إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

حضرموت على المحك: غضب شعبي يكشف أزمة الحكم

Read this in English Read this in English

أدى اندلاع احتجاجات عنيفة في جميع أنحاء حضرموت أواخر يوليو، إلى إغراق المنطقة في الفوضى، في ظل تنافس الجماعات السياسية والعسكرية والقبلية للسيطرة على أكبر محافظات اليمن. قد تسبب النقص المستمر في الوقود بانقطاعات حادة للكهرباء في العاصمة المكلا ومدن أخرى في أنحاء حضرموت، حيث خرج المئات إلى الشوارع في احتجاجات استمرت لأسابيع . كان على رأس مطالب المحتجين تحسين الخدمات العامة، وفي مقدمتها معالجة النقص الحاد في الكهرباء والمياه.

رغم محاولات قوات الأمن استعادة النظام وتحسن إمدادات الكهرباء، إلا أن استمرار المظاهرات واسعة النطاق وغياب استجابة منسقة من مختلف الأطراف السياسية الفاعلة في حضرموت، يشير إلى أزمة بنيوية أعمق، حيث دفعت التطورات الأخيرة الكثيرين إلى إعادة النظر في مستقبل القيادة المحلية ومكانة المحافظة ضمن السياق اليمني الأوسع.

في قلب الصراع السياسي في حضرموت يقف الشيخ القبلي و وكيل أول محافظة حضرموت عمرو بن حبريش، الذي ساعده موقعه كقائد لقبيلة آل حُموم القوية إلى صعوده الصاروخي في عالم السياسة، وجعله أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في المحافظة. من خلال الكيانين الموالين له، “حلف قبائل حضرموت” و”مؤتمر حضرموت الجامع”، تحدى بن حبريش سلطة أطراف فاعلة ومؤثرة أخرى في جميع أنحاء حضرموت. تشمل هذه الأطراف محافظ المحافظة مبخوت بن ماضي، المحسوب على المؤتمر الشعبي العام، وقيادة المنطقة العسكرية الأولى الموالية لحزب الإصلاح، وقوات درع الوطن الممولة من السعودية تحت قيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والمنطقة العسكرية الثانية، وقوات النخبة الحضرمية. الصعود السريع لبن حبريش أقلق خصومه، خاصة مع استمراره في حشد الدعم لمشروعه السياسي الطموح.

انقطاع وشيك للكهرباء وتصاعد السخط

الاحتجاجات في المكلا، التي تخضع في المقام الأول لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات النخبة الحضرمية، ليست ظاهرة جديدة، فمنذ أكثر من عام، عانت المدينة من انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي بسبب نقص الوقود، مما جعل الحياة اليومية تحدياً لما يقرب من ثلث سكان حضرموت الذين يقطنونها. كانت العاصمة الساحلية مسرحاً لمظاهرات تندد بالفساد وتطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير خدمات عامة أفضل.

لعل أكثر القادة الحضارم استفادة من هذا السخط هو بن حبريش، الذي استخدم شبكته القبلية الواسعة لانتزاع السيطرة على سلسلة إمدادات النفط، في محاولة لممارسة نفوذ سياسي ليس فقط على المكلا بل وعدن أيضا، التي تعاني بدورها من أزمة كهرباء، ففي غضون ما يزيد قليلاً عن العام، انتقل من تنظيم نقاط تفتيش قبلية مؤقتة تعيق ناقلات النفط، إلى قيادة حركة سياسية متكاملة لها ذراعها العسكري الخاص، بل وتطمح إلى حكم ذاتي لـ حضرموت. في حين رحب أنصاره بهذه التحركات باعتبارها جهوداً لزيادة الشفافية ومنح السيطرة على موارد المحافظة للسكان المحليين، فإن محاولاته المتكررة لاحتجاز الوقود كرهينة، غالباً على حساب الحضارم أنفسهم، دفعت الكثيرين إلى التشكيك في دوافعه.

أصبح الوضع المتوتر أصلا، أكثر توترا، عندما بدأت مناطق الهضبة بالمكلا، مثل ربوة المهندسين والديس وشعب البادية وحي باجعمان وربوة خلف، تعاني من نقص حاد في المياه أوائل يوليو. قام السكان، الذين أصابهم الإحباط بسبب ما وصفوه بـ”التوزيع غير العادل للموارد” وإهمال السلطة المحلية، بالاحتجاج عبر قطع إمدادات المياه عن مناطق أخرى. عزت المؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي الحكومية هذا النقص إلى عدم كفاية إمدادات الوقود، وهو ما يتماشى مع تحذيرات السلطة المحلية من انقطاع وشيك للتيار الكهربائي.

لم يؤدِ تبادل الاتهامات هذا إلا إلى تعميق انعدام الثقة لدى الجمهور، حيث أبرز نقص المياه وتضاؤل احتياطيات الوقود في محطات الطاقة – التي وصلت إلى مستويات منخفضة بشكل حرج بحلول أواخر يوليو – قدرة السلطة المحلية المحدودة والمتراجعة على توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

في غياب أية استجابة رسمية، تدخلت مجموعة من المتطوعين تكونت من قيادات مجتمعية، لتشكيل لجنة تفاوض طارئة في 25 يوليو، وأطلقوا على أنفسهم “لجنة التصعيد لشباب وأهالي المكلا”. بدون تفويض أو امتلاك سلطة رسمية، سافرت اللجنة إلى مديرية غيل بن يمين، معقل حلف قبائل حضرموت، للتوسط في صفقة مع بن حبريش، للحصول على إمدادات وقود إضافية. وفقا لمصادر حضرت الإجتماع، كانت المفاوضات واعدة في البداية، حيث تعهد بن حبريش بتزويد المكلا بشحنات ديزل كافية، لكنها لم تتحقق قط. لطالما أكد حلف قبائل حضرموت أن السلطات المحلية تقدم أرقاماً غير دقيقة حول كمية الوقود التي تحتاجها وتتلقاها المكلا ومدن أخرى، وهي مشكلة حاول الحلف معالجتها من خلال تتبع تسليم شاحنات الوقود إلى محطات الطاقة عن كثب عبر نشرة يومية.

مع تضاؤل إمدادات الديزل خلال اليومين التاليين (للوساطة)، استمر النزاع السياسي الداخلي في شل أي تدخل محتمل، وفي 27 يوليو، أعلنت السلطة المحلية أن انقطاعاً كاملاً للتيار الكهربائي في المكلا بات وشيكاً، وحاولت إلقاء اللوم على حلف قبائل حضرموت، لكنها بدلاً من ذلك أثارت موجة من الاتهامات المتبادلة. واتهم[1] عضو في لجنة التصعيد السلطة المحلية وشركة النفط اليمنية، بعرقلة وصول المشتقات النفطية لامتناعها عن إصدار التصاريح اللازمة، وهو ما نفاه فرع الشركة بساحل حضرموت.

رغم ما بدا من حسن نية في مبادرة لجنة التصعيد، إلا أنها عكست واقع السياسة الحضرمية اليوم، حيث غالباً ما تؤدي المجموعات الظرفية، التي تفتقر إلى الخبرة التنظيمية، إلى تفاقم عدم الاستقرار والانقسام بدلاً من حل المشكلة. وسط المشاحنات السياسية، نفدت إمدادات الوقود في المكلا بسرعة، وفي 27 يوليو، غرقت المدينة في ظلام شبه دامس، مع انقطاع التيار الكهربائي لمدة وصلت إلى 20 ساعة يومياً في بعض المناطق، بينما شهدت مناطق أخرى انقطاعاً تاماً لمدة 48 ساعة.

الفوضى تندلع في عدة مدن

بحلول صباح 28 يوليو، كان المحتجون الغاضبون قد أغلقوا الطرق الرئيسية في المكلا، واقتحموا مبنى للسلطة المحلية، وأغلقت المجمعات الحكومية أبوابها، وكذلك فعلت الشركات الخاصة، بينما غرقت المدينة في الفوضى.

على الرغم من أن المكلا شهدت احتجاجات مماثلة في الماضي، إلا أنه كان يتم احتواء الاضطرابات بسرعة في العادة، أما هذه المرة، فلم تتدخل أي من قوات الأمن المحلية خلال الـ 24 ساعة الأولى، في سابقة هي الأولى من نوعها في المدينة، وتمثل علامة واضحة على انهيار التنسيق بين السلطات المحلية واللجان المجتمعية وقوات الشرطة والوحدات العسكرية. بحلول مساء اليوم التالي، كان المحتجون يجوبون أنحاء المدينة، يحرقون إطارات السيارات ويغلقون المتاجر بالقوة.

عندما تدخلت قوات الأمن أخيراً، في اليوم التالي، كانت الاستجابة ضعيفة وغير منسقة، ويغلب عليها طابع رد الفعل. انتشرت قوات النخبة الحضرمية، التي امتنعت في البداية عن مواجهة المتظاهرين، حول الطرق الرئيسية في المدينة، بينما اقتحم المحتجون محطة كهرباء ودمروا مركبة عسكرية. في اليوم الثالث، انتشرت قوات الأمن بشكل أكثر منهجية، وبحلول نهاية الأسبوع، كانت تعيد فتح الطرق بمساعدة قادة المجتمع المحليين، وفي خضم الفوضى، ترددت أنباء عن تبادل لإطلاق النار بين مسلحين والشرطة العسكرية.

امتدت الاحتجاجات إلى مدن أخرى في مناطق ساحل ووادي حضرموت، بما في ذلك سيئون وتريم وشبام والقطن وغيل باوزير، وحتى معقل آل حُموم في الشحر. و قتل مدني بتريم في 30 يوليو، عندما أطلقت قوات الأمن النار على حشد من المحتجين أثناء محاولتها تفريقهم، ورغم ادعاء الشرطة أن الحادث كان عرضياً وتعهدها بالتحقيق، إلا أن الواقعة سرعان ما أشعلت موجة جديدة من الغضب والمظاهرات. في مدن أخرى، أغلق المحتجون الطرق الرئيسية ومنعوا دخول القات والإمدادات الأخرى.

في محاولة يائسة لاحتواء الأزمة، تشكل وفد جديد باسم “اللجنة المجتمعية” بتوصية من مدير عام مديرية المكلا السابق، سالم بن شيخ أبوبكر، لتفقد محطات الطاقة، ومراقبة شحنات الوقود، وإجراء محادثات مع بن حبريش. نجحت المفاوضات في تأمين شحنة ديزل طارئة من حلف قبائل حضرموت، مما أعاد الكهرباء إلى المكلا بنظام ساعتين تشغيل مقابل ساعتين إطفاء، ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت المظاهرات قد اكتسبت زخماً خاصاً بها، واستمر المحتجون في التجول بالشوارع حتى بعد عودة الكهرباء، واستمرت المظاهرات بشكل متقطع حتى مطلع أغسطس، مع إصرار المواطنين على مطالبهم بتحسين الخدمات وزيادة الشفافية الحكومية.

لا يبدو أن كياناً بعينه حرض على الاحتجاجات – فقد أحرق المتظاهرون صور زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، والمحافظ بن ماضي، وزعيم حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش – لكن عدة جماعات حاولت استغلال زخمها، وأصدرت بيانات تحذر من عواقب الإهمال السياسي، حيث أدانت قيادات من كل من المجلس الانتقالي الجنوبي وحلف قبائل حضرموت التدخلات الأمنية، واصفة إياها بأنها “هجمات ضد المدنيين”.

مستقبل المشهد السياسي في حضرموت

في حين أبرزت الاحتجاجات الأخيرة مستوى غير مسبوق من التنافر الاجتماعي والسياسي في حضرموت، إلا أنها أظهرت أيضاً وحدة محلية في مواجهة اللاعبين المحليين الرئيسيين، ففي غضون أيام، امتدت الاحتجاجات إلى جميع مدن حضرموت الرئيسية تقريباً، في تحدٍ للسلطات المدعومة من المجلس الانتقالي الجنوبي والإصلاح ومؤتمر حضرموت الجامع. إن عمق السخط الشعبي، رغم مأساويته، قد تجاوز الانقسامات السياسية والقبلية والمناطقية، وبات يتحدى الأعراف السياسية في حضرموت.

رغم هذه المؤشرات، وبينما تدافع الاحتجاجات عن قضية مشروعة، يظل خطر استغلال جماعات خبيثة للفوضى احتمالاً قائماً. في وقت مبكر، حذرت اللجنة الأمنية التابعة للسلطة المحلية، من معلومات استخباراتية تشير إلى أن جهات فاعلة “خبيثة”، بما في ذلك عناصر من تنظيم القاعدة ومندسين حوثيين، كانت تحاول استغلال المظاهرات كغطاء لاستهداف عناصر عسكرية وإثارة المزيد من الاضطرابات. عبر بيان نادر حول حدث محلي كهذا، أصدر تنظيم القاعدة في وقت لاحق مقطع فيديو يشيد فيه بالمظاهرات ويحث المحتجين في حضرموت والمكلا، – التي سيطر عليها التنظيم بين عامي ٢٠١٥-٢٠١٦ – على الانتفاض ضد قمع الحكومة.

من جانبه، مُني المجلس الانتقالي الجنوبي بنكسة كبيرة، إذ فشل المجلس في استمالة المحتجين لخدمة أجندته السياسية ورفع علم الجنوب. تعكس الدعوات الشعبية لانسحاب القوات التابعة للمجلس حجم الإستياء على الأرض. من المرجح أن يستفيد مؤتمر حضرموت الجامع، الذي أجج أتباعه الاحتجاجات بحثّ المتظاهرين على اقتحام المباني الحكومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من تراجع دور ونفوذ المجلس الانتقالي، ليرسخ بذلك دوره الجديد كوسيط رئيسي في المشهد السياسي المتغير بحضرموت.

خلف الكواليس، أججت اضطرابات حضرموت التكهنات حول تغييرات في قيادة السلطة المحلية، فقد قدم عدد من شيوخ القبائل – عبر مؤتمر حضرموت الجامع – رسالة رسمية إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، يدعون فيها إلى إقالة المحافظ مبخوت بن ماضي، لكن عودة الأخير إلى المكلا في 9 أغسطس (بعد غياب دام قرابة أربعة أشهر عن المحافظة) قد ساهمت في دفع المشاريع المتعثرة واستعادة خدمات المياه، وإن كان من غير المرجح أن تُرسي هدوءاً دائماً، فغياب المحافظ اقترن بفشل السلطة المحلية في الاستجابة للأزمة، مما قد يعجّل بحدوث فراغ سياسي في المكلا يسعى المنافسون الآن لاستغلاله.

من بين الأسماء المطروحة كخلفاء محتملين، نائب المحافظ لشؤون الوادي والصحراء عصام بن حبريش الكثيري، الذي يحظى بدعم كتلة من شيوخ القبائل بقيادة عبد الله بن صالح الكثيري، وهو قيادي بارز في قبيلة آل كثير النافذة، وعضو في كل من مجلس الشورى، ومجلس حضرموت الوطني. هناك منافس آخر هو أكرم العامري، نائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة، والأمين العام لمؤتمر حضرموت الجامع، الذي يحظى بدعم عدد من الأعضاء البارزين في المؤتمر. البعض تكهن بأن عمرو بن حبريش نفسه، قد يكون من المرشحين، على الرغم من تعليق خطة سابقة لتنصيبه عقب معارضة من عضو لم يُكشف عن هويته في مجلس القيادة الرئاسي. لعل أسوأ نتيجة قد تكون اختيار شخصية توافقية مقبولة لدى الفصائل المتنافسة، لكنها غير قادرة على تنفيذ الإصلاحات أو معالجة المحركات البنيوية لعدم الاستقرار.[2]

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو احتمال تحول الصراع السياسي إلى صراع مسلح، فلكل من الأطراف الفاعلة المحلية المتنافسة والمنقسمة بين القوات المدعومة إماراتياً وسعودياً أجندته، وتتسابق هذه الأطراف حاليا لتمثيل صوت حضرموت.

تهدد مثل هذه الانقسامات المتجذرة برفع التوترات إلى حافة المواجهة، كما حدث عام 2023، عندما واجهت القوات المدعومة من الإمارات مقاومة بعد تحريك كتيبة منها باتجاه سيئون، وإذا شعر بن حبريش بالخطر، فقد يسعى إلى عقد تحالفات مع قوات درع الوطن المدعومة سعوديا، أو حتى مع جماعات سلفية لتوسيع نفوذه، حيث وقد لجأ الرجل إلى الرياض من قبل، رغم أنه كان قد أشار إلى تردده في القيام بذلك.

في نهاية المطاف، بدون تسوية سياسية، قد تختبر مراكز القوى المتنافسة في حضرموت حدود بعضها البعض بشكل متزايد، مما يطمس الخطوط الفاصلة بين الخطاب والواقع، ويهدد بالانزلاق الخطير نحو مرحلة أكثر تصادمية وتقلبًا.


أُعد هذا التحليل في إطار برنامج دعم الحوار السياسي من أجل السلام في اليمن، الذي ينفذه مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ومؤسسة مارتي أهتيساري للسلام، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

الهوامش
  1. استناداً إلى مراجعة مركز صنعاء لمقطع فيديو
  2. تنويه: ليست للمؤلف صلة قرابة وثيقة بأيّ من الشخصيتين المذكورتين.
مشاركة