يبرز قطاع التعليم كأحد القطاعات الأكثر تأثراً في معظم سياقات الحرب، ولا يُستثنى اليمن من ذلك. خلال فترة الحرب الجارية، دُمرت وتضرّرت مئات المدارس، وتم الزج بآلاف الأطفال في أتون التجنيد العسكري ، بينما يعيش الآلاف من المعلمين بلا أجور منتظمة، إلى جانب تسرّب ملايين الطلاب من المدارس. إن لغة الأرقام لا تكفي لحصر الخسائر الحقيقية التي تكبدها هذا القطاع، حيث جرّدت الغارات الجوية والمعارك القتالية جيلا كاملا من اليمنيين من حقهم في التعليم والأمل في مستقبل أفضل، فضلا عن انتشار الألغام الأرضية والجماعات المسلحة في محيط المدارس، بذل المعلمون جهودا مضنية لأداء واجباتهم التدريسية في ظروف خانقة وفصول مكتظة بالطلاب.
يستكشف هذا الموجز السياساتي تأثير النزاع المسلح على نظام التعليم في اليمن، ويركز خصيصا على تداعيات استهداف المدارس والطلاب والمعلمين. كما يسلط الضوء على بعض من احتياجات اليمن الأكثر إلحاحا في مجال التعليم وإعادة الإعمار، استناداً إلى مقابلات مع مختصين من تعز وخبراء من صنعاء، ومراجعة الدراسات والإحصائيات المتوفرة. على ضوء الاستنتاجات التي خلص إليها، يقدم الموجز التوصيات التالية إلى السلطات المختصة:
اُستهدف النظام التعليمي خلال سنوات الصراع في اليمن، وبصورة مأساوية، حيث تدمرت وتضررت مئات المدارس على يد الجماعات المسلحة والقوات العسكرية، إما بالغارات الجوية أو المعارك على الأرض. اضطرت العديد من المدارس إلى إغلاق أبوابها، بل واستخدمت مدارس كَثكنات لتجنيد الأطفال.[1] على الرغم من توثيق معظم هذه الاستهدافات ضد المنظومة التعليمية، [2] إلا أن تداعياتها وآثارها على المجتمعات المحلية تستدعي المزيد من البحث والنقاش. من هذا المنطلق، يسعى هذا الموجز السياساتي إلى تعميم مسألة حماية التعليم في اليمن، وكذلك تعافي النظام التعليمي والبنية التحتية في المناقشات المتعلقة بالقضايا السياسية والإنسانية، حيث غالبًا ما تطغى الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على مثل هذا النوع من القضايا الهامة.
تركز دراسات الحالة الواردة في هذا الموجز على مدينتي تعز وصنعاء تحديداً، باعتبار وقوع كل منهما تحت سلطة طرف مختلف من أطراف الصراع، بهدف تسليط الضوء على عينة من الأضرار التي ألحقها النزاع المسلح بنظام التعليم في البلاد في مختلف المحافظات. قد تختلف احتياجات المجتمعات المحلية – والحلول السياساتية الواردة – على المدى الطويل، وفقًا لطبيعة تأثير النزاع على هذه المجتمعات واختلاف تجاربها. مثلا، لا ينبغي افتراض أن تتشابه الاحتياجات والحلول الممكنة في مدينة تعز (الواقعة على خطوط التماس والخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً) مع الاحتياجات والحلول في مدينة صنعاء الواقعة تحت قبضة جماعة الحوثيين (حركة أنصار الله) ومَركز حُكمهم.
بغض النظر عن موقع المنطقة أو المحافظة والجهة التي تسيطر عليها، يحتاج نظام التعليم في اليمن إلى مزيد من الاستثمار والاهتمام على المستوى السياساتي لمنع استهداف القطاع وضمان تعافيه، من أجل استعادة حق ملايين الأطفال المحرومين من المدارس في التعليم، ولا سيما الفتيات والشابات ممن تأثرن أكثر من غيرهن.
يستخدم هذا الموجز السياساتي التعريف المعتمد من قبل التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات (GCPEA) والذي يصف الاستهداف والهجمات على نظام التعليم بأنه ” أي تهديد متعمد أو استخدام للقوة – يتم تنفيذه لأسباب سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية أو طائفية أو عرقية أو دينية – ضد الطلاب والمعلمين والمؤسسات التعليمية“.[3] كما تستند تحليلات هذه الورقة إلى مراجعة وافية للدراسات الموجودة التي تناولت وضع نظام التعليم في اليمن خلال فترة الصراع الجاري، بالإضافة إلى الاتجاهات والرؤى المستقاة من خبراء في مجال ”التعليم في حالات الطوارئ“ فيما يتعلق بحماية التعليم وضمان جودته حتى في ظروف الأزمات.
اعتمدت البيانات الأولية لإعداد هذا الموجز على 10 مقابلات مع مختصين، أجراها باحثون ميدانيون في تعز خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2024. أجريت خمس من هذه المقابلات مع معلمين من مدارس حكومية، والخمس المقابلات الأخرى مع مسؤولين في مكتب وزارة التربية والتعليم (التابعة للحكومة) في تعز. طُرحت على المشاركين في المقابلات تسعة (9) أسئلة تتناول تأثير النزاع المسلح على البنية التحتية للتعليم والطلاب، مع التركيز بشكل خاص على وضع الفتيات والشابات، بالإضافة إلى استقاء آراء المشاركين حول التهديدات الأكثر جدية على نظام التعليم، والاحتياجات الأكثر إلحاحاً لتعافي القطاع. على الرغم من أن المقابلات لم تقدم عينة تمثيلية كافية من المعلمين وصانعي السياسات يمكن الاعتماد عليها لاستنباط استنتاجات شاملة، إلا أنها قدمت رؤى من أطراف محلية يمكن أن ترفد التحليلات والحوارات ذات الصلة بما يخدم هذا السياق.
تجدر الإشارة إلى أنه تعذّر إجراء مقابلات رسمية في صنعاء بسبب الوضع الأمني القائم هناك، وتمت الاستعانة عوضاً عن ذلك بمشاورات خاصة أجريت مع مختصين في مجال التعليم والعمل الإنساني ممن عملوا سابقاً في العاصمة، حيث طُرحت عليهم أسئلة مماثلة لتلك المطروحة في المقابلات الرسمية التي أجريت في تعز. اعتمد هذا الموجز السياساتي أيضا على تقارير سابقة ركّزت على وضع التعليم في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلى جانب الاستعانة بمعلومات وبيانات أخرى ذات صلة بالموضوع نشرتها جهات ذات علاقة، مثل كتلة التعليم في اليمن (Yemen Education Cluster) ومنظمة إنقاذ الطفولة و التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات (GCPEA).
اندلع النزاع المسلح في اليمن أواخر العام 2014، عقب سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وأدى العنف الذي أعقب ذلك إلى سلسلة من النكسات في نظام التعليم في البلاد.[4] دُمرت أو تضررت قرابة 2900 مدرسة على يد الأطراف المسلحة والقوات العسكرية، من حينها وحتى العام 2022، حيث تم استهداف بعض من تلك المدارس بهجمات عشوائية، إلى جانب الاستيلاء على مبانٍ مدرسية من قبل أطراف مسلحة.[5]
تسرّب بضعة ملايين الأطفال من المدارس مع استمرار استهداف المنظومة التعليمية، إلى جانب القلاقل الاجتماعية والاختلالات الاقتصادية، كما عانت بعض المدارس الواقعة في مناطق معينة من اكتظاظ الصفوف بالطلاب، ناهيك عن استفحال الخوف والقلق الذي أثر بدوره على جودة التعليم والمخرجات التعليمية. عانى أكثر من 170 ألف معلم ومعلمة، في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تحديداً، من انقطاع رواتبهم خلال سنوات الصراع، مما دفع العديد منهم إلى ترك مهنة التدريس كُلياً.[6] أما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، فَتبرز أزمة من نوع آخر تتمثل في نقص المعلمين.[7]
رغم تراجع حدّة النزاع المسلح منذ إبرام الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022، [8] يستمر تأثير دورات العنف المتكررة على الطلاب والمعلمين، ويُعيق ذلك تعافي المنظومة التعليمية في البلاد. لعلّ الأحداث الأخيرة، التي وقعت بمحافظتي تعز وصنعاء في أغسطس العام الماضي، تعكس التحدي المتمثل بانعدام الأمن في المدارس ومحيطها، حيث أفادت وسائل إعلام يمنية عن إصابة 34 طفلاً بجروح بعد انفجار عبوة ناسفة من مخلفات دورة تدريبية عسكرية سابقة نظمها مسؤولون حوثيون في مدرسة القليس في مديرية بني مطر بمحافظة صنعاء، [9] كما قُتل حارس مدرسة للبنات في مديرية مقبنة بِمحافظة تعز، على يد عناصر حوثية في ذلك الشهر بعد أن حاول منعهم من الدخول.[10] بعد تلك الحادثة بشهر، لقيت طالبتان مصرعهما وأصيبت سبع طالبات أخريات في منطقة الجند بمحافظة تعز بغارة جوية أمريكية – بريطانية.[11]
أي هجوم على مدرسة ما يُمكن أن يخلق بيئة يشيع فيها انعدام الأمن، ويؤثر ذلك بدوره على المجتمع المحلي. غالبًا ما ينزح الطلاب بعد وقوع هجوم ما، ويضطرون إلى الالتحاق بمدارس أخرى، الأمر الذي يفرض عليهم التنقل لفترات طويلة ويُعرض سلامتهم للخطر. في مُعظم الأحيان، قد تلجأ الأسر إلى إبقاء أبنائها (ولا سيما بناتها) في المنازل خوفًا على سلامتهم، أو بسبب الضغوط الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة. عام 2021، وجدت منظمة ”إنقاذ الطفولة“ أن أكثر من 60 في المئة من الطلاب ممن اُستهدفت مدارسهم لم يعودوا إلى مقاعد الدراسة.[12]
يفقد الطلاب، خلال فترة انقطاعهم عن الدراسة، إمكانية الوصول إلى برامج التغذية والخدمات الصحية وفرص التطوّر والنمو؛ كما يصبحون أكثر عرضة للاستغلال، بما في ذلك الزواج المبكر والتجنيد من قبل الأطراف المسلحة.[13] تؤدي هذه الحلقة المفرغة إلى تفاقم أوجه اللامساواة الاجتماعية على المدى الطويل، وتعوق فرص تطور مجتمعات مزدهرة.
رغم أن السنوات القليلة الماضية شهدت تراجعاً نسبياً في مستويات العنف[14] والاستهداف العسكري المباشر للمؤسسات التعليمية، لكن نظام التعليم تعرض لفرض ثقافة وممارسات طائفية وأيديولوجية بشكل قسري في مناطق الحوثيين، إلا أن احتياجات قطاع التعليم تظل حرجة: فَفي شهر مارس 2024، وجدت منظمة إنقاذ الطفولة أن 4.5 مليون طفل – أو طفلين من كل خمسة أطفال – لا يزالون خارج المدارس، حيث أفاد أكثر من ثلاثة أرباع الطلاب بانعدام شعورهم بالأمان. تساهم عوامل أخرى أيضاً في ارتفاع معدلات تسرب الطلاب من المدارس، منها تردي الوضع الاقتصادي في البلاد الذي قوض قدرة الأسر على دفع الرسوم المدرسية واضطرها في بعض الأحيان إلى إخراج أبنائها من المدارس لدفعهم إلى سوق العمل.[15] في غضون ذلك، حاول المتطوعون والمعلمون المتعاقدون سدّ الثغرة التي خلفها انسحاب أعداد من المعلمين من مهنة التدريس، ورغم أن هذا ساهم في حل الاشكالية على المدى القصير، إلاّ أنه عزّز الحاجة إلى وجود معلمين مُتدربين تدريباً جيداً و مُتفرغين للعمل بدوام كامل لضمان جودة التعليم.[16]
من جهة أخرى، ظل التمويل المقدم من المجتمع الدولي، للتخفيف من الظروف الإنسانية الصعبة في اليمن والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، أقل من المطلوب. بحلول أكتوبر 2024، لم يتم تمويل سوى 48% فقط من احتياجات خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لذلك العام. ينطبق القصور ذاته على مستوى قطاع التعليم، حيث تمت تلبية احتياجات 55% فقط من المستفيدين المستهدفين في قطاع التعليم.[17] من هنا تبرز أهمية النظر في دراسات الحالة الخاصة بتعز وصنعاء، وتأثير استهداف نظام التعليم على هذه المجتمعات، كونها تعطي فهماً أفضل وأوضح لما يتعين القيام به.
كانت محافظة تعز أحد خطوط التماس خلال معظم فترة الصراع المسلح الممتد لعقد من الزمن، حيث لَحق دمار وأضرار هائلة بسكانها وبنيتها التحتية ونظامها التعليمي. عام 2015، فرض المقاتلون الحوثيون حصاراً على مدينة تعز (عاصمة المحافظة)، مما حرمها من الموارد الأساسية والمساعدات الضرورية، وأدى إلى نزوح أكثر من 270 ألفا من سكانها.[18] رغم تراجع حدّة العنف في السنوات الأخيرة، إلا أن تعز صُنّفت باستمرار باعتبارها المحافظة الأكثر تضرراً في اليمن بسبب خطورة الوضع، وفقًا لمشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED).[19] عام 2021، قدّرت كتلة التعليم في اليمن (Yemen Education Cluster) تعرّض ما لا يقل عن 369 مدرسة في مختلف أنحاء المحافظة للدمار كليًا أو جزئيًا، أو استخدامها لغرض استضافة النازحين داخليًا أو الاستيلاء عليها من قبل جماعات مسلحة.[20]
في المقابلات التي أجريت مع معلمين من مدارس حكومية (ابتدائية وثانوية) بمدينة تعز، أكّد جميعهم انعدام الشعور بالأمان في المدينة الواقعة على خط التماس بين أطراف النزاع المسلح. أشار المعلمون إلى تلف المواد التعليمية المطبوعة، وحالة الخوف التي تعمّ الفصول الدراسية، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية، وغياب خطط شاملة لحماية القطاع والاستجابة لاحتياجاته، وارتفاع معدلات تسرب الطلاب من المدارس، و حالة الإنهاك والاستنزاف التي تعاني منها الكوادر التدريسية. ذكر المعلمون أيضا، أن المدارس المتضررة والمدمرة لم تُرمّم سوى من وقت لآخر – أحيانًا بدعم من اليونيسف أو منظمات دولية أخرى، وأحيانًا أخرى بتمويل ودعم من المجتمع المحلي. سلط عدد من المعلمين الضوء على أهمية أن تكون مباني المدارس بعيدة عن الجبهات وعلى مقربة من المستشفيات وفرق الإطفاء والطرق الرئيسية، بينما شدد جميع المعلمين المشاركين في المقابلات على الحاجة الماسة لدعم الكوادر التدريسية وتوظيف مُعلمين جُدد. وفقًا لأحد المعلمين الذين تمت مقابلتهم، سيصل ما يقدر بـ 80 في المئة من المعلمين بالمحافظة إلى سن التقاعد بحلول عام 2028.[21]
من جهة أخرى، أشار مسؤولون من مكتب وزارة التربية والتعليم (التابع للحكومة) بتعز – في المقابلات – إلى أن الفترة من 2016 إلى 2018، كانت أكثر فترة تم الإبلاغ فيها عن استيلاء جماعات مسلحة على مبانٍ مدرسية، مُنبهين إلى تضارب الأنباء والمعلومات عن استمرار تواجد جنود في بعض مدارس المحافظة.[22] يتماشى ما ذكره المسؤولون مع المعلومات التي نشرها التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات (GCPEA)، والتي ذكرت 32 حادثة استيلاء على مدارس باليمن من قبل جماعات مسلحة خلال العام 2023. يعد هذا الرقم من بين أدنى المعدلات المسجلة لاستهداف منشآت تعليمية منذ اندلاع الصراع المسلح، علماً بأن العديد من تلك الحوادث وقعت في تعز.[23]
إضافة لذلك، أشار المسؤولون إلى غياب استراتيجية شاملة لتمويل خطط إعادة إعمار المدارس التي دمرت أو تضررت خلال فترة النزاع، منوّهين إلى أن بعض التدخلات تم تمويلها ذاتيًا من قبل المجتمع المحلي، في حين تم دعم البعض الآخر من التدخلات من قبل منظمات دولية مثل اليونيسف والمجلس الثقافي البريطاني ومؤسسة توكل كرمان. أكد جميع المسؤولين على الوضع الصعب للمعلمين، الذين يكافحون لتأدية واجباتهم في ظل تأخر الرواتب واستشراء الفقر واستمرار الصراع.[24]
يعاني سكان مدينة صنعاء من الممارسات القمعية لجماعة الحوثيين، التي تستهدف المجتمع المدني، كما هو الحال في المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرتهم، حيث طالت سطوة الحوثيين العديد من المعارضين والناشطين والعاملين في المنظمات الدولية وقطاع التعليم ممن اعتقلوا وألقي بهم في غياهب السجون.[25] على مستوى قطاع التعليم، لم يتم صرف رواتب أكثر من 170 ألف معلم ومعلمة بشكل منتظم، وتضررت أو دُمرت عدة مدارس بسبب النزاع، [26] ناهيك عن قيام الحوثيين بتغيير المناهج الدراسية لتتماشى مع توجهات الجماعة الأيديولوجية – بما في ذلك الترويج لعقيدة الجهاد وتمجيد العنف، وإلغاء ذكر بعض الشخصيات العربية واليمنية التي لها رمزية تاريخية، من بين تغييرات أخرى. فعلى سبيل المثال، يسرد كتاب اللغة العربية للصف السادس الابتدائي (والذي أدخلت الجماعة تغييرات عليه) قصة معركة وهمية تغير مجراها بسبب عملية تفجيرية انتحارية يقوم بتنفيذها طفل مجند.[27] فضلا عن ذلك، تشير تقديرات العام 2021، إلى أن الحوثيين دشنوا ما يقرب من 3700 ”مخيما صيفيا“ في مناطق سيطرتهم، حيث يتم تلقين الطلاب مناهج عسكرية وطائفية مكثفة من قبل معلمين يختارهم الحوثيون.[28] جدير بالذكر أنه تم تجنيد أكثر من 10 آلاف طفل من هذه المخيمات، ودُفع بهم إلى صفوف المقاتلين الحوثيين.[29] هذا وتشكل تدخلات الحوثيين في النظام التعليمي بصنعاء، واستغلالهم له، تحديًا صعباً أمام حماية البنية التحتية التعليمية في مناطق سيطرتهم وإعادة تأهيلها.
رغم تعذّر إجراء مقابلات رسمية في صنعاء، أكد الخبراء المحليين (الذين تمت استشارتهم لغرض إعداد هذا الموجز السياسي) التغييرات المثيرة للقلق في المناهج الدراسية، وظاهرة ابتزاز المعلمين من قبل سلطة الحوثيين، [30] وعسكرة نظام التعليم عبر تجنيد الأطفال الملتحقين بالمخيمات الصيفية التي تُفيمها الجماعة.[31] على الرغم من توقيع الحوثيين على خطة عمل مع الأمم المتحدة – في أبريل 2022 – تعهدوا فيها بإنهاء تجنيد الأطفال، [32] إلا أن منظمة هيومن رايتس ووتش وجدت بأن ممارسات تجنيد الأطفال استمرت حتى العام 2024.[33]
تواصل جماعة الحوثيين عسكرة نظام التعليم بطرق لا حصر لها، إلى جانب استهداف العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية، في تحدٍ واضح للمجتمع الدولي، مما يعني أن أية مساعٍ لحماية قطاع التعليم وإعادة بناء الأنظمة التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة سَتنطوي على تعقيدات كبيرة. مع فشل نهج العمل العسكري ضد الجماعة ومحاولات عزلها سياسياً، وإخفاق الدبلوماسية الناعمة في إحداث تغيير إيجابي في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، سَيتعين على صانعي السياسات إيجاد سُبُل جديدة للاستفادة من جهود إحياء مسار السلام، ووضع خطوط حمراء واضحة تُعزز المساءلة في حال استمرار الاعتداءات على نظام التعليم.[34]
في ظل الظروف الراهنة، يُفضل أن تولي السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي الأولوية لحماية نظام التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين، قبل الموافقة على تمويل وتنفيذ برامج جديدة سَتستغلها الجماعة غالباً.
ثمة حاجة ملحة إلى تنفيذ عدد من الإصلاحات على مستوى السياسات العامة، من أجل التعامل مع تداعيات استهداف نظام التعليم في اليمن. على ضوء التحليلات الواردة آنفاً، واعتماداً على آراء الخبراء والمختصين الذين تمت مقابلتهم واستشارتهم، يقدم هذا الموجز السياساتي أربع توصيات، مع ضرورة الإشارة إلى أنها لا تغطي جميع الاحتياجات التعليمية (والإنسانية) على مستوى البلاد:
هذا الموجز السياساتي هو أحد إصدارات منتدى سلام اليمن – وهي مبادرة تفاعلية تسعى إلى الاستثمار في بناء وتمكين الجيل القادم من الشباب والجهات الفاعلة في المجتمع المدني اليمني وإشراكهم في القضايا الوطنية الحرجة.