إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

في شهر مايو/أيار، أعلنت الأمم المتحدة عن قرب تنحي مبعوثها الخاص إلى اليمن، مارتن غريفيث، الذي سيتبوأ منصبًا جديدًا كوكيل للأمين العام للشؤون الإنسانية. بالتالي سيصبح خلفه، الذي لم يُكشف عن اسمه حتى وقت كتابة هذه السطور، رابع شخص يشغل هذا المنصب منذ سيطرة قوات الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014. وعلى ضوء هذا التحوّل، طلب مركز صنعاء من خمسة خبراء تدارس فترة تولّي غريفيث لمنصبه والتي قاد خلالها جهود وساطة الأمم المتحدة من أجل إحلال السلام في اليمن، وكذلك استشراف التحديات التي تنتظر المبعوث الخاص الجديد.

هذه المقالات ظهرت في التقرير اليمن – مايو 2021، هي جزء من سلسلة إصدارات لمركز صنعاء تسلّط الضوء على أدوار الجهات الحكومية وغير الحكومية الأجنبية الفاعلة في اليمن.


 

المبعوث الخاص غريفيث: لمحة عن الماضي

بنجامين فيلانتي

تنتهي قريبًا فترة ولاية مارتن غريفيث كمبعوث خاص للأمم المتحدة إلى اليمن، ليتبوأ منصبًا جديدًا كوكيل للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. أعلنت الأمم المتحدة ذلك عقب تقديم غريفيث إحاطة أمام مجلس الأمن في 12 مايو/أيار. خلال أكثر من ثلاث سنوات كمبعوث خاص، قاد غريفيث جهود الوساطة المبذولة من الأمم المتحدة وكثّف انخراط المنظمة في اليمن، لكن مع استعداده مغادرة منصبه، يظل التوصل إلى اتفاق أمرًا بعيد المنال.

حين عُيِّن غريفيث مبعوثًا للأمم المتحدة في مارس/آذار 2018، كانت جهود الأمم المتحدة للتفاوض على إنهاء الحرب في حالة من الجمود لأكثر من عام ونصف بعد فشل محادثات السلام في الكويت عام 2016. وعند توليه المنصب، نظر غريفيث في جدوى إصدار قرار جديد من مجلس الأمن يحلّ محل القرار 2216، الذي أقره مجلس الأمن في بداية التدخل العسكري الذي شنه التحالف بقيادة السعودية، والذي انتُقد كثيرًا باعتباره يعرقل جهود الوساطة. نص القرار على عدد من المطالب الموجهة إلى جماعة الحوثيين، من ضمنها انسحابهم من الأراضي التي استولوا عليها وتسليم أسلحتهم فيما قد يرقى إلى حد الاستسلام. وبعد اختتام جولة واحدة من المشاورات الإقليمية في أبريل/نيسان 2018، تيقّن غريفيث أن استصدار قرار جديد لا يستحق العناء بالنظر إلى ما سيترتب عليه من متاعب.

تمثلت أولويات غريفيث في وضع إطار للمفاوضات. وهو ما كان يتسق إلى حد كبير مع ما نوقش في محادثات السلام في الكويت: انسحاب الحوثيين ونزع سلاحهم في مقابل اضطلاعهم بدور في المستقبل السياسي لليمن. تلخص التحدي الرئيسي الذي واجهه غريفيث في معرفة كيفية ترتيب الخطوات الأمنية والسياسية، وهو ما قلب مسار محادثات الكويت رأسًا على عقب، إلى جانب التساؤلات المثارة حول مستوى التمثيل المناسب للحوثيين وكيفية ضم أصوات العديد من الفصائل والجهات الفاعلة الأخرى في اليمن. 

الحديدة

غير أنه في غضون أشهر، بات غريفيث يركز على الاشتباكات الحاصلة حول مدينة الحديدة الساحلية ذات الأهمية. وبحلول أوائل يونيو/حزيران 2018، تقدمت القوات التي تقودها الإمارات إلى أطراف المدينة. وكان احتمال خسارة الحوثيين لمدينة الحديدة سيشكل ضربة قاسية للجماعة، فالمدينة كانت المنفذ البحري الوحيد لها، ولطالما استفادت من الإيرادات المكتسبة نتيجة السيطرة على أكبر ميناء في اليمن.

حذرت الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية من عواقب اندلاع معركة شرسة للسيطرة على المدينة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 600 ألف نسمة؛ فهذه المعارك لن تتسبب في وقوع خسائر بين المدنيين فحسب، بل من المرجح أيضًا أن تلحق الضرر بميناء الحديدة وأن تؤدي إلى إغلاقه لأمد طويل. دفع مسؤولو الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية بالتأكيد على أن هذا سيُخلِّف تداعيات هائلة على معظم سكان اليمن، ممن يعتمدون على الواردات من الأغذية والأدوية وغيرها من السلع المتدفقة إلى اليمن عبر الميناء، الأمر الذي سيؤدي إلى تفاقم ما وُصفت بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وفي ظل ضغوط دولية قوية، أوقفت الإمارات عملياتها الهجومية في بادئ الأمر، معلنة منح غريفيث مزيدًا من الوقت للعمل على انسحاب الحوثيين من المدينة عن طريق التفاوض.

رغم ذلك، تفاقم الوضع الإنساني. وفي سبتمبر/أيلول 2018، بدأ منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك، الذي سيحل غريفيث محله، بالتحذير من “مجاعة كبرى” قد تجتاح البلاد.  حدث هذا في الوقت الذي كانت فيه السعودية موضع تمحيص من جانب وسائل الإعلام الغربية جراء سلوكها خلال الحرب في أعقاب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في شهر أكتوبر/تشرين الأول. بحلول نهاية الشهر، نفد صبر الولايات المتحدة في ظل تفاقم الوضع. وفي 30 أكتوبر/تشرين الأول، دعا كل من وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس ووزير الخارجية مايك بومبيو، في تصريحات منفصلة، إلى وقف إطلاق النار واستئناف محادثات السلام بحلول الشهر المقبل.

بعد مرور خمس أسابيع، أي في ديسمبر/كانون الأول تحديدًا، أشرف غريفيث على عملية تفاوضية في السويد امتدت لثمانية أيام. (ولضمان أن تتم المحادثات بالفعل، سافر غريفيث مع وفد الحوثيين إلى السويد، متجنبًا تكرار تأجيل المحادثات في جنيف قبل ثلاثة أشهر حين لم يغادر وفد الحوثيين صنعاء). أسفرت مفاوضات ديسمبر/كانون الأول عن إبرام اتفاق ستوكهولم، الذي تضمّن صفقة لإنهاء المعارك القتالية في الحديدة، وبيان تفاهم لخفض التصعيد في تعز، إلى جانب استحداث آلية لتبادل الأسرى.

لم تنفذ جوانب كثيرة من اتفاق ستوكهولم إلا أن الأخير حقق هدف المجتمع الدولي المتمثل في وقف معركة الحديدة. انتشرت بعثة صغيرة من مراقبي الأمم المتحدة، تحت مسمى بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، والتي يُرجح أن وجودها ساعد في الحيلولة دون اندلاع معارك مستقبلية للسيطرة على المدينة. كما بدا أن الاتفاق زاد من تمعّن مجلس الأمن في الوضع الجاري في اليمن، حيث بدأ في عقد اجتماعات شهرية مع غريفيث. تمثلت إحدى التبعات التي أغفل عنها اتفاق ستوكهولم في إتاحة المجال لاحقًا أمام الحوثيين بإعادة تركيز اهتمامهم على الجبهات الأخرى، بما في ذلك مأرب، على الرغم من نجاحه في تحييد التهديد القائم على مدينة الحديدة. 

ما بعد اتفاق ستوكهولم

أمضى غريفيث معظم عام 2019 في العمل على تنفيذ جوانب من اتفاق الحديدة، لا سيما إعادة انتشار القوات المتموضعة في الميناء والمدينة، إلاّ أن هذا تعثر بسبب غياب التفاصيل والتعريفات في الاتفاق الأصلي. وفشل الطرفان في التوصل لاتفاق حول إطار تشكيل “قوات الأمن المحلية”، التي كان من المقرر أن تحل محل قوات الحوثيين والقوات التابعة للحكومة.

لم تُستأنف محادثات السلام، التي كان من المقرر أن تبدأ دورة جديدة في نهاية يناير/كانون الثاني 2019، قط. وأعلنت الحكومة اليمنية بأنها لن تعود إلى طاولة المحادثات حتى يتم تنفيذ اتفاق الحديدة.

وتحت ضغط من أعضاء مجلس الأمن الدولي لتوضيح مدى التقدم المحرز، أعلنت الأمم المتحدة في مايو/أيار -بشكل سابق لأوانه- انسحاب الحوثيين من ميناء الحديدة. كان الإعلان يفتقر إلى الدقة، فقوات خفر السواحل التي تضطلع بمسؤولية الأمن في الميناء كانت تحت قيادة شخصيات حوثية. وتسبب هذا الجدل الدائر في توتر العلاقات بين غريفيث والحكومة اليمنية التي دعت لاستبداله.

في وقت لاحق من صيف عام 2019، في شهر أغسطس/آب، اندلعت معارك قتالية بين القوات التابعة للحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي. دفعت هذه الأزمة المجتمع الدولي إلى إدراك أنه لم يعد بالوسع تأجيل إجراء محادثات سلام لإيجاد حل شامل للصراع في انتظار تنفيذ اتفاق الحديدة. بحلول ذلك الوقت، تبيّن أيضًا لغريفيث أنه من المستبعد حلّ الخلاف القائم على تشكيل قوات الأمن المحلية في الحديدة خارج إطار عملية سياسية أوسع نطاقًا تتناول ترتيبات تقاسم السلطة في المستقبل.

شهد ذلك الخريف بداية فترة من التهدئة تُبشر بالخير، على إثر انخراط الحوثيين والسعودية في محادثات في أعقاب الهجوم بطائرات مسيّرة على منشأة بقيق لمعالجة النفط في عمق الأراضي السعودية الذي تبناه الحوثيون. كما توسطت السعودية في اتفاق الرياض المبرم بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، واضطلعت كذلك بالمسؤولية عن تنفيذه. بيد أن تخفيف حدة العنف كان مؤقتًا. ففي أوائل عام 2020، شن الحوثيون هجومًا على معقل الحكومة في مأرب. 

الإعلان المشترك

على إثر استشراء جائحة كوفيد-19 حول العالم في مارس/آذار 2020، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى وقف إطلاق النار على الصعيد العالمي من أجل مجابهة كورونا. وفي اليمن، استند غريفيث إلى دعوة الأمين العام من أجل مناقشة مسودة “إعلان مشترك” لوقف إطلاق النار على مستوى البلاد، إلى جانب سلسلة من التدابير الاقتصادية والإنسانية، واستئناف محادثات السلام.

في 8 أبريل/نيسان، أعلنت السعودية وقفًا لإطلاق النار من جانب واحد بسبب التهديد الذي تشكله جائحة كوفيد-19، إلا أن فرص التوصل إلى اتفاق “في المستقبل القريب”، بحسب ما صرح به غريفيث خلال إحاطته أمام مجلس الأمن في 16 إبريل/نيسان 2020، سرعان ما تحولت إلى أشهر من المفاوضات. استمر هجوم الحوثيين على مأرب، ووصلت قواتهم إلى أطراف مدينة مأرب مطلع 2021. حذر غريفيث مرارًا من أن الهجوم يهدد بتقويض عملية السلام في المستقبل. ومن جانبه دعا مجلس الأمن مرات عديدة إلى وقف الهجوم وانخراط جميع الأطراف مع مبعوث الأمم المتحدة.

منذ فبراير/شباط 2021، عمل غريفيث مع المبعوث الأمريكي الخاص المعيّن حديثًا إلى اليمن تيموثي ليندركينج سعيًّا إلى التوسط من أجل إبرام اتفاق حول العناصر الرئيسية الأربعة للإعلان المشترك: وقف إطلاق النار، فتح مطار صنعاء، رفع القيود المفروضة على الواردات إلى الحديدة، واستئناف محادثات السلام. وعلى الرغم من هذه الجهود المبذولة من أجل التوصل إلى اتفاق، لا توجد مؤشرات تُذكر على حدوث انفراج دبلوماسي وشيك مع استعداد غريفيث للمغادرة.

خلال فترة ولايته، كان غريفيث أكثر نجاعة حين تمكن من استغلال الضغوط الأميركية على التحالف الذي تقوده السعودية. ففي عام 2018، لعبت الضغوط الأمريكية المُمارسة على السعودية دورًا أساسيًّا في دفع الحكومة اليمنية إلى الانخراط في مفاوضات السويد ومن ثم قبول اتفاق ستوكهولم. وعلى نفس المنوال، كان الدعم الذي أظهرته الولايات المتحدة عام 2021 عاملًا رئيسيًّا في حشد التأييد الدولي لمبادرة غريفيث الأخيرة من أجل وقف إطلاق النار. ولكن غريفيث كان يفتقر إلى شريك على الجانب الآخر، أي بلد له نفوذ على الحوثيين وعلى استعداد لاستخدام هذا التأثير. قد تشكل زيارة غريفيث إلى إيران في فبراير/شباط 2021 إشارة موحية بالأمل يمكن للمبعوث الخاص القادم البناء عليها.

ولكن لم يكن بوسع غريفيث سوى التوسط؛ إذ لم يكن بمقدوره إحلال السلام في ظل انعدام رغبة أحد الطرفين أو كلاهما. على مدى السنوات الثلاث الماضية، كثيرا ما أعاد غريفيث إلى الأذهان دور الوسيط، حيث صرّح أمام مجلس الأمن في فبراير/شباط 2021 قائلًا “أسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة للاتفاق. هذه هي مهمتي. وبدعم من المجتمع الدولي، نحاول الإقناع والتيسير والتشجيع على الحوار ونحاول تخطي أحداث الحرب”. وتابع: “ومع ذلك، لا شيء يمكن لأي أحد أن يقوم به ليفرض على الطرفين المتحاربين الدخول في عملية السلام ما لم يختارا إلقاء السلاح والتحدث إلى بعضهم. هذه مسؤوليتهم”.

بنجامين فيلانتي هو محلل للسياسات في مركز Security Council Report، ويغطي المستجدات في اليمن ومالي وغرب إفريقيا ومنطقة الساحل، إلى جانب بناء السلام، والنزاعات والجوع والأوبئة.


 

رسول الأمم المتحدة

من غير السهل تقييم أداء مارتن غريفيث كوسيط ومبعوث أممي خاص، فالمبعوثون الخاصون للأمم المتحدة ليسوا وسطاء عاديين، حيث يحملون في طياتهم الثقل الدبلوماسي الكامل للمجتمع الدولي فضلا عن امتلاكهم مجموعة من وسائل الترهيب والترغيب. فبوسعهم أن يثنوا على حسن السلوك، وأن يقترحوا مكافآت ــ كتمويل الأعمال الإنسانية ومشاريع الإنعاش المبكر ــ وأن يقدموا الدعم التقني. والأهم من كل هذا، يمكنهم أن يوصوا بالاعتراف الدولي بأطراف الصراع.

بمقدور المبعوثين الخاصين أيضا إبراز السلوك السيئ لطرف ما، وفضح الأفعال المشينة، وكشف الأعمال الإجرامية، والتوصية بفرض العقوبات. ولعل الأكثر أهمية أنهم يُبلورون نظرة المجتمع الدولي للأطراف المتحاربة. وفي حين يصعب تحقيق السلام ما لم تكن الأطراف مستعدة لذلك، فإن بمقدور أي مبعوث محنك للأمم المتحدة أن يهيئ الظروف المواتية لعملية السلام باستخدام مختلف هذه الوسائل لتغيير حسابات الأطراف المتحاربة بحيث يصبح السلام مربحا أكثر من الحرب.

حين عين مارتن غريفيث في فبراير/شباط 2018، حذره مستشاروه من وجود عدد من العقبات أمام تحقيق السلام في اليمن. (كنت أحد هؤلاء المستشارين). اقتصاد الحرب كان أحد هذه العقبات. فزيادة أسعار المنتجات النفطية كان جزءاً كبيراً من وسائل التربح من هذه الحرب. نص أحد المقترحات لمعالجة هذا الأمر على دعم الأمم المتحدة لشركة النفط اليمنية من أجل توزيع المنتجات النفطية بسعر التكلفة، وإلغاء هوامش الربح التي كانت تتدفق إلى جيوب أمراء الحرب والأطراف المتحاربة. تجاهل غريفيث هذا المقترح، وبالتالي تزايدت هوامش الربح واستمرت الحرب.

العقبة الأخرى كانت تتمثل في الأهداف الغامضة للتحالف الذي تقوده السعودية، بما في ذلك عزمه إنشاء منفذ إلى المحيط الهندي عبر شرقي اليمن. وعوضاً عن التعامل مع هذه المسألة مباشرة ودراسة بدائل أخرى مثل إبرام معاهدة دولية بين البلدان المعنية تتيح سبل الاستفادة من هذه المنافذ دون المساس بسيادة الأراضي اليمنية، لم يتخذ المبعوث الخاص أي إجراء. وقد نقل ناشط سياسي يمني ما قيل له على لسان أحد كبار المسؤولين السعوديين المعنيين بالملف اليمني: “في حال لم نحقق أهدافنا، فإننا نعتزم إبقاء الوضع في اليمن كما هو عليه”.

تمثلت العقبة الثالثة في الافتقار للتمثيل الكافي لمختلف الجهات اليمنية الفاعلة، خلال مفاوضات السلام التي تطرحها الأمم المتحدة. فقد اختزلت الأمم المتحدة الصراع اليمني المتعدد الأوجه في أبرز طرفين مرئيين: الحكومة المعترف بها دولياً وأنصار الله (جماعة الحوثيين المسلحة). لم يُقْدِم المبعوث الخاص على خطوة تُذكر لمعالجة الوضع. وحتى عقب لجوء المجلس الانتقالي الجنوبي لاستخدام القوة العسكرية من أجل السيطرة على عدن، بما ضمن له مقعداً على طاولة المفاوضات، لم يتغير نهج عمل غريفيث. لم يكن هناك “مظلة كبيرة” تتيح لجميع الجهات الفاعلة الرئيسية تحتها، إبداء رأيها في عملية السلام منذ بدء المفاوضات. وبالتقاعس عن القيام بذلك، منح غريفيث حوافز مشجعة لبعض المجموعات لعرقلة بدء مفاوضات سلام جادة.

تفتقد “مبادرة الإعلان المشترك”، التي اقترحها غريفيث لوقف الأعمال العسكرية، القدرة على صنع السلام. فهي لا تتناول أهمية ضمان تمثيل أكثر شمولاً، ولا تُقرّ بانهيار الدولة اليمنية، وبضرورة وضع نموذج جديد للقيادة الجماعية. كما أن الإعلان لا يعترف بأن الاتفاق على الخطوط العريضة لخطة تقاسم السلطة والثروات استناداً إلى الحقائق الميدانية الجديدة، هو شرط مسبق لوقف الأعمال العدائية من أجل منع اليمن من الانزلاق إلى واقع يشبه الصومال. ولا يُقرّ الإعلان المشترك بأنه في هذه المرحلة من تفكك الدولة، يحتاج المجتمع الدولي إلى البدء في بناء عملية السلام من القاعدة إلى القمة، وتحقيق الاستقرار في المحافظات وتمكينها من ترسيخ الأمن حتى في حال اجتاحت الفوضى مُجريات العمل السياسي على المستوى الوطني.

كما لم تستند صياغة الإعلان المشترك إلى خطة تُحقق التوازن بين الأطراف المتحاربة وبين التركيبة الديمغرافية في اليمن، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار اللازم لاستعادة الدولة اليمنية، أو حتى للحفاظ على السلام لفترة زمنية طويلة.

اللائحة الخاصة بأخطاء وأوجه قصور غريفيث قد تكون طويلة، ولكن: هل يمكن القول بأنه فشل؟ الجواب هو: على حسب.

 من مزايا هذا المنصب الدولي الرفيع أن يتمتع صاحبه ببعض الحرية في تحديد نطاق مهامه أو مهامها، وكان غريفيث ذكياً بما يكفي لتعريف مهمته في اليمن على أنها تهدف “لإنهاء الحرب وليس إحلال السلام”. أدرك غريفيث أن تحقيق السلام يتطلب فهما متعمقاً لسياسة وتاريخ اليمن. ويتطلب أيضا تقديرا للديناميات السياسية الإقليمية التي كان لها تأثير هائل على الصراع. وهذه مهمة عسيرة بالنسبة إلى دخيل، لذا منذ البداية أخبر غريفيث فريق عمله بأنه “لا يرغب أن يكون مشوشاً بالتفاصيل”.

وبالاستناد إلى تعريف غريفيث لنطاق مهامه، يمكن القول بأنه لم يفشل كثيراً. فوقف الأعمال العدائية على الصعيد الوطني يكاد يكون في متناول اليد.

غير أن مبادرة الإعلان المشترك هي معادلة ستُفضي بالتأكيد الى استئناف المعارك، ويتسق ذلك على الأرجح مع ما عناه مسؤول سعودي حين قال: “إبقاء الوضع كما هو عليه”.

اتجه اليمن أكثر فأكثر نحو الانهيار خلال فترة ولاية مارتن غريفيث، حيث ضاعت فرص عديدة كان يمكن أن تعكس أو حتى توقف هذا المسار. ولكن، لا نستطيع إلقاء اللوم عليه، فهذا الأمر لم يكن من مسؤولياته، حسب تعريفه لمهامه، فقد كان الرسول فقط وليس صانع سلام. 

عبد الغني الإرياني هو باحث أول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حيث تتركز أبحاثه على عملية السلام وتحليل النزاع والتحوّلات في الدولة اليمنية.


 

إستبدال غريفيث: فرصة سانحة لمعاودة النظر في نهج الأمم المتحدة في اليمن

أعلنت الأمم المتحدة الشهر الماضي تعيين مبعوثها الخاص إلى اليمن، مارتن غريفيث، وكيلاً للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. لم يتضح بعد متى سيتم تعيين مبعوث جديد يحل محل غريفيث، ولكن أيا يكُن، ينبغي عليه أو عليها عدم المتابعة من حيث توقف المبعوث الحالي، إذ أن هذا التطور يعد فرصة سانحة لمعاودة النظر في النهج الذي تتبعه الأمم المتحدة في الوساطة لحل النزاع في اليمن. يتعين على الأمم المتحدة التعلّم من أخطائها السابقة، وأن تقيم قدرتها على التخفيف من حدة الصراع تقييماً واقعياً، وأن تخطط لخطواتها التالية وفقًا لذلك.

لم يتمكن غريفيث منذ تعيينه في فبراير/شباط 2018 من إحراز أي تقدم ملحوظ. ولم يُفده الإطار الجامد الذي ورثه من الأمم المتحدة والمتمحور حول تقاسم السلطة كحل لإنهاء الصراع في البلاد. حفزت وساطة الأمم المتحدة نشوب العنف وعززت ديناميات السلطة التي أفضت إلى اندلاع الحرب من خلال السماح للحوثيين والحكومة اليمنية باحتكار المفاوضات. فقد تجاهل هذا النهج المتمحور حول النخبة الأطراف الفاعلة المحلية الرئيسية الأخرى التي تتمتع بالنفوذ والشرعية، فضلاً عن فشله في معالجة أوجه المظالم. بالغ غريفيث في تقييم قدرته على التأثير على الأحزاب السياسية، وكان متلهفاً لتحقيق نصر سريع بلغ حد الاستهانة بالطبيعة المعقدة للصراع.

فور توليه منصبه كمبعوث أممي في أوائل عام 2018، أطلق غريفيث حملة دبلوماسية واسعة النطاق أشرك فيها عدة قوى من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للضغط على التحالف الذي تقوده السعودية و الحكومة اليمنية من أجل إنهاء عملياتهم الهجومية  الساعية الى استعادة ميناء الحديدة الهامّ من قبضة الحوثيين. وأدى هذا الضغط إلى إبرام اتفاق ستوكهولم الذي وضع في نهاية المطاف حدّاً للعمليات الهجومية على الحديدة في ديسمبر/كانون الأول 2018، إلا أن الاتفاق كان بعيداً كل البعد عن تحقيق النجاح المتوخى منه.

تمكن غريفيث من حشد دعم دولي كاف لإجبار التحالف والحكومة اليمنية على وقف عملياتهم العسكرية، إلا أنه فشل في ممارسة نفس الضغط على الحوثيين. وجراء ذلك، استغل الحوثيون الوضع وأعادوا تمركز قواتهم وحققوا مكاسب عسكرية كبيرة من خلال السيطرة على محافظة الجوف ومديرية نهم ومناطق استراتيجية في محافظة البيضاء ومحافظة مأرب. ويشكل الحوثيون حاليًّا تهديدًا على مدينة مأرب التي يقطنها ثلاثة ملايين مواطن يمني بما في ذلك أكثر من مليون نازح داخلي، وهي تعتبر آخر معقل للحكومة اليمنية في الشمال.

ينبغي لأي مبعوث جديد للأمم المتحدة أن يكون أكثر واقعية. فممارسة الضغط على طرف واحد والفشل في ممارسة نفس الضغط على الطرف الآخر، من شأنه أن يؤدي بصورة عرضية إلى ترجيح كفة الميزان لصالح الطرف الذي يرفض التعاون. وقد أظهر الحوثيون مرارًا وتكرارًا عدم استعدادهم لوقف التصعيد أو قبول حل سياسي مع الأطراف الأخرى.

وحتى في حال نجحت الضغوط الدولية الراهنة في التوصل إلى تسوية سياسية بين حكومة هادي والحوثيين، فمن المرجح أن تُخلف نتائج عكسية حيث من شأنها أن تضفي الشرعية على المكاسب العسكرية التي حققها الحوثيون عبر نيل الاعتراف السياسي، الأمر الذي يشكل سابقة تُحفز على العنف. والواقع أن صفقة كهذه بين الطرفين قد تهمش أيضاً الأطراف السياسية والمسلحة الرئيسية وتعزز ديناميات السلطة النخبوية وتفاقم المظالم التي طال أمدها. ومن المرجح أن يواصل الحوثيون هجومهم العسكري للسيطرة على مأرب كون لديهم اليد العليا عسكريًا. وستكون النتيجة اشتداد الصراع الداخلي وانتشار أعمال العنف وتوفير ملاذ آمن للجماعات المتطرفة. وعوضاً عن محاولة فرض حلول متسرعة، فإن النهج الأكثر واقعية هو التركيز على تخفيف وطأة الحرب على اليمنيين وتكثيف المطالبة بإحلال السلام من خلال توسيع دائرة التمثيل في المفاوضات.

بمقدور مبعوث الأمم المتحدة – بل ويجدر به – التوصل إلى آلية متينة لإشراك الأطراف اليمنية الفاعلة الأخرى بشكل مباشر أو غير مباشر. على سبيل المثال، يمكن ضم مزيد من الجهات الفاعلة المعنية مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، والجناح السياسي لقوات المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح، ومجلس تهامة الوطني كجزء من وفد الحكومة اليمنية. كما يُمكن إشراك أطراف أخرى، مثل قادة المجتمع المدني والقبائل، في المسار الثاني للمفاوضات، ولكن ينبغي على المبعوث ضمان أن تُرفد مناقشات المسار الثاني وتُثري مفاوضات المسار الأول، وهو ما لم يكن عليه الحال من قبل.

من ناحية أخرى، يمكن أن تركز المفاوضات على فتح الطُرُق والمطارات وكذلك تيسير دخول المساعدات الإنسانية والوصول إلى الأغذية والسلع. ينبغي للمبعوث الجديد الاستفادة من الالتزام الدولي بإنهاء الحرب في اليمن عبر جلب الأطراف الفاعلة الدولية الرئيسية للمساعدة في تحقيق ذلك. فعلى سبيل المثال، يمكن للمبعوث أن يدعو الاتحاد الأوروبي – الذي كثيراً ما يُنظر إليه كطرف محايد في اليمن – إلى قيادة المفاوضات المتعلقة بالمسائل الاقتصادية مثل دفع المرتبات، أو إشراك القطاع الخاص في المفاوضات.

إن تيسير الأمم المتحدة للأمور وفق نهجها المعتاد لن يسفر عن تغيير في الوضع الراهن، ولن يؤدي ذلك إلاّ إلى زيادة فرص استيلاء الحوثيين على مأرب، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى إطالة أمد الحرب وزيادة خطر التشرذم على المدى الطويل. وسيشكل انهيار الدولة اليمنية تهديدا أمنيا من شأنه أن يمتد إلى جميع أنحاء المنطقة.  

ندوى الدوسري، هي باحثة يمنية غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط، وباحثة في شؤون النزاعات وفي رصيدها خبرة تفوق عشرين عامًا من العمل الميداني في اليمن. تغرد على ndawsari@.


 

معضلة إيران والمبعوث الأممي القادم

سيواجه المبعوث الخاص القادم للأمم المتحدة في اليمن مهمة صعبة للغاية نظرًا لتعدد العقبات التي تواجهها عملية السلام في البلاد وتعقيدها، ويعتبر الدور الإيراني أحد أبرز التحديات.

إيران هي أحد الفائزين القلائل في الحرب المدمرة باليمن. تدخلت السعودية عام 2015 على رأس تحالف مكوّن من 10 دول، وكان سبب التدخل جزئيًّا هو الهدف المعلن والمتمثل في دحر النفوذ الإيراني في الطرف الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية، لكن الحرب كان لها تأثير معاكس تمامًا لما هدفت له. في الحقيقة وخلال أكثر من ست سنوات ويزيد من الحرب، تحولت علاقات إيران بالحوثيين من مجرد علاقات محدودة إلى موطئ قدم راسخ في شمال غرب اليمن. في عام 2014، كانت إيران تقدم كميات محدودة من الأسلحة الصغيرة والذخيرة للحوثيين، أما الآن فقد زاد هذا الدعم بشكل كبير من ناحيتين، الكم (أي المزيد من الأسلحة الصغيرة) والنوع (أي أسلحة أكثر تقدمًا أيضًا، مثل قطع الطائرات المسيّرة والصواريخ).

يخلق هذا الأمر معضلة للأمم المتحدة، فمن ناحية برزت إيران كلاعب لا غنى عنه في اليمن. ومن الناحية النظرية على الأقل، لا يمكن لأي عملية سلام أن تنجح إذا استبعدت اللاعبين الرئيسيين، ومن المفترض أن هذا هو سبب سفر المبعوث مارتن غريفيث -الذي سيغادر منصبه قريبًا- إلى إيران في فبراير/شباط لعقد اجتماعات، هي الثانية من نوعها رسميًّا بين مكتبه وطهران.

يثير هذا الواقع تساؤلات حول وجهات نظر طهران في عملية السلام، فمن الناحية النظرية هي لا تعارض عملية السلام، لكنها، ونظرًا لاستعدادها التحلي بالصبر؛ تقوم بالتقييم وتصل إلى تقييم صحيح بأن الحوثيين هم من ينتصرون في الحرب. وبالتالي تعرف أن تعثر عملية السلام يزيد من نزيف خصمها، السعودية، ويسمح لشركائها الحوثيين في اليمن بمواصلة التوسع وتعزيز السيطرة على المناطق الواقعة تحت أيديهم. الأمر الثاني هو أن إيران لن تدعم عملية السلام إلا إذا كانت تلك العملية ترسخ نفوذ وسلطة الحوثيين في أي تسوية بعد الحرب. كما أن أي جهد يدعو -على وجه الخصوص- إلى نزع سلاح الحوثيين من جانب واحد كما يفعل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لا يمكن أن يكون بداية لعملية السلام من منظور إيران. وكما يظهر العقدان الماضيان بوضوح، فإن الجمهورية الإسلامية تتمتع بمهارات عالية في إفساد التطورات السياسية الإقليمية التي تعتقد أنها لا تأخذ مصالحها في الاعتبار بالشكل الكافي.

مبعوث الأمم المتحدة القادم في وضع حرج؛ فإيران ظهرت أكثر جرأة كلاعب لا يمكن تجاهله في اليمن؛ نتيجة لاستثمار مادي محدود، ومن ناحية أخرى ستعمل السعودية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية على حرمان إيران من مكان على طاولة عملية السلام. ما يعنيه ذلك هو أن طهران والحوثيين سيستمرون في معارضة أي عملية سلام يرون أنها مدعومة من الولايات المتحدة وتقودها السعودية وتهدف إلى تهميشهم وحرمانهم من المساحة التي يعتقدون أنهم قد استحقوها. هذا لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب الطويلة والمدمرة.

هناك مستوى آخر من التعقيد في المسألة وهو أن الحوثيين ليسوا على الإطلاق وكلاء لإيران. فعلى الرغم من أنهم يستفيدون من الدعم الإيراني المتزايد، إلا أنهم يتمتعون بحكم ذاتي إلى حد كبير، وبكل تأكيد لا يتلقون الأوامر من شريكهم الإيراني. أضف إلى ذلك أن إيران والحوثيين يتفقون إلى حد كبير على القضايا الاستراتيجية الرئيسية، وعلى هذا النحو لا يوجد احتمال لدق إسفين بينهما. بعبارة أخرى، من غير المرجح أن يكون إشراك إيران في عملية السلام قناة ضغط يمكن تطبيقها على الحوثيين لتقديم تنازلات.

خلاصة القول هي أنه سيتعين على المبعوث الأممي القادم تحقيق توازن صعب، فالفشل في إشراك إيران في عملية السلام سيؤدي إلى إفشال الأخيرة عملية السلام، وفي الوقت ذاته ستواصل السعودية والولايات المتحدة -دول سيحتاج المبعوث إلى تعاونها- في مقاومة التدخل الإيراني. أضف إلى ذلك أن مجرد محاولة إدخال إيران في المعادلة سيعرض المبعوث نفسه للانتقاد بأنه يحاول تسهيل تقوية الدعم الإيراني لحكم حوثي قمعي ووحشي جدًا في مناطقهم باليمن.

توماس جونو هو زميل غير مقيم في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. يعمل الدكتور جونو أستاذًا مساعدًا للشؤون العامة والدولية في كلية الدراسات العليا بجامعة أوتاوا – كندا.


 

الوصايا العشرون للمبعوث الأممي الجديد إلى اليمن

  1. لا تقبل الوظيفة. حقًا لا تفعل، وإن كان يجب عليك ذلك، اعتذر لأسرتك مقدمًا.
  2. قبل قبولك لهذه الوظيفة، اشترط صدور قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يحل محل القرار رقم 2216، عدا ذلك فكل ما ستفعله هو تضييع وقت الجميع. 
  3. كن صبورًا، فالأمور في اليمن تستغرق كثير من الوقت، ومحاولة القيام بكثير من الأشياء بسرعة أوقع سابقيك بالمنصب في الكثير من الأخطاء (انظر: تسرّع جمال بنعمر نحو الفيدرالية وتسرّع مارتن غريفيث وطموحه المبالغ به في اتفاق ستوكهولم عام 2018). 
  4. لا تحاول إعادة اختراع العجلة، بل ادرس الجهود التي بذلها المبعوثون السابقون وابنِ على ما هو موجود. يجب في جميع الأحوال أن تكون الخطة ب والخطة ج جاهزة لأن الخطة أ لن تنجح على الأرجح. 
  5. يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل، أما في اليمن فالقاعدة الذهبية هي أن الشيطان -ليس فقط الشيطان، بل وكل قبيلته- يكمنون في التفاصيل (انظر: اتفاق الرياض 2019، اتفاق السلم والشراكة الوطنية 2014، والجوانب الاقتصادية والأمنية لاتفاق ستوكهولم 2018). 
  6. إذا توصلت إلى صفقة فخذها على الفور. لا يوجد شي اسمه “صفقة أفضل” غدًا. ابدأ على نطاق صغير ومن ثم ابنِ ما هو أكبر. 
  7. “لا يوجد حل عسكري للحرب في اليمن”. جميعنا يعرف ذلك، وهذا صحيح. ولكن لا يوجد “حل أممي للحرب في اليمن” أيضًا. اعلم أنك ستحتاج إلى مساعدة، بل ستحتاج إلى الكثير من المساعدة في الحقيقة.
  8. اجعل من المرأة حليفًا لك، فقد أطلقت اليمنيات سراح سجناء أكثر من جميع مبعوثي الأمم المتحدة مجتمعين. ستكون بحاجة إلى مساعدتهن وعونهن ونصحهن. 
  9. اقضِ وقتًا في الدواوين (جلسات القات)، فذلك سيساعدك في فهم كيف تجري الأمور فعلًا باليمن.
  10. استمع إلى مستشاريك اليمنيين، فهم على معرفة بالسياق التاريخي المحلي ويعرفون ما الذي نجح وما الذي فشل في الماضي، وأسباب النجاح والفشل. أضف إلى ذلك أنهم يفهمون القواعد الاجتماعية والسياسية غير المكتوبة في اليمن، وهذا أمر بالغ الأهمية. وعلى نفس القدر من الأهمية، حين يتعلق الأمر بالخبراء الدوليين الذين تحيط نفسك بهم، اختر من لديه استعداد لإخبارك بأنك مخطئ. 
  11. لا تتنافس مع دبلوماسيين آخرين للحصول على المساحة والسيطرة والوقت، فذلك طفولي جدًا وسيتشتت ذهنك عن العمل الأكثر أهمية. وعلى العكس سيزيد التعاون والتنسيق معهم من نفوذك. 
  12. لا تقبل الهدايا أو المجاملات من القوى الإقليمية. 
  13. لا تتجاهل القضية الجنوبية أو الملف الاقتصادي، فكل من سبقوك فعلوا ذلك وكان مصيرهم جميعًا الفشل. 
  14. لا تتدخل في القضايا الإنسانية، فهذا ليس المسار الذي يجب أن تتبعه. هناك ستستهلك طاقتك، وستخرج خططك عن مسارها، والأسوأ من ذلك، ستصبح القضايا الإنسانية رهينة للمسار السياسي (انظر: الناقلة صافر ومطار صنعاء). 
  15. لا تعد إلا بما يمكنك الوفاء به، فالوعود لا يمكن التراجع عنها في اليمن. إن وعدت بشيء ولم تفِ به فستفقد الثقة ولن تستعيدها. 
  16. التهديدات لن تجدي نفعًا، فلا تجربها حتى؛ الجميع لديه أسلحة أما أنت فلا. 
  17. التزم بالتقويم اليمني، يوم الخميس وشهر رمضان ليست أوقات جيدة لإنجاز الأمور في اليمن. افهم أن هناك أشياء يمكنك تغييرها وأشياء لا يمكنك تغييرها، فاعرف الفارق بين الأمرين.
  18. اقرأ كتاب ستيف كاتون بعنوان “قمم اليمن” (Peaks of Yemen, I Summon) وكتاب بول دريش “تاريخ اليمن الحديث” (A History of Modern Yemen)، وبالطبع كل ما ينشره مركز صنعاء. 
  19. اعلم أنه سيتم اتهامك وتخويفك وسبك والهجوم عليك من قِبل أطراف النزاع وكل شخص آخر في اليمن والمنطقة. هذا هو العمل الأكثر نكرانًا للجميل. تأكد من أن لديك القوة على تحمل ذلك. تحدث باستمرار بوضوح وصراحة. لا تتقبل الهراء. هذا أمر أكثر أهمية. ليس من المفيد ولا من المرحّب به أن تكون “لطيفًا” و”محايدًا” و”مجاملًا” عندما يتعلق الأمر باليمن. اعلم أيضًا أنك ربما ستفشل، لكن لا تدع ذلك يمنعك من تجربة أشياء جديدة. عليك أن تأمل أن المستقبل أكثر إشراقًا حتى عندما يقول الآخرون إنه سيصبح أكثر قتامة. كما قال لي المبعوث الخاص المنتهية ولايته ذات مرة: “الأمل هو العملة الوحيدة التي يمتلكها الوسيط”.
  20. أخيرًا، وفقًا لروح وصايا جورج أورويل في الكتابة: “خالف أيًّا من هذه الوصايا قبل [فعل] أي شيء متهور جدًا”. ولكن كلما كسرت أكبر عدد من هذه الوصايا، زادت مهمتك صعوبة. 

فارع المسلمي هو مؤسس مشارك، ورئيس لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. وهو أيضًا زميل غير مقيم في المعهد الملكي للشؤون الدولية ـ تشاتام هاوس.

مشاركة