إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

افتتاحية مركز صنعاء

سرعان ما أصبح الصراع في اليمن نموذجاً يحتذى به بالنسبة لللاعبين الغير دولتيين وكيفية استخدامهم مركبات جوية مسيّرة (UAVs)، والمعروفة أيضاً بالطائرات بدون طيار (الدرونز)، كمعادل قوة في حروب القرن الحادي والعشرين.

عام 2019 على وجه الخصوص، سخرت جماعة الحوثيين المسلحة طائراتها المسيّرة المحملة بالمتفجرات في مهمات كاميكازية طويلة المدى، مما سمح لها بتكبيد خصومها خسائر هائلة تتجاوز تراتبيتها خطوط الجبهات. في يناير / كانون الثاني 2019، أعلن متحدث باسم الحوثيين العام الجاري “عام الطائرات المسيّرة” مباشرةً بعد قيام قوات الحوثيين بإرسال طائرة بدون طيار باتجاه عرض عسكري في قاعدة العند الجوية بمحافظة لحج، مما أدى إلى مقتل رئيس الاستخبارات العسكرية ونائب رئيس الأركان في الحكومة اليمنية. كما دأبت هجمات الحوثيين بالطائرات المسيّرة هذا العام على استهداف المطارات المدنية والقواعد العسكرية في جنوب السعودية، حيث أكدت السلطات السعودية إصابة قرابة 50 شخصاً ومقتل شخص واحد على الأقل في هجمات مطار أبها في يونيو / حزيران الماضي فقط. هذا رغم تمكن الدفاعات الجوية السعودية والإماراتية من استهداف بعض الطائرات المسيّرة قبل بلوغها أهدافها.

لطالما أكدت تكتيكات حرب العصابات المجنّدة ضد قوة عسكرية متفوقة أن الأثر السياسي يفوق في أهميته الأثر العسكري، فاستخدام الحوثيين للطائرات المسيّرة هو تطور حديث في حرب غير متكافئة، توفر ميزة اختراق أراضي الخصم وضرب هدف محدد فيها دون تكبد خسائر بشرية ومع تكلفة منخفضة نسبياً، وفي حين سعت جماعات متمردة مختلفة إلى استخدام طائرات مسيّرة بشكل مشابه، يبدو أن الحوثيين هم أول من قام بتوظيفها بتكلفة قليلة وعلى نطاق واسع بوصفها أسلحة موجهة بدقة.

ليس اليمن غريباً على الطائرات بدون طيار، فالولايات المتحدة نفذت أول عملية قتل خارج نطاق القضاء لأحد المشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة عام 2002 باستخدام صاروخ تحمله طائرة مسيّرة، ومنذ قرابة عقدين من الزمن، تتجول الطائرات الأمريكية بلا طيار فوق اليمن لضرب المشتبه بكونهم إرهابيين من الجو. وبينما كانت هذه الطائرات تقتل المدنيين في منازلهم، في حفلات الزفاف وفي الجنازات، تمت أسطرة هذه الطائرات في العديد من المجتمعات باعتبارها موتاً هابطاً من السماء. الحوثيون، في هجماتهم على المدنيين السعوديين، والسعوديون في غاراتهم الجوية على أهداف مدنية في اليمن، كلاهما في هذا الصدد يتبع التقليد الأمريكي المتمثل في الإفلات من العقاب.

لكن الطائرات الأمريكية بدون طيار لم تعد بعيدة عن الاستهداف. في أوائل يونيو / حزيران، تمكن صاروخ أطلقه الحوثيون من إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار من طراز MQ-9 Reaper كانت تحلق فوق محافظة الحديدة غرب اليمن. وفي حادث غير ذي صلة في وقت لاحق من الشهر، تمكنت إيران، حليف الحوثيين الإقليمي، من إسقاط طائرة استطلاع أمريكية بدون طيار فوق مضيق هرمز. وقد يتسبب الحادث، وسط توتر متصاعد بالفعل بين الولايات المتحدة وإيران، باندلاع صراع مفتوح بين الدولتين. ولو كانت الطائرة تقليدية ومأهولة وتعرض جندي أمريكي للقتل أو الأسر، لكان من المحتمل أن ترد واشنطن بقوة. ومع ذلك، فإن الطائرة المسيّرة التي سقطت كانت مجرد قطعة آلات – وإن بلغت قيمتها 130 مليون دولار – وهو ما سمح للرئيس دونالد ترامب بالتحدث بشكل عنيف، لكنه تراجع لاحقاً عن شن غارات حقيقية على إيران.

كانت الولايات المتحدة رائدة صناعة الطائرات المسيّرة، وحتى العام 2000 تحتكر التكنولوجيا كاملة. وبسبب رغبتها بالحفاظ على مرونة عملياتية في أماكن مثل اليمن، امتنعت واشنطن عن الضغط من أجل وضع معايير دولية تتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة في مناطق النزاع قبل أن يتسع نطاق استخدامها مع الوقت، ويبدو أن حسابات المكاسب قصيرة الأجل بهذه الطريقة، على حساب النتائج الاستراتيجية طويل المدى، قد عاد ليطارد الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة. فاليوم توظف الجيوش حول العالم تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، بما في ذلك إيران؛ والحوثيون يملكون طائرات مسيّرة تحاكي النماذج الإيرانية، وفقاً لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن.

ينبغي النظر إلى النزاع اليمني، بما في ذلك التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة فيه ومحاولات اتخاذ تدابير لمواجهتها، على أنه نذير انخفاض السطوة العسكرية التقليدية في الحروب لصالح تكنولوجيا التحكم عن بعد.

 


ظهرت هذه الافتتاحية في حروب الدرونز – تقرير اليمن، يونيو / حزيران 2019

افتتاحيات مركز صنعاء السابقة:

 

مشاركة