إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

قمع حرية الصحافة في اليمن تهديد لجهود بناء السلام

Read this in English

سُررت مؤخرًا بدعوتي من قِبل مؤسسة سمير قصير للمشاركة كعضو في لجنة تحكيم جائزة سمير قصير لحرية الصحافة لعام 2023 (المؤلفة من سبعة اختصاصيين في شؤون الإعلام)؛ بصفتي يمنية تتمتع بخبرة تزيد عن 15 عامًا في مجال الصحافة. كنت ثاني يمنية يتم اختيارها في عضوية لجنة تحكيم المؤسسة، بعد المصورة الصحفية أميرة الشريف التي شاركت في لجنة تحكيم جائزة عام 2021. تأهل 75 من بين 240 مشاركًا إلى مرحلة ما قبل النهائي، حيث اعتمد تقييمهم على ثلاثة معايير: مدى تناول تغطيتهم الصحفية لقضايا حقوق الإنسان، وأسلوب الكتابة الصحفية، والابتكار. في 5 يونيو/ حزيران، أُعلن عن الفائزين وهم: المخرجة والكاتبة السورية إيناس حقي عن فئة “مقال الرأي”، والصحفي المصري محمود السبكي عن فئة “التحقيق الاستقصائي”، والصحفي اللبناني محمد شريتح عن فئة “التقرير الإخباري السمعي البصري”.

حين اطلعت على لائحة الصحفيين المشاركين من عدة دول عربية، لم يسعني سوى الشعور بخيبة أمل من عدد الصحفيين اليمنيين الضئيل ونوعية الأعمال الرديئة التي قدموها بشكل عام. هذا ما هو إلا تذكير يؤسف له بالتدهور الشديد لحرية الصحافة في اليمن، والبيئة الخطرة التي يعمل فيها الصحفيون اليمنيون في الوقت الراهن، فضلًا عن مدى تأثير هذا التدهور على نضالنا من أجل تحقيق السلام والعدالة في بلدنا.

الحرب على الصحافة

تمتع اليمن قبل عام 2014 بحيّز إعلامي نابض نسبيًا، لكن سرعان ما تآكل خلال فترة الحرب. جميع أطراف النزاع اليمني تورطت في ارتكاب انتهاكات ضد الصحفيين، ولم يَسلم حتى المواطنين العاديين ممن عبروا عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي من حملة القمع الأخيرة التي استهدفت حرية التعبير.

أُفيدَ عن إغلاق ما يقرب من نصف المنافذ الإعلامية اليمنية التي كانت قائمة منذ ما قبل عام 2014، ولقي ما لا يقل عن 49 صحفيًا يمنيًا حتفهم منذ عام 2011، بما في ذلك خمسة صحفيين قُتلوا بغارات للتحالف الذي تقوده السعودية. كما سيذكر التاريخ لجوء جماعة الحوثيين إلى استخدام الصحفيين كدروع بشرية، عقب اختطاف صحفيّيْن وإبقائهما أسيرين في مبنى استهدفته الغارات الجوية للتحالف الذي تقوده السعودية عام 2015، مما أدى إلى مصرعهما. وفي أحدث موجة من الإجراءات القمعية ضد المعارضة، احتجز الحوثيون في الفترة ما بين ديسمبر/كانون الأول 2022 ويناير/كانون الثاني 2023 أربعة من مقدمي المحتوى على اليوتيوب لما يقرب من ستة أشهر، قبل العفو عنهم. أما في عدن الخاضعة إلى حد كبير لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، فقد لقيت كل من الصحفية رشا الحرازي مصرعها (مع جنينها) في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 والصحفي صابر الحيدري في يونيو/حزيران 2022 بانفجار سيارات مفخخة في حادثتين منفصلتين. فضلًا عن ذلك، احتجز المجلس الانتقالي الصحفي أحمد ماهر منذ أغسطس/آب 2022 دون تقديم سبب واضح لاعتقاله، إلى جانب احتجاز الصحفي عادل الحسني عام 2021 التي تُعد قضيته مؤثرة لي على المستوى الشخصي كوني حققت فيها خلال فترة عملي مع منظمة هيومن رايتس ووتش، ووجدت أدلة تُثبت أن احتجازه تمّ بأمر من ضابط مخابرات إماراتي.

ضلعت الحكومة اليمنية نفسها في الاعتداء على تسعة صحفيين، واحتجاز تسعة آخرين، إلى جانب تهديدها ثلاثة صحفيين عام 2022 وحده، رغم إظهار دعمها للصحفيين الأربعة المُفرج عنهم مؤخرًا من سجون الحوثيين، والقائمة تطول.

حرية الصحافة هي قضية

هذه الانتهاكات ما هي سوى لمحة عن نمط القمع الذي تعيشه البلاد على نطاق واسع والمخاطر التي تواجه الصحفيين اليمنيين من كافة الأطراف المتحاربة التي تنظر إلى حرية الصحافة كتهديد. من اللافت أن قصف مبنى التلفزيون الحكومي كان أولى الهجمات العسكرية التي شنتها جماعة الحوثيين عند استيلائها على صنعاء عام 2014. يكمُن الدافع وراء الهجوم على الصحافة في اليمن في التصور السائد لدى الأطراف المتحاربة من خطر وجود صحافة قوية ومستقلة.

“حرية الصحافة هي أساس الديمقراطية والعدالة”، على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة في أيار/مايو من هذا العام، وعلى هذا الأساس حماية حرية الصحافة في اليمن سيعزز من قدرة الصحفيين على لعب أدوار جوهرية في إذكاء وعي الناس بحقوقهم وإرساء السلام والعدالة؛ فالصحافة الحرة يُمكن أن تساهم في ازدهار الأمة ككُل.

كيفية دعم الصحافة الحرة في اليمن

ذكرت أيرين خان، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير في يونيو/ حزيران من عام 2022، أن “الصحافة المستقلة والحرة والمتعددة تُعدّ في منتهى الأهمية لتحقيق الديمقراطية والمساءلة والشفافية، ويجب أن ترعاها الدول والمجتمع الدولي لخدمة المصلحة العامة”. من هذا المنطلق، يتطلب ضمان حرية الصحافة في اليمن تحرّكًا دوليًا.

لم تلقَ الدعوات الموجهة إلى الأطراف المتحاربة لوضع حدّ لانتهاكاتها وتجاوزاتها ضد الصحفيين آذانًا صاغية، وهو ما يُحتّم مساءلة هذه الأطراف باعتبارها خطوة قد تؤتي أكلها. إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مُلزم أخلاقيًا بإنشاء هيئة رقابة مستقلة ومحايدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة وجرائم الحرب المحتملة في اليمن وتوثيقها، وهو ما قد ينهض بجهود تحقيق المساءلة.

يفتقر الصحفيون اليمنيون إلى دعم الجهات الدولية بصورة تُمكنهم من مزاولة نشاطهم. من هذا المنطلق، يتعيّن على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والمنظمات الدولية ذات الصلة توفير التمويل والدعم السخي للمؤسسات الإعلامية في اليمن. يحتاج الصحفيون إلى الدعم في ثلاثة مجالات رئيسية: مشاريع تركز على النهوض بصحافة قوية ومستقلة، وصحافة تؤيد التسوية السلمية، وتحسين مهارات الصحفيين. وجود مثل هذا الدعم سيُساعد الصحفيين اليمنيين على توثيق الهجمات والتهديدات التي تطال الصحافة الحرة، وجمع الأدلة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ووضع حدّ لظاهرة إفلات مرتكبي جرائم الحرب من العقاب.

مشاركة