إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

*ملاحظة المحرر: الكاتب هو محلل يمني مقيم بتعز، وهو يكتب باسم مستعار لأسباب أمنية.

 

مقدمة

انقسمت مدينة تعز، وهي ثالث أكبر مدينة باليمن، عام 2015؛ حين سيطرت قوات الحوثيين -بعد أن أُجبرت على الانسحاب من عدن وأجزاء أخرى من جنوب اليمن- على ضواحيها الشمالية وكذلك على جزء كبير من المناطق الشمالية من المحافظة. هذا يعني أن الحوثيين يسيطرون على المنطقة الصناعية في تعز ويكسبون منها مئات الملايين من الريالات كل عام عبر فرض الضرائب على أصحاب المصانع، كما يسيطرون على ثلاث طرق رئيسية في المحافظة. يرزح سكان مدينة تعز تحت الحصار منذ ست سنوات. ونظرًا لانتشار القناصة الحوثيين بشكل دائم، أصبح من المستحيل عبور بعض الطرق والأزقة، ما أجبر شحنات المواد الغذائية والإمدادات المتجهة نحو المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة في المدينة على سلوك طريق طويل، وهو طريق ترابي غير معبّد. وبالتالي يستغرق الذهاب من منطقة لأخرى ما بين خمس أو ست ساعات بدلًا من خمسة عشر دقيقة حيث يضطر من يريد التنقل إلى الالتفاف حول الجبهات الأمامية والعبور عبر عدد كبير من نقاط التفتيش التابعة لمليشيات ووحدات عسكرية متنافسة.

فشلت الجهود المبذولة لرفع الحصار عن تعز عبر المفاوضات، كان أبرزها بيان التفاهم عن تعز في اتفاق ستوكهولم المبرم عام 2018 والذي اتفق فيه الحوثيون والحكومة المعترف بها دوليًّا على تشكيل لجان مشتركة لمناقشة هذا الأمر. أشار المبعوث الأممي مارتن غريفيث خلال آخر إحاطة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2021 إلى عدم تحقيق أي تقدم على هذا الصعيد حيث كرر أن تعز لا تزال “مدينة محاصرة”. وأضاف أن إغلاق الطرق الرئيسية تسبب في عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة للسكان على مدى سنوات.

تطور النزاع في تعز على مراحل. النزاع المبدئي بين الحوثيين والتحالف الفضفاض المناهض للحوثيين فسح المجال عامي 2018-2019 أمام صراع بين أطراف الأخير. خرج حزب الإصلاح والوحدات العسكرية التابعة له منتصرين من هذه المعركة ودفعوا بالقوى المنافسة، مثل اللواء 35 مدرع وجماعة أبو العباس، إلى خارج مدينة تعز نحو المناطق الريفية، جنوب المدينة، ورسّخوا أنفسهم كأصحاب النفوذ الرئيسين على جهة الحكومة في المدينة.

في أوائل مارس/آذار 2021، أخذت الحرب في تعز منحى آخر حيث شنت القوات الموالية للحكومة هجومًا على جبهات الحوثيين، ما أسفر عن تغيرات كبيرة على صعيد السيطرة على عدة مناطق لأول مرة منذ سنوات حول المدينة. هدِف هذا الهجوم بشكل رئيسي إلى إجبار الحوثيين على تحويل وجهة الموارد المخصصة لهجومهم المتجدد في فبراير/شباط على معقل الحكومة في مأرب.

ومع تركيز الحوثيين على مأرب، أحرزت القوات الحكومية في تعز بعض التقدم ضد الحوثيين التي أصبحت ضعيفة. ولكن لم يدم هذا النجاح المحرز طويلًا بالرغم من دعوات الحكومة لتخصيص المزيد من الموارد لمعارك تعز وتحديد أهدافها برفع الحصار عن المدينة كاملًا. باء الهجوم بالفشل نتيجة الافتقار إلى السلاح وغياب الثقة والتخطيط داخل التحالف المناهض للحوثيين. وبحلول نهاية مارس/آذار، كانت القوات الموالية للحكومة لا تزال تسيطر على عدد من المناطق التي استولت عليها مؤخرًا، ولكنها انسحبت من معظم المواقع الاستراتيجية التي استولت عليها في وقت سابق من الشهر.

يفصّل موجز السياسة هذا كيف اندلع القتال في تعز في مارس/آذار، وممارسات القوات الحكومية وعناصر الحوثيين خلال الاشتباكات وتأثير العنف على المدنيين، وينتهي باستكشاف احتمال تجدد العنف في تعز ويقدم توصيات عملية إلى الحكومة المعترف بها دوليًّا، والتحالف بقيادة السعودية، وجماعة الحوثيين حول كيف يمكن تخفيف حدة التوترات في المدينة والوضع الإنساني والأمني للمدنيين بعد أن ازداد سوءًا.



 

القوات الموالية للحكومة تحرز تقدمًا في البداية قبل أن يتوقف الهجوم في تعز

لم تقف تعز مكتوفة الأيدي مع احتدام الهجمات الحوثية العدائية على مدينة مأرب النفطية في 7 فبراير/شباط إذ أُرسلت دفعات من المقاتلين بشكل سري ثم علني من تعز لمساندة القوات الحكومية التي تواجه الحوثيين في مأرب، بحسب ضابط في محور تعز العسكري. يعود هذا بشكل جزئي إلى حقيقة أن الإصلاح -الحزب الإسلامي الذي يُعد من الموالين الرئيسيين للتحالف المناهض للحوثيين- يهيمن على كل من تعز ومأرب. ساهمت الضغوط السياسية والإعلامية بالدفع نحو شن عملية عسكرية في تعز لتشتيت هجوم الحوثيين على مأرب، شرقي البلاد.

اندلع القتال في تعز في 2 مارس/آذار عندما اشتبكت القوات الحكومية مع مقاتلين حوثيين شرقي المدينة. تمتد حقول الألغام الأرضية التي زرعها الحوثيون على مدى السنوات الست الماضية، شرق تعز، من مديرية صالة وصولًا إلى دوار القصر الجمهوري وشارع الأربعين. فضلًا عن الألغام، توفر التلال الجبلية في شرق تعز أفضلية عسكرية تكتيكية حيث بوسع الحوثيين السيطرة على المنطقة من خلال عدد قليل نسبيًّا من المقاتلين. يستهدف القناصة الحوثيون أي محاولة توغل في تلك المناطق الموحشة التي نمت فيها الأشجار بين الجهتين، وهي مناطق حضرية سابقًا، كما يستهدفون المدنيين عبر الجبهات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

وفي اليوم التالي -الأربعاء 3 مارس/آذار- وسّعت قوات الحكومة هجومها نحو المنطقة الغربية في مديرية جبل حبشي بتعز. وكما هو الحال شرق تعز، يتواجد عدد قليل نسبيًّا من المقاتلين الحوثيين على الجبهات في جبل حبشي، وسمحت سهولة التضاريس وقلة الكثافة السكانية هناك -إذ تتكون المديرية بأغلبها من البلدات الريفية- للقوات الحكومية بالسيطرة على كافة المناطق تقريبًا وفي جبهة الكدحة بمديرية المعافر أيضًا.

أثارت الانتصارات المحرزة بسرعة وغير المتوقعة إعجاب قيادات الدولة -تحديدًا نائب الرئيس علي محسن الأحمر ورئيس الوزراء معين عبدالملك- الذين كان هدفهم الرئيسي هو تخفيف الضغط عن الجبهات في مأرب عبر إجبار الحوثيين على تحويل مواردهم إلى تعز. وفي 11 مارس/آذار، أعلن محافظ تعز نبيل شمسان أن أهداف الهجوم في تعز لن تقتصر فقط على الضغط على الحوثيين بل ستشمل أيضًا فك حصار الحوثيين على المدينة والدفع بقوات الحوثيين خارج المحافظة. نصّب شمسان، الذي يُنظر إليه بشكل عام على أنه شخصية ضعيفة محليًّا، نفسه رئيسًا للجنة دعم وإسناد معركة التحرير التي أُنشئت في مارس/آذار للإشراف على الهجوم. حاولت هذه اللجنة، بإلحاح من شمسان، أن تنسّق المعارك بشكل أفضل وأن تحدد الأهداف الرئيسية للهجوم.

خسر الهجوم زخمه في غضون أيام؛ كانت القوات الحكومية غير منظمة وبدت غير قادرة على الاتفاق حول استراتيجية متماسكة لاستعادة المواقع التي يسيطر عليها الحوثيون. توقفت المعارك في جبهة الكدحة على الحدود مع مديرية موزع. إحدى الهجمات الموجعة التي استهدفت القوات الحكومية حدثت بقصف صاروخي حوثي على مدرسة صلاح الدين في الكدحة وأسفرت عن مقتل 15 جنديًّا. وفي مديرية مقبنة، في الجزء الغربي من المحافظة، توقف تقدم القوات التابعة للحكومة في منطقة الطوير الأعلى التي باتت مسرحًا لمواجهات كر وفر بين القوات الحكومية والحوثيين. وفي أوائل أبريل/نيسان، أعلن الحوثيون مقتل العديد من المقاتلين في مقبنة من بينهم مدير أمن المديرية عبدالحكيم العشملي.

شكلت جبهة الأحكوم اختبارًا حقيقيًّا لقدرات الحكومة ولزخم الهجوم الموسع والأهداف المرجوة منه؛ إذ يعني الاستيلاء عليها السيطرة على الخط الرئيسي بين مدينتي الدمنة والراهدة، ما يسمح بكسر الحصار الحوثي على مدينة تعز بشكل جزئي. ولكن معنويات القوات الحكومية تعرضت لانتكاسة عقب مقتل القيادي البارز في مقاومة الحجرية وقائد الكتيبة الأولى باللواء الرابع مشاة جبلي، عبده نعمان الزريقي. أصبح استعادة جثته الهدف الرئيسي للمقاتلين التابعين للحكومة، واستغرقت الجهود لتلك المهمة ثلاثة أيام، وبعدها توقف القتال في الأحكوم بشكل شبه كلي.

بدأت العمليات العسكرية بالانحسار تدريجيًّا بالرغم من التعبئة العالية، وتوقفت جميع العمليات على الجبهات دون تحقيق الأهداف المرجوّة. على سبيل المثال، أوقفت القوات الحكومية هجومها قبل الاستيلاء على جبل العرف، المطل على مدينة البرح غرب مدينة تعز. وبحلول 28 مارس/آذار، توقف القتال بشكل عام واستعاد الحوثيون سيطرتهم على الكثير من الأراضي التي خسروها مطلع مارس/آذار.

 

التحالف المناهض للحوثيين: اليوم خصوم، غدًا حلفاء

ظاهريًّا، يواجه التحالف المناهض للحوثيين عددًا من التحديات على مستوى جهوده لإخراج الحوثيين من تعز ورفع الحصار. تعود هذه التحديات بشكل أساسي إلى غياب الثقة دخل أطراف هذا التحالف، فالسعودية لا تثق بالإصلاح الذي لا يثق بدوره باللواء 35 مدرع وجماعة أبو العباس إذ اشتبك مع كليهما عدة مرات عامي 2019 و2020. كما لا تثق السلطات المحلية والوحدات العسكرية بمحور تعز العسكري الذي يسيطر عليه الإصلاح وهو الذي لا يثق بدوره بالتحالف بقيادة السعودية.

في فبراير/شباط، قدم وفد من محور تعز العسكري خطة للقوات السعودية في عدن، بحسب مسؤول في السلطة المحلية في تعز. اقترحت القوات في تعز -التي تدرك جيدًا خطورة القتال في مأرب- تحريك الجبهات العسكرية الجامدة في المحافظة، ورد السعوديون شخصيًّا بشكل إيجابي على هذا المقترح ولكنهم لم يؤمّنوا أسلحة وذخائر كافية للوحدات التابعة للإصلاح. وفقًا للمسؤول نفسه، كانت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية قلقة من استهداف الإصلاح بهذه الأسلحة قوات المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح، نجل شقيق الرئيس السابق علي عبدالله صالح، المتمركزة على طول ساحل البحر الأحمر في تعز والمدعومة من السعودية والإمارات. طلبت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية في عدن من القادة المحليين في تعز شراء أسلحة بأنفسهم وقالت إنها ستدفع لهم ثمنها لاحقًا. ليس من المستغرب أن هذا الاقتراح قوبل بالرفض. يُعد افتقار القوات التي تقاتل إلى جانب الحكومة للسلاح إحدى أهم العوامل التي ساهمت بتوقف الهجوم في تعز.

في هذه الأثناء، عانى أطراف التحالف المناهض للحوثيين في تخطي الخلافات القديمة وإثبات أنه بوسعهم العمل معًا ومع التحالف بقيادة السعودية. احتاجت القوات الموالية للإصلاح خلال هذه المعركة إلى دعم وإسناد باقي الأطراف في التحالف المناهض للحوثيين، بما فيهم جماعات اشتبكت معهم في الماضي، وبذلت جهودًا لإظهار وحدة الصف. أحد الأمثلة على ذلك هو ما حدث في جبهة الكدحة حيث عملت قوات اللواء 17 مشاة الموالية للإصلاح مع اللواء الخامس حماية رئاسية، ذات القيادة السلفية، واللواء 35 مدرع في محاولة لإظهار وحدة الصف داخل التحالف المناهض للحوثيين. يُنظر إلى اللواء 35 مدرع تقليديًّا على أنه قريب من الحزبين الإشتراكي والناصري ويشكل قوة توازِن حزب الإصلاح في تعز. عام 2020، تحركت قوات محور تعز العسكري ضده ودفعت به خارج مدينة تعز وعيّنت بعض القادة المتعاطفين معها في صفوفه. لكنه ما يزال يُنظر إليه على أنه أكثر انضباطًا وتنظيمًا وأقل أيديولوجية من عدة تشكيلات عسكرية أخرى في المحافظة.

وبالرغم من الجهود المبذولة لوحدة الصف وتحسين التنسيق بين أطراف التحالف المناهض للحوثيين، فشلت التشكيلات المسلحة التابعة للحكومة بتعز في تنسيق عملها والاتفاق على استراتيجية موحدة. لكن غياب الثقة بين القادة المحليين والتحالف بقيادة السعودية، الذي ينظر بحذر إلى تعز على أنها معقل لحزب الإصلاح، أعاق التخطيط. هذا فضلًا عن أن التكتيكات التي وُضعت كانت تصاغ من قِبل مسؤولين لا يمتلكون خلفية عسكرية أو ليسوا على دراية بتضاريس المنطقة، وبالتالي كان القادة المحليون يتجاهلونها. وبدلًا من ذلك شن التحالف المناهض للحوثيين سلسلة من الهجمات المتفرقة باءت بالفشل في نهاية المطاف، ما سمح للحوثيين الذين ينسقون عملياتهم بفعالية من نقل مقاتليهم من جبهة لأخرى.

كان الأمر مشابهًا على الصعيد المالي، فبالرغم من دعوات شمسان للتبرع لدعم جهود الحرب إلا أن قلة فقط في تعز كانت تثق بأن المال سيستخدم للأهداف المعلنة. وبحسب رجل أعمال محلي، انتاب التجار الأثرياء والمتبرعون من تعز القلق من استخدام جماعة مسلحة ما هذا المال لاحقًا لتمويل النزاعات بين أطراف التحالف المناهض للحوثيين، وبالتالي تغذية العنف في المدينة.

 

الحوثيون يحشدون قواتهم للدفاع عن مواقع رئيسية

نظرًا للجمود على الجبهات في تعز خلال السنوات الماضية؛ ولتحول النزاع إلى صراع بين أطراف التحالف المناهض للحوثيين، سحب الحوثيون تدريجيًّا بعض مقاتليهم من تعز لنشرهم على الجبهات الأكثر نشاطًا في الحديدة، ومؤخرًا في مأرب. ولتغطية هذا النقص، عمل الحوثيون على تجنيد محليين من داخل مناطق تعز الخاضعة لنفوذهم، ما يعني غالبًا أن المقاتلين الحوثيين في تعز لا يحاربون بدوافع أيديولوجية مثل أولئك الذين ينحدرون من الشمال رغم أنهم يشاركون في نفس الدورات “الثقافية” كسائر المقاتلين الحوثيين. وأشار مصدر عسكري حكومي في تعز إلى أن هذا الأمر شكل عاملًا في تحقيق القوات الحكومية مكاسب أولية مطلع مارس/آذار، حيث أفادت بعض التقارير بأن المقاتلين الحوثيين على جبهات الكدحة وجبل حبشي غادروا مواقعهم الأمامية وتركوا أسلحتهم مع تقدم القوات الحكومية.

بدا قلق القيادات الحوثية واضحًا خلال الأيام الأولى للمعركة حيث دعوا للتعبئة العامة في مديريات مقبنة وحيفان وصبر الموادم. يُصنف علي القرشي، مدير مديرية شرعب الرونة، أحد أبرز رجال الحوثيين الذين يحشدون للتجنيد. ومن بين القياديين الحوثيين البارزين في التجنيد لهذه المعركة، القيادي عادل شعلان، المشرف الأمني في مديرية خدير، والقيادي عمر عوهج في مديرية حيفان، والقيادي محمد الذيباني في مديرية التعزية.

سرعان ما قلّل القادة الحوثيون من أهمية المكاسب التي أحرزتها القوات الحكومية وقالوا إنها لا تعكس أي تقدم حقيقي وإن هذه الهجمات مجرد حرب نفسية تهدف لرفع معنويات المقاتلين المواليين للحكومة في مأرب. الأهم من هذا كله، كان لدى الحوثيين استراتيجية واضحة لتكريس الدعم للدفاع عن المواقع الاستراتيجية التي يشكل فقدانها خطرًا حقيقيًّا على خطوط إمداداتهم، كما حصل في منطقة بلاد الوافي بمديرية جبل حبشي، وفي الأحكوم بمنطقة الحجرية.

يسيطر الحوثيون بشكل كامل على مديريات التعزية وشرعب السلام وشرعب الرونة وماوية وخدير وحيفان وعلى أجزاء من مديريات صالة والصلو ومقبنة وجبل حبشي، ولكن تواجدهم العسكري في غالبية هذه المديريات يقتصر على قوات رمزية ومشرفين، وهم حوثيون متشددون من خارج المحافظة. لدى المشرفين الحوثيين صلاحيات أكثر من مديري المديريات، وغالبًا ما يحكمون السكان بالقوة إذ أنهم يجبرونهم على دفع إتاوات -إما مالية أو عينية (مواشي) أو نسبة معينة من المقاتلين- لدعم جهود الحرب، وإلا يواجهون إجراءات عقابية تشمل مصادرة الممتلكات أو التجنيد الإجباري أو السجن.

يتركز معظم الوجود العسكري الحوثي على الجبهات حول مدينة تعز وأطراف المدينة في مناطق جبل حبشي والشقب ودمنة خدير وسامع. ويقع مقر الحوثيين العسكري والإداري في منطقة الحوبان، منطقة تعز الصناعية شمال شرق المدينة. كما لديهم وجود عسكري قوي على الحدود مع لحج حيث تشتبك قواتهم بشكل منتظم مع القوات المشتركة الحكومية والتابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في كرش.

بجانب فشلها في رفع الحصار عن تعز أو فتح المعابر الرئيسية، لم تحقق العملية العسكرية في تعز هدفها المتمثل في إرباك الحوثيين وتحويل انتباههم بعيدًا عن مدينة مأرب. من الواضح أن تعز لا تشكل أولوية للحوثيين كما هو الحال في مأرب، إذ باستثناء تركيزهم على تأمين خطوط إمدادهم الهامة في مقبنة وحيفان، فإنه لم يستقدموا أي تعزيزات من خارج تعز إلى الجبهات في المحافظة ولم يحاولوا شن هجوم مضاد واسع النطاق ضد قوات الحكومة.

لم تقتصر خيبة الأمل التي رافقت هجوم تعز على النتائج العسكرية. غاب ملف تعز عن الجهود الدبلوماسية التي يجريها المجتمع الدولي نظرًا لتركيز الأخيرين على المعركة المستمرة في مأرب. رفض الفاعلون المؤثرون في تعز ما يعتبرونه تجاهلًا أمميًّا للوضع في المحافظة وأصروا على أن الحوثيين يجب أن يرفعوا الحصار عن مدينة تعز كبند أساسي في أي خطة لوقف إطلاق النار.

 

المدنيون عالقون في الوسط

وكما هو معتاد في تعز، عانى السكان المدنيون من وطأة العنف. ومع تحول القتال من جبهة إلى أخرى، اضطر المدنيون للفرار لتجنب وجودهم في مرمى النيران. قال راصدون مستقلون لمركز صنعاء في 30 مارس/آذار إن 35 مدنيًّا سقطوا بين قتيل وجريح من بينهم 20 طفلًا وأربع نساء. كما اضطُرت أكثر من 30 أسرة للنزوح بعد هذه الاشتباكات، ما تسبب بموجة نزوح صوب مناطق جبل حبشي. ومن المتوقع أن ترتفع حصيلة الضحايا المدنيين حال استئناف المعارك واتساع رقعتها إلى مناطق ذات كثافة سكانية عالية، سواء بالمناطق الشرقية لمدينة تعز أو البلدات الصغيرة في مديريتي حيفان ومقبنة.

أثار تجدد القتال في تعز مخاوف من تجدد القصف العشوائي والمزيد من الارتفاع في أسعار المواد الغذائية الأساسية التي تُصنف أسعارها زائدة أكثر بحوالي 30% إلى 40% من المناطق الأخرى التي تسيطر عليها الحكومة، بحسب مكتب الصناعة والتجارة في تعز. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى الحصار وتزايد تكاليف نقل البضائع عبر طريق هيجة العبد الجبلي شديد الانحدار وهو طريق أساسي واحد يؤدي إلى المدينة. كما يسيطر الحوثيون على معظم الطرق الثانوية المؤدية إلى المدينة حيث هناك عدد من نقاط التفتيش التابعة لهم والتي يجب على سائقي الشاحنات أن يتفاوضوا معها للمرور. وفي نهاية المطاف، المستهلكون هم من يدفعون قيمة الرشاوى.

 

خاتمة وتوصيات

رغم انحسار العمليات القتالية واستعادة الحوثيين سيطرتهم على الكثير من المواقع التي خسروها بداية الهجوم الذي شنته القوات الحكومية، زعم قادة عسكريون موالون للحكومة وقادة أحزاب سياسية أن المعركة لم تتوقف، وهم يصورون الهدوء الحالي على أنه فرصة للقوات لتستريح وللقادة لإعادة تقييم مسار المعارك الماضية لتجنب الوقوع في الأخطاء نفسها.

من الأرجح أن القوات الحكومية لديها القدرة على استئناف هجومها وربما انتزاع السيطرة على مناطق يسيطر عليها الحوثيون في تعز نظرًا لأنها تمتلك الأفضلية من حيث عدد المقاتلين في صفوفها. ولكن غياب التنسيق والثقة بين التحالف الذي تقوده السعودية والقوات الحكومية وبين أطراف التحالف المناهض للحوثيين يستمر بتشكيل عائق. بعض الجماعات المناهضة للحوثيين تنظر إلى تعز على أنها فقط ثاني معقل للإصلاح.

وبالتالي، سيستمر التنافس المبهم داخل الحكومة والأجندات المتنافسة بلعب دور أساسي في التطورات التي ستشهدها تعز مستقبلًا.

وحتى لو شُنت جولة جديدة من المعارك لرفع الحصار عن تعز، فإن التوقعات بنجاحها ضئيلة في ظل غياب صيغة لتكتيكات وأساليب جديدة لتعزيز التنسيق بناءً على الدروس المستفادة من هجوم مارس/آذار الذي لم يكن منظمًا.

 

توصيات

للقوات الحكومية:

  • الامتناع عن شن أي عمل عسكري إضافي من شأنه أن يفاقم الأزمة الإنسانية في تعز.
  • الالتزام بحماية الأعيان المدنية والمدنيين سواء في المناطق الواقعة تحت سيطرتها أو في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
  • استعادة دور الدولة في المؤسسات في مناطق سيطرتها وعدم السماح لأي جهات فاعلة غير حكومية باستغلال المدنيين تحت شعار المعركة لتحرير تعز.

للسعودية، كقائدة التحالف العربي:

  • لعب دور وساطة لتهدئة الصراعات البينية داخل القوى المؤيدة للحكومة وعدم السماح باستغلال الأحداث في الصراع لاستهداف جماعات معينة لأهداف سياسية.
  • إعادة النظر في كيف يُنظر إلى تعز والابتعاد عن التقييم السطحي بأنها معقل حزب الإصلاح، الأمر الذي يتجاهل مساهمات تعز السياسية والاقتصادية والثقافية الهامة على مر التاريخ، وتطلعات الكثير من السكان في المحافظة.
  • دعم الدولة في تقوية مؤسساتها بتعز ودعم الجهود للحد من تأثير الجهات الفاعلة غير الحكومية المسلحة.
  • تخصيص الدعم الكافي لتعز عبر المشاريع التي تركز على التخفيف من الآثار الإنسانية السلبية للحصار والتي يمولها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

لجماعة الحوثيين المسلحة:

  • رفع الحصار عن مدينة تعز وعدم استغلال الوضع الإنساني كجزء من المفاوضات العسكرية والسياسية.
  • فتح المنافذ الشرقية التي تربط مركز مدينة تعز بمنطقة الحوبان، شمال شرق المدينة، والمنفذ الشمالي عبر شارع الستين ومنطقة غُراب لتسهيل حركة المدنيين ونقل الإمدادات الطبية والغذائية إلى المدينة.
  • نزع الألغام الأرضية في الجبهة الشرقية لمدينة تعز والتوقف عن تفخيخ منازل المواطنين والسماح لهم بالعودة إلى مساكنهم التي اضطروا إلى مغادرتها منذ بداية الصراع.
  • التوقف الفوري عن استهداف الأحياء السكنية داخل مدينة تعز وكذلك المرافق الصحية والتعليمية.
  • التوقف عن احتلال المنشآت التعليمية والصحية في الأجزاء الغربية لتعز وعن تجنيد الأطفال للمعارك.

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، هو مركز أبحاث مستقل، يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

أُعدت هذه الورقة من قِبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بالشراكة مع Hala Systems Inc كجزء من مشروع الاستفادة من التكنولوجيا المبتكرة لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والمساءلة في اليمن. مُوِلت هذه الورقة من قِبل الحكومة الاتحادية الألمانية وحكومة كندا والاتحاد الأوروبي.

التوصيات الواردة في هذه الورقة هي آراء المؤلف (المؤلفين) فقط، ولا تعكس آراء مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أو شريكه (شركائه) أو أي أشخاص أو منظمات أخرى قد يتبع لها المشاركون. لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار محتويات هذه الورقة على أنها تعكس مواقف الحكومة الاتحادية الألمانية أو حكومة كندا أو الاتحاد الأوروبي.

الوسوم: تعز
مشاركة