقن ثلاث لغات، لم أكن لأحظى بكل تلك الفرص التي حظيت بها في حياتي. ورغم أنني لم أتلقَ تعليمًا عاليًا، إلا أن شهادة الثانوية العامة التي حصلت عليها من كينيا كان لها شأنٌ كبير في اليمن، وخبرتي في العمل في الوزارات والسفارات جعلت الناس يطلقون عليّ لقب “دكتور”. لا أحب ذلك، لكنه يظهر لي تقديرًا واحترامًا كبيرين. لم يقتصر الأمر على التعليم فقط، فقد لعبت الخبرات والخلفيات المتنوعة التي تندمج معًا في الشتات دورًا حاسمًا في تشكيل شخصيتي التي بإمكانها أن تحقق النجاح في أي مكان.”[68]

وأضاف:

“أقدم نفسي على أنني حضرمي وُلد في الشتات، وإذا كان هذا هو التعريف المناسب لمصطلح “الموَلَّد”، فلا مشكلة لدي في ذلك، لكن ما يزعجني هو أنه يستخدم كإهانة لشخص ما. أنا شخصيًا لا أعتبرها إهانة لأنه لا يوجد شيء خاطئ أو حرام في كون الشخص موَلَّدًا؛ فأنا وعائلتي لا نخفي هذه الحقيقة، ونحن فخورون بها، رغم وجود عنصرية قوية في حضرموت تجاهنا. أنا شخصيًا لم أتأثر بها، ربما بسبب وضعي، لكن هناك أشخاص في المجتمع ممن يتعرضون لتلك العنصرية بشكل قاس، من الرجال والنساء على حد سواء.”[69]

خلاصة القول، في حين اتفق الأشخاص الذين جرت مقابلتهم على أن الحرب قد أثرت على كافة اليمنيين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية، أظهر بحثنا أن الموَلَّدين يعانون أكثر في بعض النواحي، لا سيما تلك المتعلقة بالمسائل القانونية. كما يظهر أن العنصرية التي يمارسها المجتمع قد ازدادت أيضًا، وخصوصًا في الجزء الشمالي من اليمن.

التطلع إلى الهجرة

رغم محاولة العديد من الموَلَّدين الاندماج في المجتمع اليمني قبل الحرب، بات معظمهم يختار مغادرة البلاد في الوقت الراهن. فرّ اليمنيون المنحدرون من أصل إفريقي إلى جيبوتي والأردن ووجهات أخرى.[70] ذكرت ناتالي بوتز، في تقرير لها عن اللاجئين اليمنيين في جيبوتي، أن عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين قابلتهم في مخيم ماركازي كانوا ينحدرون من أصول مختلطة، ولديهم روابط صلة تاريخية مع القرن الإفريقي، ونوّه بعض من قابلتهم إلى عدم شعورهم بالانتماء إلى اليمن كونهم يُعتبرون “غرباء” وليسوا يمنيين خالصين.[71]

“بعد هجرة عابرة للحدود استمرت لأجيال، تتطلع هذه الفئة من السكان إلى الاستقرار، حيث إن الكثير منهم متعلمون ومتحضرون، لكن العديد منهم يسمون بالأحفاد ذوي الأصول المختلطة (موَلَّدين) لوالدين من “العرب” و”الأفارقة”. يرى أولئك الذين ولدوا لآباء يمنيين وأمهات إريتريات أو إثيوبيات أو صوماليات أن اليمن وبلدان القرن الإفريقي لم تُدمجهم بشكل كامل في مجتمعاتها. إن هذه التجربة للتهميش الاجتماعي والاقتصادي -وليس الحرب نفسها -هي السبب في هجرة الكثيرين إلى جيبوتي ليصبحوا لاجئين معترف بهم من قِبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: من خلال التشبث بوعد إعادة توطينهم في بلد ثالث والحصول على جنسية مفيدة، يعيش هؤلاء اللاجئون على أمل الهرب من ماضي هجرتهم (غير الطوعية في كثير من الأحيان). “[72]

قادنا التقرير المذكور آنفًا لناتالي بوتز إلى طرح أسئلة تتناول الهجرة على الأشخاص الذي جرت مقابلتهم، من قبيل ما إذا كانوا يعرفون أشخاصًا هاجروا من قبل وما إذا كانوا يتطلعون إلى الهجرة، وما إذا كان وضعهم كموَلَّدين سببًا يجعلهم يفكرون في الهجرة؟ كان العديد ممن جرت مقابلتهم على معرفة بموَلَّدين هاجروا من قبل، حيث أخبرنا رجل من عدن (59 عامًا):

“غادر العديد من الموَلَّدين البلاد بسبب الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، وانتقلوا إلى أماكن مختلفة ينتمون إليها. بعضهم نجح، والبعض الآخر واجه المتاعب والتمييز، خاصة أولئك الذين هاجروا إلى الصومال، حيث يعاملون بعنصرية وينظر إليهم على أنهم عرب ويمنيون”.[73]

بشكل عام، صرّح معظم المُقابَلين أن اليمن لم يعد مكانًا مناسبًا للعيش وبناء مستقبل جيد لهم أو لعائلاتهم بسبب الحرب أو التهميش أو كلا السببين. رغم ذلك، فهم لا يرغبون في مغادرة اليمن، إما لأنهم استقروا بالفعل مع أطفالهم وأسرهم، أو بسبب ارتباطهم العاطفي بالبلاد، أو لأنهم ببساطة غير مهتمين بالاندماج في مجتمعات جديدة. أشارت امرأة من عدن (67 عامًا) إلى ذلك بقولها:

” بالنسبة لي، لا أتطلع ولا أفكر في الهجرة، وهذا ما أنصح به أبنائي وأحفادي أيضًا. في نهاية المطاف، الموَلَّدون هم جزء من نسيج المجتمع، وحين تتحسن ظروف المجتمع ككل، ستتحسن ظروفهم”.[74]

أكد العديد من الذين كانوا يتطلعون إلى الهجرة إلى الخارج -أي من الأشخاص المُقابَلين -أن وضعهم كموَلَّدين كان أحد الأسباب التي دفعتهم للتفكير في الهجرة، بخلاف عدد قليل منهم لم يذكروا ذلك كسبب في تطلعاتهم للهجرة. أخبرتنا امرأة من صنعاء (40 عامًا):

“نعم، بالتأكيد (أي الهجرة إلى الخارج)، بسبب الظروف المعيشية الصعبة. وضعي كموَلَّدة ليس سببًا، لكن السبب هو الأوضاع التي تمر بها البلاد”.[75]

ذكر شخص آخر جرت مقابلته من حضرموت أنه يعرف العديد من الموَلَّدين الذين غادروا اليمن والذين استخدموا صلاتهم التاريخية مع دول في إفريقيا كخطوة أولى للوصول إلى أوروبا. وقال:

“أعرف العديد ممن هاجروا بسبب الحرب، وغادر بعضهم لطلب اللجوء في كينيا وجيبوتي من أجل إعادة توطينهم في أوروبا. في رأيي، كانت خطوة جيدة، لأن حياتهم الآن أفضل بكثير مما كانت عليه في اليمن”.[76]

خلال حلقة النقاش البؤرية التي نُظمت في العاصمة الأردنية عمّان مع ستة من الموَلَّدين تتراوح أعمارهم بين 30 و60 عامًا، كانت إحدى القضايا التي نوقشت هي ما إذا كانت وضعهم كموَلَّدين سببًا لمغادرتهم اليمن. أكد معظمهم أن الأمر كذلك بالفعل، وقالوا إن أسرهم اعتادت على الهجرة وبالتالي هم يخطون خطوات أجدادهم. رغم ذلك، ذكر معظم المشاركين أيضًا أنهم يظلون غرباء أينما انتقلوا، فبعد اندلاع الحرب سافر البعض من اليمن إلى الصومال بأعداد كبيرة عام 2015، على متن سفن أرسلتها الحكومة الصومالية من أجل مساعدة الموَلَّدين على مغادرة البلاد. وأشاروا إلى أن الهجرة لا تعالج بالضرورة مشاعر “عدم الانتماء” حيث كانوا يسمون يمنيين في الصومال وصوماليين في اليمن. يتوافق هذا مع النتائج التي توصلت إليها ناتالي بوتز أن أولئك الذين غادروا اليمن إلى جيبوتي على أمل العثور على حياة أفضل في الخارج واجهوا أشكالًا أخرى من الإقصاء، الأمر الذي اضطرهم إلى العودة إلى اليمن أحيانًا، خاصة وأن الحياة في مخيم للاجئين كانت تتسم بالقيود.[77] أشارت الباحثة سولين المجالي، التي أجرت دراسة عن اللاجئين من أصل يمني وصومالي في الأردن، إلى أن كلتا المجموعتين تتعرضان للتمييز في المجتمع الأردني، غير أن الموَلَّدين بإمكانهم اللعب بهوياتهم كأفارقة وكعرب. فعند التعاطي مع الأردنيين، يمكنهم تقديم أنفسهم على أنهم يمنيون مما يسهل عليهم التواصل مع المجتمع المضيف، في حين أن هذا الأمر يُعد أكثر صعوبة بالنسبة للاجئين الصوماليين. وأوضحت المجالي أن معظم الموَلَّدين في عمّان ينحدرون من أصول يمنية صومالية مختلطة، وقدموا من عدن بعد اندلاع الحرب خاصة حين كان تنظيم القاعدة في أوج قوته في جنوب اليمن حيث جرى استهدافهم كأجانب وعانوا من التمييز حينها. هاجر بعضهم في بادئ الأمر إلى الصومال، حيث كان لديهم أقارب هناك، ثم اتجهوا لاحقًا إلى الأردن -في كثير من الحالات بعد عودتهم إلى اليمن أولًا -بينما هاجر آخرون من اليمن إلى الأردن مباشرة.[78]

خلاصة القول، تشير الدراسة التي أجريناها إلى أن الكثير من الموَلَّدين يتطلعون إلى الهجرة، لكن وضعهم كموَلَّدين ليس بالضرورة السبب الرئيسي الذي دفعهم لذلك. فتمامًا مثل العديد من اليمنيين غير الموَلَّدين، يعاني المشاركون في البحث من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في اليمن، وبالتالي يفضلون مغادرة البلاد وبناء حياة جديدة خارج اليمن، خاصة في أوروبا أو الولايات المتحدة، لكن في كثير من الأحيان، شعور الغربة لا يفارق حتى من هاجروا إلى بلدان أحد “أجدادهم”[79].

الخاتمة

تُعد هذه الدراسة أول بحث نوعي يتناول وضع الأشخاص الذين يُعرّفون أنفسهم بـ”الموَلَّدين” في اليمن، خلال الحرب، مع التركيز على أولئك الذين تربطهم صلات تاريخية مع إفريقيا. لم تهدف الدراسة إلى إعطاء منظور شامل وممثل لتجارب الموَلَّدين في اليمن، كون ذلك مستحيل في ظل التنوع الكبير لشريحة الموَلَّدين ونظرًا للقيود المفروضة على العمل الميداني في اليمن. لذا من الصعب أيضًا استخلاص استنتاجات عامة بناءً على المقابلات النوعية التي أُجريت مع رجال ونساء من مختلف الأعمار ممن يعتبرون أنفسهم موَلَّدين في كل من صنعاء وعدن وحضرموت. أظهرت المقابلات مجموعة واسعة من التجارب تنوعت بين التقييمات الإيجابية والمعاناة الواضحة من التمييز والوصم والعنصرية ضد الموَلَّدين. يرجع هذا التنوع في تجارب المشاركين من ذوي الأصول المختلطة إلى مواقف والديهم، والمعاملة التي حصلوا عليها في المدارس وفي سوق العمل، ونوعهم الاجتماعي، وانتماءاتهم الطبقية والمناطقية، وأخيرًا وليس آخرًا، لون بشرتهم.

الموَلَّدون الذين ترعرعوا في ظل أسر تحتفي بروابطها مع إفريقيا ولا تخفيها، أظهروا موقفًا إيجابيًا إزاء هوياتهم الذاتية مقارنة بأولئك الذين اكتشفوا انتمائهم إلى فئة الموَلَّدين من خلال التعاطي مع الآخرين. كثيرًا ما يواجه هؤلاء الأشخاص الوصم والتمييز في المدارس حين يشكك أطفال أو معلمون آخرون في جذورهم الأسرية، لا سيما الأشخاص من ذوي البشرة الداكنة الذين وقعوا ضحايا العنصرية، ووُصِفوا بأنهم غير يمنيين ونُعتوا بألقاب مهينة. وعلى الرغم من التصور السائد بأن العنصرية منتشرة بشكل كبير في شمالي اليمن، إلا أن موَلَّدين من عدن وحضرموت رووا كذلك تجارب معاناتهم من التمييز والوصم، خاصة خلال سنوات طفولتهم ومراهقتهم.

وبغض النظر عن كونهم قد نشأوا في أسر تتبنى مواقف إيجابية أو سلبية تجاه خلفيتهم كموَلَّدين، أشار العديد ممن جرت مقابلتهم إلى أنهم تعرضوا للتمييز والعنصرية في المدارس وسوق العمل، وذكروا الصعوبات التي واجهوها في العثور على وظائف بسبب جذورهم الأسرية. كان معظم من أجريت معهم المقابلات ينحدرون من طبقات اجتماعية واقتصادية دُنيا، لكن بعضهم، وخاصة أولئك الذين يعيشون في حضرموت، كانوا أفضل حالًا حيث أكد هؤلاء بأن خلفيتهم الاجتماعية كموَلَّدين كانت عاملًا إيجابيًا في حياتهم كونهم تمكنوا من الحصول على التعليم العالي، وتعلموا عدة لغات، وحصلوا على فرص عمل في شركات أو في مهن أخرى، لكن في المجمل، أكدوا أن مصطلح ’موَلَّد‘ ينطوي بشكل عام على دلالات سلبية وغالبًا ما يستخدم بغرض الإهانة.

من أهم الجوانب ما تفيد به تقارير بأن موَلَّدين تعرضوا للتمييز بسبب مسائل قانونية. ففي كثير من الأحيان، لم يتمكن الموَلَّدون من الحصول على الجنسية بسبب اضطرارهم إلى إبراز شهادات ميلاد آبائهم أو أنفسهم (في حالة الأشخاص المولودين في الخارج). ونتيجة لذلك، كان الحصول على بطاقة هوية أو جواز سفر أمرًا صعبًا، وهو ما ألقى بظلاله على مناحٍ أخرى من حياتهم، مثل تطلعهم للهجرة إلى الخارج. من الجوانب المهمة الأخرى التي يعد التمييز شائعًا فيها هو الزواج/ حيث لا يستطيع الموَلَّدون في كثير من الحالات الزواج بالنساء غير الموَلَّدات، وهذا ينطبق بشكل خاص على الموَلَّدين من الرجال.

فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي، كان الرأي السائد هو أن الرجال الموَلَّدين يواجهون عنصرية أكبر من النساء الموَلَّدات نظرًا لكونهم أكثر نشاطًا في الحياة العامة، لكن ذلك لا يعني عدم معاناة النساء الموَلَّدات من التمييز، لا سيما اللائي يعملن خارج المنزل.

رأى معظم المشاركين في البحث أن الحرب خلفت آثارًا سلبية على السكان اليمنيين بشكل عام، وليس على الموَلَّدين فقط. العديد من اليمنيين يكافحون لكسب لقمة العيش ويتعرضون لمشاكل أمنية في الوقت الذي أصبح فيه المجتمع اليمني أكثر استقطابًا وانقسامًا وازداد التوجه فيه بشكل متزايد إلى تصنيف الآخرين بناءً على جذورهم الأسرية.

ينظر العديد من الموَلَّدين إلى الهجرة بأنها طوق النجاة، لكن تظل فرص الهجرة إلى الخارج محدودة وتعتمد على الحصول على جوازات السفر وامتلاك شبكات اجتماعية خارج البلاد. من ناحية، بإمكان الموَلَّدين الاستفادة من روابطهم الأسرية في الخارج، إلا أن هوياتهم كموَلَّدين من ناحية أخرى تحول دون حصولهم على وثائق السفر. يعاني الموَلَّدون الذين تمكنوا من الهجرة من شعور الغربة في بلدان المهجر، الأمر الذي أجبر بعضهم على العودة إلى اليمن أحيانًا.

التوصيات

تهدف التوصيات التالية إلى القضاء على العنصرية والوصم والممارسات التمييزية تجاه الأشخاص ذوي الأصول المختلطة في اليمن وتحسين وضع الموَلَّدين في البلاد.

للمجتمع الدولي والمنظمات المانحة:
  • ضمان إشراك ممثلي الأقليات في مفاوضات السلام مستقبلًا، بحيث يتضمن أي اتفاق محتمل للسلام أو المصالحة أحكامًا تضمن حقوق تلك الأقليات.
  • ممارسة الضغط على الحكومة المعترف بها دوليًا وسلطات الأمر الواقع لحماية حقوق الأقليات -بمن فيهم الأشخاص المنحدرون من أصول مختلطة -مثل الحق في التنقل والحق في الحصول على وثائق ثبوتية رسمية ووضع حد للتمييز ضدهم.
  • تخصيص جزء من المنح المالية لدعم المنظمات اليمنية المحلية التي تسعى لتحقيق المساواة الاجتماعية ومكافحة العنصرية، وكذلك لإجراء مزيد من الدراسات عن وضع الأقليات في اليمن، لا سيما في ضوء الواقع المعاصر المتمثل في عدم إدماج فئات مثل الموَلَّدين بشكل عام على المستوى المجتمعي.
لمنظمات المجتمع المدني:
  • وضع برامج تستهدف الموَلَّدين والمجتمع المحلي بغية إزالة الحواجز الثقافية والنفسية التي تحول دون اندماجهم الكامل في المجتمع، مثل حملات التوعية العامة التي تعالج أوجه التحيز والتحامل ضد الموَلَّدين لدى الرأي العام.
  • وضع برامج تتوخى تقديم الدعم النفسي لليمنيات واليمنيين المنحدرين من أصول مختلطة للتخفيف من تأثير الوصم والتمييز الممارس ضدهم، وحث اليمنيين واليمنيات من ذوي الأصول المختلطة على تشكيل روابط تتمتع بالقدرة على تقديم الدعم النفسي والقانوني بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية الأخرى.
  • تصميم حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تحتفي باليمنيات واليمنيين المنحدرين من أصول مختلطة باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من المجتمع اليمني، مع تركيز الضوء على المفاهيم الخاطئة لمبدأ “نقاء العرق”.
للحكومة المعترف بها دوليًا وسلطات الأمر الواقع:
  • سن قوانين تُجرم العنصرية بكافة أشكالها، إلى جانب وضع لوائح تضمن الامتثال لتلك القوانين ورصد أي مخالفات على كافة الأصعدة، لا سيما في المسائل المتعلقة بالتوظيف وإصدار بطاقات الهوية وعقود الزواج.
  • تقديم العون للأقليات فيما يتعلق بالمعاملات القانونية وإصدار الوثائق الثبوتية، لا سيما في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد.
  • تضمين مواد تعليمية تتناول التنوع العرقي وأوجه العنصرية في جميع المراحل الدراسية (الابتدائي والثانوي والجامعي)؛ على أن يشمل ذلك التطرق إلى التاريخ العريق للهجرة من وإلى اليمن وتأثير ذلك على تركيبة المجتمع اليمني والسكان اليمنيين.

المرفقات

المُرفق 1: الخبراء الرئيسيون الذين جرت مقابلات معهم

  • سولين المجالي
    باحثة ومرشحة لنيل الدكتوراه في الأنثروبولوجيا
    الوحدة البحثية Telemme، جامعة إيكس مرسيليا
    إيفبو عمان، الأردن
  • صبرية الثور
    محاضرة وباحثة
    مركز أبحاث ودراسات النوع الاجتماعي والتنمية
    جامعة صنعاء -اليمن
  • د. كوني كريستيانسن
    مديرة البرامج
    المركز الدنماركي للأبحاث حول النوع الاجتماعي والمساواة والتنوع (KVINFO)
    كوبنهاغن، الدنمارك
  • د. ناتالي بوتز
    أستاذة مساعدة في دراسات مفترق الطرق العربية والأنثروبولوجيا
    جامعة نيويورك، أبو ظبي
    الإمارات العربية المتحدة

هذا التقرير هو جزء من سلسلة إصدارات لمركز صنعاء بتمويل من حكومة مملكة السويد، والتي تتناول مجتمعات الأقليات في اليمن.

الهوامش
  1. انظر: إنجسينج هو، “الحضارم في الخارج: الموَلَّدون”، في كتاب الشتات الحضرمي: تجار وعلماء ورجال دولة حضارم في المحيط الهندي، من خمسينيات القرن الثامن عشر إلى ستينيات القرن العشرين (1750- 1960)، تحرير يو فريتاج ودبليو جي كلارنس سميث، (1997)، ص 131-46؛ إيان ووكر، “حضارم وشماليون وموَلَّدون: الهويات الكوزموبوليتانية بين السواحل الناطقة بالسواحلية وجنوب اليمن”، مجلة دراسات شرق إفريقيا المجلد 2 ، رقم 2 (2008)، ص 44-59. مارينا دي ريخت، “الهجرة الإثيوبية إلى اليمن: بين الماضي والحاضر”، مجلة أخبار اليمن، مجلد 17 (2012): 1-13؛ مارينا دي ريخت، “من اليمن إلى إريتريا والعودة: تاريخ عائلة في القرن العشرين”، مجلة دراسات شمال شرق إفريقيا، المجلد 17، رقم 1 (2017)، ص 25-50؛ كوني كارو كريستيانسن، “النوع الاجتماعي والتحويلات الاجتماعية: عودة المهاجرين إلى اليمن من شرق إفريقيا”، مجلة أخبار اليمن، المجلد 17، (2012)؛ صوفيا بانديا “اليمنيون والموَلَّدون في أديس أبابا: نقاء الدم وفرص الهجنة”، مجلة الدراسات العربية المجلد 4، رقم 1 (2014)، ص 96–114؛ ناتالي بوتز، “خطأ أجدادنا: الجيل الثالث من المهاجرين اليمنيين الباحثين عن اللجوء من التشرد”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، المجلد (51)، ص 35-376.
  2. لمعرفة المزيد عن أوضاع المهمشين في اليمن، انظر: مارتا كولبورن، فاطمة صالح، محمد الحربي، سمية سليم، “إيصال أصوات المهمشين”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 13 يوليو/ تموز 2021، https://sanaacenter.org/publications/main-publications/14588
  3. كان فيلم ليس للكرامة جدران أول فيلم يمني يرشح لجائزة الأوسكار في عام 2014 لفئة الأفلام الوثائقية القصيرة.
  4. “انتصار الحمادي: محكمة تابعة للحوثيين تقضي بسجن الممثلة عارضة الأزياء اليمنية 5 سنوات” بي بي سي، 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، https://www.bbc.com/news/world-middle-east-59205765
  5. انظر: ليندا بوكسبيرغر، على حافة الإمبراطورية: حضرموت، الهجرة، والمحيط الهندي من ثمانينيات القرن التاسع عشر- ثلاثينيات القرن العشرين (1880- 1930)، (نيويورك: مطبعة جامعة ولاية نيويورك ، 2002)؛ إنجسينغ هو، مقابر تريم: الأنساب والتنقل عبر المحيط الهندي، (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا ، 2006)؛ ليف مانجر، الشتات الحضرمي: بناء المجتمع على حافة المحيط الهندي، (نيويورك: كتب بيرغهان ، 2010).
  6. انظر: على سبيل المثال، جوناثان فريدلاندر، مقيمون مؤقتًا ومستقرون: تجربة المهاجرين اليمنيين، (سولت ليك سيتي: مطبعة جامعة يوتا، 1988) ؛ فريد هاليداي، العرب في المنفى: المهاجرون اليمنيون في بريطانيا الحضرية، (نيويورك ولندن: آي بي توريس، 1992).
  7. انظر ، شمشون بيزابه، رعايا الإمبراطورية، أبناء دول أخرى : اليمنيون في جيبوتي وإثيوبيا، (القاهرة: الجامعة الأمريكية في مطبعة القاهرة ، 2016)؛ مارينا دي ريخت، “من اليمن إلى إريتريا والعودة: تاريخ عائلة في القرن العشرين”، دراسات شمال شرق إفريقيا المجلد 17 ، رقم 1 (2017)، ص 25-50؛ ناتالي بوتز، “خطأ أجدادنا”: الجيل الثالث من اليمن.. المهاجرون الباحثون عن ملجأ من التشرد “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط المجلد 51 (2019)، ص 357-376.
  8. انظر: إنجسينج هو، “الحضارم في الخارج: الموَلَّدون”، في كتاب الشتات الحضرمي: تجار وعلماء ورجال دولة حضارم في المحيط الهندي، من خمسينيات القرن الثامن عشر إلى ستينيات القرن العشرين (1750- 1960)، تحرير يو فريتاج ودبليو جي كلارنس سميث، ص 131-46 (1997) ليدن: بريل؛ إيان ووكر، “حضارم وشماليون وموَلَّدون: الهويات الكوزموبوليتانية بين السواحل الناطقة بالسواحلية وجنوب اليمن”، مجلة دراسات شرق إفريقيا المجلد 2 ، رقم 2 (2008)، ص 44-59؛ مارينا دي ريخت، “الهجرة الإثيوبية إلى اليمن: بين الماضي والحاضر”، مجلة أخبار اليمن، مجلد 17 (2012): 1-13؛ مارينا دي ريخت، “من اليمن إلى إريتريا والعودة: تاريخ عائلة في القرن العشرين”، مجلة دراسات شمال شرق إفريقيا، المجلد 17، رقم 1 (2017)، ص 25-50؛ كوني كارو كريستيانسن، “النوع الاجتماعي والتحويلات الاجتماعية: عودة المهاجرين إلى اليمن من شرق إفريقيا”، مجلة أخبار اليمن، المجلد 17، (2012)؛ صوفيا بانديا “اليمنيون والموَلَّدون في أديس أبابا: نقاء الدم وفرص الهجنة”، مجلة الدراسات العربية المجلد 4، رقم 1 (2014)، ص 96–114؛ ناتالي بوتز، “خطأ أجدادنا: الجيل الثالث من المهاجرين اليمنيين الباحثين عن اللجوء من التشرد”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، المجلد 51 (2019)، ص 35-376.
  9. يعرف اليمن نظام التقسيم الطبقي الاجتماعي القائم على النسب والمهن التي يمتهنها الناس. وتبعًاً لذلك، فإن أهم خمس طبقات اجتماعية هي الهاشميون، القضاة، القبائل، “المزينون” و”الأخدام”. انظر ص 16، ‘العنصرية والوصم’ للمزيد عن نظام التقسيم الطبقات الاجتماعية في اليمن. انظر أيضًا: صبرية الثور، “الهوية والحرب: قوة التصنيف”POMEPS ، 2021، https://pomeps.org/identity-and-war-the-power-of-labeling.
  10. ناتالي بوتز، “خطأ أجدادنا: الجيل الثالث من المهاجرين اليمنيين الباحثين عن اللجوء من التشرد”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، المجلد 51 (2019)، ص 35-376؛ ألكسندر لوريه، “اليمنيون من لاجئين إلى رواد أعمال: عندما يتحول الهروب من الحرب إلى فرصة اقتصادية في جيبوتي”، مجلة Politique Africanaine، المجلد 159 (2020)، ص 145-168.
  11. سايمون فيردوين وسولين المجالي، “الصوماليون واليمنيون ذوي الأصول المختلطة تقطعت بهم السبل ويكافحون في العاصمة الأردنية”، مركز الهجرة المختلطة، 23 يوليو/ تموز 2020، https://mixedmigration.org/articles/somalis-and-yemenis-of-mixed-origin-stranded-and-struggling-in-jordans-capital/
  12. عائشة الجعيدي، “حياتي كواحدة من الموَلَّدين الحضارم”، منتدى سلام اليمن، 26 يناير/كانون الثاني 2021، https://sanaacenter.org/ypf/life-as-a-Muwalladin-of-hadramawt/؛ أفراح ناصر، “مأزق الموَلَّد في زمن الحرب، ” رصيف 22 ، 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2016 ، www.raseef22.net/article/77187-مأزق-المُولّد-في-زمن-الحر
  13. ليس هناك إحصاءات موثوقة عن أعداد العائدين.
  14. من العسير تحديد عدد الموَلَّدين في اليمن لأنه ليس هناك تعريف واضح للموَلَّدين. بالإضافة إلى عدم وجود إحصاءات متاحة عن عددهم لأنه لا يجري تسجيلهم على هذا النحو.
  15. ستجري مناقشة علاقة لون البشرة بالنسب في القسم الذي يناقش العنصرية والوصم.
  16. جان فرانسوا بريتون، “العربية السعيدة من زمن ملكة سبأ في القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي” (إنديانا: مطبعة جامعة نوتردام، 2000).
  17. ليدوين كابتيجنز، “إثيوبيا والقرن الإفريقي”، في تاريخ الإسلام في إفريقيا، تحرير نحميا ليفتزيون وراندال إل بويلز (2000)، ص 227-250؛ حسين أحمد، “تاريخ الإسلام في إثيوبيا”، مجلة الدراسات الإسلامية المجلد 3، رقم 1 (2000)، ص 15-146.
  18. انظر: ليندا بوكسبيرغر، على حافة الإمبراطورية: حضرموت، الهجرة، والمحيط الهندي من ثمانينيات القرن التاسع عشر- ثلاثينيات القرن العشرين (1880- 1930)، (نيويورك: مطبعة جامعة ولاية نيويورك، 2002)؛ إنجسينغ هو، مقابر تريم: الأنساب والتنقل عبر المحيط الهندي، (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا ، 2006)؛ ليف مانجر، الشتات الحضرمي: بناء مجتمع على حافة المحيط الهندي، (نيويورك: كتب بيرغهان، 2010).
  19. مارينا دي ريخت، “رائدات أم بيادق؟ العاملات الصحيات وسياسة التنمية في اليمن، “( سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز، 2007)، ص 197-199.
  20. سوزان بيكرليج، “من المحيط إلى البحيرات: التحولات الثقافية لليمنيين في كينيا وأوغندا” الدراسات الإفريقية والآسيوية، المجلد 8، ص 288-308 (2009)؛ ليف مانجر، الشتات الحضرمي: بناء مجتمع على حافة المحيط الهندي، (نيويورك: كتب بيرغهان، 2010).
  21. ليف مانجر، الشتات الحضرمي: بناء مجتمع على حافة المحيط الهندي، (نيويورك: كتب بيرغهان، 2010).
  22. علوي بن سميط، “حضرموت، آلاف الوفيات الناجمة عن المجاعة”، الأيام، 23 مارس/آذار 2019. https://www.alayyam.info/news/7QNZ6FDX-DSIZYG
  23. بول دريش، “تاريخ اليمن الحديث”، (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 2000)، ص 130.
  24. مارينا دي ريخت، “رائدات أم بيادق؟ العاملات الصحيات وسياسة التنمية في اليمن، “( سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز، 2007)، ص 199. الهامش 25.
  25. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 27 عامًا، 19 سبتمبر/ أيلول 2021.
  26. مقابلة شخصية في عدن مع امرأة تبلغ من العمر 21 عامًا، 29 سبتمبر/ أيلول 2021.
  27. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 26 عامًا، 9 سبتمبر/ أيلول 2021.
  28. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 46 عامًا، 29 سبتمبر / أيلول 2021.
  29. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 26 عامًا، 10 سبتمبر / أيلول 2021.
  30. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 34 عامًا، 4 أكتوبر / تشرين الأول 2021.
  31. المزاينة، وتعني حرفيًا “الحلاقين”، هو مصطلح شائع يشمل كل المهن المندرجة تحت هذه الشريحة في المجتمع، والتي تعرف بتسميات مختلفة.
  32. انظر: عبد الله بوجرا، “سياسة التقسيم الطبقي الاجتماعي: دراسة التغيير السياسي في مدينة من الجنوب العربي” (أكسفورد: مطبعة كلارندون ، 1971)؛ ديلوريس والترز، “تصورات عدم المساواة الاجتماعية في الجمهورية العربية اليمنية، ” أطروحة دكتوراه، جامعة نيويورك (1987)، لوكا نيفولا، “السود، القلوب البيضاء: الأصل والعرق واللون في اليمن المعاصر”، أنتروبولوجيكا، المجلد.7، رقم 1 (2020)، ص 93-115.
  33. انظر: جوخه أمين الشايف، “اليمنيون السود: الأساطير والأنساب والعرق”POMEPS، 2021، https://pomeps.org/black-and-yemeni-myths-genealogies-and-race; صبرية الثور، “الهوية والحرب: قوة التصنيف”، POMEPS، 2021، https://pomeps.org/identity-and-war-the-power-of-labeling; لوكا نيفولا، “السود، القلوب البيضاء: الأصل والعرق واللون في اليمن المعاصر”، أنتروبولوجيكا، المجلد.7، رقم 1 (2020)، ص 93-115؛ كوني كارو كريستيانسن وصبرية الثور، “نشاط المهمشين: سن المواطنة خلال الفترة الانتقالية في اليمن”، دراسات المواطنة، المجلد 23، رقم 2 (2019)، ص 115-138؛ هدى سيف، “الأقلية الملعونة: الاضطهاد العرقي والثقافي للأخدام في الجمهورية اليمنية: مشروع وثائقي ومناصرة”، مجلة العالم الإسلامي لحقوق الإنسان، المجلد 2، رقم 1 (2005)، ص 1554-4419.
  34. جوخه أمين الشايف، “اليمنيون السود: الأساطير والأنساب والعرق”POMEPS، 2021، https://pomeps.org/black-and-yemeni-myths-genealogies-and-race
  35. مقابلة شخصية في صنعاء مع رجل يبلغ من العمر 34 عامًا، 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  36. انظر غابرييلا فوم بروك، “أن تكون جديرًا بالحماية: جدلية السمات الجنسانية في اليمن”، الأنثروبولوجيا الاجتماعية، المجلد 4، العدد 2 (1996)، الصفحات 145-162.
  37. لوكا نيفولا، “السود والقلوب البيضاء: الأصل والعرق واللون في اليمن المعاصر”. أنثروبولوجيكا، المجلد.7 ، رقم 1 (2020) ، ص 93-115.
  38. جوخه أمين الشايف، “اليمنيون السود: الأساطير والأنساب والعرق”، POMEPS، 2021، https://pomeps.org/black-and-yemeni-myths-genealogies-and-race
  39. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 53 عامًا، 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  40. مقابلة شخصية في صنعاء مع رجل يبلغ من العمر 40 عامًا، 14 سبتمبر/ أيلول 2021.
  41. مقابلة عبر الزووم مع رجل في صنعاء يبلغ من العمر 25 عامًا، 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  42. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 26 عامًا، 9 سبتمبر/ أيلول 2021.
  43. عائشة الجعيدي، “حياتي كواحدة من الموَلَّدين الحضارم”، منتدى سلام اليمن، 26 يناير/كانون الثاني 2021، https://sanaacenter.org/ypf/life-as-a-Muwalladin-of-hadramawt/
  44. مقابلة شخصية في عدن مع امرأة تبلغ من العمر 32 عامًا، 20 سبتمبر/ أيلول 2021.
  45. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 27 عامًا، 19 سبتمبر/ أيلول 2021.
  46. مقابلة شخصية في القاهرة مع رجل من حضرموت يبلغ من العمر 21 عامًا، 2 سبتمبر/ أيلول 2021.
  47. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 60 عامًا، 26 سبتمبر/ أيلول 2021.
  48. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 26 عامًا، 9 سبتمبر/ أيلول 2021.
  49. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 46 عامًا، 18 سبتمبر/ أيلول 2021.
  50. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 46 عامًا، 18 سبتمبر/ أيلول 2021.
  51. مارينا دي ريخت، “رائدات أم بيادق؟ العاملات الصحيات وسياسة التنمية في اليمن، “( سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز، 2007); كوني كارو كريستيانسن، “النوع الاجتماعي والتحويلات الاجتماعية: عودة المهاجرين إلى اليمن من شرق إفريقيا”، مجلة أخبار اليمن، المجلد 17، (2012)
  52. كوني كارو كريستيانسن، “النوع الاجتماعي والتحويلات الاجتماعية: عودة المهاجرين إلى اليمن من شرق إفريقيا”، مجلة أخبار اليمن، المجلد 17، (2012).
  53. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 52 عامًا، 7 سبتمبر/ أيلول 2021.
  54. مقابلة شخصية في القاهرة مع رجل من حضرموت يبلغ من العمر 21 عامًا، 2 سبتمبر/ أيلول 2021.
  55. انظر: صبرية الثور، “الهوية والحرب: قوة التصنيف”POMEPS ، 2021، https://pomeps.org/identity-and-war-the-power-of-labeling
  56. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 26 عامًا، 9 سبتمبر / أيلول 2021.
  57. تستخدم كلمة ’وريا‘ في اللغة الصومالية لجذب انتباه شخص تربطك به علاقة ألفة، إلا أن الكلمة تصبح مهينة عند استخدامها لمناداة شخص غريب. في اللغة الصومالية، لا تستخدم كلمة ’وريا‘ للنساء بل ’نايا‘. حقيقة أن كلمة ’وريا‘ تستخدم في اليمن للإشارة إلى النساء ذوات الأصول المختلطة تجعل الكلمة مهينة.
  58. مقابلة شخصية في صنعاء مع رجل يبلغ من العمر 33 عامًا، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  59. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 59 عامًا، 18 سبتمبر / أيلول 2021.
  60. مقابلة عبر السكايب مع امرأة من حضرموت تبلغ من العمر 20 عامًا، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  61. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 32 عامًا، 28 سبتمبر/ أيلول 2021.
  62. مقابلة شخصية في صنعاء مع رجل يبلغ من العمر 25 عامًا، 27 سبتمبر / أيلول 2021.
  63. مقابلة شخصية في صنعاء مع رجل يبلغ من العمر 40 عامًا، 14 سبتمبر/ أيلول 2021.
  64. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  65. انظر: “فوزية العمار، هانا باتشيت وشمس شمسان، أزمة جنسانية: نحو فهم تجارب الحرب في اليمن”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية https://sanaacenter.org/publications/main-publications/8480 انظر: “فوزية العمار، هانا باتشيت وشمس شمسان، أزمة جنسانية: نحو فهم تجارب الحرب في اليمن”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية https://sanaacenter.org/publications/main-publications/8480
  66. مقابلة شخصية في عدن مع امرأة تبلغ من العمر 31 عامًا، 20 سبتمبر / أيلول 2021.
  67. مقابلة عبر الهاتف مع امرأة من حضرموت تبلغ من العمر 20 عامًا، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  68. مقابلة عبر الزووم مع رجل يبلغ من العمر 75 عامًا، 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  69. مقابلة عبر الزووم مع رجل يبلغ من العمر 75 عامًا، 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  70. انظر: على سبيل المثال: سماهر الحاضري ومورغان باربرا بيغنو، “مراحل تطور هجرة اليمنيين إلى جيبوتي”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 13 أبريل/ نيسان 2022، https://sanaacenter.org/publications/main-publications/17445؛ سولين المجالي، “ملاذ دون استقرار: طالبو اللجوء اليمنيون في الأردن”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 14 فبراير/شباط 2022، https://sanaacenter.org/publications/main-publications/16557
  71. ناتالي بوتز ، ” خطأ أجدادنا: مهاجرون من الجيل الثالث في اليمن يبحثون عن ملجأ من التشرد”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط المجلد. 51 (2019)
  72. ناتالي بوتز، “خطأ أجدادنا: مهاجرون من الجيل الثالث في اليمن يبحثون عن ملجأ من التشرد”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط المجلد. 51 (2019)، ص 364
  73. مقابلة شخصية في عدن مع رجل يبلغ من العمر 59 عامًا، 18 سبتمبر/ أيلول 2021.
  74. مقابلة شخصية في عدن مع امرأة تبلغ من العمر 67 عامًا، 22 سبتمبر/ أيلول 2021.
  75. مقابلة شخصية في صنعاء مع امرأة تبلغ من العمر 40 عامًا، 13 سبتمبر / أيلول 2021.
  76. مقابلة عبر الهاتف مع رجل من حضرموت يبلغ من العمر 75 عامًا، 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
  77. , ناتالي بوتز، “خطأ أجدادنا: مهاجرون من الجيل الثالث في اليمن يبحثون عن ملجأ من التشرد”، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط المجلد. 51 (2019)
  78. مقابلة أجرتها الباحثة مع سولين المجالي، عمان، الأردن، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
  79. بدلاً من الأجداد، سيكون من الأفضل استخدام “الجدات” ولكن هذا ليس شائع الاستخدام.
مشاركة