إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

خيارات الحوثيين الصعبة بعد الاستهداف الإسرائيلي

Read this in English Read this in English

استهدفت غارات إسرائيلية في 28 أغسطس، اجتماعًا رفيع المستوى لوزراء في الحكومة التي عينتها جماعة الحوثي (أنصار الله) بصنعاء، مما أسفر عن مقتل رئيس الوزراء أحمد غالب الرهوي ومسؤولين آخرين في الحكومة. جاءت الغارات الجوية على أحياء سكنية في مدينة صنعاء بعد يوم من إطلاق قوات الحوثيين صاروخًا باليستيًا باتجاه مطار بن غوريون الإسرائيلي. لأكثر من عام، استهدفت إسرائيل موانئ ومطارات وبنية تحتية في صنعاء ومناطق أخرى يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، ردًا على وابل منتظم من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها الجماعة، والتي تقول إنها تقاتل إسرائيل تضامنًا مع الفلسطينيين في غزة.

أكد الحوثيون مقتل الرهوي، إلى جانب 11 شخصًا آخرين على الأقل، وفي حين يمثل الهجوم تصعيدًا كبيرًا في الصراع الدائر بين الحوثيين وإسرائيل، فإن المسؤولين الذين تأكد مقتلهم كانوا ذوي نفوذ محدود داخل هياكل صنع القرار في الجماعة.

الضحايا الذين تأكد مقتلهم (وقت إعداد هذه المادة):

  • رئيس مجلس الوزراء أحمد غالب الرهوي
  • وزير العدل وحقوق الإنسان مجاهد أحمد عبدالله علي
  • وزير الاقتصاد معين هاشم المحاقري
  • وزير الزراعة رضوان علي الرباعي
  • وزير الخارجية جمال عامر
  • وزير الكهرباء والطاقة علي سيف محمد حسن
  • وزير الثقافة والسياحة علي قاسم اليافعي
  • وزير الشؤون الاجتماعية والعمل سامر محمد أحمد باجعالة
  • وزير الإعلام هاشم أحمد شرف الدين
  • وزير الشباب والرياضة محمد علي أحمد المولد
  • مدير مكتب رئيس الوزراء محمد قاسم الكبسي
  • أمين عام مجلس الوزراء زاهد محمد العمدي

أدت القيود المشددة التي يفرضها الحوثيون على المعلومات الصادرة من صنعاء إلى إثارة تكهنات حول مقتل أو إصابة شخصيات رئيسية في القيادة العليا للجماعة. قال مسؤولون إسرائيليون لوكالة رويترز إنهم استهدفوا رئيس أركان ووزير دفاع الحوثيين، بينما سارعت الجماعة إلى تبديد الشائعات حول وزير الدفاع المعين من قبلها، محمد العاطفي، ورئيس أركان قواتها المسلحة، محمد عبد الكريم الغماري، الذي أفادت الأنباء أنه نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية في يونيو، عبر نشر بيانات مكتوبة منسوبة إليهما.

تتضارب التقارير حول تفاصيل الهجوم الإسرائيلي، بما في ذلك العدد الإجمالي للغارات ومواقعها الدقيقة، ومن غير الواضح أيضًا ما إذا كان الوزراء قد قُتلوا معًا في غارة جوية واحدة أم في سلسلة من الغارات في أنحاء العاصمة. أفادت القوات الإسرائيلية باستهداف “منشأة” خلال اجتماع قيادات حوثية فيها، وقالت مصادر قبلية لوكالة أسوشيتد برس إن الغارة التي قتلت الرهوي استهدفت فيلا في حي بيت بَوس جنوبي مدينة صنعاء. كما ذكرت مصادر في صنعاء لقناة فرانس 24، أن منزلًا في بيت بوس كان من بين المواقع المستهدفة.

في غضون ذلك، أفاد صحفي يمني بأن الغارات استهدفت منزلًا يعود لمشرف حوثي بالقرب من شارع صفر في حي حدة بمدينة صنعاء، غربي بيت بوس، وأن قوات الأمن الحوثية طوقت المنطقة. تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن مبنى في حدة ربما تعرض لأضرار، ولا تزال التقارير الأخرى التي تفيد بأن الغارات الجوية الإسرائيلية استهدفت منشآت عسكرية حوثية بالقرب من جبل عطّان والقصر الجمهوري غير مؤكدة.

سارع الحوثيون إلى تعيين رئيس وزراء جديد مكلف، هو محمد مفتاح، والذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، وهو رجل دين ومن التيار المتشدد ويتمتع بنفوذ سياسي كبير. في الأول من سبتمبر، نُظمت مراسم تشييع رسمية وعسكرية في جامع الصالح بالعاصمة صنعاء، ليدفن القتلى لاحقًا في “مقبرة الشهداء” بشارع السبعين. يُذكر أن هذه المقبرة هي مدفن قادة آخرين مرتبطين بالجماعة، من بينهم صالح الصمّاد، رئيس المجلس السياسي الأعلى الذي عينه الحوثيون، وقُتل في غارة جوية للتحالف بقيادة السعودية عام 2018.

في أعقاب الغارات الجوية، داهم الحوثيون مكاتب برنامج الأغذية العالمي واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية في صنعاء، وقال مسؤولون في الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن 11 موظفًا قد اعتُقلوا، ليُضافوا إلى عشرات الموظفين المحليين في الأمم المتحدة الذين تحتجزهم الجماعة منذ أكثر من عام، ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى إطلاق سراحهم فورًا.

في الأول من سبتمبر، أعلن الحوثيون أنهم قصفوا ناقلة “سكارليت راي” بصاروخ باليستي أثناء إبحارها قبالة سواحل مدينة ينبع السعودية. الناقلة الكيماوية التي ترفع علم ليبيريا مملوكة لشركة لها صلات بقطب الشحن الإسرائيلي إيدان عوفر، وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن الصاروخ أخطأ السفينة؛ وهو ما أكده بيان من مالك السفينة، الذي قال إن “سكارليت راي” لم تتضرر وأنها تحت سيطرة قبطانها. في اليوم التالي، زعم الحوثيون أنهم شنوا أربع هجمات بطائرات مسيّرة ضد إسرائيل، استهدفت مبنى هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي ومطار بن غوريون وميناء أشدود ومحطة طاقة في وسط إسرائيل. تقول القوات الإسرائيلية إنها اعترضت قذيفة واحدة.

فيما يلي، يعلق خبراء مركز صنعاء على الغارات الإسرائيلية ويحللون مستقبل الصراع بين الحوثيين وإسرائيل.


الحوثيون على مفترق طرق حاسم

لا يُمثل اغتيال إسرائيل لرئيس وزراء الحوثيين والعديد من أعضاء حكومته ضربة قاصمة لرأس الجماعة، على غرار عمليات إسرائيلية سابقة استهدفت حزب الله أو إيران، فمجلس الوزراء، بل والحكومة بأكملها، ليس سوى واجهة لأصحاب السلطة الحقيقيين في الحركة الحوثية، وهم ضباط كبار لا يظهرون في الإعلام ويظلون بعيدين عن أعين العامة. لهذا السبب تحديدًا كان ضحايا الغارة الإسرائيلية يمارسون حياتهم بشكل طبيعي وروتيني، فلم يتوقعوا قط أن يكونوا هدفًا، فاجتماع الحكومة، الذي قيل إنه كان لمناقشة ترتيبات المولد النبوي، هو حدث سنوي متكرر. إن هذا النوع من الروتين المتوقع قد يُقبل من الموظفين المدنيين، ولكن ليس من ضباط أمن محنكين تحميهم بروتوكولاتهم التي أثبتت فعاليتها في حماية كبار قادة الحوثيين على مدى عشر سنوات من الحرب.

تضع تداعيات الهجوم الحوثيين أمام خيارين: التصعيد أو التهدئة. لقد أعلنوا عزمهم على الثأر لرفاقهم الذين سقطوا، وبالفعل أطلقوا صاروخًا جديدًا أكثر تطورًا باتجاه إسرائيل، ليبرهنوا على التزامهم بالرد وقدرتهم عليه، وبعد أن أثبتوا وجهة نظرهم، أصبحوا الآن في موقف يتيح لهم دراسة خياراتهم، خاصة مع هجوم آخر محتمل على إيران من قبل إسرائيل والولايات المتحدة يلوح في الأفق.

بات على الحوثيين أن يقرروا: فإما أن يتمسكوا بحلفهم مع إيران حتى النهاية، كما يدّعون دائمًا، أو أن يستغلوا المخرج الذي أتاحه لهم هذا الهجوم. لقد أصرت الجماعة حتى الآن على تحدي إسرائيل وأمريكا، مؤكدةً إيمانها بأن النصر سيكون حليفها في أي مواجهة بفضل العون الإلهي، ومعتبرةً أن عضويتها في “محور المقاومة” أمر غير قابل للتفاوض، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما إذا كانوا يأخذون في الحسبان احتمال أنه إذا سقطت إيران، فسيسقطون معها؛ بالمقابل، إذا التزمت طهران بمفاوضات مع واشنطن، فقد تضحي بالحوثيين لتحقيق مصالحها الخاصة، ففي النهاية، سبق لإيران أن عرضت المساعدة في “حل النزاع اليمني”.

على الجانب الآخر، قد يرى البراغماتيون داخل جماعة الحوثي، الذين شاهدوا اتفاق السلام المغري مع السعودية يضيع من بين أيديهم بسبب عملياتهم العسكرية في البحر الأحمر، أن هذه هي اللحظة المثالية ليقولوا لمحور المقاومة، ولقاعدتهم الشعبية على حد سواء: “لقد قدمنا ما يكفي لغزة وفلسطين”. قد يلجؤون إلى سلطنة عُمان للتوسط في وقف إطلاق النار مع إسرائيل، كما فعلوا مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، ليجنبوا أنفسهم المزيد من الخسائر ويحاولوا إحياء اتفاق السلام مع السعودية.

يواجه الحوثيون اليوم منعطفًا حاسماً قد يحدد مستقبل الحرب والسلام في اليمن، فهل سيخاطرون بكل شيء ويتجهون نحو مزيد من التصعيد، أم سيسلكون طريق النجاة ويجنحون للسلم؟ أراهن على الخيار الثاني.


الغارات الإسرائيلية: مقدمة لمزيد من التصعيد

يأتي التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد الحوثيين متزامنًا مع ثلاثة تطورات إقليمية رئيسية: أولًا، تكثيف الحراك الدبلوماسي الدولي بقيادة مصر والأردن والسعودية، بالتوازي مع ضغوط عالمية متزايدة لإنهاء الحرب في غزة؛ ثانيًا، وصول المفاوضات بين إيران والغرب إلى طريق مسدود، وتعرُّض وكلاء إيران في العراق ولبنان لضغوط متنامية لنزع سلاحهم؛ ثالثًا، إعلان إسرائيل عن خططها للمضي قدمًا في احتلال كامل لغزة، على الرغم من الخلافات الداخلية الحادة بين الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية والرأي العام.

بدا أن الهجوم الإسرائيلي الأخير يهدف إلى تحقيق عدة غايات عملياتية: تمثلت الغاية الأولى في استهداف حلقات الوصل داخل القيادة الحوثية، وتحديدًا محمد عبد الكريم الغماري، الذي يشغل منصب رئيس أركان القوات الحوثية ويمثل حلقة الوصل العملياتية بين التوجيهات السياسية والتنفيذ العسكري، ويلعب دورًا محوريًا في تنسيق عمليات الجماعة العابرة للحدود، وقد باءت محاولات إسرائيل السابقة لاغتياله بالفشل، مما يؤكد مدى إحكام بروتوكولاته الأمنية. يُعد البيان المنسوب إليه الذي أصدرته الجماعة فور وقوع الغارات محاولة واضحة لدحض أنباء مقتله، مما يعكس مكانته المتزايدة داخل الجماعة؛

أما الغاية الثانية، فكانت تفكيك الأصول السياسية للحوثيين. رغم أن “حكومة التغيير والبناء” التي شكلها الحوثيون لم تكن سلطة حقيقية لصنع القرار، إلا أنها كانت تحمل رمزية وسياسية، وتُرسّخ حكم الحوثيين وتمنحهم مظهرًا شبه دولتي، والقضاء عليها قد يثني الشخصيات السياسية غير الحوثية عن التحالف مع الجماعة مستقبلًا. شكّل استهداف السياسيين المتحالفين مع الحوثيين خروجًا عن الأهداف العملياتية للغارات السابقة، التي ركزت على ضرب أصول اقتصادية مدنية، كمخازن النفط ومحطات الطاقة والموانئ والمطارات. رغم أن تلك الضربات، إلى جانب الهجمات الأمريكية على ترسانة صواريخ الحوثيين ومخازن أسلحتهم في الفترة من مارس إلى مايو، قد أضعفت الجماعة، إلا أنها لم تنجح في ردع الحوثيين عن مواصلة هجماتهم على الموانئ والبنية التحتية الإسرائيلية.

تعكس هذه الغارات أيضًا أهدافًا سياسية إسرائيلية أوسع، حيث تحاول الحكومة تحويل الانتباه العالمي بعيدًا عن غزة وتوجيهه نحو الحوثيين وغيرهم من الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة، كما أن المواجهة مع الحوثيين تضفي شرعية على الوجود البحري الإسرائيلي طويل الأمد في البحر الأحمر، تحت ذريعة ضمان الأمن البحري.

إن اغتيال السياسيين الحوثيين يعيد إلى الأذهان محاولات إسرائيل السابقة لاستهداف قادة أجانب معادين لها، بما في ذلك الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق، واغتيال شخصيات بارزة مثل قائد حماس إسماعيل هنية وزعيم حزب الله حسن نصر الله، وقد أثارت هذه الاستفزازات جدلًا داخليًا في إيران بين تيار الحرس الثوري الإسلامي المتشدد والتوجه الحكومي الأكثر اعتدالًا. بحسب ما ورد، فقد ألمحت إيران إلى انفتاحها على تعليق تخصيب اليورانيوم مؤقتًا على أمل إعادة فتح قنوات الحوار مع الدول الأوروبية، لكنها أوضحت في الوقت ذاته أن برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض.

من المرجح أن يتراوح الرد الحوثي بين هجمات رمزية محدودة، كضربات صاروخية معزولة على الأراضي الإسرائيلية، وحملات أكثر تنسيقًا تشمل هجمات مستمرة على أهداف إسرائيلية وسفن تجارية في البحر الأحمر، وهي استراتيجية قد تكون الجماعة بدأت في تطبيقها بالفعل، أما العمليات الأوسع نطاقًا، التي تتطلب إطلاق دفعات متزامنة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فستعتمد على الأرجح على أطراف خارجية، لا سيما إيران، وعلى ما إذا كان الحلفاء سيتفقون على الدخول في مواجهة أوسع.

في غضون ذلك، ستواصل إسرائيل عملياتها في اليمن، ويبدو أن هذا التصعيد ليس سوى مقدمة لأحد مسارين استراتيجيين: إما شن حملة عسكرية شاملة ضد الحوثيين في اليمن تستهدف أصولهم السياسية والعسكرية وبنيتهم التحتية وقياداتهم؛ أو شن موجة ثانية من الهجمات ضد إيران.

يأتي هذا التحليل ضمن سلسلة من الإصدارات التي يُنتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تغطي السلسلة موضوعات اقتصادية وسياسية وبيئية، تهدف إلى تغذية النقاش العام وصنع السياسات المتعلقة باليمن بما يعزّز تحقيق سلام مستدام. لا تُعبّر الآراء الواردة في هذه المادة بالضرورة عن مواقف مركز صنعاء أو حكومة هولندا.

مشاركة