إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

أمست محافظة مأرب مؤخرًا ساحة معارك محورية بين جماعة الحوثيين المسلحة والحكومة المعترف بها دوليًّا وحلفاء كل منهما، حيث يستميت كلا الطرفين لإحراز انتصارات عسكرية نظرًا لكون نتيجة الاقتتال من شأنها أن تكون حاسمة في تغيير توازن القوى محليًّا.

خلال الأشهر الأولى عقب اندلاع الحرب الأهلية في البلاد، برزت محافظة مأرب كملاذ آمن للنازحين من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. يُقدر تعداد السكان في مأرب قبل الحرب بحوالي 400 ألف نسمة، ولكنه ازداد لحوالي 1.5-3 مليون نسمة مع تدفق النازحين الذين استقر عدد كبير منهم في مدينة مأرب، مركز المحافظة.[1] خلال الحرب، اختارت الحكومة مأرب لتكون مقرًا لإدارات مختلفة في وزارة الدفاع وقيادات المناطق العسكرية التي كانت متمركزة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، ومعسكرات تدريب تابعة لهذه الوحدات العسكرية.[2] كما بنى التحالف بقيادة السعودية قواعد عسكرية ووضع منظومة صواريخ دفاع جوي من نوع باتريوت خارج مدينة مأرب لحماية البنية التحتية للنفط ودعم القوات الحكومية، الأمر الذي وفر الأمن لهذا المركز الحضري الآخذ بالنمو وسهّل ازدهاره.

بعد أربع سنوات من توقف القتال الذي اندلع أواخر 2015 بمأرب، جددت قوات الحوثيين في يناير/كانون الثاني 2020 جهودها للاستيلاء على المحافظة -الهدف الذي تسعى لتحقيقه بلا هوادة. منذ ذلك الحين، شهدت جبهات القتال بمأرب أكثر المعارك دموية خلال سنوات الصراع.

جذبت معركة السيطرة على مأرب عددًا كبيرًا من القوات العسكرية والأمنية من خارج المحافظة. وسعت أطراف سياسية عدة لكي تحظى بموطئ قدم هناك. ضمن هذا السياق من الاستراتيجيات الأوسع نطاقًا التي تهدف إلى كسب مأرب، أعادت هذه القوى الخارجية تشكيل المشهد المحلي بطرق مختلفة شملت استمالة شيوخ القبائل الذين رحبوا بهم أكثر من غيرهم، وتعيين موالين لها في المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية.

تطرح هذه التطورات أسئلة مهمة: كيف تغيّر المشهد الاجتماعي-السياسي خلال الحرب؟ وماذا يعني هذا التغيير بالنسبة للمستقبل؟ تستلزم الإجابة على هذه التساؤلات تحديد الفاعلين الخارجيين الأكثر نفوذًا، والذين يقاتلون للسيطرة على مأرب وفهم استراتيجياتهم لفرض إرادتهم بالمحافظة.

جندت القوات الحكومية والحوثيون سكانًا محليين من مأرب بدرجات متفاوتة، ولكن الكثير من هؤلاء الأفراد الذين يتبوأون مناصب قيادية لا يتمتعون بالقوة المتصورة وفقًا لمناصبهم. في الواقع، كلا الطرفين المتحاربان يسعيان للتأكد من وجود سكان محليين من مأرب في جبهات القتال ومواقع صنع القرار بهدف إضفاء الشرعية القبلية والمحلية على معاركهم.[3]

تقدم هذه الورقة لمحة موجزة عن سكان مأرب قبل الحرب وتحدد الجهات الفاعلة العسكرية والأمنية والسياسية الرئيسية المرتبطة بالأطراف المتحاربة وتصف كيف تحاول تلك الأطراف إعادة تشكيل المحافظة على صورتها وتختتم باستكشاف ما الذي يمكن لمأرب أن تغيره على المدى الطويل في حال نجح أي من الطرفين المتحاربين في تحقيق نصر عسكري حاسم.

 

المجتمع المحلي في مأرب قبل الحرب

ينضوي في المجتمع المحلي بمأرب بشكل عام خمسة تجمعات قبلية -عبيدة ومراد والجدعان وبني جبر وبني عبد- تنظم قوانينها وأعرافها المجتمع والسياسة والحياة الاقتصادية في ظل غياب دولة فاعلة. تُعد كل من قبيلتي عبيدة ومراد الأكبر والأقوى في مأرب.

تغطي أراضي قبيلة عبيدة النصف الشرقي من المحافظة حيث توجد حقول النفط والغاز والبنية التحتية. ينحدر سلطان العرادة، محافظ مأرب، من القبيلة. وعلى الرغم من تعزيز الحكم المحلي بشكل كبير تحت قيادة العرادة وتخفيف العبء على القبائل فيما يخص أداء وظائف الدولة، ما تزال الهوية القبلية قوية.

أما القبيلة الأكبر جغرافيًّا بعد عبيدة، فهي قبيلة مراد، وهي أكبر قبيلة بمأرب من حيث عدد السكان الذين يتوزعون في الغالب على مديريات رحبة، والجوبة، وجبل مراد، وماهلية، وحريب جنوب غربي مأرب. خلال العقود الأخيرة، حضر أفراد قبيلة مراد بشكل قوي في الحكومة والمواقع القيادية العسكرية نظرًا لأنهم حظوا بقدرة أكبر من غيرهم في الوصول للتعليم الرسمي نتيجة موالاة القبيلة للحزب الحاكم، المؤتمر الشعبي العام، الذي انتمى إليه الرئيس السابق علي عبدالله صالح. أما القبائل الرئيسية الثلاث الأخرى في مأرب فهي الجدعان وبني جبر وبني عبد.


 

وبدلًا من تعزيز وجود الدولة بمأرب، مارس صالح نفوذه في المحافظة عبر استمالة شيوخ القبائل ذوي النفوذ لحماية أنابيب النفط والغاز وخطوط الكهرباء وحشد مقاتلي القبائل لإضعاف القبائل التي هددت مصالحه. استفادت هذه النخبة القبلية، التي كان معظمها تابع لحزب المؤتمر من ضعف الدولة.[4]

وإضافة إلى القبائل، تُعد شبكة الأسر المعروفة باسم الأشراف أحد أهم الفئات الاجتماعية في المحافظة. يوجد الأشراف، وهم هاشميون (ينحدرون من سلالة النبي محمد)، في مدينة مأرب وبعض المناطق في مديريتي حريب ومجزر.

على عكس الهاشميين الذين ينتمون إلى المذهب الشيعي الزيدي في المرتفعات التي يسيطر عليها الحوثيون شمال غربي اليمن، ينتمي الأشراف في مأرب إلى المذهب السني الشافعي. تتبع الغالبية العظمى من أفراد القبائل في مأرب المذهب السني الشافعي، في حين تتبع الغالبية العظمى من أفراد القبائل في المرتفعات المجاورة المذهب الشيعي الزيدي. تاريخيًّا، لم تكن الاختلافات المذهبية عاملًا بارزًا في نشوب النزاعات بين سكان مأرب، وغالبًا ما كان سبب الصراعات النزاعات القبلية على الأراضي والوصول إلى الموارد.[5]

 

الأطراف السياسية والعسكرية والأمنية

حين استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، شكلت قبائل مأرب قوة قتالية عُرفت باسم “المقاومة الشعبية” تحسبًا لأي توغل حوثي داخل المحافظة. وجدت هذه القوات شريكًا عسكريًّا مستعدًا للتعاون معها، وهو الحكومة المعترف بها دوليًّا التي أُجبرت على مغادرة العاصمة صنعاء لتحول مأرب إلى معقل لها في الشمال بحكم الأمر الواقع ومركز عسكري يتيح لها شن عمليات ضد الحوثيين.

أما حزب الإصلاح، الذي يتمتع بقدر هائل من النفوذ في الحكومة فنقل وجوده إلى مأرب بعد أن خسره في معظم المحافظات الشمالية عقب سيطرة الحوثيين. جذب استقرار مأرب النسبي عددًا من قادة حزب الإصلاح من ذوي الرتب المتوسطة والدنيا إلى المحافظة.[6] ومع استمرار الحرب، ظلت مأرب وجهة لقيادات الحزب والموالين له، من بينهم ممن اضُطر لمغادرة المحافظات الجنوبية مع تعزيز المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات سيطرته على مدينة عدن والمناطق المحيطة بها.[7]

على الرغم من وجود حزب الإصلاح بمأرب قبل الحرب،[8] إلا أن حزب صالح، المؤتمر الشعبي العام، كان مهيمنًا على المشهد السياسي في المحافظة. بدأ الدعم الذي يحظى به حزب المؤتمر بالتراجع عقب الإطاحة بصالح الذي غادر الحكم بسبب الثورة الشعبية عام 2011. تراجع هذا الدعم بشكل كبير بعد تحالف صالح مع الحوثيين للسيطرة على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 والتوسع في أنحاء البلاد. رفض فرع حزب المؤتمر بمأرب الذي يرأسه عبدالواحد القبلي وأبيه علي نمران القبلي، وهما زعيمان قبليان من قبيلة مراد، طلب صالح بالتزام الحياد وعدم التصدي للحوثيين عام 2014. أدى موت العديد من قادة الحزب البارزين، بما فيهم صالح الذي قتله الحوثيون في ديسمبر/كانون الأول 2017، إلى تقلّص الدعم لفرع الحزب بمأرب. أسس بعض الموالين السابقين لصالح، مثل عبدالواحد القبلي وعلي نمران القبلي، جناحًا ضمن حزب المؤتمر مواليًّا للرئيس عبدربه منصور هادي، بينما حوّل آخرون دعمهم لحزب الإصلاح الذي وظف وجوده القوي في حكومة هادي ووجوده على الأرض للاستفادة من هذه التغيرات السياسية. على سبيل المثال، يُعد نائب الرئيس علي محسن الأحمر، وهو عضو رسمي في حزب المؤتمر، ولكنه طالما دعم حزب الإصلاح، من كبار المسؤولين الحكوميين الذين يشرفون على العمليات العسكرية بمأرب منذ عام 2016. كما حاولت السعودية استمالة عدد من الشخصيات البارزة بحزب المؤتمر خلال الحرب.[9]

أصبحت قبيلة عبيدة مركز ثقل لحزب الإصلاح خلال الحرب. تاريخيًّا، صوّت السكان في مناطق قبيلة عبيدة لحزب المؤتمر خلال الانتخابات البرلمانية. انجذب عدد من رجال قبيلة عبيدة البارزين بما فيهم سلطان العرادة -العضو في اللجنة الدائمة للمؤتمر والنائب عن الحزب في البرلمان سابقًا- إلى حزب الإصلاح في السنوات الأخيرة. غير أن هذا التحوّل لم يكن مرتبطًا بالأيديولوجية بقدر ارتباطه بالبراغماتية حيث إن حزب الإصلاح برز كقوة مهيمنة في مأرب تحظى بموارد كثيرة نتيجة علاقة الحزب القريبة من الحكومة المركزية والسعودية. ولكن، ما تزال الهوية القبلية أقوى من أي انتماء حزبي أو عوامل بين سكان مأرب المحليين.

نجح حزب الإصلاح نسبيًّا بأن يكون شريكًا مع المحليين بمأرب خلال الحرب. يستند هذا التحالف بشكل أساسي إلى الهدف المشترك المتمثل بمنع توغل الحوثيين في المحافظة، ولكن ما عززه في الواقع الانتماء المشترك إلى المذهب السني الشافعي الذي لديه تاريخ طويل من معارضة غزو الجماعات الشيعية الزيدية التي حكمت أجزاء من شمال غرب اليمن بشكل متقطع على مدى الألفية الماضية.

غير أن العلاقة بين حزب الإصلاح والسكان المحليين بمأرب شهدت توترًا في بعض الأحيان نتيجة تعيين الحزب لموالين غير مؤهلين في مناصب سياسية وأمنية وإدارية. إحدى الشكاوى التي يكررها القادة السياسيون والشخصيات الاجتماعية الذين لا ينتسبون إلى الإصلاح تتعلق بتوظيف عدد كبير من المعلمين المنتمين للحزب الإسلامي، من الذين عملوا سابقًا في المدارس العامة أو مدارس تحفيظ القرآن أو وزارة التربية والتعليم، في المؤسسات المدنية والعسكرية.[10]

كما دعم حزب الإصلاح وبشكل مباشر شيوخ مأرب الذين يعدون موالين له، على حساب آخرين موالين لأحزاب سياسية أخرى، مثل حزب المؤتمر والحزبين الاشتراكي والناصري.[11] بعض أفراد هذه الأحزاب يتهمون حزب الإصلاح بتعيين موالين له من خارج مأرب بمناصب عسكرية وأمنية بدلًا من تعيين أفراد من السكان المحليين.[12] قال بعض الشيوخ والشخصيات التابعة لحزب المؤتمر، الذين كانوا مؤثرين قبل الحرب عندما كان حزبهم والإصلاح يتنافسان بشدة خلال الانتخابات المحلية والبرلمانية، إنهم هُمشوا.[13] كما أصبح للعديد من أعضاء حزب الإصلاح وجودًا واسعًا في الأنشطة التجارية والعقارية مع ازدهار الاقتصاد في مدينة مأرب.[14] دفع نفوذ حزب الإصلاح المتنامي داخل المحافظة بالعديد من سكان مأرب إلى العمل مع الحزب على أساس براغماتي بهدف خدمة مصالحهم الخاصة.[15]

بصفته محافظًا لمأرب وأحد أكثر زعماء قبيلة عبيدة احترامًا، لعب العرادة دورًا بارزًا في إدارة العلاقات بين سكان مأرب المحليين والأطراف الفاعلة، مثل حزب الإصلاح. مع تنامي المحافظة كمعقل رئيسي للحكومة خلال الحرب،[16] اُختير العرادة ليكون الوسيط الذي له الكلمة الأخيرة في النزاعات القبلية في 18 سبتمبر/أيلول 2014،[17] حين وافقت قبائل مأرب على تأجيل الخلافات من أجل التركيز على حماية المحافظة ضد تقدم الحوثيين. اتفقت القبائل أن العرادة، بصفته أحد شيوخ قبيلة عبيدة ومحافظ مأرب، سيكون الوسيط في أي خلافات مستقبلية. ساعد هذه الاتفاق على تعريف ميزان القوة بين القبائل في المحافظة والدولة، لا سيما حزب الإصلاح ضمن هذا السياق.[18]

 

قوات الحوثيين في مأرب

ينحدر أغلب القادة الحوثيين الذين يشرفون على معارك مأرب من معقل الجماعة الشمالي، محافظة صعدة المحاذية للحدود السعودية. حارب معظم هؤلاء القادة خلال حروب صعدة الست بين عامي 2004 و2010 عندما قاتلت الجماعة قوات الجيش الحكومي من بينها قوات موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح ووحدات عسكرية موالية للجنرال علي محسن الأحمر. معظم كبار هؤلاء القادة مقربين من زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، مثل شقيقه عبدالخالق الحوثي (أبو يونس)[19] قائد المنطقة العسكرية المركزية. ويوسف المداني،[20] الذي يقود قوات في محافظات الحديدة وحجة والمحويت وريمة بصفته قائد المنطقة العسكرية الخامسة والذي عُيِّن مؤخرًا للمشاركة في الهجوم على مأرب، وهو متزوج من إحدى بنات مؤسس الجماعة، حسين بدرالدين الحوثي، شقيق عبدالملك. كما ينحدر المشرف الأمني للجماعة في مأرب من صعدة. قلة فقط من قادة الحوثيين العسكريين والأمنيين في مأرب ينحدرون من مأرب، مثل مبارك المشن الزايدي، قائد المنطقة العسكرية الثالثة التي تغطي محافظتي مأرب وشبوة.[21] غير أن مهام الزايدي تنحصر في إجراء زيارات التفتيش الشكلية، أي أنه عمليًّا ليس لديه الكثير من التأثير.[22] بالتالي، تتركز القوة في أيدي قادة الحوثيين من خارج المحافظة، مثل عبدالخالق الحوثي ويوسف المداني.

أما معظم الأفراد من الرتب الأخرى ينحدرون من محافظات عمران وصنعاء وذمار.[23] القلة القليلة من عناصر قوات الحوثيين الذين ينحدرون من مأرب، ينتمون لمجموعة الأشراف الهاشمية أو الأقلية الزيدية من قبيلة بني جبر وفرعها القبلي، جهم، في مديرية حريب القراميش.[24] إضافة إلى ذلك، انحاز عدد قليل من أفراد قبيلة مراد، مثل الشيخ البارز حسين حازب وغيره من الزعماء القبليين الثانويين، إلى الحوثيين لأسباب سياسية وأسباب أخرى لا علاقة لها بالدين.[25]

واجه الحوثيون صعوبات في تجنيد محليين من مأرب لأسباب مختلفة. غالبية المحليين في مأرب، بما في ذلك الأشراف، ينتمون إلى المذهب السني الشافعي، وبالتالي، فاقم خطاب الحوثيين المذهبي المثير للانقسام خلال الحرب انعدام الثقة بين الشافعيين والزيديين. من منظور قبلي، استشهد المحليون في مأرب بمعاملة الحوثيين الماكرة مع القبائل التي سهّلت دخولهم إلى مناطق في عمران وحجة وصنعاء وغيرها من المحافظات التي يسيطر عليها الحوثيون كدليل على أن الجماعة لا تحترم الأعراف القبلية ولا يمكن الوثوق بها. في الواقع، يصنف الحوثيون القبائل في منزلة أدنى من طبقة الهاشميين التي تنتمي إليها عائلة الحوثي. وعلى غرار ممارسات السلالات الهاشمية الزيدية التي حكمت أجزاء من اليمن بشكل متقطع على مدار ألف عام، استغل الحوثيون بشكل استراتيجي الأعراف القبلية لكسب شرعية دينية وسياسية واعتمدوا على القبائل لتزويدهم بالمقاتلين.[26]

هناك أيضًا انقسامات تاريخية عميقة بين السكان في محافظة مأرب ومحافظة صعدة المعقل التقليدي للزيديين حيث نشأت جماعة الحوثيين. قاومت قبيلتا مأرب المهيمنتان، عبيدة ومراد، بدءًا من ثلاثينيات القرن الماضي التوغلات العسكرية التي قادها الأئمة الزيديون في المملكة المتوكلية اليمنية. وعام 1948، اغتال الشيخ علي ناصر القردعي، أحد أبرز شيوخ قبيلة مراد، الإمام يحيى حميد الدين، حاكم المملكة المتوكلية. يُعتقد على نطاق واسع في مأرب أن الحوثيين يسعون إلى بناء دولة ثيوقراطية شبيهة بالإمامة الزيدية التي كان مقرها في البدء صعدة وسيطرت لاحقًا على المزيد من المناطق في شمال اليمن.[27]

 

تغير الديناميكيات القبلية

على غرار ما فعله الرئيس السابق صالح، حاولت القوات الحكومية والحوثيون الضغط على زعماء القبائل المحليين واستمالتهم للسيطرة على مأرب. جندت الأطراف المتحاربة طبقة جديدة من الشيوخ الذين أبدوا ترحيبًا أكثر من غيرهم بوجودهم وأهدافهم، الأمر الذي أدى إلى إعادة توازن القوى القبلية في المحافظة بشكل يذكّر بسياسات المحسوبية لصالح.

سعى الحوثيون خلال سنوات الحرب إلى تمكين الشيوخ الموالين لهم في المناطق التي تتمتع بها الجماعة بعلاقات جغرافية وثقافية مع القبائل المحلية.[28] استخدم الحوثيون هذا التكتيك في حروبهم الست ضد نظام صالح بين عامي 2004 و2010، واعتمدوه لاحقًا لتعزيز قوتهم عندما بدأت الجماعة في التوسع خارج محافظة صعدة عام 2011. استفاد الحوثيون عند توغلهم في مناطق أخرى من اليمن من تحالفهم مع صالح حيث سهّل موالو صالح القبليين تقدمهم الذي توج بالسيطرة على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.

تبنت الحكومة المعترف بها دوليًّا، والتي يهيمن عليها حزب الإصلاح، تكتيكات مماثلة في مأرب خلال الحرب. تم تجاهل بعض الشيوخ المنتسبين إلى حزب المؤتمر الذين استفادوا من نظام المحسوبية لصالح أو قُلصت صلاحياتهم، وحُولت الموارد إلى شيوخ جدد.[29] في كثير من الأحيان، يعمل هؤلاء الشيوخ الذين باتت الحكومة تفضلهم على غيرهم مع الشيوخ التقليديين، ولكنهم يكتسبون نفوذًا أكبر مع مرور الوقت نظرًا لتلقيهم الدعم المالي والرسمي.

 

خاتمة: تماسك مأرب

ستغير نتائج معركة مأرب معطيات المعادلة السياسية الحالية بشكل جوهري، في حالة استيلاء الحوثيين بالقوة على المحافظة، أو في حال نجاح القوات الحكومية في إيقاف تقدم الحوثيين الأخير، أو التوصل إلى تسوية.

تعد مأرب، باعتبارها آخر معقل للحكومة المعترف بها دوليًا في شمال اليمن ومصدرًا لاحتياطيات النفط والغاز الوفيرة، محافظة استراتيجية وذات قيمة استثنائية في الحرب بين الحوثيين والحكومة. من الجدير بالذكر أن التقدم العسكري السريع الذي أحرزه الحوثيون في مديريات مأرب الجنوبية العبدية وحريب والجوبة منذ أواخر سبتمبر/أيلول يساعد في توفير منفذ محتمل نحو مدينة مأرب من الجنوب.

ما يميز مأرب ويجعلها فريدة من نوعها هو أن المجموعات المتنوعة للقوات المناهضة للحوثيين لم تنقلب على بعضها، كما حدث في المدن الرئيسية الأخرى مثل عدن[30] وتعز.[31] يعود ذلك إلى حقيقة أنهم وضعوا الخلافات على جنب للتركيز على الحاجة الملحة لمحاربة الحوثيين، عدوهم المشترك. إحدى العوامل الأخرى هي الازدهار الاقتصادي النسبي الذي شهدته مأرب خلال السنوات الأخيرة والذي ساعد في تخفيف مصدر رئيسي للمظالم التي يشعر بها آخرون في المحافظات الأخرى التي تسيطر عليها الحكومة شكليًّا. ولكن، القوة المتنامية لحزب الإصلاح أدت إلى توتر هذه العلاقات.

يلعب العرادة دورًا بارزًا في إدارة العلاقات بين القبائل المحلية والقوى الخارجية؛ وبالتالي إذا حدث شيء له، فإن استقرار مأرب سيكون في خطر كبير. ومنذ أن سحبت الإمارات منظومة صواريخ الدفاع الجوي (باتريوت) من مأرب عام 2019، شن الحوثيون هجمات صاروخية على منزله -بما في ذلك مقر إقامته الرسمي في مجمع حكومي- عدة مرات، كان آخرها في 26 سبتمبر/أيلول.[32] إذا حُيِّد هجوم الحوثيين وتلاشى العدو المشترك في مأرب، فالخلافات القبلية القائمة والتوترات الناتجة من الاختلالات الجديدة في السلطة ستعود إلى الواجهة في حال غابت شخصيات في السلطة تحظى بمكانة واحترام العرادة.

أما الحوثيون، فإن انتصارهم في مأرب سيؤدي إلى تغيرات قبلية ودينية وثقافية عميقة. وكما حدث في المحافظات الأخرى التي يسيطر عليها الحوثيون، فإن الجماعة ستعيّن موالين لها كمشرفين[33] وفي مناصب رئيسية أخرى في السلطة. كما ستعيّن الجماعة زعماء دينيين جدد يروجون لنسخة متطرفة من الشيعة الزيدية. وهذا ما حدث بالفعل بعد أن سيطرت قوات الحوثيين على مديرية حريب في مأرب ومديرية بيحان في شبوة في سبتمبر/أيلول 2021، حيث استبدلت الجماعة على الفور أئمة المساجد في هذه المناطق بموالين متطرفين من محافظات صنعاء وعمران وصعدة لإلقاء الخطب في المدارس.[34] ومن أبرز مهام هؤلاء القادة الدينيين عقد محاضرات ثقافية وإقامة معسكرات صيفية تهدف إلى تلقين الأطفال وغيرهم من السكان في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.[35]

وفي حال استيلاء الحوثيين على السلطة، من المرجح أن تستأنف قبائل مأرب تخريب خطوط الكهرباء المؤدية إلى صنعاء، كما فعلوا في السابق قبل الحرب كوسيلة للضغط على حكومتي صالح وهادي. لا تنظر القبائل إلى الحوثيين كحكومة شرعية ومن المحتمل أنها لن تهاجم أنابيب النفط والغاز بهدف الحصول على تنازلات، ولكن بهدف التمرد وتبني تكتيك من شأنه أن يضعف قوة الحوثيين.

كما أنه في حال استيلاء الحوثيين على مأرب، فمن المرجح أن يكون النصر باهظ الثمن إذ أن الأحداث الماضية خلال حكم الإمامة الزيدية تركت ذاكرة ثقافية عميقة تجعل رجال القبائل المحليين ترى في الجماعات الهاشمية الزيدية، مثل الحوثيين، غرباء يسعون للسيطرة عليهم وإخضاعهم بدلًا من دمجهم في النظام الحاكم مهما كان مركزيًّا.


أُعدت هذه الورقة من قِبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية كجزء من مشروع الاستفادة من التكنولوجيا المبتكرة لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والمساءلة في اليمن. مُوِّلت هذه الورقة من قِبل الحكومة الاتحادية الألمانية وحكومة كندا والاتحاد الأوروبي.


الهوامش:

  1. “لمحة حضرية عن مأرب: نموذج محفوف بالمخاطر من التعايش السلمي تحت التهديد”، برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، مارس/آذار 2021، ص 21، https://unhabitat.org/sites/default/files/2021/04/210408_marib_small.pdf
  2. يقع مقر المنطقة العسكرية الثالثة، المسؤولة عن العمليات في محافظتي مأرب وشبوة، في مأرب. كما يقع المقر المؤقت للمنطقة العسكرية السابعة التي تغطي محافظات صنعاء وذمار وإب والبيضاء التي يسيطر عليها الحوثيون، والمقر المؤقت للمنطقة العسكرية السادسة التي تغطي العمليات في محافظات الجوف وعمران وصعدة التي يسيطر عليها الحوثيون في مأرب أيضًا.
  3. مقابلة مع أحد زعماء قبيلة مراد في مأرب، نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
  4. كيسي كومبس وعلي السكني، “مأرب: تقدم الحوثيين يهدد المعقل الأخير للحكومة في الشمال،” مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2020، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/11793
  5. مقابلة مع محافظ مأرب السابق اللواء أحمد قرحش، نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.
  6. أحمد الطرس العرامي، “القبائل والدولة في مأرب،” مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 4 مايو/أيار 2021، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/13968
  7. مقابلة مع مسؤول في حزب الإصلاح مركزه عدن، أغسطس/آب 2019. قال المسؤول إن بعض قادة الإصلاح الذين فروا من عدن ذهبوا إلى مأرب بينما ذهب البعض الآخر إلى تركيا والسعودية بعد اغتيال دعاة وأئمة مرتبطين بالحزب في العاصمة المؤقتة وخاصة بعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن في أغسطس/آب 2019.
  8. المصدر نفسه. تعود علاقات الحزب بقبائل مأرب إلى فترة تشكيل الحزب في التسعينيات، وإن كان وجوده آنذاك محصورًا إلى حد كبير في مأرب الوادي وأجزاء من مديريات حريب والعبدية والجوبة. ظل الإصلاح في ظل حزب المؤتمر الذي تزعمه الرئيس السابق صالح الذي حظي بشعبية أوسع.
  9. مقابلة مع باحث في مأرب أكتوبر/تشرين الأول 2021.
  10. مقابلة مع باحثين في مأرب، أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول 2021.
  11. مقابلات مع قادة أحزاب سياسية غير تابعين للإصلاح في مأرب، نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
  12. المصدر نفسه. مقابلات مع فردين من قبيلة مراد، أحدهما محسوب على المؤتمر الشعبي العام، أغسطس/آب 2020. ومن الأمثلة على كبار المسؤولين العسكريين في مأرب الذين ينحدرون من خارج المحافظة: قائد المنطقة العسكرية الثالثة اللواء منصور ثوابه من محافظة الجوف؛ رئيس أركان المنطقة العسكرية الثالثة العميد عبد الرقيب دبوان من محافظة تعز؛ مدير عام شرطة مأرب السابق عبد الملك المداني من محافظة حجة؛ والقائد السابق لقوات الأمن الخاصة عبدالغني شعلان من حجة.
  13. كيسي كومبس وعلي السكني، “مأرب: تقدم الحوثيين يهدد المعقل الأخير للحكومة في الشمال،” مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2020، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/11793
  14. مقابلة مع رجل أعمال محسوب على الإصلاح من محافظة إب يعمل في مجال العقارات في مأرب، يناير/كانون الثاني 2021.
  15. مقابلات مع سبعة من سكان مأرب، يونيو/حزيران 2021.
  16. أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية في مايو/أيار 2017 شقيق العرادة، خالد، المقرب من نائب الرئيس علي محسن الأحمر، لتقديمه الدعم لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. للمزيد، انظر: https://www.treasury.gov/press-center/press-releases/Pages/sm0091.aspx وقال المحافظ سلطان العرادة أن هذه الخطوة لها دوافع سياسية. انظر بن هوبارد، “بينما ينهار اليمن، هناك بلدة تحظى بهدوء نسبي،” نيويورك تايمز، 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، https://www.nytimes.com/2017/11/09/world/middleeast/yemen-marib-war-ice-cream.html
  17. ناجي الحنيشي، “مأرب تحيي الذكرى الثالثة لمطارح صد العدوان الحوثي،” موقع 26 سبتمبر، 20 سبتمبر/أيلول 2017، http://www.26sepnews.net/2017/09/20/1-86/
  18. أحمد الطرس العرامي، “القبائل والدولة في مأرب،” مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 4 مايو/أيار 2021، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/13968
  19. فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات على أبو يونس في نوفمبر/تشرين الثاني 2014. للمزيد، انظر: https://www.un.org/securitycouncil/sanctions/2140/materials/summaries/individual/abd-al-khaliq-al-houthi استبدل أبو يونس مؤخرًا بمحمد عبدالكريم الغماري كقائد لهجوم الحوثيين في مأرب، وفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية التي فرضت عقوبات على الغماري في مايو/أيار 2021. للمزيد، انظر: https://content.govdelivery.com/accounts/USTREAS/bulletins/2da44c2/
  20. فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على المداني في مايو/أيار 2021. للمزيد، انظر: https://content.govdelivery.com/accounts/USTREAS/bulletins/2da44c2/
  21. من بين 24 مسؤولًا عسكريًّا وأمنيًا تابعين للحوثيين حددهم مركز صنعاء خلال معارك مأرب، ليس هناك سوى خمسة فقط من مأرب.
  22. مقابلة مع باحث في مأرب، يونيو/حزيران 2021.
  23. المصدر نفسه.
  24. تتواجد قبائل بني جبر وجهم في مديريات صرواح وحريب القراميش وبدبدة، بينما يتركز وجود الأشراف في مدينة مأرب وبعض أجزاء في مديريتي حريب ومجزر.
  25. مقابلة مع باحث في مأرب، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
  26. أحمد الطرس العرامي، “الحوثيون بين السياسة والقبيلة والمذهب”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 2 سبتمبر/أيلول 2019، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/8003
  27. مقابلات مع سكان مأرب بين نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وأكتوبر/تشرين الأول 2021.
  28. مقابلة مع باحث في مأرب، يونيو/حزيران 2021.
  29. مقابلات مع قادة أحزاب سياسية ليسوا أعضاءً في المؤتمر الشعبي العام في مأرب، نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
  30. خالد أمين، “حكومة تقاسم السلطة : ماذا على المحك؟”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 5 أبريل/نيسان 2021، https://sanaacenter.org/publications/analysis/13695
  31. خالد فاروق، “تعز: معقل الميليشيات غير النظامية”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 14 سبتمبر/أيلول 2021، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/15088
  32. “صاروخ باليستي يستهدف منزل محافظ مأرب في اليمن، وإلقاء اللوم على الحوثيين،” شينخوا، 5 يوليو/تموز 2019، http://www.xinhuanet.com/english/2019-07/05/c_138199617.htm“الحكومة اليمنية: الحوثيون قصفوا منزل محافظ مأرب”، ديبريفر، 28 سبتمبر/أيلول 2021، https://debriefer.net/en/news-27140.html
  33. يعمل المشرفون، المعينين على أساس الولاء وليس المؤهلات، كنظام حكم مواز يشرف على مختلف المؤسسات والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. يتمتع المشرفون بالحصانة ضد التداعيات القانونية أثناء قيامهم بعملهم.
  34. مقابلة مع باحث في مأرب، أكتوبر/تشرين الأول 2021.”شاهد الصرخة الحوثية داخل أحد مساجد بيحان”، منشور على فيسبوك، 24 سبتمبر/أيلول 2021، https://www.facebook.com/100038440412822/videos/3938941372875190/“عناصر مسلحة تابعة لمليشيات الحوثي تقتحم ثانوية بيحان”، منشور على فيسبوك، 28 سبتمبر/أيلول 2021، https://www.facebook.com/100006564337241/videos/1613959895601735/“مليشيات الحوثيين اقتحمت عدة مدارس في مديرية بيحان وأجبرت الطلاب على ترديد الصرخة وتحرضهم على الكراهية والقتل وتجن دهم في صفوفها للقتال ضد أبناء الجنوب وشبوة”، منشور على فيسبوك، 29 سبتمبر/أيلول 2021، https://www.facebook.com/100016701246572/videos/444759257223804/
  35. انظر سلام الحربي، “كيف استولى الحوثيون على نظام التعليم وأعادوا تشكيله في المناطق الشمالية”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2021، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/15338#Houthi_remake_education_systemمنال غنام، “تغييرات في المناهج الدراسية لصنع جهاديي الغد”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2021، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/15338#Curriculum_changes
مشاركة