إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

نحو مقاربة جديدة لإصلاح الحكومة اليمنية

Read this in English Read this in English

في أبريل 2022، تم استبدال منصب الرئيس هادي (آنذاك) بمجلس قيادة رئاسي كصيغة سياسية وقانونية جديدة للسلطة التنفيذية. رغم أن هذا التحول قُدِّم على أنه استجابة للطلب المحلي المتزايد بالتغيير، إلا أنه كان مدفوعًا في المقام الأول بتأثير خارجي، أبرزه التأثير السعودي. دفعت حاجة المملكة الملحة للخروج من ورطتها العسكرية المكلفة في اليمن إلى بذل جهود للتوصل إلى تسوية تفاوضية مع الحوثيين، تُوِّجت بما عُرف بـ ”خارطة طريق السلام“؛ لكن هذه الخارطة تعثرت لاحقًا في أعقاب التحولات الإقليمية التي تلت أحداث 7 أكتوبر. أبرزت الاضطرابات التي أعقبت ذلك حقيقة جوهرية: أنه على الرغم من ضعف الحكومة اليمنية وتهميشها، فإن إصلاحها ضروري لاحتواء تهديد الحوثيين المتزايد والحفاظ على الأسس القانونية والمؤسسية للدولة؛ إذ أن انهيارها قد يؤدي إلى تفاقم الانقسام الوطني وزعزعة الاستقرار الإقليمي.

تؤكد الاحتجاجات الواسعة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، والمدفوعة بانهيار الخدمات الأساسية وتأخر صرف الرواتب، الخلل الوظيفي الذي تعاني منه الحكومة والحاجة الملحّة للإصلاح. يقدم هذا المقال فحصًا تفصيليًا للخطوات اللازمة لتمهيد الطريق لمعالجة العيوب البنيوية للحكومة اليمنية، والتي تتمحور بشكل عام حول أربع ركائز أساسية: صياغة إطار للتماسك السياسي، الإصلاح المؤسسي، استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي، ووضع استراتيجية دفاع وطني.

فرص مهدرة

منذ إطلاق الحوثيين حملتهم في البحر الأحمر، ظهرت مؤشرات متزايدة على حدوث تحول في التفكير الدولي؛ ففي الأوساط السياسية والدبلوماسية، يسود اعتقاد بأن كبح أنشطة الحوثيين العابرة للحدود قد يتطلب زيادة الضغط بدلًا من تقديم المزيد من الحوافز، وبات من الواضح أن تحقيق سلام دائم في اليمن يستلزم إعادة توازن القوى وتجميد خارطة الطريق التي أعطت الأولوية للمصالح الخارجية على حساب إطار مستدام للسلام.

أتاح توقف الدبلوماسية السعودية-الحوثية للحكومة اليمنية وقتًا ثمينًا ومساحة للمناورة، بعد أن كانت قد تعرضت لضغوط لقبول تسوية غير متوازنة إلى حد كبير؛ لكن القوى السياسية المناهضة للحوثيين بالغت في تقدير الفرصة الاستراتيجية التي أُتيحت لها، وفشلت في بناء مصداقيتها عبر معالجة نقاط ضعفها الداخلية، وبدلًا من تعزيز موقفها، أهدرت هذه القوى معظم العام 2024، في مناشدة المجتمع الدولي لدعمها، على أمل تحقيق حسم عسكري.

في النصف الأول من العام 2025، تحولت طموحات الحكومة إلى ضرب من الخيال، وسط حديث عن انهيار النظام السوري وإمكانية استنساخ ذلك السيناريو في اليمن. جلب وصول الرئيس دونالد ترامب، شعورًا بالتفاؤل، حيث بدأ فترة ولايته الجديدة بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية في يناير، تلاه تكثيف الضربات العسكرية ضد الجماعة في مارس. انشغل القادة السياسيون في الحكومة اليمنية بمناقشة السيناريوهات المحتملة لـ “اليوم التالي” وتحرير صنعاء والحديدة، لكنهم صُدموا عندما أعلن ترامب وقف العمليات في اليمن، مشيرًا إلى توصله لتفاهم خاص مع الحوثيين الذين وصفهم بـ “الشجعان”.

كان ذلك بمثابة جرس إنذار لقيادة الحكومة، التي تخلّت عن أوهام حدوث معجزة عسكرية خارجية، وبدأت تفكر بجدية في كيفية رأب الصدوع الداخلية والظهور كجبهة موحدة ضد الحوثيين. تحولت استراتيجيتهم للتركيز على الأدوات السياسية والاقتصادية المتاحة، مع إبقاء خياراتهم العسكرية مطروحة على الطاولة.

أصداء إصلاحات

منتصف العام 2025، نجح رئيس الوزراء، سالم بن بريك، في ضمان الانعقاد المنتظم لمجلس الوزراء في عدن، كما عزز أعضاء مجلس القيادة الرئاسي وجودهم داخل البلاد وأقروا برنامجًا للإصلاحات الاقتصادية، وفي يوليو، حقق الريال اليمني تعافيًا ملحوظًا، مستعيدًا 50 بالمئة تقريبا من قيمته مقابل الدولار. تحقق ذلك من خلال إنشاء لجنة لتنظيم وتمويل الواردات، إلى جانب نقل المقرات الرئيسية للبنوك التجارية إلى عدن، مما مكّن البنك المركزي من ممارسة السيطرة على النقد الأجنبي وكبح المضاربة. على الصعيد الأمني، نفذت القوات المحلية عمليات مهمة، شملت مصادرة شحنات أسلحة على الساحل الغربي وفي ميناء عدن، كما ألقت قوات الأمن القبض على عدة شخصيات تابعة للحوثيين حاولت الفرار من البلاد عبر مطار عدن ومحافظة المهرة.

رغم ذلك، وبحلول الخريف، ظهرت بعض الانتكاسات، فقد استقال سالم ثابت العولقي، رئيس الهيئة العامة للأراضي وعقارات الدولة، والشخصية البارزة في المجلس الانتقالي الجنوبي، احتجاجًا على عرقلة جهوده لتسجيل ممتلكات الدولة وإقالة مسؤولين متهمين بالفساد. سلطت استقالته الضوء على استمرار إشكالية سياسة المحاصصة وغياب الإرادة السياسية لدعم سياسات الحوكمة ومكافحة الفساد، فقد أدت الخلافات المتصاعدة بين رئيس الوزراء بن بريك ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المعبقي إلى تعميق الشلل المالي للحكومة، مما ساهم في تباطؤ تنفيذ أجندة الإصلاح الاقتصادي، كما أدت سلسلة من القرارات الأحادية التي اتخذها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وعضو مجلس القيادة الرئاسي، عيدروس الزبيدي، إلى معارضة وجدل. قدّم المجلس الانتقالي الجنوبي هذه التحركات على أنها احتجاج على آليات صنع القرار المعيبة داخل مجلس القيادة الرئاسي، ودعوة في الوقت نفسه إلى تحسين الشراكة السياسية. أخيرًا، جاء اغتيال افتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين في تعز، ليؤكد المنحى المدمر المتمثل في لجوء جماعات متنفذة وراسخة إلى أساليب إجرامية لمقاومة إصلاحات الحوكمة.

نحو مقاربة مختلفة

يسود إجماع على أن الحكومة اليمنية تعاني من خلل وظيفي عميق، يتجلى في هشاشتها السياسية، وافتقارها لتوجه استراتيجي واضح، وضعف مؤسساتها، فضلًا عن الانقسام بين مكوناتها المختلفة، والسؤال الملح هو كيفية معالجة هذه الإشكاليات، وقد طُرح حلان محتملان:

الحل الأول -الذي جرى تداوله بهدوء في الأوساط السياسية والدبلوماسية- تمثل في تخفيض عدد أعضاء مجلس القيادة الرئاسي؛ فقد اقترح البعض استبدال أعضائه الثمانية بأربعة فقط، بينما أشار آخرون بالعودة إلى النموذج السابق المتمثل في رئيس ونائبين؛ أما مقترح الحل الثاني، فقد برز خلال اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي بالرياض في 18 سبتمبر، ودعا إلى إحالة جميع القرارات التي اتخذها المجلس منذ العام 2022، إلى اللجنة القانونية، استنادًا إلى مخرجات مشاورات الرياض في 2022؛ لكن مثل هذه التعديلات الهيكلية قد جُرِّبت من قبل، وأثبتت قصورها في تحقيق حتى أهدافها قصيرة المدى.

المطلوب هذه المرة هو مقاربة استباقية وشاملة لمعالجة مواطن الضعف البنيوية في الحكومة، وتعزيز تماسكها الداخلي، ورفع فعاليتها الاستراتيجية لإعادة توازن القوى في اليمن لغير صالح الحوثيين. لن يخلو هذا المسار من التحديات، كما سيستغرق وقتًا، ومع ذلك، يبقى الإصلاح التدريجي والتراكمي هو الخيار الأمثل، وهو حيوي لتأمين المصالح الوطنية والإقليمية والدولية على المديين القصير والطويل. ينبغي أن يرتكز هذا الإصلاح على العمل ضمن أربع ركائز أساسية:

1. إطار للتماسك السياسي

لتحقيق الانسجام والوحدة داخل الحكومة المعترف بها دوليًا، يُقترح وضع إطار شامل للتماسك السياسي يتألف من أربعة مكونات رئيسية:

أولًا، يجب صياغة إعلان مبادئ بهدف خلق رؤية مشتركة بين مختلف مكونات الحكومة المعترف بها دوليًا. من شأن هذه المبادئ التوجيهية أن تُرسي الأساس اللازم لتجديد روح التوافق السياسي، وأن ترسم ملامح التوجه المستقبلي، سواء سار اليمن نحو السلام أم استمر في مواجهة تحديات الحرب؛

ثانيًا، لا بد من وجود إطار تنظيمي للرئاسة يحدد بشكل قانوني القواعد الحاكمة لعملية صنع القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي، وينظم علاقة المجلس بالحكومة وسائر مؤسسات الدولة. في وقت سابق، تسلّم رشاد العليمي مشروع اللائحة الداخلية المنظمة لعمل مجلس القيادة الرئاسي الذي قدمته اللجنة القانونية. يتطلب الأمر الآن إجراءين أساسيين: الأول ضمان أن تحتوي اللائحة نصوصًا تصون استقلالية عمل مجلس الوزراء وتمنع أي تدخل معرقل من قبل مجلس القيادة الرئاسي؛ والثاني إقرار هذه اللائحة رسميًا وبصفة ملزمة من قبل كل من البرلمان وهيئة التشاور والمصالحة، للحيلولة دون تكرار أزمات القرارات الأحادية مستقبلًا؛

ثالثًا، على الحكومة تبني رؤية استراتيجية تعمل كبوصلة موحدة للقيادة الجماعية. هذا يعني مراجعة وتحديث أهداف الحكومة لتواكب الواقع الراهن، مع تحديد واضح لأولويات تخصيص الموارد، ورسم السبل الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف. إن رؤية كهذه كفيلة بتجاوز حالة التيه الاستراتيجي الراهنة، وتوحيد الخطاب السياسي، وإنتاج سياسات عامة تتولى الهيئات التنفيذية تطبيقها. كما أنها ستشجع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي على توزيع المهام والمسؤوليات بدلًا من التنافس على الامتيازات والصلاحيات. كان المجلس قد أحرز تقدمًا العام الماضي حين صاغ “استراتيجية الردع”. يمكن تكليف هيئة التشاور والمصالحة بمهمة تحديث هذه الرؤية ورفعها مجددًا إلى مجلس القيادة الرئاسي لإقرارها، ومن ثم تعميمها على كافة المؤسسات ومكوناتها؛

رابعًا، وانطلاقًا من الأسس السابقة، ينبغي على الحكومة بلورة سياسة تفاوضية موحدة. يشمل ذلك الإعلان الرسمي عن فريق تفاوضي، تحسبًا لأي محادثات تسوية محتملة في المستقبل القريب.

2. الإصلاح المؤسسي

يجب على الحكومة إعادة تركيز جهودها في مجال الإصلاح المؤسسي خلال 2026، مع إعطاء الأولوية لبناء القدرات في المؤسسات الرئيسية التي تُعد محورية في توازن القوى الاستراتيجي. رغم أن الإصلاح ضروري في كافة المجالات، إلا أن تركيز الجهود سيحول دون تشتيت الانتباه والموارد، وتشمل المؤسسات التي ينبغي منحها الأولوية: مكتب رئيس الوزراء، والبنك المركزي، ووزارة الدفاع، وهيئة العمليات المشتركة، والسلطة القضائية والأجهزة الرقابية، بالإضافة إلى جهاز الأمن القومي ووحدة مكافحة الإرهاب.

يتطلب تحسين الحوكمة تعاونًا أفضل، وتُعد عملية التعيينات الرئاسية في المناصب العامة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل مجلس القيادة الرئاسي. لمعالجة هذا الخلاف، يمكن تشكيل لجنة وطنية تضم رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي وأعضاء من هيئة التشاور والمصالحة. تُكلَّف هذه اللجنة بتحديد المناصب الشاغرة أو المحتمل تغييرها في هياكل الدولة، وتصنيفها إلى فئتين: مناصب سياسية قائمة على الشراكة؛ ومناصب فنية قائمة على الخبرة والتخصص. يجب أن تضع اللجنة معايير واضحة للاختيار وآليات للترشيح.

بالتوازي مع ذلك، سيكون تعزيز الحكم المحلي أمرًا حاسمًا، إذ ينبغي منح المحافظات قدرًا أكبر من الاستقلالية المالية والإدارية، بما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا أو يقوّض قدرة الحكومة المركزية على أداء مسؤولياتها، كما سيساعد إطلاق برنامج وطني للرقمنة للحكومة المركزية والسلطات المحلية على حد سواء في تقليص البيروقراطية والحد من الفساد، حيث يمكن أن تكون تجربة الرقمنة الرائدة للسلطة المحلية في عدن نموذجًا يُحتذى به.

لضمان نجاح ما سبق، سيكون تبني برنامج وطني لمكافحة الفساد عاملًا أساسيًا. ينبغي تنفيذ هذه المبادرة في جميع أرجاء البلاد بالتعاون مع المجتمع المدني، والقضاء، والأجهزة الرقابية، والمجتمع الدولي.

3. استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي

يجب على الحكومة تقديم خطة عمل ذات جدول زمني محدد لاستكمال تنفيذ أجندة الإصلاح التي طلبها البنك الدولي وصندوق النقد العربي وحلفاء الحكومة في الرياض وأبو ظبي، ويُعد إقرار الموازنة العامة للدولة أولوية ملحة. في يوليو، أصدر رئيس الوزراء قرارًا بتشكيل اللجنة العليا لموازنة الدولة للعام المالي 2026، وتتمثل المهمة العاجلة الآن في تسريع إنجاز ولايتها.

كذلك، يُعتبر توحيد الإيرادات الحكومية أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ يجب على جميع الهيئات الاقتصادية الحكومية والإدارات المحلية إيداع إيراداتها في حساب الحكومة لدى البنك المركزي. في الوقت نفسه، لا بد من معالجة الاختلالات الهيكلية في المؤسسات الإيرادية السيادية، وفي مقدمتها مصلحتا الجمارك والضرائب. ويتطلب هذا تفعيل الأجهزة الرقابية، وإعادة تنظيم آليات التحصيل، وتوسيع قاعدة الإيرادات المحلية والسيادية على حد سواء.

يشمل أحد الإصلاحات الرئيسية الأخرى تحرير سعر الدولار الجمركي. تُستثنى من ذلك السلع الأساسية كالغذاء والدواء، التي سيستمر دعمها؛ لكن من غير المعقول أن تدعم الدولة فارق سعر الصرف لتجار السيارات أو مستوردي الأثاث الفاخر، بينما تكافح لدفع رواتب موظفيها.

4. استراتيجية دفاع وطني

أخيرًا، لا بد من وجود استراتيجية دفاع متماسكة للحفاظ على سيادة الدولة وردع العدوان. ينبغي أن تضمن هذه الاستراتيجية تحقيق أربعة أهداف: أ) التكامل الاستراتيجي والعملياتي، والتنسيق المؤسسي بين مختلف أفرع القوات المسلحة المنتمية للحكومة؛ ب) تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الحلفاء الدوليين لبناء القدرات المؤسسية والتسليحية في قطاعي الأمن والدفاع؛ ج) ضمان قدرة الحكومة على ردع العدوان الحوثي بقدراتها الذاتية؛ د) تأمين قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية بالشراكة مع التحالف العربي والحلفاء الدوليين.


هذا التحليل جزء من برنامج دعم الحوار السياسي من أجل السلام في اليمن، الذي ينفذه مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بالشراكة مع مؤسسة مارتّي أهتيساري للسلام (CMI)، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

مشاركة