منذ خروجها من صنعاء إثر سيطرة الحوثيين عليها عام 2014، عجزت الحكومة المعترف بها دوليًا عن بلورة استراتيجية تتلاءم مع واقعها الجديد وتحدياته. بدلًا من ذلك، مضت في عملها وكأن شيئًا لم يتغير، مكتفيةً بتعديلات طفيفة، حيث تصر على تشكيل حكومات مترهلة، تضم المئات من نواب الوزراء الذين لم يُعيَّنوا إلا لترضية أقاربهم النافذين في السلطة. مع كل تدهور للأوضاع، كان الحل السحري الجاهز هو تعديل وزاري يستدعي نفس الوجوه الفاسدة، وكل رئيس وزراء جديد يطرح برنامجًا حكوميًا يعلم هو والجميع أنه حبر على ورق.
لذلك، عندما خلف أحمد عوض بن مبارك، سلفه معين عبدالملك، برئاسة الوزراء في فبراير 2024، لم يعلق الشارع اليمني آمالًا تُذكر على تحسن ظروفه المعيشية، فقد سئم المواطنون من التعديلات الوزارية المتكررة وما يصاحبها من وعود كبرى وخطط إصلاح طموحة، بينما الواقع يزداد سوءًا. باستثناء تحسن أمني في العاصمة المؤقتة عدن، شهدت كافة جوانب الحياة تدهورًا مستمرًا.
على الصعيد الاقتصادي، اتسم أداء حكومة بن مبارك بثلاثة إخفاقات كارثية: انقطاعات غير مسبوقة للكهرباء؛ وانهيار متواصل للريال اليمني؛ وتقطّع في صرف رواتب موظفي القطاع العام، حيث شهدت فترته انكماشًا في الإيرادات العامة، وتراجعًا في الدعم المالي السعودي، وتفاقمًا للصراعات السياسية الداخلية، ما جعل من المستحيل تطبيق أي سياسة متماسكة أو ممارسة حوكمة فعالة. أتى بن مبارك بخطته الخاصة التي أسماها “مسارات الإصلاح الخمسة“، لكن حديثه عن مسارات مختلفة في مناسبات متفرقة صعب من كسب ثقة الجمهور.
تكشف نظرة سريعة على سجل حكومة بن مبارك الخالي من الإنجازات، عن فشل ذريع لا يختلف عن سابقيه، فقد صاغت الحكومة خطة للتعافي الاقتصادي للعامين 2025-2026، وأرفقتها بمصفوفة سياسات تحدد المسؤوليات ومؤشرات الأداء، إلا أن الخطة افتقرت لأي تقييم واقعي للانقسامات السياسية والاقتصادية المتجذرة في مناطق سيطرة الحكومة. نظرًا لفترتها الزمنية المحدودة وغياب أية آلية تمويل واضحة، فإن قائمتها الواسعة من الأهداف بدت ضربًا من الخيال.
صعد نجم بن مبارك على الساحة العامة عام 2011، وسرعان ما أصبح من المقربين للرئيس عبد ربه منصور هادي، وقد تقلّد مناصب عدة خلال مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014)، وشغل في الوقت نفسه منصب مدير مكتب الرئاسة. واصل الرجل ترسيخ نفوذه، خاصة في ملف التعيينات العليا، بعد أن أصبح سفيرًا لليمن في واشنطن عام 2015، ثم أضاف إلى مهامه منصب المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة. اللافت أنه بعد تعيينه وزيرًا للخارجية عام 2020، حاول بن مبارك الاحتفاظ بمنصبه كسفير في الولايات المتحدة، مما أثار موجة من الانتقادات الشعبية.
تميزت فترة بن مبارك القصيرة والمضطربة في رئاسة الوزراء بصراعات مريرة على النفوذ، سواء مع مجلس القيادة الرئاسي، أو بين أعضاء المجلس أنفسهم، أو داخل الحكومة ذاتها. في ظل غياب لائحة داخلية تنظم عمل مجلس القيادة، رفض أعضاؤه الذين يمثلون فصائل سياسية وعسكرية مختلفة، الامتثال لمطالب رئيس الوزراء، وكثيرًا ما طالب الوزراء بإقالة بن مبارك، وتصاعد الخلاف إلى حد مقاطعتهم للاجتماعات الحكومية الأسبوعية، مما أصاب مجلس الوزراء بشلل تام لأشهر. طوال فترة ولايته، لم تُعقد سوى 16 جلسة حكومية عادية، أما المبدأ الدستوري الذي ينوط كافة السلطات التنفيذية بمجلس الوزراء، والذي ظل مُهمَلًا منذ عقود، فقد أصبح اليوم في طي النسيان تمامًا.
مطلع مايو، بلغ السيل الزبى حينما استقال بن مبارك، وكلّف رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وزير المالية سالم بن بريك، بتشكيل الحكومة الجديدة. يأتي تعيين بن بريك، المتحدر من محافظة حضرموت، في خضم مشهد سياسي واقتصادي معقد، خاصة في حضرموت نفسها، حيث تتصاعد مطالب القوى القبلية والسياسية المحلية بالحكم الذاتي. قد يكون تعيينه خطوة رمزية تهدف إلى امتصاص السخط الحضرمي، والترويج لوهم المشاركة السياسية في السلطة التنفيذية. يحظى بن بريك أيضًا بدعم موحد من أعضاء مجلس القيادة، فقد تمكن خلال فترة عمله كوزير للمالية من بناء علاقات طيبة مع مختلف الفصائل، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي. بينما قد تساهم هذه العلاقات في تلطيف الأجواء بين الحكومة والمجلس الرئاسي، إلا أنها قد تقوض فعالية الحكومة إذا ما استغل أعضاء المجلس إذعان بن بريك، لفرض أجنداتهم الخاصة على حساب مصالح الشعب المكلوم.
يتمتع بن بريك بخبرة تمتد لأكثر من عقد في المالية العامة قبل تعيينه مؤخراً رئيساً للوزراء، حيث شغل مناصب حساسة في وزارة المالية ومصلحة الجمارك، فقد أدار جمارك موانئ الحديدة والمكلا وعدن، ومنفذ الطوال الحدودي، قبل أن يُعيَّن رئيسًا لمصلحة الجمارك في 2014. وفقًا لمصدر في المصلحة، كان تعيينه آنذاك مناورة من وزير المالية الأسبق محمد زمام، الذي أراد واجهة سهلة التوجيه تضمن له استمرار هيمنته على هذا المورد الحيوي. مع ذلك، واصل بن بريك صعوده في الوزارة، ليُعيَّن نائبًا لوزير المالية في 2018، ثم وزيرًا في 2019.
على عكس بعض أسلافه، لم تسجل فترة بن بريك كوزير للمالية قضايا فساد شخصي فاضحة، لكن الوزارة تحت قيادته فشلت فشلًا ذريعًا في تعبئة الموارد، إذ لم تتمكن من تحصيل سوى 30% من الإيرادات المستحقة قانونًا، ويعود ذلك إلى الفساد المستشري في أجهزة الضرائب والجمارك، وضعف آليات التحصيل، وانعدام الكفاءة لدى الموظفين.
رغم علاقاته الجيدة نسبيًا بأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، فقد دخل بن بريك في صدامات متكررة مع قيادة البنك المركزي حول كيفية توزيع الموارد الشحيحة. وفقًا لمسؤول حكومي رفيع، اشترط بن بريك لقبول منصب رئاسة الوزراء إقالة محافظ البنك المركزي أحمد غالب المعقبي، وهو تكنوقراط يحظى باحترام واسع. كان المعقبي قد عارض بشدة سياسة الحكومة في طباعة النقد لتمويل عجز الموازنة، وهي السياسة التي أدت إلى تضخم جامح. سيرث بن بريك تحديات نقدية ومالية أخرى، أبرزها رفض عدة فصائل حكومية توريد الإيرادات إلى حسابات البنك المركزي، وسيكون هذا الملف بمثابة محك حقيقي لقدرته على معالجة الاختلالات العميقة في النظام المالي للدولة.
إن مناخ الفساد وانعدام الكفاءة والكسب غير المشروع السائد اليوم، ليس وليد نوعية السياسيين الحاليين فحسب، بل هو نتيجة حتمية لعيوب هيكلية متجذرة، فمؤسسات الدولة كانت ضعيفة على الدوام، لكن كانت هناك على الأقل أدوات أساسية لمكافحة الفساد حينما توفرت الإرادة السياسية، مثل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وهيئة مكافحة الفساد، ومحاكم الأموال العامة، والرقابة البرلمانية. منذ انتقالها إلى عدن، أنشأت الحكومة بعض المؤسسات، ولكنها تجاهلت الأجهزة الرقابية، ولم يكن مفاجئًا أن أقطاب السلطة لم يتطوعوا لتقييد صلاحياتهم التقديرية التي يتربحون منها.
تتفاقم المشكلة نتيجة أسباب أخرى لانعدام فعالية الحكومة وتفشي فسادها، مثل استمرار الحكومة في العمل من المنفى، حيث يقضي الوزراء معظم أوقاتهم في الخارج، ولا يزال بعضهم يدير مكتبه الرئيسي من الرياض. إن هذا الارتهان للتمويل والضيافة السعودية يعقّد من فعالية الحكومة، فهو لا يفتح الباب للتدخل والفساد فحسب، بل يقوض أيضًا أي جهد لتحسين الرقابة والتعاون والمساءلة. في الوقت نفسه، تحتفظ النخب السياسية بعلاقاتها الخاصة مع رعاتها الإقليميين، مما يمنحها القدرة على تحدي القوانين في الداخل.
يضيف طموح المجلس الانتقالي الجنوبي لاستعادة دولة مستقلة في الجنوب، طبقة أخرى من التعقيد، إذ يلمح مسؤولو المجلس في نقاشات خاصة إلى أنهم لا يحرصون على نجاح الحكومة، لأن أي تحسن مادي على الأرض قد يضعف الدعم الشعبي لمشروع الانفصال. لقد عبر رئيس المجلس عيدروس الزبيدي عن هذا الموقف بوضوح في مقابلة معه عام 2021، عندما صرح بأن سقوط مأرب (وهزيمة الحكومة) سيؤدي حتمًا إلى مفاوضات بين الشمال والجنوب، يكون فيها المجلس الانتقالي مسيطرًا على معظم الجنوب، والحوثيون على معظم الشمال.
إن تغيير ربان السفينة الغارقة ليس هو الحل لمآسي الحكومة اليمنية المستعصية. الحل الحقيقي يكمن في ترسيم قانوني واضح وصريح، يفصل بين صلاحيات مجلس الوزراء وصلاحيات مجلس القيادة الرئاسي، فالقيادة الجماعية التي تمثلها نخبة سياسية مجزأة، كما هو الحال الآن، لا يمكنها أن تدير السلطة التنفيذية بفعالية. لهذا السبب تحديدًا، أسند دستور دولة الوحدة لعام 1991، السلطة التنفيذية لمجلس وزراء غير حزبي. من شأن ترتيب كهذا أن يمنح الحكومة فرصة أفضل لمواجهة التحديات الجسيمة التي تعصف بالبلاد على كافة الأصعدة.
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة من الإصدارات التي يُنتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تغطي السلسلة موضوعات اقتصادية وسياسية وبيئية، تهدف إلى تغذية النقاش العام وصنع السياسات المتعلقة باليمن بما يعزّز تحقيق سلام مستدام. لا تُعبّر الآراء الواردة في هذه المادة بالضرورة عن مواقف مركز صنعاء أو حكومة هولندا.